والذي لم يصل من الكتاب أكثر مما وصل (1) .
وهكذا تأتي هذه الكتب الثلاثة على الترتيب، الحموية، فالجواب عن الاعتراضات عليها، فنقض أساس التقديس.
4- درء تعارض العقل والنقل:
وهذا الكتاب من أعظم كتب ابن تيمية، وقد ألفه في الرد على الأشاعرة الذين يقولون بوجوب تقديم العقل على النقل إذا تعارضا، وجعلوا ذلك قانونا كليا لهم، ومن الذين قالوا بهذا القانون الرازي (2) وأتباعه، والغزالي (3) ، والجويني (4) ، والقاضي أبو بكر بن العربى (5) ، وغيرهم.
وقد ألف ابن تيمية هذا الكتاب بعد تأليفه لنقض أساس التقديس، وقد رجح المحقق-رحمه الله أنه ألفه بعد وصوله إلى الشام من مصر أي بين عامي 712- 718 هـ (6) ، ويقول ابن تيمية مشيرا إلى ذلك " وهذه الطريقة هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية، فإنا قد بينا في الرد على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره " (7) ، فهذا النص أخر تأليف هذا الكتاب عن كتابه الآخر الذي ألفه في مصر نقض أساس التقديس، ونلمح هنا التدرج التأليفي في نقض أصول الأشاعرة، فهو في البداية رد على أدلتهم مباشرة وأجاب عن الاعتراضات الواردة عليها، ثم رأى أن هؤلاء إنما يعتمدون في شبههم واعتراضاتهم على ما كتبه شيخهم ومقدمهم الرازي فرأى أن من تمام الكلام في نقض كلامهم نقض كلام شيوخهم- كالرازي- فألف نقض أساس التقديس،--------------------------------------------
(1) كتاب الرازي يقع في 196 وعدد الصفحات التي شملها الرد- المخطوط والمطبوع- ما يقارب 60 صفحة فقط.
(2) في كتبه ومنها: أساس التقديس (ص: 172) .
(3) في كتابه قانون التأويل. طبع مع معارج القدس للغزالمط. مكتبة الجندى.
(4) انظر مثلا: الإرشاد (ص: 358) .
(5) انظر: قانون التأويل له (ص: 646-647) .
(6) انظر: درء تعارض العقل والنقل (ج-1 االمقدمة ص: 7-. 1) .
(7) درء تعارض العقل والنقل (14/218) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
ثم بعد ذلك رأى أن الرازى وأمثاله ليسوا مستقلين بذلك استقلالا كاملا وإنما مادة كلامهم من كلام الفلاسفة فأراد أن يكمل الرد بنقض أصولهم الفلسفية فجاء هذا الكتاب! درء تعارض العقل والنقل " الذي لم يكن مقتصرا على جواب هذه المسألة فقط: تقديم العقل على النقل، وإنما حوى مباحث طويلة مع الفلاسفة - شيوخ الرازي- وغيرهم، ونقل أقوالهم وبين من وجوه عديدة أنواعا من تناقضاتهم ورد بعضهم على بعض.
والكتاب- والحمد للهـ وصل إلينا كاملا ونشر نشرا علميا ممتازا، فجزى الله محققه خيرا وغفر له ورحمه.
5- القاعدة المراكشية:
وهي أيضا في الرد على الأشاعرة في مسألة " العلو " والاستواء على العرش، وقد ألفها في السنة الأخيرة من سنوات مقامه في مصر 712 هـ، وسبب تأليفها حدوث نزاع بين بعض المغاربة المالكيين حول مسألة العلو، واختلافهم حول معنى ما جرى للإمام مالك مع السائل له عن الاستواء حين قال له " وما أراك إلا رجل سوء "، وهل معنى ذلك أنه لا يجب معرفة هذا الأمر بل من تكلم فيه فهو مبتدع مجسم؟، وقد ورد سؤال في ذلك وجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فأجاب بهذه القاعدة العظيمة التي سيبت ب " القاعدة المراكشية " (1) ، وقد ذكر فيها أصولا مهمة تتعلق بإكمال الدين، وفهم النصوص، ثم تكلم عن العلو وثبوته والرد على شبه الخالفين، ثم رد على " الواقفة " (2) - الذين أوحى بهم ظاهر السؤال واحتجوا بقول الإمام مالك- وبين خطأهم من وجوه، وبين أن قول الإمام مالك صريح في الإثبات وأنه لم يكن من الواقفة بحال، ثم نقل أقوال العلماء في ذلك من المغاربة وغيرهم.--------------------------------------------
(1) طبعت مع مجموع الفتاوى (5/153-193) ، ومجموعة الرسائل والمسائل (ج-1ص: 85 ا-216) ،؟ طبعت مستقلة ومحققة، ط دار طيبة.
(2) انظر: المراكشة (ص: 54) ، وما بعدها، المحققة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
وهذه الرسالة تجيب على التساؤل الذي يرد دائما بالنسبة للمغاربة وهو: كيف يتبنى المغاربة المذهب الأشعري، وفيه نفي العلو وتأويل الاستواء، مع أن الامام مالكا إمامهم، وهم لا يخرجون عن أقواله بل ويتعصبون له، وهذا الإمام يثبت الاستواء- كما في الرواية المشهورة عنهـ؟.
6- الرسالة التدمرية:
وهي من الرسائل- ذات القواعد العظيمة- في إثبات الصفات والشرع والقدر، والرد على الخالفين من الأشاعرة وغيرهم، وهي رسالة مشهورة لكن لم يتبين تاريخ كتابة هذه الرسالة، وإن كان فيها ما يدل على أن السائلين كانوا من تدمر وقد وصفهم ابن تيمية بقوله: " أما بعد فقد سألني من تعينت إجابتهم أن اكتب لهم مضمون ماسمعوه مني في بعض المجالس " (1) فالظاهر من حالهم أنهم من تلاميذه، أو ممن قدموا إليه وتتلمذوا عليه زمنا وحضروا مجالسه، ويرد ذكر مجموعة من المشايخ التدامرة- في مصر- ولهم محاولات للوساطة بين شيخ الإسلام ومناوئيه (2)
7- شرح الأصفهانية:
والأصفهانية متن في العقيدة مختصر لشمس الدين الأصبهاني، محمد ابن محمود بن عباد (3) ، قدم القاهرة وتولى القضاء ثم استقر بها، وقد ورد في مقدمة شرح ابن تيمية تاريخ ومكان كتابتها، ففيها: " سئل شيخ الاسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه.... وهو مقيم بالديار المصرية في شهور سنة اثنتي عشرة وسبعمائة أن يشرح العقيدة، التي ألفها الشيخ ثهس الدين محمد بن الأصفهاني، الإمام المتكلم المشهور الذمم! قيل: إنه لم يدخل--------------------------------------------
(1) التد مر ية (ص: 3) المحققة.
(2) انظر: ناحية من حياة ضيخ الاسلام بقلم خادمه (ص:5 2-.3) .
(3) ولد سنة 6 1 6 هـ، وتوفي سنة 688 هـ، وفي بغية الوعاة أنه توفي سنة 678 هـ. ولعله وهم: انظر: طبقات السبكى (8/ 100) ، وبغية الوعاة (1/ 240) ، والوا في (5/ 12) ، وفوات الوفيات (5/38) والعبر (3/367) وشذرات الذهب (5/ 6 0 4) ، والنجرم الزاهرة (7/ 382) ، وحسن المحاضرة (1/542) ، ومتن العقيدة ذكره السبكي (8/102-103) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
إلى الديار المصرية أحد من رؤوس علماء الكلام مثله، وأن يبين ما فيها " (1) . فأجاب إلى ذلك واعتذر بأنه لابد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام فإن الحق أحق أن يتبع والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين " (2) .
وتد شرح ابن تيمية هذه العقيدة، ورد الأصول الكلامية فيها، وبين
ما فيها من انحراف عن منهج أهل الحق، وقد ذكر شيخ الإسلام أن المصنف سلك في الصفات مسلك الرازي (3) .
وقد اشتمل الشرح على مباحث العقيدة كلها ومنها الصفات والإيمان، والمعاد، واليوم الآخر والقدر والنبوات وغيرها.
8- المناظرة حول الواسطية:
وهي تسجيل لما جرى حول " الواسطية " من مجالس ناقشه فيها الأشاعرة وجوابه لهم، وقد سجلها ابن تيمية بنفسمه وذكر ما ورد فيها من اعتراضات ومناقشات حول التحريف والتأويل، ومسألة الحرف والصوت، والإيمان وأت قول وعمل، والاستواء، والأشعري ومذهبه في الصفات الخبرية.
9- الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات:
وقد لخص فيها ابن تيمية مناظرة جرت له مع بعض الأشاعرة حول: وصف
اللة بالعلو على العرش، ومسألة القرآن، ومسألة تأويل الصفات، وتكلم على مقولة: هل الظاهر مراد أو غير مراد، وبين أنه لا يجوز صرف النصوص عن ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى، وقد كتبها الزاهد شمس الدين من أهل المدينة (4) .--------------------------------------------
(1) شرح الأصفهانية، هـ مخلوف (ص: 3) .
(2) نفس المصدر (ص: 3) .
(3) انظر: نفس المصدر (ص: 8،15،18،19) .
(4) انظر: مجموع الفتاوى (1/1 35-373) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
10- التسعينية:
وهي في الرد عك الأشاعرة في مسألة " الكلام النفسي " رد فيها عليهم من أوجه عديدة، وهذه الرسالة كتبها في مصر في محنته الأولى سنة 706 هـ (1) ، وذلك حينما ناقشه علماء الأشاعرة في مسائل العلو والكلام، وجرى في ذلك فصول سطرها ابن تيمية في مقدمته للتسعينية، وقال: " وقد كتبت هنا بعض ما يتعلق بهذه المحنة التي طلبوها مني في هذا اليوم، وبينت بعض ما فيها من تبديل الدين واتباع غير سبيل المؤمنين لما في ذلك من المنفعة للمسلمين وذلك من وجوه محميرة نكتب منها ما يسره الله تعالى " (2) ، وهذه الرسالة من رسائل ابن تيمية الفريدة التي ذكر فيها أمورا مهمة ومسائل قد لا توجد في كتبه الأخرى.
11- النبوات:
وهو في الرد على الأشاعرة- ومنهم الباقلاني (3) - في مسألة معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين الكرامات والخوارق الشيطانية، وهو مطبوع لكن فيه نقص ولعل الله أن ييسر مخطوطات هذا الكتاب ليحقق ويخرج بشكل جيد.
12- الإيمان:
وفيه الرد على المرجئة، ومنهم الأشاعرة، ونقل أقوالهم في الإيمان وأدلتهم ثم ناقشها (4) . وهو مطبوع.
13- شرح أول المحصل للرازي:
ولم يصل إلينا، وكثيرا ما يشير إليه ابن تيمية في كتبه.--------------------------------------------
(1) في المطبوعة سنة ست وعشرين، وهو خطأ، إذ في هذه السنة 726 هـ كان معتقلا بسبب شد الرحال، وقد ظن البعض- اعتمادا على ما في المطبوعة- أن هذه الرسالة كتبها ابن تيمية في آخر حياته. وقد قال ابن تيمية فيها (ص: 3) " فقد قلت هذا بالشام وأنا قائله هنا".
(2) التسعينية (ص:4) .
(3) انظر: النبوات (ص: 44) وما بعدها، ط دار الكتب العلمية
(4) انظر: الايمان (ص: 115) وما بعدها، ط المكتب الاسلامى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
14- مسائل من الأربعين للرازي:
والأربعين في أصول الدين للرازى مطوع، أما كتاب ابن تيمية فلم يصل إلينا.
أما كتب ابن تيمية ورسائله التي رد فيها على مسائل عقيدة الأشاعرة فكثيرة جدأ، ومنها: منهاج السنة، والاستقامة، والصفدية، والجواب الصحيح، وشرح حديث النزول، والسبعينية، والرد على الاخنالى، والرد على البكري المعروف بالاستغاثة، وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، والحسنة والسيئة، والرسالة العرشية، وقاعدة في المعجزات والكرامات، والمسألة المصرية في القرآن، والأحتجاج بالقدر، ورسالة في علم الظاهر والباطن، والإكليل في المتشابه والتأويل، وتفسير سورة الإخلاص، وغيرها، ولم تفرد هنا لكونها ألفت في الرد على غير الأشاعرة، لكن جاء الحديث عنهم فيها ضمن ردود ومناقشات أخرى.
عاشرا: عبادته وتوكله وذكره لربه:
لقد تحدث مترجموه عما اشتهر عنهـ رحمه الله تعالى- من العبادة والزهد والورع والإيثار والتواضع والكرم الجم (1) .
وأبرز ما في عبادته صدق توكله على ربه وإيمانه بقضائه وقدره ولذلك فهو في أشد حالات الايذاء والمضايقة تجده يكون في أشد حالات التوكل والثقة بالله تعالى، ولما جاءه الخبر بنفيه إلى الاسكندرية وقيل له: هم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك فقال لهم: " أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت تقلبت على صوف " (2) . ومن أقواله: " إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة " (3) يقول ابن القيم وقال لي مرة: " ما يصنع أعدئي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري،--------------------------------------------
(1) انظر: الأعلام العلية (ص: 36- 1 4، 2 4، 48، 63) ، والكواكب (83-88) .
(2) ناحية من حياة شيخ الاسلام بقلم خادمه (ص: 30) .
(3) الوابل الصيب (ص: 60) - ط دار البيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة " (1) ويقول ابن القيم: " وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندى شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا، وكان يقول في سجوده وهو محبوس:" اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ما شاء الله، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه " (2) ويقول ابن القيم أيضا: "وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والارهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة " (3) . ويقول ابن القيم عن ذكره لربه: " وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: " الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.. وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: " هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي " (4) .
حادي عشر: وفاته:
لما أخرجت الكتب والأوراق والدواة والقلم من عند شيخ الإسلام في القلعة في يوم الاثنين تاسع جمادى الآخر سنة 728 هـ، تفرغ الشيخ للعبادة وقراءة القرآن واستمر على هذه الحال حتى توفي في ليلة الاثنين العشرين من ذى القعدة من هذه السنة 728 هـ. وكانت وفاته على أثر مرض ألم به أياما يسيرة،--------------------------------------------
(1) الوابل الصيب (ص: 60) ط دار البيان.
(2) المصدر السابق (ص: 61) .
(3) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(4) المصدر نفسه (ص: 53-54) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
ولما كان الشيخ قد ضيق عليه - خاصة بعد إخراج كتبه وأوراقه - فقد كانت وفاته مفاجئة للناس جميعا، فقد أصيبوا بصدمة وما كادوا يعلمون صباح الاثنين حتى خرجوا جميعا في جنازته، واشتد زحامهم عليها، وقد اعتبرها المؤرخون من الجنائز النادرة فيشبهونها بجنازة الإمام أثط عبد اللة أحمد بن حنبل-رحمه الله في بغداد، وابن تيمية مات في دمشق وهى أصغر من بغداد وليست عاصمة للخلافة، كا أن ابن تيمية مات مسجونا مسخوطا عليه من جهة السلطان وكثير من الفقهاء والصوفية الفقراء يذكرون عنه للناس- مما يسىء- أشياء كثيرة، ومع ذلك كانت جنازته مشهودة ومشهورة.
يقول البزار: " ثم إن الشيخ- رحمه اللة- بقي إلى ليلة الاثنين العشرين من ذى القعدة الحرام وتوفي إلى رحمه الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم وذلك من سنة ثمان وعشرين وسبع مئة وهو على حاله، مجاهدا في ذات الله تعالى، صابرا، محتسبا لم يجبن ولم يهلع، ولم يضعف، ولم يتتعتع، بل كان رضى الله عنه إلى حين وفاته مشتغلا بالله عن جميع ما سواه، قالوا: فما هو إلا أن سمع الناس بموته، فلم يبق في دمشق من يستطع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك وتفرغ له، حتى غلقت الأسواق بدمشق، وعطلت معايشها حينئذ وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء، والأتراك، والأجناد، والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قالوا: لم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس، كانوا قد اشتهروا بمعاداته، فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس فأهلكوهم " (1) .
ويذكر ابن كثير أن نائب السلطنة كان غائبا فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال- نائب القلعة- فعزاه فيه، وجلس عنده،--------------------------------------------
(1) الأعلام العلية (ص: 82-83) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا عنده يبكون ويثنون (1) .
" ثم شرعوا في غسل الشيخ … ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين الأخيار، أهل العلم والإيمان، فما فرغ منه حتى امتلأت القلعة رجنح الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا به … إلى الجامع الأموى والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يحصى عدتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح: هكذا تكون جنائز أئمة السنة، فتباكى الناس، وضجوا عند سماع هذا الصارخ، ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف بل مرصوصين رصا، لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة، جو الجامع ويرى الأزقة والأسواق، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان، ونوى خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون هذا اليوم لأكل ولا لشرب، وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب- لغيبة الخطيب بمصر- فصلى عليه إماما، وهو الشيخ علاء الدين الخراط، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد … واجتمعوا بسوق الخيل " (2) في أرض فسيحة فوضعت الجنازة وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن ثم حملت جنازته إلى قبره، ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله قبيل العصر- رحمهم الله جميعا-. ثم صاروا يتناوبون بالصلاة عليه في قبرهـ ممن لم يتمكن من الصلاة عليه في المرات السابقة-، وما وصل خبر موته إلى بلد إلا وصلى عليه في جميع جوامعه--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية (14/138) .
(2) المصدر السابق (14/138-39 1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ومساجده خصوصا الشام ومصر والعراق وتبريز والبصرة وغيرها (1) .
وقد رثى بمراثي عديدة، ذكرها كثير ممن ترجم له (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: الأعلام العلية (ص: 85) .
(2) انظر: في وفاته ومراثيه: العقود الدرية (ص: 369-502) ، وتاريخ ابن الوردى (2/406 - 407) ، وذيل ابن رجب (2/405) ، والكواكب (ص: 174) وما بعدها، والدرر الكامنة (1/159) ، وتذكرة النبيه (185/2) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
الفصل الثاني: منهج ابن تيمية في تقرير عقيدة السلف وفي رده على الخصوم
تمهيد.
أولا: مقدمات في المنهج.
ثانيا: منهجه لي المعرفة والاستدلال.
ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها.
رابعا: منهجه في الرد على الخصوم.
خامسا: الأمانة العلمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
الفصل الثاني
تمهيد
الكتابة عن منهج ابن تيمية تحتاج إلى بحث مستقل، لأن هناك قضايا في منهجه لابد من طرحها بوضوح وشمول حتى يتبين حقيقة مذهبه ومنهجه فيها. ومن ثم فمن الصعوبة أن يحصر الباحث الكلام في منهجه في العقيدة في فصل ضمن فصول أخرى يحتاج كل واحد منها إلى استقصاء المراجع حوله وأن يأخذ ما يستحقه ضمن فصول الرسالة من الدراسة والتحقيق.
وابن تيمية-رحمه الله لم يركز في كتاباته حول العقيدة على جانب معين فقط، بل تنوعت كتبه وردوده، ومناقشاته للمخالفين، فكتب في شرح عقيدة السلف، وأقوال أئمة الإسلام، كما رد وناقش الفلاسفة، والمعتزلة، وا لقد رية، والجهمية، والمر جئة، والمشبهة، والخوارج، والصوفية، والر افضة، والأشاعرة، وغرهم، وكان موقفه من هؤلاء، ومنهجه في الرد عليهم نابعا من المنهج السلفي القائم على الكتاب والسنة بموازين دقيقة.
وهذه الحقيقة تميز شيخ الإسلام عن غيره من العلماء، الذين كانت لهم جهود مشكورة ومساع محمودة في نصرة هذا الدين والذب عن حوزته، لكن الواحد منهم إنما يشتهر في قضية واحدة من قضايا العقيدة، أو الرد على طائفة واحدة فقط من هذه الطوائف المنحرفة، وقد يكون متلبسا بانحراف معين قالت به طائفة أخرى، والمقصود بهذا الكلام العلماء المتأخرون بعد القرون المفضلة، وذلك حين كانت هذه الفرق والطوائف المنحرفة موجودة في كل مكان في العالم الإسلامي. إن من نعم الله الكبرى- على شيخ الإسلام ابن تيمية- أنه ود على كل
طائفة وما وقع في انحراف الطائفة المقابلة لها، ولا شك أن من اعتصم بالله وبكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا تقصير فإن الله يوفقه إلى الوسطية، ودين الله وسط بين الأديان، وأهل السنة وسط بين الطوائف!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
لقد كان شيخ الإسلام صاحب منهج واضح، وقد وظف هذا المنهج في جميع ما كتب، فما تغيرت طريقته ولا وقع في التناقض كما حدث لغيره. ولا نريد أن نقارن بينه وبين الغزالي- مثلا- كما فعل بعضهم، لأن الغزالي وإن كان قد رد على الفلاسفة والباطنية، إلا أنه لم يكن مستمرا على منهج واحد ثابت، ولذلك تقلبت به الأحوال كثيرا.
ولكن نقارن بين شيخ الإسلام وعلم آخر، كان صاحب منهج، سطر منهجه في كتبه،؟ كان صاحب آراء اجتهادية وأصولية جدد فيها تجديدا جعله من أعلام هذا العلم، وهذا الإمام هو أبو إسحاق الشاطبى المتوفي سنة 790 هـ (1) أي بعد وفاة ابن تيمية بما يزيد قليلا عن ستين عاما، فهذا الإمام كانت له جهود مشكورة في مجالات متعددة، أهمها جانبان:
أحدها: التجديد في مجال " أصول الفقه "، والتركيز على مسائل المصالح المرسلة، وبيان كمال هذه الشريعة، وشرح الكليات المتضمنة لمقاصد الشارع في وضع الشريعة، كما طرق مباحث أصول الفقه وربطها بتلك الكليات والمقدمات فجاءت مباحث هذا الكتاب فريدة في منهجها وأسلوب عرضها.
والآخر: التجديد في مجال تمحيص السنة ورد البدعة، وقد كانت له مواقف عملية في هذا الجانب، ولما رأى الناس في عصرهـ مالوا إلى ما أحدثه متصوفة عصره وغيرهم من البدع في الأذكار والعبادات وإقامة الموالد وغيرها- أيقن أنه لابد من الرجوع إلى الأصول الشرعية لتمييز ما هو من قبيل الشرع موافق لأصوله وأدلته، عن ما هو من قبيل البدع التى حرمها دين الاسلام ونهى عنها، فجاء كتاب " الاعتصام " فريدا في أسلوبه ومنهجه، فعرض بشكل مفصل لقضايا البدع--------------------------------------------
(1) هو: الامام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي، صاحب الموافقات والاعتصام والافادات والانشادات وغيرها، توفي سنة 790 هـ، انظر: برنامج المجارى (ص: 116) ، ونيل الابتهاج بحاشية الديباج (ص: 46) ، وفهرس الفهارس (1/ 191) ، وشجرة النور الزكية (1/ 231) ، والفكر السامي (2/248) ، وانظر أوفى ترجمة له في مقدمة تحقيق الفتاوى للشاطبي: لمحمد أبو الأجفان (ص:19 - 64)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
ومنشئها وحكمها، فمن القضايا المنهجية في كتابه:
1- مأخذ أهل البدع في الاستدلال (1) .
2- أحكام البدع الحقيقية والاضافية والفرق بينهما (2) .
3- الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والإستحسان (3) .
4- أنواع دخول البدعة في الشرع أربعة: الجهل بأدوات المقاصد، والجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى (4) .
فهذان الكتابان- الموافقات والاعتصام- بما فيهما من تجديد ومنهجية كانا سببا في شهرة مؤلفهما، وتبوئه لمكانة في النفوس بوصفه من المدافعين عن مذهب السلف الذين عملوا على تمحيصه مما شابه من بدع وضلالات.
ولكن هل هذا المنهج استمر مع الشاطبي في جميع مباحث العقيدة؟ وهل الأصول المنهجية التي وضعها في كتاب " الاعتصام " طبقها في جوانب العقيدة الأخرى؟.
الجواب عن ذلك (5) يتبين من خلال تتبع بعض أقواله في العقيدة وقضاياها التي يذكرها عرضا: وهذه أمثلة:
1- يقول في معرض ذكره لانحراف المنحرفين الذين يتبعون المتشابه:--------------------------------------------
(1) انظر: الاعتصام (1/ 220) .
(2) المصدر السابق (1/286) .
(3) نفسه (2/111) .
(4) نفسه (2/293) وما بعدها.
(5) الشاطبي وكتبه لها مكانة في النفوس رما كنت أقصد زعزعة هذه المكانة بهذه المناقشات، والذي دعاني إلى ذلك أمران، أحدهما: انتشار كتاب الاعتصام بين عامة الناس وثقهم به، وقد يغتر من لا علم عنده بمثل هذه الزلات التى وقع فيها الشاطبى، أما الأمر الثاني: فهو أن بعض الناس ليس عنده إلا أبيض أو أسود، فأما أن يقبل هذا العالم أو هذا الكتاب بكل ما فيه أويرده بكل ما فيه لوجود ملاحظات عليه، والمنهج الصحيح الاعتراف لأهل الحق بما عندهم من حق وقبوله ولو كانت عليهم ملاحظات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
" ومثاله في ملة الاسلام مذهب الظاهرية (1) في إثبات الجوارح للرب- المنزه عن النقائص- من العين واليد والرجل والوجه - المحسوسات، والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات " (2) ، قد يتبادر إلى الذهن أنه يقصد الرد على المشبهة خاصة وأنه قال " المحسوسات "، ولكن ذكره للجهة- والسملف يثبتون لثة صفة العلو- وقوله " وغير ذلك من الثابت للمحدثات " يدل على أن إثبات هذه الصفات: العين، اليد، وغيرها لله تعالى على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته عنده لا تجوز لأنها من الصفات التى تثبت للمحدثات، ومن ثم فيجب تأويلها وهذا هو مذهب الأشاعرة، وإذا كان قد ذكر من مآخذ أهل البدع في الاستدلال " ردهم للأحاديث التى جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وغر جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية اللة عز وجل في الآخرة " (3) فكيف- وهذه عبارة الشاطبي نفسهـ نفرق بين الموقفين والمنهجين؟.
2- ويقول أيضا في معرض رده على أهل البدع في استدلالهم بأحد الأحاديث: " والثاني أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع " (4) ، هذا كلام واضح وصريح في هذه المسألة الخطيرة، التي بسببها ردت أحاديث كثيرة في الصفات، ولكن الشاطبى نفسه - في موضع آخر لا يتبنى هذا القول بل يرد- في أثناء عرضه لمآخذ أهل البدع في الاستدلال على الذين لا يأخذون بأحايث الآحاد فيقول: " وذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن، حتى أباحوا الخمر بقوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية [المائدة: 93] ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا--------------------------------------------
(1) ما بعد هذه الكلمة يوضح المراد منها، وقد يقصد بعض علماء الظاهرية كداود وغيره فإنهم مثبتة في الصفات.
(2) الاعتصام (1/ 240) .
(3) المصدر السابق (1/ 231) .
(4) الاعتصام (2/ 152) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
في كتاب الله اتبعناه " (1) وهذا وعيد شديد تضمنه النهي لاحق بمن ارتكب رد السنة (2) ، فهل الرد للحديث في الموضع الأول مختلف عنه في الموضع الثاني.
3- ونضرب مثالا ثالثا- والتركيز في الأمثلة على ما فيها منهج ليس على الجزئيات- يقول الشاطبي في معرض ذكره لأنواع دخول البدع في الشرع وأسبابه وأن منها تحسين الظن بالعقل، يقول بعد كلام طويل: " فهو أصل اقتضى للعاقل أمرين: أحدهما: أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم- وهو الشرع- ويؤخر ما حقه التأخير- وهو نظير العقل- لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل، لأنه خلاف المعقول والمنقول، بل ضد القضية هو الموافق للأدلة ولا معدل عنه " (3) هذا الكلام منهجي وسليم- موافق لمذهب أهل السنة-، لكنه لما ذكر الأمثلة على ذلك مما قد يتوهم أن العقل يحيله وهو ثابت في الشرع ذكر هذا المثال: " والسابع: رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا، إذ يمكن أن تصح الرؤية على أوجه صحيحة ليس فيها اتصال أشعة، ولا مقابلة، ولا تصور جهة، ولا فضل جسم شفاف، ولا غير ذلك، والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة، وهو إلى القصور في النظر أميل، والشرع قد جاء بإثباتها فلا معدل عن التصديق " (4) . أراد الشاطبي أن يقول لا مانع من إثبات الرؤية ونفى صفة العلو دثة تعالى؟ وذلك حين تال: " ولا تصور جهة ولا نضل جسم "،--------------------------------------------
(1) رواه الامام أحمد (4/ 131، 6/ 8) ، والدارمي- باب السنة قاضية على الكتاب (1/144)
ط دهمان، وأبو داود في السنة- باب لزوم السنة ورقمه (4604-4605، 5/10-12) - ط الدعاس، والترمذى في العلم، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبى صلى الله عليه وسلم ورقمه (2663،3715) ، ط عطوة، وابن ماجه فى المقدمة، باب حديث رسول صلى الله عليه وسلم (12/13) . والحاكم (1/ 108-109) وصححه ووافقه الذهبى، كا قال فيه الترمذى: حديث حسن صحيح، رصححه الألباني في صحيح الجامع.
(2) الاعتصام (1/132) .
(3) الاعنصام (2/ 326) .
(4) المصدر السابق (2/ 330) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
ولكن كيف يصنع بأدلة العلو التي هي أضعاف أضعاف أدلة الرؤية؟ وكيف يسلم لمن نفى العلو- الجهة- لشبهة التجسيم أو مخالفة العقل، وينعي على نفي الرؤية لنفس التعليل، وكلاهما وردت به النصوص؟ وهذا التناقض إنما ساير فيه الشاطبي الأشاعرة، وهو من المضايق الخانقة في مذهبهم، وقد فشلوا في الجواب عنه فشلا ذريعا- كا سيأتي إن شاء اللهـ.
هذه أمثلة توضح الفرق بين المنهجين: منهج الشاطبي، ومنهج شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي جاءت كتبه كلها- سائرة على نهج واحد- حتى أن الانسان ليحتار أي كتبه ألفه أولا، ليس هناك مراحل في منهجه وحياتهـ كماحدث لغيرهـ وإنما هو منهج وطريق واحد في جميع القضايا التي طرحها في كتبه.
لقد التزم شيخ الإسلام بمذهب ونهج السلف- في جميع ما كتب- حتى أن بعض عباراته لا يتبين لأول وهلة أهي عبارته أم عبارة غيره من السلف حين ينقل شيئا من كلامهم.
ومما يعجب له في هذا الباب أن أحد العلماء (1) - المعاصرين لابن تيمية- رد على ابن تيمية في مسألة العلو- أو الجهة كما يسميها- في كتاب ذكره السبكي بتمامه في طبقاته (2) ، فكان مما قاله هذا العالم: " ولو تنازل (3) واكتفى بما نقل عن إمامه الإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه حيث قال: " لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نتجاوز القرآن والحديث، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق، ليس فيه لغو ولا أحاج، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه--------------------------------------------
(1) هو: أحمد بن يحيى بن إسماعيل شهاب الدين، ابن جهبل الكلابي الحلبي الأصل، ولد سنة 0 67 هـ وتوفي سنة 733 هـ، طبقات السبكي (9/34) ، والبداية والنهاية (14/163) ، وشذرات الذهب (6/104) ، وطبقات الأسنوي (1/ 0 39) ، والدرر الكامنة (1/ 0 35) .
(2) طبقات الشافعية الكبرى (ج- 9 ص: 35- 91) .
(3) في الطبقات " ولا تنازل، والتصويب من تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدرايسى والحلبي، لأحمد ابن إبراهيم بن عيسى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
وهو مع ذلك ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة، المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله فكما نتيقن (1) أن الله سبحانه له ذات حقيقة (2) وأفعال حقيقة (2) فكذلك (3) له صفات حقيقة (2) وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله عز وجل منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم وافتقار المحدث إلى محدث ووجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى " [يقول ابن جهبل بعد هذا مباشرة:] هذا نص إمامه فهلا اكتفى به، ولقد أتى إمامه في هذا المكان بجوامع الكلم، وساق أدلة المتكلمين على ما يدعيه هذا المارق بأحسن رد وأوضح بيان " (4) .
يقول الشيخ أحمد ابن إبراهيم بن عيسى النجدي (5)
في رده على هذا الكتاب لما نقل النص السابق: " أقول: لله در هذا الحلبي ما أمد باعه وأشد جمعه للعلوم واطلاعه، حيث أدرج كلام الإمام أحمد بن تيمية مع كلام الإمام أحمد من غير تمييز، وكلام الامام أحمد انتهى إلى قوله " لا نتجاوز القرآن والحديث فظن الحلبي بجهله أن الجميع كلام الامام أحمد، فأخذ يحتج به على ابن تيمية--------------------------------------------
(1) في الطبقات (9/39) لا فكان ينبغي والتصويب من الفتوى الحموية، مجموع الفتاوى (5/ 26) ، والذي في تنبيه النبيه والغبى " فكما " فقط والمعنى صحيح.
(2) في المواضع الثلاثة في طبقات السبكى " حقيقية" والتصويب من الحموية والتنبيه.
(3) في طبقات السبكى " وكذلك" والتصويب من نفس المصدرين السابقين.
(4) طبقات الشافعية للسبكي (9/39-. 4) ، وتنبيه النبيه والغبى (ص: 244) .
(5) ولد في شقراء سنة: 1253 هـ، تتلمذ على الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وعلى ابنه عبد اللطيف، كان يتردد على مكة وجده للتجارة " والتقى بعبد القادر التلمساني التاجر وجرت بيهما مناقشات اقتنع الشيخ عبد القادر هذا بمذهب السلف، وصار ينشر كتبهم في مصر، وهو الذى نشر على نفقته كتاب ابن عيسى هذا التنبيه مع مجموعة مها الرد الوافر وغيرهـ ط الكردى- من كتب أحمد ابن عيسى شرح النونية المطبوع، ولم يذكر طابعوه - المكتب الاسلامي- له ترجمة! توفي سنة 1327 هـ.
انظر: فهرس الفهارس (1/25) ، ومعجم المؤلفين (1/141) ، ومشاهير علماء نجد (ص:85) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
وهو نفس كلامه … ونظير هذا أن بعض معاصري (1) شيخ الإسلام ممن رد عليه في مسألة الاستغاثة صار يرد على الشيخ من كتابه " الصارم المسلول على منتقص الرسول "، فانظر إلى هذه السذاجة يرد عليه من كتابه " (2) .
يقول ابن تيمية- في المسألة الثانية قضية البكري- بعد أن نقل كلامه في حرص السلف على حمايته صلى الله عليه وسلم من السب أو التنقص: " هذا كله منقول من كلام المجيب من كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول، لكنه أزال بهجته وحذف من محاسنه ما ييين حقيقته، فالمجيب هو المنافح عن الله ورسوله، وهذا كلام المتشبع بما لم يعط، ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور (3) " (4) .
هناك ملاحظة أخرى حول منهج ابن تيمية وهي أنه أطال النفس في مناقشة الخصوم من أهل الكلام والفلسفة، ونقل نصوصا طويلة من كتبهم وناقشها، حتى أن القارىء- وقد يكون من المهتمين بمثل هذه القضايا- يجد صعوبة بالغة في ملاحقة الأفكار التي يناقشها، وهذا جزء من منهجه الذي ارتآه، لأنه لا يمكن قطع دابر بعض الشبه إلا بملاحقة أصولها، ومناقشة تلك الأصول التى قد تكون من المسائل الفلسفية التي لابد لردها من عرضها بوضوح ليغ نقضها بوضوح أيضا، وهذه بعض الأسباب نتلمسها من منهجه في هذا:--------------------------------------------
(1) هو البكرى: واسمه علي بن يعقوب بن جبريل البكري الشافعى المصري، أبو الحسن، نور الدين، فقيه أهل القاهرة، هاجم القبط في كنائسهم، وكانت له مواقف من السلطان، رد عليه ابن تيمية في مسألة الاستغاثة، ولد سنة 673 هـ، وتوفي سنة 724 هـ، انظر: البداية والنهاية (14/114) ، والدرر الكامنة (4/3 1 2) ، وطبقات ابن قاضي شهبة (2/ 0 36) ، والأسنوى (1/288) ، وشذرات الذهب (6/64) ، وذيول العبر (ص: 69) .
(2) تنبيه النبيه والغبى (ص: 244- هـ 24) .
(3) متفق عليه لكن بلفظ " المتشبع "، البخاري كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل، رقمه (5219) ، الفتح (9/317) ، رمسلم في اللباس، باب النهي عن التزوير في اللباس ورقمه (2129- 2130) ، وانظر: المقاصد الحسنة (ض: 639) تحقيق الخشت.
(4) 1 لاستغاثة (2/360) ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
أ- فقد سأله البزار- أحد تلاميذهـ عن سبب اهتمامه بالأصول، فأجابه، يقول البزار: " ولقد أكثر- رضى الله عنهـ التصنيف في الأصول، فضلا عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، فإذا قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين، جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة، والباطنية، والملاحدة، والقائلين بوحدة الو جود، وا لد هرية، وا لقد رية ة، والنصيرية، والجهمية، والحلولية، وا لمعطلة، والمجسمة، والمشبهة، والراوندية (1) ،
والكلابية، والسليمية (2) ، وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبان لي أن كثيرا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية، الظاهرة العلية على كل دين، وإن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قل أن حمعت أو رأيت معرضأ عن الكتاب والسنة مقبلا على مقالاتهم إلا وقد تزندق أوصار على غير يقين في دينه وا عتقا ده ".
" فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيف دلائلهم، ذبا عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجليلة ".--------------------------------------------
(1) الراوندية أو الريوندية أتباع ابن الريوندى، وهي إحدى فرق الكيسانية، يزعمون أن الامامة كانت أولا حقا للعباس، انظر: إعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص: 63) ، ت النشار. وابن الريوندي هو: أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسن، فيلسوف مجاهر بالالحاد، توفي سنة 298 هـ، انظر وفيات الأعيان (1/94) ، والمنتظم (6/96) ، ولسان الميزان (1/323) .
(2) هكذا، وفي طبعة المنجد (ص: 34) ! السلمية، والمشهور " السليمانية " إحدى فرق الزيدية، أتباع سليمان بن جرير الزيدي، يزعمون الامامة شورى، ويقول بصحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ولذا يقرون بإمامة الشيخين، لكنهم يكفرون عثمان وطلحة والزبير.
انظر: مقالات الإسلاميين (ص: 68) - ت ريتر- الفرق بين الفرق (32) ، التبصير بالدين (ص: 33) ، الملل والنحل للشهرستاني (1/159) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)