من القول بمذهب المعتزلة في أفعال العباد، وتعارض ما قرره طائفة من شيوخهم في هذه المسألة من الأخذ بمسلك أهل الاعتزال، كما سبق ذكر بعض شواهده من أقوال المفيد، وابن المطهر، والحر العاملي وأضرابهم مما سجلوه في كتب العقيدة التي كتبوها لتعبر عن مذهب الشيعة.
فمن رواياتهم التي وصفنا:
"قال أبو جعفر وأبو عبد الله» : إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرًا فلا يكون، قال: فسئلا عليهما السلام هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قال: نعم أوسع ما بين السماء والأرض" (1) .
يعني أن بين القول بالجبر والقول بنفي القدر منزلة ثالثة وسط.
وجاءت عندهم مجموعة من الروايات تقول بأن مذهبهم في القدر هو أمر بين الأمرين لا جبر ولا تفويض (2) .
ولهذا قال المجلسي: "اعلم أنّ الذي استفاض عن الأئمّة هو نفي الجبر والتّفويض وإثبات مر بين الأمرين" (3) .
ونفي الجبر واضح القصد وهو الخروج عن مذهب الجبرية، ولكن ماذا يريدون بالتفويض؟
يقول المجلسي: "وأما التفويض فهو ما ذهب إليه المعتزلة من أنه تعالى أوجد العباد، وأقدرهم على تلك الأفعال وفوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجادها وفق مشيئتهم وقدرتهم وليس لله في أفعالهم صنع" (4) .--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/159
(2) انظر: أصول الكافي/ باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين: 1/155، وانظر: بحار الأنوار: 5/22، 56، الفصول المهمة: ص72
(3) بحار الأنوار: 5/82
(4) بحار الأنوار: 5/83
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 642)
كذلك عندهم روايات أخرى تنتقد مذهب المعتزلة، وتشنع على القائلين به، فهو رد على الشيعة نفسها في سلوكها مسلك المعتزلة، جاء في تفسير القمي - في التشنيع على القدرية نفاة القدر من المعتزلة ومن نهج سبيلهم - قول إمامهم: "القدرة الذين يقولون لا قدر، ويزعمون أنهم قادرون على الهدى والضلالة، وذلك إليهم إن شاءوا اهتدوا، وإن شاءوا ضلوا، وهم مجوس هذه الأمة، وكذب أعداء الله؛ المشيئة والقدرة لله {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} (1) . من خلقه الله شقيًا يوم خلقه كذلك يعود إليه شقيًا، ومن خلقه سعيدًا يوم خلقه كذلك يعود إليه سعيدًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه" (2) .
وقال أبو عبد الله: "إنك لتسأل عن كلام أهل القدر وما هو من ديني ولا دين آبائي ولا وجدت أحدًا من أهل بيتي يقول به" (3) .
وقال: "ويح هذه القدرية أما يقرأون هذه الآية: {إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} ويحهم من قدّرها إلا الله تبارك وتعالى" (4) . وغيرها كثير (5) .
هذه الروايات تعبر عن مذهب الأئمة في إثبات القدر، وقد تشير إلى ما عليه قدماء الشيعة من الإثبات، وقد أعرض عن هذه الروايات الشيعة المتأخرون بلا دليل سوى تقليد أهل الاعتزال، وأغمضوا النظر عما يعارض ذلك من روايات كثيرة عندهم، بل إن الشيعة جعلوا من أصولهم العدل كالمعتزلة سواءً بسواء. وهذه الكلمة في ظاهرها لفظ جميل، ولكنها تخفي وراءها معنىً خطيرًا، وهو إنكار قدر الله عز وجل.--------------------------------------------
(1) الأعراف، آية: 29، 30
(2) تفسير القمر: 1/226-227، بحار الأنوار: 5/9
(3) بحار الأنوار: 5/56، البرهان: 1/398
(4) بحار الأنوار: 5/56
(5) انظر: بحار الأنوار، 5/116 وما بعدها رقم 49، 50، 51، 52، 53، 54، 57، 58، 59، 60، 61، 69، وغيرها
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 643)
قال أحد شيوخهم: "أمّا الإماميّة فالعدل من أركان الإيمان عندهم بل ومن أصول الإسلام" (1) .
مع أن أقوال الأئمة - كما أثبتته كتبهم المعتمدة عندهم - لا تصرح بنفي القدر في أكثر رواياتهم - كما مضى - بل تهاجم المعتزلة وتنتقد مذهبها في القدر، كما تقرر جملة أن الحق ليس مع المعتزلة القدرية، ولا مع الجبرية بل الحق منزلة أخرى ثالثة، وهذا حق، ولكن تفسير هذه المنزلة، أو الأمر بين الأمرين ما هو؟
لقد أحجمت بعض رواياتهم عن تفيسر هذا واكتفت بإطلاق هذا القول. ولما سئل أبو عبد الله عن معناه لم يجب وقالت رواياتهم في وصف موقفه من هذا السؤال: "فقلب يده مرتين أو ثلاثًا ثم قال: لو أجبتك فيه لكفرت" (2) .
وقد حمل بعض شيوخهم هذا الموقف من "جعفر" على التقية "لأنه - بزعمهم - كان يعلم أنه لا يدركه عقل السائل فيشك فيه أو يجحده فيكفر" (3) .
ولعل هذا التوقف هو ما أشار إليه الأشعري من أنه أحد مذاهب الرافضة الثلاثة. كما أن المذهب الأول قد جاء على لسان شيخهم المفيد في قوله: "إن أفعال العباد غير مخلوقة لله" (4) . وقد لوحظ أن المذهب الثالث وهو الإثبات قد نطقت به طائفة من رواياتهم، فأنت ترى أن المذاهب الثلاثة للرافضة التي أشار إليها الأشعري في مقالاته قد وجدت كلها ضمن مقالات الاثني عشرية ورواياتهم.
وذكر صدوقهم في عقائده رواية تفسر قولهم بالأمر بين الأمرين؛ حيث--------------------------------------------
(1) هاشم معروف/ الشّيعة بين الأشاعرة والمعتزلة: ص240، عبد الأمير قبلان/ عقيدة المؤمن: ص43
(2) ابن بابويه/ التوحيد: ص363، بحار الأنوار: 5/53، وجاءت روايات أخر شبيهة بهذا منها ما يقول بأن ذلك "سر من أسرار الله". (بحار الأنوار: 5/116) أو "أن بينهما ما بين السماء والأرض" (المصدر السابق 5/116) ، وما ماثل ذلك
(3) المجلسي/ بحار الأنوار: 5/53-54
(4) شرح عقائد الصدوق: ص10-12
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 644)
قال: قيل لأبي عبد الله: "ما أمر بين الأمرين؟ فقال: ذلك مثل رجل رأيته على المعصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية فليس حيث لا يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية" (1) .
فهو هنا يفسر القدر بالأمر والنهي فحسب.. وهو لا يكفي في بيان المذهب الحق في القدر.. إذ كان الله سبحانه لا سلطان له على العبد إلا أمره أو نهيه.
ولكن نجد من شيوخهم من فسر ذلك بمقتضى مذهب أهل السنة وقال بما جاء في رواياتهم من الإثبات، وأعرض عما قاله طائفة من شيوخه وجعل ذلك هو معتقد طائفته فقال بعدما ذكر ضلال الجبرية فيما ذهبوا إليه ،ان من قال بقولهم فقد نسب الظلم إليه تعالى عن ذلك، وضلال القدرية فيما أخذوا به من نفي القدر، وأن من قال بذلك فقد أشرك مع الله غيره في الخلق - قال: «واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام من الأمر بين الأمرين والطريق الوسط بين القولين.. فقد قال إمامنا الصادق عليه السلام لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة: "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين".
ما أجمل هذا المغزى، وما أدق معناه وخلاصته: "أن أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهة أخرى هي مقدورة لله تعالى وداخلة في سلطانه لأنه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا على المعاصي، لأن لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والأمر وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد" (2) .
وهذه الكلمات لا تخالف ما قاله أهل السنة في باب أفعال العباد، وهي--------------------------------------------
(1) عقائد الصدوق: ص75
(2) المظفر/ عقائد الإمامية: ص67-68، وقريب من ذلك ما ذكره شيخهم الزنجاني/ في عقائد الشيعة الإمامية الاثني عشرية: 3/175-176
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 645)
تفيد أن من شيوخ الشيعة المتأخرين من يذهب إلى ما ذهب إليه أوائلهم، وما قررته معظم رواياتهم إذا لم يكن قد جعل لكلماته ضربًا من التأويل أو لونًا من الاتقاء فذاك علمه عند الله.
وهذا لا ينفي أن شيوخ المذهب وأساطين الطّائفة قد ذهبوا في الغالب إلى ما ذهب إليه أهل الاعتزال.
ويمكن أن يقال: قد كان في القديم الإثبات هو الأصل والنفي طارئ نتيجة التأثر بالاتجاه الاعتزالي، وعند المتأخرين النفي هو الكثير الغالب، والإثبات موجود عند البعض.
ولا شك بأن من قال بالنفي فقد قال بجزء من الأدلة وعطل الباقي، ومن قال بالجبر فقد عمل بالجزء الآخر وعطل ما سواه، ومن أخذ بالقول الوسط فقد أعمل الأدلة كلها، وآيات القرآن أثبتت للعبد فعلاً وقدرة ومشيئة، ولكنها تابعة لقدرة الله ومشيئته، قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ} (1) .
قال شيخ الإسلام:
"فجمهور أهل السنة من السلف والخلف يقولون: إن العبد له قدرة وإرادة وفعل، والله خالق ذلك كله كما هو خالق كل شيء، كما دل على ذلك الكتاب والسنة" ثم ساق الأدلة في ذلك (2) .
والروايات الكثيرة عند الرافضة - والتي مضى بعضها - هي أكبر شاهد من مذهبهم نفسه على بطلان ما ذهب إليه شيوخهم من الأخذ بمذهب أهل--------------------------------------------
(1) الإنسان، آية: 30، التكوير، آية: 29
(2) انظر: منهاج السنة: 1/20-21
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 646)
الاعتزال (1) .--------------------------------------------
(1) ولتفصيل القول في القدر، ونقض شبهات المعتزلة ومن قلدهم من الرافضة انظر: منهاج السنة النبوية: 1/39-45، 285، 356 وما بعدها. وج/2 وما بعدها، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج، وفي مواضع متفرقة أخرى راجع المجلد 36 ص143-153، وانظر شرح الطحاوية ص217 وما بعدها، 347-352، وراجع رسالة الشيخ عبد الرحمن المحمود/ القضاء والقدر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 647)
الباب الثالث: أصولهم ومعتقداتهم (الأخرى) التي تفردوا بها
وفيه ثمانية فصول:
الفصل الأول: الإمامة.
الفصل الثاني: عصمة الإمام.
الفصل الثالث: التقية.
الفصل الرابع: المهدية والغيبة.
الفصل الخامس: الرجعة.
الفصل السادس: الظهور.
الفصل السابع: البداء.
الفصل الثامن: الطينة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 649)
الفصل الأول: الإمامة
الإمامة عند الشيعة هي الأصل الذي تدور عليه أحاديثهم وترجع إليه عقائدهم، وتلمس أثره في فقههم وأصولهم، وتفاسيرهم وسائر علومهم.
ولقد اهتم الشيعة بأمرها في القديم والحديث.
وفيما يلي عرض لأهم جوانبها: مفهومها، ومنشئها، ومنزلتها في مذهبهم، وكتمانهم لها في بادئ الأمر، ثم بدء شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها، وعرض لما يعدونه أقوى أدلتهم فيها ومناقشته، ثم حديث عن تكفيرهم لمنكرها، حتى كفروا الصحابة، وأهل البيت، وحكام المسلمين، وقضاتهم، والأمصار الإسلامية وشعوبها، والفرق الإسلامية بكل اتجاهاتها، والأمة جميعًا، كل ذلك على سبيل التعيين والتخصيص.
وسيتبين هذا في الصفحات التالية، ومن خلال ما قالته كتبهم المعتمدة عندهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 653)
مفهوم الإمامة (1) عند الشيعة ومنشؤها:
لعل أول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة هو ابن سبأ، الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي، ومحصورة بالوصي، وإذا تولاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره، فقد اعترف كتب الشّيعة بأنّ ابن سبأ "كان أوّل من أشهر القول بفرض إمامة عليّ، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفّرهم" (2) . لأنه كان يهودي الأصل، يرى أن يوشع بن نون هو وصي موسى، فلما أسلم أظهر هذه المقالة في علي بن أبي طالب (3) .
وهذا ما تواضع عليه شيوخ الشيعة، فابن بابويه القمي يسجّل عقائد الشّيعة في القرن الرّابع ويقول بأنّهم: "يعتقدون بأنّ لكلّ نبي وصيًّا أوصى إليه بأمر الله تعالى" (4) . ويذكر أن عدد الأوصياء "مائة ألف وصي، وأربعة وعشرون ألف وصي" (5) ، كما يذكر المجلسي في أخباره "أن عليًا هو آخر الأوصياء" (6) ، وجاء--------------------------------------------
(1) الإمامة، في اللغة: التقدم، تقول: أمّ القوم، وأمّ بهم تقدمهم وهي الإمامة، والإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ضالين، ويطلق الإمام على الخليفة، وعلى العالم المقتدى به، وعلى من يؤتم به في الصلاة (انظر: اللسان، والقاموس، والمصباح، مادة: أمّ، وراجع في تعريف الإمامة عند أهل السنة: الأحكام السلطانية للماوردي: ص5، مقدمة ابن خلدون: 2/516-518)
(2) رجال الكشّي: ص 108-109، القمّي/ المقالات والفِرَق: ص20، النّوبختي/ فِرَق الشّيعة ص22، الرّازي/ الزّينة: ص305، وانظر: المِلَل والنِّحَل: 1/174، حيث قال الشّهرستاني عن ابن سبأ: "وهو أوّل من أظهر القول بالنّصّ على إمامة عليّ رضي الله عنه"
(3) رجال الكشّي: ص 108-109، القمّي/ المقالات والفِرَق: ص20، النّوبختي/ فِرَق الشّيعة ص22، الرّازي/ الزّينة: ص305، وانظر: المِلَل والنِّحَل: 1/174
(4) عقائد الصّدوق: ص106
(5) عقائد الصدوق: ص106
(6) بحار الأنوار: 39/ 342، ومعنى هذا أنّه لا وصيّ بعد عليّ، وأنّ إمامة من بعده باطلة، لأنّهم ليسوا بأوصياء، وهذا ينقض مذهب الاثني عشريّة من أصله
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 654)
في بعض عناوين الأبواب في الكافي "باب أن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود من واحد إلى واحد" (1) . و"باب ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة واحدًا فواحدًا" (2) . وقد ضمنها مجموعة من أخبارهم التي يعدونها من الأدلة التي لا يرقى إليها الشك. ولهذا قال شيخهم مقدار الحلي (ت821) بأن مستحق الإمامة عندهم لابد أن "يكون شخصًا معهودًا من الله تعالى ورسوله لا أي شخص اتفق" (3) .
ويقرّر محمد حسين آل كاشف الغطا أحد مراجع الشيعة في هذا العصر: "أنّ الإمامة منصب إلهي كالنّبوّة، فكما أنّ الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنّبوّة والرّسالة ويؤيّد بالمعجزة التي هي كنصّ من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيّه بالنّصّ عليه وأن ينصبه إمامًا للنّاس من بعده" (4) .
فأنت ترى أن مفهوم الإمامة عندهم كمفهوم النّبوّة، فكما يصطفي الله سبحانه من خلقه أنبياء، يختار سبحانه أئمّة، وينصّ عليهم، ويعلم الخلق بهم، ويقيم بهم الحجّة، ويؤيّدهم بالمعجزات، وينزّل عليهم الكتاب، ويُوحي إليهم، ولا يقولون أو يفعلون إلا بأمر الله ووحيه.. أي إنّ الإمامة هي النّبوّة، والإمام هو النّبيّ، والتّغيير في الاسم فقط. ولذلك قال المجلسي: "إنّ استنباط الفرق بين النّبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال" (5) ، ثم قال: "ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنّبوّة إلا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النّبوّة والإمامة" (6) .
هذا قولهم في مفهوم الإمامة، ويكفي في نقده أنه لا سند لهم فيه إلا ابن سبأ واليهودية.--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/227
(2) أصول الكافي: 1/286
(3) النافع يوم الحشر: ص47
(4) أصل الشّيعة وأصولها: ص58
(5) بحار الأنوار: 26/82
(6) بحار الأنوار: 26/82
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 655)
منزلة الإمامة عندهم:
مسألة الإمامة عند أهل السنة ليست من أصول الدين التي لا يسع المكلف الجهل بها، كما قرره جمع من أهل العلم (1) . ولكنها عند الشيعة (بمفهومها السبئي) لها شأن آخر، فالنوبختي يذكر بأن من فرق الشيعة من يذهب إلى أن الإمامة من أجل الأمور بعد النبوة (2) ، ولكنها عند آل كاشف الغطاء: "منصب إلهي كالنبوة" (3) . وفي أحاديث الكليني في الكافي تعلو على مرتبة النبوة (4) ، وهذا ما يجاهر به جملة من شيوخهم. قال شيخهم نعمة الله الجزائري: "الإمامة العامّة التي هي فوق درجة النّبوّة والرّسالة.." (5) .
وقال هادي الطّهراني - أحد مراجعهم وآياتهم في هذا العصر -: "الإمام أجلّ من النّبوّة، فإنّها مرتبة ثالثة شرّف الله تعالى بها إبراهيم بعد النّبوّة والخلة.." (6) .
وفي الكافي روايات تجعل الإمامة أعظم أركان الإسلام.
روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: "بني الإسلام على خمس: على الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ النّاس بأربع وتركوا هذه - يعني الولاية -" (7) .--------------------------------------------
(1) انظر: الآمدي/ غاية المرام: ص363، الغزالي/ الاقتصاد: ص134، مقدمة ابن خلدون: 3/1080
(2) فرق الشيعة: ص19
(3) أصل الشيعة: ص58
(4) انظر: أصول الكافي: 1/175
(5) زهر الرّبيع: ص12
(6) ودايع النّبوّة: ص114
(7) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: 2/18، رقم 3، قال في شرح الكافي في بيان درجة هذا الحديث عندهم: "موثق كالصّحيح" فهو معتبر عندهم. (الشّافي شرح الكافي: 5/28 رقم1487)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 656)
فأنت ترى أنهم أسقطوا الشّهادتين من أركان الإسلام، ووضعوا مكانهما الولاية، وعدوها من أعظم الأركان، كما يدل عليه قولهم: "ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية" وكما يدل عليه حديثهم الآخر.
وقد ذكر فيه نص الرواية السابقة وزاد: "قلت (الراوي) : وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل" (1) . ورواية ثالثة بنحو الرواية الأولى، مع زيادة تقول: "فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربع (2) .
حتى قالوا في أخبارهم أيضًا بأنه: "عرج بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم السّماء مائة وعشرين مرّة، ما من مرّة إلا وقد أوصى الله عز وجل فيها إلى النّبيّ بالولاية لعليّ والأئمّة من بعده أكثر ممّا أوصاه بالفرائض" (3) . "وما وكّد على العباد في شيء ما وكد عليهم بالإقرار بالإمامة، وما جحد العباد شيئًا ما جحدوها" (4) .
وبهذا الضلال يهذي شيوخهم، قال أحد مراجعهم في هذا العصر: "إن أعظم ما بعث الله تعالى نبيه من الدين إنما هو أمر الإمامة" (5) .
هذه منزلة إمامة الاثني عشر عندهم، وما أدري أين سند هذه المنزلة المزعومة، وكتاب الإسلام العظيم - كتاب الله - تذكر فيه مرات، وتؤكد كرات أركان الإسلام: الشهادتان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج ولا ذكر فيه لشأن ولاية أئمتهم؟!--------------------------------------------
(1) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: 2/18، وهو حديث صحيح السند حسب ما صرح به شيوخهم (انظر: الشافي: 5/59) وقد ورد حديثهم هذا في: تفسير العياشي: 1/191، البرهان: 1/303، بحار الأنوار: 1/394
(2) قال المجلسي: قوله: فرخص لهم في أشياء؛ كقصر الصلاة في السفر، وترك الصيام في السفر والمرض، والحج والزكاة مع عدم الاستطاعة" (مرآة العقول: 4/369)
(3) ابن بابويه/ الخصال: ص600-601، بحار الأنوار: 23/69
(4) الحميري/ قرب الإسناد: ص123، بحار الأنوار: 23/69
(5) هادي الطهراني/ ودايع النبوة: ص115، وانظر في هذا المعنى: محمد حسين آل كاشف الغطا/ راسالة عين الميزان: ص4
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 657)
سرية هذا المبدأ:
وكانت مسألة الإمامة بمفهوم الشيعة تعني أن هناك خلية سرية وضعت لأتباعها هذا المبدأ لتعمل على تقويض أركان الخلافة الإسلامية.. ولذلك فإنها ما إن كشفت هذا الوجه في عهد الخلافة الراشدة.. حتى وقف منها أمير المؤمنين عليّ موقفًا حازمًا وصارمًا.. فتعقب ابن سبأ ونفاه إلى المدائن، ونفى ما حاول إشاعته من أفكار في المجتمع الإسلامي.. كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها (1) .
فعادت هذه الخلية تدعو لهذا المبدأ في سرية تامة، وكانت تقول في عصر علي الرضا كما يظهر من إسناد النص إليه، تقول: "ولاية الله أسرها إلى جبرائيل، وأسرها جبرائيل إلى محمد، وأسرها محمد إلى عليّ، وأسرها علي إلى من شاء الله، ثم أنتم تذيعون ذلك، من الذي أمسك حرفًا سمعه؟ " (2) .
قال أبو جعفر رضي الله عنه: "في حكمة آل داود ينبغي للمسلم أن يكون مالكًا لنفسه مقبلاً على شأنه عارفًا بأهل زمانه، فاتقوا الله، ولا تذيعوا حديثنا" (3) .
فهذا النص يشير إلى أن الولاية من الأسرار في أصل التنزيل الإلهي ويحذر من إظهار الحديث عنها.. أي إنه في العهد الإسلامي الزاهر المتقدم لا صوت مسموعًا للولاية وشأنها.. ويعلل شارح الكافي ذلك بقوله: "لما كانت التقية شديدة في عصرهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بكتمان أسرارهم وإمامتهم وأحاديثهم وأحكامهم المختصة بمذهبهم..". (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: القمي/ المقالات والفرق: ص20، النوبختي/ فرق الشيعة: ص22-23، وفي رجال الكشي: ص107: أن عليًا قتله
(2) أي لم يوجد أحد أمسك كلامًا سمعه (المازندراني/ شرح جامع: 9/123)
(3) أصول الكافي: 2/224
(4) المازندراني/ شرح جامع: 9/118
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 658)
وعند حديث الكليني الذي يقول: ".. ولا تبثّوا سرّنا، ولا تذيعوا أمرنا" (1) . قال شارح الكافي: "وهو أمر الإمامة والخلافة.." (2) . وقال عند حديث آخر يسندونه لجعفر ويقول: "المذيع حديثنا كالجاحد له" (3) . قال: "واعلم أنّه عليه السلام كان خائفًا من أعداء الدّين على نفسه المقدّسة وعلى شيعته، وكان في تقية شديدة منهم فلذلك نهى عن إذاعة خبر دالّ على إمامته أو إمامة آبائه" (4) .
وكان هناك ميثاق دائم بينهم على الكتمان، قالوا: "إنّ أمرنا مستور مقنّع بالميثاق (5) . فمن هتك علينا أذلّه الله" (6) .
وتحدد بعض نصوصهم بدء إذاعة أمر الولاية بأنه كان على يد طائفة الكيسانية فتقول: "ما زال سرنا مكتومًا حتى صار في يد ولد كيسان (7) . فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد" (8) .
وهذه الخلية التي وضعت الخطوط الأساسية لأمر الولاية على وفق المنهج السبئي لا تنسى أن توصي أتباعها بأن يتستروا بالاتجاه الشيعي المعتدل لنشر فكرتهم بين الناس، فقد جاء في أصول الكافي: "كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدًا، ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدًا" (9) .--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 2/222
(2) المازندراني/ شرح جامع: 9/119
(3) أصول الكافي: 2/224
(4) شرح جامع: 10/26
(5) علّق مُصحّح الكافي عند هذا فقال: "أي بالعهد الذي أخذه الله ورسوله على الأئمّة عليهم السلام أن يكتموه من غير أهله" (أصول الكافي: 2/227، هامش رقم (1)
(6) أصول الكافي: 2/227
(7) كيسان: لقب المختار بن أبي عبيد المنسوب إليه الكيسانية. (شرح جامع: 9/121-122)
(8) أصول الكافي: 2/223
(9) أصول الكافي: 2/225
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 659)
ويحتمل أن المراد أن الزيدية لإظهارها طلب الولاية هي التي يوقع بها وتسلمون أنتم لالتزامكم بالتقية كما أشار إليه شارح الكافي (1) .
وإذا كانت الولاية صنو النّبوّة أو أعظم فلماذا تكون سرّيّة مُحاطة بالكتمان، حتى إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي أمره الله أن يبلّغ ما أنزل الله - يخفي أمرها ويسرّها إلى عليّ، ثم يسرّها عليّ إلى من شاء؟!
ولا تحدد هذه الرواية الأشخاص الذين أسرها عليّ إليهم.. وتترك الأمر لمشيئته يختار ما يريد، أما غير علي فلا خيرة له في الاختيار! فكيف تكون الولاية التي هي أصل النجاة عندهم، وأساس قبول الأعمال، والفيصل بين الإيمان والكفر كيف تظل سرية حتى يتولى نشرها ولد كيسان؟! ويعدون ذلك خروجًا عن الأصل المأمور به.
إن هذه النصوص تدل على أن واضعي هذه الفكرة هم من أعداء الأمة، واستغلوا هذه المسألة لتنفيذ أغراضهم، ولذلك أحاطوها بجو من السرية والكتمان، ونسبوها لآل البيت، لتجد طريقها إلى قلوب الناس الذين آلمهم ما جرى من أحداث على بعض علماء أهل البيت، والتي كانت هذه الزمر الحاقدة المدعية للتشيع أحد أسبابها الرئيسة.
حصر الأئمة بعدد معين:
كان ابن سبأ ينتهي بأمر الوصية عند عليّ، ولكن جاء فيما بعد من عممها في مجموعة من أولاده.. وكانت "الخلايا" الشيعية تعمل بصمت وسرية.. ومع ذلك فقد كانت تصل بعض هذه الدعاوى إلى بعض أهل البيت، فينفون ذلك نفيًا قاطعًا، كما فعل جدهم أمير المؤمنين عليّ، ولذلك اخترع أولئك الكذابون على أهل البيت "عقيدة التقية" حتى يسهل نشر أفكارهم وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة والمعلنة للناس.--------------------------------------------
(1) شرح جامع: 9/126
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 660)
ترد رواية في "رجال الكشي" - أهم كتاب عندهم -: "في الرجال" تكشف بأن شيطان الطاق (1) . هو الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة محصورة بأناس مخصوصين من آل البيت، وأنه حينما علم بذلك زيد بن عليّ بعث إليه ليقف على حقيقة الإشاعة، فقال له زيد: "بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة؟ قال شيطان الطاق: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليّ من حر اللقمة، ولا يشفق علي من حر النار؟ قال (شيطان الطاق) : قلت له: كره أن يخبرك فتكفر فلا يكون له فيك الشفاعة، لا والله فيك المشيّة - كذا -" (2) .
وفي رواية الكليني في الكافي: قال زيد بن علي لأبي جعفر: "يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد، شفقة عليّ، ولم يشفق عليّ من حر النار، إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ فأجابه شيطان الطاق: جعلت فداك، من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار.." (3) .
وينقل الأستاذ محب الدين الخطيب هذا النص من تنقيح المقال للمقاني (4) ، ويأخذ منه أن شيطان الطاق هو أول من اخترع هذه العقيدة الضالة وحصر الإمامة والتشريع وادعى العصمة لأناس مخصوصين من آل البيت (5) .--------------------------------------------
(1) وتلقبه الشيعة مؤمن الطاق (انظر: رجال الكشي: ص185) وانظر ترجمته ص (207) من هذه الرسالة
(2) رجال الكشي: ص186
(3) أصول الكافي: 1/174
(4) انظر: تنقيح المقال: 1/470
(5) مجلة الفتح ص5، العدد (862) ، خاتمة العام الثامن عشر، ذو الحجة 1367هـ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 661)
كما نقل الأستاذ محب هذا النص أيضًا من تنقيح المقال في تعليقه على مختصر التحفة وعقب على ذلك بقوله: "وهكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة، التي صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليًا زين العابدين بن الحسين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه الذي هو من صفوة آل محمد، كما اتهم الإمام زيدًا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه.. والشيعة هم الذين يروون هذا الخبر في أوثق المصادر عندهم ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحته أنه يعرف عن والد الإمام زيد ما لا يعرفه الإمام زيد من والده مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم.
وليس هذا بكثير على شيطان الطاق الذي روى عنه الجاحظ في كتابه عن الإمامة: أن الله لم يقل: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} (1) .
وتذكر كتب الشيعة أنه بلغ جعفرًا ما يقوله شيطان الطاق، وما يجادل به في أمر الإمامة فقال: "لو شاء ظريف من مخاصميه أن يخصمه فعل؟ قلت (القائل هو الراوي) : كيف ذاك؟ فقال: يقول: أخبرني عن كلامك هذا من كلام إمامك؟ فإن قال: نعم، كذب علينا، وإن قال: لا، قال له: كيف تتكلم بكلام لم يتكلم به إمامك، ثم قال (أي جعفر الصادق) : إنهم يتكلمون بكلام إن أنا أقررت به ورضيت به أقمت على الضلالة، وإن برئت منه شق علي، نحن قليل وعدونا كثير، قلت (أي الراوي) : جعلت فداك فأبلغه عنك ذلك؟ قال: أما إنهم قد دخلوا في أمر ما يمنعهم عن الرجوع عنه إلا الحميّة، قال: فأبلغت أبا جعفر الأحول ذاك فقال: صدق بأبي وأمي ما يمنعني من الرجوع عنه إلا الحمية" (2) .
ولقد شارك شيطان الطاق رجل آخر هو هشام بن الحكم (3) . (المتوفى سنة--------------------------------------------
(1) انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية ص195-196 (الهامش) ، وقد مرّ نقل ما رواه الجاحظ عن شيطان الطاق بتمامه في هذا الكتاب: ص (206)
(2) رجال الكشي: ص190-191
(3) مضى التعريف به
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 662)
179) بل يرى القاضي عبد الجبار الهمداني أن الذي ادعى النص، وجرأ الناس على شتم أبي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار هشام بن الحكم وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص أحد قبله (1) .
وفي رجال الكشي ما يفيد أن مؤامرة هشام بن الحكم في مسألة الإمامة وصل خبرها إلى هارون الرشيد، حيث قال له يحيى بن خالد البرمكي: "يا أمير المؤمنين، إني قد استنبطت أمر هشام فإذا هو يزعم أن لله في أرضه إمامًا غيرك مفروض الطاعة، قال: سبحانه الله! قال: نعم، ويزعم أن لو أمره بالخروج لخرج" (2) . فيظهر أن هارون - كما يدل عليه هذا النص - فوجئ بهذه المقالة مما يدل على جدتها.
وقد أشاع هشام بن الحكم أن ما يقول به في الإمامة إنما هو عن أمر موسى الكاظم، فأساء إليه أبلغ الإساءة حتى سجنه المهدي العباسي ثم أخرجه "وأخذ عليه العهد أن لا يخرج عليه ولا على أحد من أولاده، فقال: والله ما هذا من شأني ولا حدثت فيه نفسي" (3) .
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن موسى الكاظم رحمه الله متهم بالتطلع للملك، ولذلك سجنه المهدي ثم الرشيد (4) .
ويبدو أن الذي يعمل على ترويج هذه الإشاعة في الخفاء ضده هو هشام بن الحكم ومن لف لفه.. ولذلك أقرت روايات الشيعة بأن سبب سجن موسى هو هشام بسبب ما ينسبه له من أقوال، وما يشيعه عنه من افتراءات تدور حول الإمامة وأحقيته بها.. ولذلك لما بلغ هارون شيء من ذلك عن هشام قال لعامله: "شد يدك بهذا وأصحابه، وبعث--------------------------------------------
(1) تثبيت دلائل النبوة: 1/225، ولعل القاضي يريد النص على أناس بأعيانهم من أهل البيت، إذ إن النص على علي وحده، قد سبقه إليه "ابن سبأ"
(2) رجال الكشي: ص258
(3) ابن كثير/ البداية والنهاية: 10/183
(4) منهاج السنة: 2/155
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 663)
إلى أبي الحسن موسى عليه السلام فحبسه، فكان هذا سبب حبسه مع غيره من الأسباب" (1) .
واتهمت نصوص الشيعة هشامًا بأنه هو الذي شارك في قتل موسى الكاظم (2) . فقالت: "هشام بن الحكم.. ضال مضل شرك في دم أبي الحسن" (3) .
وقد طلب منه أبو الحسن - كما تقول روايتهم - أن يكف عن الكلام، ولكنه أمسك عن الكلام شهرًا ثم عاد، فقال له أبو الحسن: "أيسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ قال: لا، قال: وكيف تشرك في دمي، فإن سكت وإلا فهو الذبح؟ فما سكت حتى كان من أمره ما كان (صلى الله عليه) " (4) .
ولذلك قال أبو الحسن الرضا - كما تروي كتب الشيعة -: " … هشام بن الحكم فهو الذي صنع بأبي الحسن ما صنع وقال لهم وأخبرهم، أترى الله يغفر له ما ركب منا" (5) .
وكشفت كتب الشيعة بأن هشامًا قد تربى في أحضان بعض الزنادقة، ففي رجال الكشي ".. وهشام من غلمان أبي شاكر، وأبو شاكر زنديق" (6) ، ومع ذلك فإن أحد آيات الشيعة في هذا العصر يقول عن هشام صاحب كل هذه البلايا التي تنقلها أوثق كتب الشيعة في الرجال يقول عنه: "لم يعثر أحد من سلفنا على شيء مما نسبه الخصم إليه.." (7) . وما أدري هل يخفى عليه الأمر؟ أو ينكر--------------------------------------------
(1) رجال الكشي: ص262
(2) لأن الشيعة تزعم أنه قتل مسمومًا في سجن الرشيد
(3) رجال الكشي: ص268
(4) رجال الكشي: ص270-271، 279
(5) رجال الكشي: ص278
(6) رجال الكشي: ص278. وهو: أبو شاكر الديصاني صاحب الديصانية، مر التعريف بها ص:205، وهو الذي ساهم في إضلال هشام بن الحكم (انظر: الرافعي/ تحت راية القرآن: ص176)
(7) عبد الحسين الموسوي/ المراجعات: ص313
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 664)
تقية؛ لأنه يظن أن الناس لا علم لهم بما فيه كتبهم.
فإذًا هشام بن الحكم، وشيطان الطاق وأتباعهما هم الذين أحيوا نظرية ابن سبأ في أمير المؤمنين عليّ ثم عمومها على آخرين من سلالة أهل البيت، واستغلوا بعض ما جرى على أهل البيت، كمقتل علي والحسين، في إثارة مشاعر الناس وعواطفهم، والدخول إلى قلوبهم لتحقيق أغراضهم ضد الدولة الإسلامية في ظل هذا الستار.
ويبدو أن عقيدة حصر الإمامة بأناس معينين سرت في الكوفة (1) . بسعي مجموعة من أتباع هشام والشيطان، وكان بعض من تعرض عليه هذه الدعوة في المجتمع الإسلامي، يذهب إلى جعفر يسأله عن حقيقة الأمر، فيروي الكشي بسنده عن سعيد الأعرج. قال: كنا عند أبي عبد الله رضي الله عنه فاستأذن له رجلان، فأذن لهما، فقال أحدهما: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: ما أعرف ذلك فينا، قال: بالكوفة قوم يزعمون أن فيكم إمامًا مفترض الطاعة، وهم لا يكذبون أصحاب ورع واجتهاد.. منهم عبد الله بن يعفور وفلان وفلان، فقال أبو عبد الله رضي الله عنه: ما أمرتهم بذلك، ولا قلت لهم أن يقولوه (2) ، قال: فما ذنبي! واحمر وجهه وغضب غضبًا شديدًا، قال: فلما رأيا الغضب في وجهه قاما فخرجا، قال: أتعرفون الرجلين؟ قلنا: نعم هما رجلان من الزيدية (3) .
إذن فكرة حصر الأئمة بعدد معي قد وضع جذورها في القرن الثاني زمرة ممن يدعي الصلة بأهل البيت أمثال شيطان الطاق وهشام بن الحكم.
ولقد اختلفت اتجاهات الشيعة وتباينت مذاهبهم في عدد الأئمة، قال في مختصر التحفة: "اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة، ولكنهم مختلفون في--------------------------------------------
(1) انظر: بحار الأنوار: 100/259
(2) لا يخفى ما في هذه الكلمة من تلميح إلى أن إنكار جعفر كان على سبيل التقية
(3) رجال الكشي: ص427
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 665)