ويجئ بالليل إلى باب الصغير [أحد أبواب دمشق] فيعبر منه هو ورفيقه، وهو من أفجر الناس. وآخر كان بالشويك (1) من قرية يقال لها الشاهدة يطير في الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه، وكان شيطانه يحمله وكان يقطع الطريق، وأكثرهم شيوخ الشر … وشيخ آخر أخبرني نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط بالصبيان الذين يقال لهم الحوارات، وكان يقول يأتيني كلب أسود بين عيينه نكتتان بيضاوان فيقول لي: فلان ابن فلان نذر لك نذرا وغدا نأتيك به … فلما تاب هذا الشيخ وصار يصلي ويصوم ويجتنب المحارم ذهب الكلب الأسود … وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون منه إبراءه، فيرسل إلى أتباعه فيفارقون ذلك المصروع، ويعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة، وكان أحيانا تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه من الناس.... وآخر كان مشتغلا بالعلم والقراءة فجاءته الشياطين أغوته وقالوا له: نحن نسقط عنك الصلاة ونحضر لك ما تريد، فكانوا يأتونه بالحلوى والفاكهة، حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه، وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان … " (2) .
بل إن ابن تيمية نفسه تعرص ر لمثل هذا فتمثلت بشخصه الشياطين وأغاثوا أقواما فجاءوا يخبرونه بما وقع لهم، يقول: " ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته، ومنهم من قال: رأيتك راكبا بثيابك وصورتك، ومنهم من قال: رأيتك على جبل، ومنهم من قال غير ذلك، فأخبرتهم أني لم أغشهم، وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله " (3) . و! قول: " وأعرف من ذ! ك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي، وبغيري في حال غيبتنا عنهم، فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به--------------------------------------------
(1) الشويك، قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وإيله، قرب الكرك، معجم البلدان (3/375) .
(2) جامع الرسائل- ت رشاد سالم- (1/92 ا-194) .
(3) الجواب الصحيح (1/319-320) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين، وهذا من أكبر الأسباب التى بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان " (1) ، وقد ذكر واقعة غريبة له وهو في السجن بمصر، قال: " كما جرى مثل هذا لي، كنت في مصر في قلعتها، وجرى مثل هذا إلى كثير (2) من الترك من ناحية المشرق، وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية، فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين (3) وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولا، وكنت في الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاءوا إلى دمشق، كنت أدعوهم إلى الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ماتيسر، فعمل معهم مثل ما كنت أعمل، وأراد بذلك إكرامي ليظن ذلك أني أنا الذي فعلت ذلك.
قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون ملكا؟، قلت: لا، إن الملك لا يكذب وهذا قد قال: أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب في ذلك (4) .
والتصوف لم يقتصر على هذه الأمور، وإنما كان تصوفا يؤول في الغالب إلى الغلو من الوحدة والاتحاد والحلول، والوقوع في الشركيات بأنواعها، وتعظيم الملاحدة وتصحيح أقوالهم وكفرياتهم. وقد واجه ابن تيمية من هؤلاء أعدادا--------------------------------------------
(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: 54 ا-155) ، ط المكتب الاسلامي.
(2) هكذا في طبعة الفرقان الموجودة في مجموع الفتاوى (13/92) ، وطبعة دار البيان المفردة، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط (ص: 61) ، وفي طبعة دار إحياء العلوم، تحقيق: حسين يوسف غزال (ص: 117) كتب الكلمة: "كبير " بدل كثير، وهو لم يعتمد على نسخة خطية، لكن لعله هو الصواب.
(3) ماردين، بكسر الراء والدال، قلعة مشهورة بعمل الموصل في الجزيرة قريية من دارا، وهي من أحسن القلاع وأعظمها. فتوح البلدان (5/39) ، والروض المعطار (518) ، وملك ماردين المشار إليه هو الملك المنصور نجم الدين غازى الأرتقى تولى ماردين (693 هـ - 712 هـ) ، انظر: تاريخ الدولة الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة (2/353) ، وانظر: الأمارات الأرتقية: عماد الدين خليل (ص: 352) .
(4) الفرقان بين الحق والباطل- مجموع الفتاوى (13/ 92-93) ، وان! جامع الرسائل (1/195) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
كثيرة، وتوب بعض زعمائهم، وقتل بعضهم (1) .
وإذا كان وجود مثل هذه النوعيات خطيرا على الأمة وعقائدها، فأخطر منه أن يتبع هؤلاء المتصوفة المنحرفين بعض العلماء والقضاة الذين يقتدى بهم، وهذا يعطى صورة للمستوى الذي وصل إليه التصوف في هذا العصر، يقول ابن تيمية في بيان حكم طلب الحاجات في القبور والاستغاثة بها: " والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيا أو وليا ليس مشروعا ولا هو من صالح الأعمال، إذ لو كان مشروعا أو حسنا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك، فكلام هؤلاء يقتضي جواز سؤال الميت والغائب، وقد وقع دعاء الأموات والغائبين لكثير من جهال الفقهاء والمفتين حتى لأقوام فيهم زهد وعبادة ودين ترى أحدهم يستغيث بمن يحسن به الظن حيا كان أو ميتا، وكثير منهم تتمثل له صورة المستغاث به وتخاطبه وتقضي بعض حوائجه وتخبره ببعض الأمور الغائبة، ويظن الغير أنه المستغاث به أو أن ملكا جاء على صورته وإنما هى شياطين تمثلت له به وخيالات باطلة فتراه يأتي قبر من يحسن به الظن إن كان ميتا فيقول: أنا في حسبك أنا في جوارك أنا في جاهك قد أصابنى كذا وجرى على كذا، ومقصوده قضاء حاجته إما عن الميت أو به، ومنهم من يقول للميت: اقض ديني واغفر ذنبي وتب على، ومنهم من يقول: سل لي ربك، ومنهم من يذكر ذلك في نظمه ونره، ومنهم من يقول: يا سيدي الشيخ فلان أو يا سيدي يا رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو وما نزل بنا من المرض وما حل بنا من البلاء، ومنهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه، ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله، وهؤلاء قد رأيتهم وععت هذا منهم ومن شيوخ يقتدى بهم ومفتين وقضاة ومدرسين " (2) .
ويقول: " وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا جهة الشبخ عبد القادر خطوات معدودات واستغاث به " (3) . ويذكر أنه لما قدم مصر سال--------------------------------------------
(1) انظر: جامع الرسائل (1/195-196) .
(2) تلخيص الاستغاثة (1/29-. 3) .
(3) الاستغاثة- الجزء الثاني من المصدر السابق نص الاستغاثة وليس تلخيصا (2/ 250- 251) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
بعض ولاة الأمر قاضى القضاة عن فرعون " فقال: ما في القرآن ما يدل على أنه كان كافرا، ومعلوم أن دخول فرعون النار معلوم بالاضطرار من المسلمين واليهود والنصارى.... " (1) . ووصل الأمر بكثير من الناس أنه لما هاجم التتار بلاد الشام خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم.... وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر لوذوا بقبرأبى عمر
فصار ابن تيمية يأمر الناس بإخلاص الدين لله عز وجل وأن لا يستغيثوا بغيره. " فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا " (2) .
ثالثا: المذهب الأشعري:
انتشر المذهب الأشعري- في تطوره العقدي- في القرن الرابع والخامس، ولما جاء عهد الأيوبيين- وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي- تبنوا المذهب الأشعري، وقربوا علماء الأشاعرة، وصلاح الدين نشأ على هذا المذهب؛ فقد حفظ " في صباه عقيدة ألفهاله قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري (3) ، وصار يحفظها صغار أولاده فلذلك عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التزامه فتمادي الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بنى أيوب ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك " (4) ، ولما تولى صلاح الدين حكم مصر ولى على القضاء صاحبه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني (5) ، الذي ألف "رسالة في الذب--------------------------------------------
(1) نقض التأسيس المخطوط (2/270) .
(2) 1 لاستغاثة (2/ 276-277) .
(3) ولد سنة: 505 هـ، وتوفي سنة: 578 هـ، رأى أبا نصر القشيري، ودرس بالمدرسة النظامية في نيسابور نيابة عن الجويني، كما درس في دمشق وحلب، انظر: وفيات الأعيان (5/196) ، وطبقات السبكى (7/297) ، والنجوم الزاهرة (6/94) ، وطبقات الأسنوى (2/498) .
(4) الخطط للمقريزى (2/358) .
(5) ولد سنة 516 هـ، وتوفي سنة 655 هـ، انظر التكملة للمنذري (2 / 156) ، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
عن أبى الحسن الأشعري " (1) .
ولما جاء عهد المماليك استمر تبنيهم لهذا المذهب من خلال توليه القضاء لأئمة الشافعية والمالكية الذين كانوا يلتزمون المذهب الأشعري، ومما يلاحظ- في هذا العصر- أن المذهب الأشعري صار تبنيه بيد من بيده السلطة من العلماء إلى الحد الذى يستنكر معه أشد الاستنكار أن يقوم أحد بمخالفته ويجاهر في رده ونقض أصوله. ولعل ما حدث لابن تيمية من محن كانت مع الأشاعرة دليل كل ذلك.
وسنعرض- إن شاء اللهـ عند الحديث عن المذهب الأشعري وتطوره تفصيلات أخرى لهذا الموضوع.
وبعد فهذا عرض لعصر ابن تيمية، وأحواله السياسية والعقائدية وهو إن كان فيه نوع من الإطالة إلا أنه سيساعد- بعون اللهـ على إدراك خلفيات هذا العصر الذي هو كالقنطرة بين عصرنا هذا والعصور السابقة، وكثير ممن ترجم لابن تيمية مر عليها مرورا سريعا، ولما كان موقف ابن تيمية من الأشاعرة - وغيرهم ممن كان له انحراف عن طريق السلف- موقفا بارزا وسمة واضحة من سمات هذا العصر، بحيث تحول إلى مدرسة كبرى في العالم الإسلامى لها أتباع ومؤيدون، واستمرت هذه المدرسة تخرج العلماء والمؤلفات والدراسات الداعية إلى العودة إلى مذهب السلف أهل السنة والجماعة ولما كان الأمر بهذا المستوى كان لابد من عرض مركز لأحوال هذا العصر وخلفيته.
* * *--------------------------------------------
(1) = والبداية والنهاية (13 / 52) ، والعبر (3 / 139) ، وسير أعلام النبلاء (21 / 474) وحسن المحاضرة (1/ 408) .
(1) طبعت في الهند مع مجموعة الرسائل السبعة قي العقائد، وقد حققها علي ناصر فقيهي وطبعها مع كتاب الأربعين في دلائل التوحيد للهروي، وقد أخطأ المحقق في ترجمة ابن درباس فوضع في حاشية (ص: 107) ترجمة ابنه محمد بن عبد الملك المتوفي سنة: 659 هـ، على أنها ترجمة المؤلف للرسالة، كما وضع تاريخ ميلاده ووفاته على الغلاف، وهو وهم. وعبد الملك بن درباس الأب مؤلف الرسالة في الذب عن الأشعري. كان صاحبا وقاضيا لصلاح الدين الأيوبي، وقد توفي صلاخ الدين سنة 589 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
المبحث الثاني: حياة ابن تيمية وآثاره
أولا: اسمه ونسبه ومولده:
هو شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، أحمد ابن العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر، ابن علي، بن عبد الله، بن تيمية الحراني (1) .
ولد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (2) بحران (3) يوم الاثنين عاشر- أو ثاني عشر- ربيع الأول سنة 661 هـ، وسافر به والده مع والدته واخوته بسبب--------------------------------------------
(1) انظر في ترجمة ابن تيمية: العقود الدرية، والبداية والنهاية (13/ 241) ، وما بعدها، والأعلام العلية للبزار (ص: 16) وما بعدها، وذيول العبر (ص: 84) ، وتذكرة الحفاظ (4/1496) ، وتتمة المختصر لابن الوردي (2/406) ، والوافي للصفدي (7/15) ، وأعيان العصر عن شيخ الإسلام ابن تيمية سيرته وأخباره عند المؤرخين للمنجد (ص: 49) ، وفوات الوفيات (1/74) ، والدرر الكامنة (1/154) ، وطبقات الحفاظ للسيوطى (ص: 516) ، ودرة الحجال (1/ 30) ، وتذكرة النبيه (2/185) ، وشذرات الذهب (6/ 80) ، والكواكب الدرية (ص:51) ، والشهادة الزكية والرد الوافر، وطبقات المفسرين للداودي (1/45) ، وذيل طبقات الحنابلة (2/387) ، والسلوك (4/2 30) ، والنجوم الزاهرة (9/ 271) ، والمنهل الصافي ط الثانية (1/358) ، والدليل الشافي (1/56) ، والبدر الطالع (1/63) ، وفهرس الفهارس (1/274) ، أما الكتب المعاصرة فكثيرة جدا.
(2) سبب تلقيبه بابن تيمية: أن جده محمد بن الخضر- أو من فوقهـ حج على درب تيماء، فرأى جارية خرجت من خباء فلما رجع وجد زوجته ولدت بنتا فرفعوها إليه فقال: يا تيمية، يا تيمية أي إنها تشيه تلك الجارية التي رآها بتيماء، وقيل: إن جده محمدا كانت أمه تسمى تيمية فنسب إليها، العقود الدرية (ص: 2) ، وتاريخ أربل (1/97) ، وسير أعلام النبلاء (22/289) .
(3) " حران " بتشديد الراء، بلدة في الجزيرة- بين الشام والعراق، وحران مدينة قديمة بين الرها والرقة وهذه هي التي ينسب إليها ابن تيمية، وهناك حران من قرى حلب، وحران قرية بغوطة دمشق- وأخطأ من نسبه إليها، انظر معجم البلدان (2/235) ، ومراصد (1/389) ، ومعحم ما استعجم (1/435) ، وأحسن التقاسيم (ص: 141) ، والروض المعطار (ص: 191) ، والأنساب للسمعافي (ص: 4/ 96) ، ومختصر كتاب البلدان (ص: 132) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
أوضاع ديار بنى بكر وما حولها- ومنها حران- التي كانت أحوالها سئية بعد استيلاء التتر عليها (1) ، فوصلوا إلى دمشق سنة 667 هـ واستوطنوها (2) .
وقد اشهرت عائلته بالعلم والمكانة، فجده مجد الدين عبد السلام بن عبد الله من العلماء الأعلام، قال عنه الذهبي: " كان إماما كاملا، معدوم النظير في زمانه، رأسا في الفقه وأصوله بارعا في الحديث ومعانيه، وله اليد الطولى في معرفة القراءات والتفسير " (3) ، وذكر تقي الدين أبو العباس أن جمال الدين ابن مالك (4) كان يقول: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد (5) . ولد المجد سنة 590 هـ؛ وتوفي سنة 652 هـ (6) ، أما والد تقى الدين فهو الشهاب عبد الحليم بن عبد السلام، ولد سنة 627 هـ، وتوفي سنة 682 هـ قال عنه الذهبي: " ذو الفنون.... صار شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد موت والده" (7) . وقال ابن كثير: " مفتي الفرق، الفارق بين الفرق، كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل كثيرة " (8) . وقال ابن شاكر الكتبي: " كان إماما في التفسير مبرزا في المذهب والخلاف وأصول الدين والنحو واللغة، وله معرفة تامة بعلم الحساب والجبر والهندسة وكان يعرف علوما كثيرة،--------------------------------------------
(1) حيث ضرب التتار هذه البلاد كما أن المماليك- في صراعهم مع التتار- كالوا يتلفون المزارع، انظر: الامارات الأرتقية في الجزيرة والشام (ص: 329) وما بعدها و (ص: 441) .
(2) في عيون التواريخ لابن شاكر الكتبى (22/ 339) ما يفيد أن حران أخليت من أهلها فقدم والده دمشق.
(3) معرفة القراء الكبار (2/654) ، ط الرسالة المحققة.
(4) هو: جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله الطائي الجياني الشافعى النحوي- صاحب الألفية- ولد سنة 0 0 6 هـ، وتوفي سنة 672 هـ، بغية الوعاة (1/130) ، وإشارة التعيين (ص:/ 320) .
(5) سير أعلام النبلاء (23/292) ، ومعرفة القراء الكبار (4/654) .
(6) انظر في ترجمته المصدرين السابقين، وذيل طبقات الحنابلة (2/249) ، والنجوم الزاهرة (7/33) .
(7) 1 لعبر (3/349-350) .
(8) البداية والنهاية (13 / 303) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وكان حسن الأخلاق لطيفا " (1) .
أما والدة تقى الدين فهى ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية عمرت فوق السبعين، توفيت سنة 716 هـ (2) .
ولشيخ الإسلام تقى الدين ثلاثة من الإخوة اشتهروا بالعلم والفضل وهم:
1- أخوه لأمه: بدر الدين أبو القاسم محمد بن خالد الحراني، ولد سنة 650 هـ تقريبا، وتوفي سنة 717 هـ كان عالما فقيها إماما، تولى التدريس عن أخيه تقى الدين (3) .
2- شقيقه زين الدين عبد الرحمن بن عبد الحليم، ولد سنة 663 هـ، وتوفي سنة 747 هـ، كان زاهدا عابدا، كما كان تاجرا، حبس نفسه مع أخيه تقى الدين في الإسكندرية ودمشق ليخدمه (4) .
3- شقيقه شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم، ولد سنة 666 هـ، وتوفي سنة 727 هـ لما كان تقى الدين مسجونا في القلعة، كان عالما متبحرا وذهب مع أخيه إلى مصر وناظر خصومه وحده فانتصر عليهم (5) .
ثانيا: حياته الأولى:
نشأ ابن تيمية وتربى في كنف والده، فتلقى العلم عنه وعن غيره من شيوخ عصره، ولم يقتصر على التلقى عن المعاصرين له وإنما اتجه إلى مؤلفات--------------------------------------------
(1) عيود التواريخ (22/339) ، وانظر في ترجمتهـ غير ما سبق- ذيل طبقات الحنابلة (2/ 0 31) ، وجلاء العيمين (ص: 42) ط المدني، وشذرات الذهب (5/376) ، والنجوم الزاهرة (7/359) .
(2) البداية والنهاية (14/79) .
(3) انظر في ترجمته: ذيل طبقات الحنابلة (2/ 0 37) ، وشذرات الذهب (6/45) .
(4) انظر في ترجمته: ذيل العبر للحسيني (ص: 143) ، البداية والنهاية (14/ 220) ، الدرر الكامنة (2/437) ، شذرات الذهب (6/ 152) .
(5) انظر: العقود الدرية (ص: 1 36) ، وذيل طبقات الحنابلة (2/382) ، وشذرات الدهب (6/76) ، وجلاء العينين (ص: 42) ط المدني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
من سبقه من العلماء حفظا واطلاعا، ونلمح في حياته الأولى ما يلي:
أ - قوة حافظته وسرعة إدراكه لما يسمع أو يقرأ، وذكر مترجموه لذلك قصة (1) .
ب - محافظته على الوقت منذ صغره، وذكروا لذلك حكاية (2) ، ولذلك سار بقية حياته في عمل؛ إما جهاد أو تدريس أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر أو تأليف للكتب والرسائل والرد على المخالفين.
جـ - قوة تأثيره وحجته، فقد أسلم على يديه يهودي وهو صغير (3) .
د - بدؤه بالإفتاء والتدريس في وقت مبكر، فقد أفتى عمره 19سنة (4) ، كما درس بدار الحديث السكرية (5) مكان والده في الثاني من محرم سنة 683هـ - أي بعد وفاة والده بقليل - إذ توفي في سلخ (6) ذي الحجة سنة 682 هـ (7) .
هـ - تمثلت مصادره الأولى مختلف فنون المعرفة ومنها: التفسير وعلوم القرآن، والسنة، الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارقطني / ومعجم الطبراني، وما يتعلق بها من علوم الحديث والرجال، والفقه وأصوله، وأصول الدين والفرق، واللغة والخط والحساب، والتاريخ، إضافة إلى علوم أخرى--------------------------------------------
(1) انظر العقود الدرية (ص:40) ، والكزاكب الدرية (ص80) .
(2) انظر الرد الوافر (ص218) ، أعيان العصر عن المنجد (ص51) .
(3) انظر الأعلام الحلية (ص17) ، وهو غير اليهودي الآخر الذي أسلم على يديه سنة 701هـ، انظر البداية والنهاية (14/ 19) .
(4) أذن له بالإفتاء شرف الدين المقدسي، توفي سنة 694هـ، وكان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت له بالإفتاء، انظر البداية والنهاية (13/ 341) ، والعقود (ص: 4) .
(5) دار الحديث السكرية: كانت بالقصاعين داخل باب الجابية بدمشق، وبعد تولي ابن تيمية تدريسها حرص على توسعتها، فانتدب لذلك أحد التجار المحبين لشيخ الإسلام يقال له: محمد بن عبد الكريم التدمري، فاعترض أحد نظار الوقف، ولكن بعد أمور وقعت بناها التدمري وأتم بناءها سنة 685هـ. الأطلال (ص: 45 - 46) .
(6) السلخ - بالفتح - آخر الشهر، انظر: تاج العروس مادة: سلخ.
(7) انظر: العقود (ص5) ، والبداية والنهاية (13/ 303) ،، وذيل طبقات ابن رجب (2/ 388) ، والرد الوافر (ص146) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
من فلك وطب وهندسة (1) ، وهذا واضح في كتبه التى ألفها فيما بعد، لا يتطرق إلى فن من الفنون إلا ويظنه القارىء متخصصا في هذا الفن.
ثالثا: شيوخه:
تتلمذ تقي الدين على شيوخ كثيرين، وقد خرج لنفسه مشيخة- رواها عنه الذهبى- روى فيها أربعين حديثا عن أكثر من أربعين شيخا وشيخة (2) ،؟ اشتهر برواية جزء حديثى مشهور- وهو جزء ابن عرفة (3) -، ومن شيوخه الذين لم يردوا في مشيخته:
1- شرف الدين المقدسى: أحمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن نعمة ابن أحمد الشافعى خطيب دمشق ومفتيها، وشيخ الشافعية فيها [622هـ -694 هـ] (4) .
2 - محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد اللة المقدسى، المداوي، الفقيه المحدث النحوي، شمس الدين أبو عبد الله، قرأ عليه ابن تيمية العربية [ولد سنة 603 هـ، وتوفي سنة 699 هـ] (5) .
3- تقى الدين الواسطي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الصالحي الحنبلى 1 602 هـ- 692 هـ، (6) .--------------------------------------------
(1) انظر: العقود (ص: 3، 7) ، والوافي (7/16) ، وتاريخ ابن الوردي (2/ 8 0 4-9 0 4) ، والأعلام العلية (ص: 8 1) ، وذيل ابن رجب (2/388) .
(2) طبعت في مجموع الفتاوى (18/76- ا 2 1) ، كما طبعت مفردة في دار القلم بتحقيق الشيخ عبد العزيز السيروان- ترجم لرواتها فوهم في تراجم بعضهم- وعدد الشيوخ الواردين في المشيخة - وبعضهم تكرر في أكثر من حديث- واحد وأربعون شيخا وأربع شيخات.
(3) طبع هذا الجزء وانظر الصفحات (23،25،28) من مقدمة المحقق، وممن روى هذا الجزء عن ابن تيمية التجيبي: القاسم بن يوسف التجيبى السبتي المتوفي سنة 730 هـ، انظر برنامجه (ص: 92 ا-193) ، هـ الدار العربية للكتاب.
(4) انظر: البداية والنهاية (13/ 341) ، والعبر (3/ 381) ، وشذرات الذهب (5/ 424) .
(5) انظر: العبر (3/ 402) ، وذيل طبقات الحنابلة (342/2) ، شذرات الذهب (5/ 352) .
(6) انظر: العبر (3/378) ، والمنهل الصافي (1/122-126) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
4- محمد بن إسماعيل بن أبى سعد بن على الشيباني الآمدي ثم المصري، شمس الدين أبو عبد الله [687 هـ- 4 0 7 هـ] (1) .
5- المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخى الدمشقى، زين الدين أبو البركات [631 هـ- 695 هـ] أخذ عنه ابن تيمية الفقه (2) .
6- عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن فارس العلثى ثم البغدادي، عفيف الدين أبو محمد [2 1 6 هـ- 685 هـ] (3) .
ست الدار بنت عبد السلام ابن تيمية، عمة شيخ الإسلام، روى عنها، توفيت سنة 686 هـ (4)
وغيرهم من الشيوخ الذين روى وأخذ عنهم والذين يزيدون على مئتي شيخ (5) ..
رابعا: هل كان مقلدا لشيوخه؟
كل عالم يبدأ حياته العلمية غالبا ما يبدؤها بتقليد شيوخه الذين أخذ عنهم ووثق في علومهم، والمتتبع لحياة شيخ الإسلام ابن تيمية يلمس منها أن ما أعطاه الله من ذكاء وقوة حافظة وسرعة إدراك وجو علمي مليء بالعلماء وبالكتب التى ألفها من كان قبلهم، ساعده على أن يكون ذا قدرة علمية مستقلة بعيدة عن التقليد الأعمى، ولذلك استمر طول حياته على منهج واحد لم يتغير، بخلاف بعض العلماء- خاصة من غاصوا في علم الكلام والفلسفة- تجد الواحد منهم يمر في حياته بأكثر من مرحلة، كل مرحلة لها منهج وطريقة تخالف المرحلة الأخرى.--------------------------------------------
(1) انظر: ذيل طبقات الحنابلة (2/352) .
(2) انظر: المصدر السابق (2/332) .
(3) انظر: العبر (3/359) ، وذيل ابن رجب (2/315) .
(4) انظر: أعلام النساء (2/154) .
(5) انظر: العقود (ص: 3) ، والكواكب (ص: 52) ، وانظر في شيوخ ابن تيمية: ديل ابن رجب (2/387) ، والبداية والنهاية (14/136- 137) ، والوافي (7/16) ، وتذكرة الحفاظ للذهبي (4/1496) ، والدرر الكامنة (1/ 154) وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ومع ذلك فنلمس- من خلال تتبع حياة ابن تيمية- رجوعه عن بعض المسائل التي قد يكون أخذها تقليدا، أو لم تتكامل معرفته بالشخص أو المسألة المعينة: فمثلا: يذكر أنه كان يحسن الظن بابن عربي الصوفي صاحب الفتوحات ثم عرف حقيقة حاله، يقول: " وأنا كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربى ويعظمه، لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات، والكنه، والمحكم المربوط، والدرة الفاخرة، ومطالع النجوم، ونحو ذلك، ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا، فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون، وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة هؤلاء وجب البيان " (1) . ومرة حضر مع الصوفية وأقاموا سماعا لكنه لم يشاركهم يقول: " وكنت في أوائل عمري حضرت مع جماعة من أهل الزهد والعبادة والارادة، فكانوا من خيار أهل هذه الطبقة، فبتنا بمكان، وأرادوا أن يقيموا سماعا وأن أحضر معهم، فامتنعت من ذلك، فجعلوا لي مكانا منفردا قعدت فيه، فلما سمععوا وحصل الوجد والحال، صار الشيخ الكبير يهتف بى في حال وجده ويقول: يا فلان قد جاءك نصيب عظيم، تعال خذ نصيبك، فقلت في نفسي- ثم أظهرته لهم لما اجتمعنا-: أنتم في حل من هذا النصيب، فكل نصيب لا يأتي عن طريق محمد بن عبد الله فإني لا آكل منه شيئا، وتبين لبعض من كان فيهم ممن له معرفة وعلم أنه كان معهم الشياطين، وكان فيهم من هو سكران بالخمر" (2) .
وهذه القصة كانت في أوائل عمره، وهنا يلحظ حرص هؤلاء الصوفية عليه لادخاله في زمرتهم، لكن موقفه القوي ووضوح العقيدة عنده ومعرفته بأحوالهم يدل على وعي مبكر بحال هذه الطائفة المنحرفة، ولذلك استمر في موقفه منها ورد عليها وفضح دعاتها. كما حدث له في مسألة"حلول الحوادث- الصفات الاختيارية لله تعالى- ومسألة الزيارة البدعية والشرعية ما يذكره بقوله: " ولكن هذه المسألة--------------------------------------------
(1) رسالة ابن تيمية إلى نصر المنبجى، مجموع الفتاوى (2/464- 465)
(2) مجموع الفتاوى (10/ 4180-419) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
[أي حلول الحوادث] ومسألة الزيارة وغيرهما حدث من المتأخرين فيها شبه، وأنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك، نقول في الأصلين بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله، أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فكان الواجب هو اتباع الرسول وأن لا نكون ممن قيل فيه {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [لقمان:21] وقد قال تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف:24] … " (1) ، بل يذكر أنه صنف منسكا ذكر فيه استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها ثم تبين له أن ذلك بدعة، يقول: " وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري، لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات " (2) .
فهذه المواقف له تدل على المنهل الأصيل الذي انطلق منه، متبعا للكتاب والسنة ولو كان ذلك فيه مخالفة لما كان عليه الآباء والأجداد، أو ما يترسمه الشيوخ والعلماء والقضاة، فالحق أحق أن يتبع، والأمور لا توزن بكلام الناس وما اعتادوهـ ولو كانوا علماء فضلاء- وإنما توزن بميزان الحق والعدل المبني على الشرع المنزل.
خامسا: جهاده وربطه بالعمل:
لقد تميزت حياة ابن تيمية بهذه الميزة العظيمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، فلم يكن العالم القابع في بيته، المتفرغ للإفتاء--------------------------------------------
(1) رسالة في الصفات الاختيارية- جامع الرسائل- تحقيق رشاد سا لم (2/56) ، وهو في مجموع الفتاوى (6/258) .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم (2/802) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
والتدريس والتأليف - وغنما كان رحمه الله رابطا العلم بالعمل، فعلمه يدفعه إلى تحمل مسؤوليته فيبادر إلى القيام بالحق والجهاد في سبيل الله وردع أهل الباطل.
وحياة ابن تيمية كلها كانت جهادا، والكلام حول هذا الجانب يطول ولكن نشير إلى بعض الأمثلة:
أ - أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
وكانت له في ذلك مواقف عظيمة، منها:
1 - كسره للأصنام والأماكن التي تعظم من دون الله - وقد مضى نماذج من ذلك عند الحديث عن انتشار بعض الشركيات في عصره - كما كان في ديار مصر - ينهى عن إتيان المشاهد وتعظيمها، وكان ينهى الذين يحلفون إذا أرادوا تغليظ أيمانهم حلفوا عند مشهد الحسين (1) .
2 - موقفه من النصارى: لما تضاءل الوجود النصراني في بلاد الشام صارت قبرص موطنا لهم يأوون إليها وهي تحت حكم النصارى وكانوا أحيانا يأخذون معهم أسارى المسلمين، وقد أرسل شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة إلى ملك قبرص - سرجوان - يدعوه فيها إلى الإسلام، ويفضح ما يفعله القسس والرهبان من الكذب على الناس مع معرفتهم أنهم على الباطل، ثم بعد أن ذكر ما عند الملك من الديانة ومحبة العلم وطلب المذاكرة، وحسن المعاملة، دعاه إلى الإسلام والاعتقاد الصحيح - بأسلوب يفيض رقة وأدبا مع مخاطبة العقل - ثم يقول: " وإن رأيت من الملك رغبة في العلم والخير كاتبته وجاوبته عن مسائل يسألها، وقد كان خطر لي أن أجيء إلى قبرص لمصالح في الدين والدنيا … " (2) ، ثم عقب بعد ذلك بذكر مواقفه من التتار وكيف أنه لما خاطبهم بإطلاق الأسارى وكيف أبى إلا أن يطلق جميع الأسارى من اليهود والنصارى ولا يقتصر على المسلمين، ثم يقول بلهجة قوية:: فيا أيها الملك، كيف تستحل سفك الدماء--------------------------------------------
(1) انظر ناحية من حياة شيخ الإسلام بقام خادمه (ص15 - 17) .
(2) الرسالة القبرصية (ص54) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وسبى الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسوله " (1) .
ثم أوصى في آخر الرسالة بالإحسان إلى من عنده من المسلمين، وأن لايسعى إلى تغيير دين أحد منهم (2) .
كا كان لابن تيمية مناقشات لبعض النصارى، ففي الجواب الصحيح أشار إلى بعض مناقشاته لهم (3) ، وأيضا فقد ناقش ثلاثة من رهبان النصارى جاءوه من الصعيد لما كان في مصر (4) .
وفي سنة 693 هـ كانت وقعة عساف (5) النصراني، حين سب النبي صلى الله عليه وسلم فقام عليه ابن تيمية والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث ودخلا على الأمير، وكانت قصة أوذي فيه الشيخان، ثم جاء الخبر بقتل النصراني (6) .
3- أما الصوفية فله معهم مواقف عدة، من أشهرها موقفه من الدجاجلة البطائحية (7) ، وهذه الطائفة كان له معها وقائع متعددة، بين لهم فيها ما عندهم من حق وباطل، كما فضح أحوالهم الشيطانية التي يزعمونها، وعزم على أن يدخل معهم النار التى يزعمون أنها من أحوالهم وخوارقهم، وقد استتابهم وأظهروا له الموافقة والطاعة، ولكنهم في تاسع جمادي الأولى سنة 705 هـ ذهبوا إلى الأمير--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (ص: 61) .
(2) انظر: رسالته إلى ملك قبرص (ص: 71-72) ، وقارن هذه الرسالة برسالة ألمط الوليد الباجي المتوفي سنة 474 هـ إلى راهب فرنسا النصرالمط جوابا لرمالته إلى المقتدر بالثة حام س قسطة 438 - 474 هـ يدعوه فيها إلى الدخول في النصرانية. فانتدب الباحي لإجابته، وكان أسلوبه جيدا. انظر الرسالتين بتحقيق: محمد عبد اللة الشرقاوي.
(3) انظر: الجواب الصحيح (2/172) .
(4) انظر: مجموع الفتاوى (1/ 370- 371) ، وترجمة ابن تيمية بقلم خادمه (ص: 23-24) .
(5) هو عساف ابن أحمد بن حجى، البداية والنهاية (13/ 340) ، والنجوم الزاهرة (74/8) .
(6) انظر: البداية والنهاية (13/ 335-336) .
(7) يقال لهم الأحمدية والرفاعية نسبة إلى أحمد الرفاعى؛ مؤسسها في أم عبيدة من قرى البطائح بين البصرة وواسط وخلف الرفاعي خاله منصور البطائحي، انظر عن أحمد الرفاعي وأم عبيدة والبطائح: وفيات الأعيان (1/171-172) ، والطرق الصوفية في مصر (ص: 89) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
يشكون ابن تيمية ويطلبون منه أن يسلم لهم حالهم، وأن يكف إمارته عنهم، وأن لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وأرادوا أمام الناس إظهار أحوالهم الشيطانية، فلما جاء شيخ الإسلام تكلم عن اتباع الشريعة وأنه لا يسع أحدا الخروج عليها، ورد على دعواهم أنهم يستطعون دخول النار وأن أهل الشرع لا يستطعون ذلك، وعزم على أن يدخل معهم بشرط أن يغسلوا أجسامهم بالخل والماء الحار وقال في أثناء المناقشة: ومع هذا فلو دخلتم النار أو طرتم في الهواء وفعلتم ما فعلتم لم يكن دليلا على صحة ما تدعونه من نحالفة الشرع، وبعد ما غلبوا وبهتوا أقروا بأن يلتزموا التزاما تاما بالكتاب والسنة ومن خرج عنهما ضربت عنقه.
وهكذا قضى على هذه الفتنة العطمة، وأحبطت مزاعم هذه الطائفة المنحرفة الذين " كانوا لفرط انتشارهم في البلاد، واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد، لخفاء نور الإسلام، واستبدال اكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار، ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل " (1) .
4- في سنة 704 هـ قام باستتابة شيخ يسمى إبراهيم القطان، وحلق رأسه وقلم أظافره وكانوا طوالا جدا، واستتابه من كلام الفحشى وأكل ما يغير العقل، وما لا يجوز من المحرمات، وبعد ذلك استحضر الشيخ محمد الخباز البلاسي فاستتابه أيضا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة (2) . وفي الاسكندرية توب رئيسا من رؤساء الصوفية (3) ، كما أنكر على طائفة القلندرية (4) ،--------------------------------------------
(1) مناظرة ابن تيمية لدجاجلة البطائحية. مجموع الفتاوى (11/456-457) ، وانظر: تفاصيل أخرى مهمة من (ص: 445-475) وهي ضمن مجموعة الرسائل والمسائل، ط المنار (1/ 121-146) ، وانظر في قصتهم: العقود (ص: 194) ، والبداية والنهاية (14/33) .
(2) انظر: البداية والنهاية (14/33) .
(3) انظر العقود (ص: 274) .
(4) ويسمون الملامية أو الملامتية، واليونسية والحيدرية، وهى من طوائف الصوفية المنحرفة نشأت بعد الستمائة بقليل في دمشق، انظر: أخبارهم في خطط المقريزي (2/432-433) ، والرد الوافر مع الحاشية (ص: 94-95) ، وانظر: فتوى شيخ الاسلام فيهم في مجموع الفتاوى (35/163) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وفي سنة 726 هـ ضربت عنق ناصر بن الشرف الهيثي لكفره واستهتاره بآيات الله، شهد قتله ابن كثير وجاءه ابن تيمية وقرعه على ما كان يصدر منه (1) . وفي إحدى المرات عزر أحد المشايخ ممن يدعي أنه المهدي (2) .
5- في سنة 699 هـ قام مع أصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وأراقوها وعزروا جماعة من أهل الحانات ففرح الناس بذلك (3) . وفي سنة 701 هـ قام عليه مجموعة من الحسدة بسبب إقامته الحدود والتعزير (4) .
6- أما مواقفه من السلاطين فمشهورة وأشهرها موقفه من قازان سلطان التتار- والتتار في ذلك الوقت كانت لهم هيبة وصولة- وكيف أنه كلمه بكلام قوي عن أعمالهم وافسادهم وانتهاكهم لحرمات المسلمين مع ادعائهم الإسلام (5) . وكذلك موقفه من الناصر- حين عاد إلى سلطنته للمرة الثالثة وأفرج عن ابن تيمية- فعرض وزيره مسألة أهل الذمة وأنهم يريدون أن يدفعوا أموالا على أن لا يلزموا باللباس المخصوص بهم، فاستشار السلطان العلماء الحاضرين فسكنوا، فتكلم ابن تيمية بكلام غليظ حتى رجع السلطان (6) . وكذلك موقفه من الأمير قطلوبك الكبير الذي كان يأخذ أموال الناس بالباطل فجاءه ونهاه (7) .
7- وكان لابن تيمية تأثير على السلاطين ليقوموا بدورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمثلا حين اشهرت الرشوة وأصبح لها دور في تولية بعض المناصب، بل وفي إسقاط الحدود في سنة 712 هـ ورد خطاب إلى دمشق--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية (14/ 122-123) .
(2) انظر: الاستغاثة (2/218- 219) .
(3) انظر: البداية والهاية (14/ 11) .
(4) المصدر السابق (14/19) .
(5) انظر المصدر السابق (14/ 89) ، والأعلام العلية (ص: 69) ، والكواكب (ص: 93) ، ودولة بني قلاوون (ص: 178) .
(6) انظر: العقود (ص: 281) ، وا لبدا ية وا لنها ية (4 1/54) ، والكواكب (ص: 137) ، وحسن المحاضرة (2/ 300) .
(7) انظر: الوا في (7/17) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
من السلطان أن لا يولي أحد بمال ولا رشوة، وأن يقتص من القاتل بحكم الشرع. وكان ذلك بمشورة ابن تيمية (1) . كما حارب ابت تيمية بعض البدع ومنها صلاة الرغائب (2) فيذكر ابن كثير أنه في سنة 706هـ صليت صلاة الرغائب التي أبطلها ابن تيمية بسبب سجنه في مصر (3) ، ثم أبطلت سنة 707 هـ (4) .
هذه نماذج من مواقف ابن تيمية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو لم يكن في حياته إلا هذا الجانب لكان دليلاً على جهاده وصبره رحمه الله.
ومما يلحظ في هذا الجانب وفي غيره أن ابن تيمية كانت له جماعة من أصحابه يستعين بهم، وينفذون معه ما يريد، ويصحبونه في حالات جهاده، وأمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، وهذا ملاحظ في ترجمته، فابن كثير يذكر أنه في سنة 699هـ خرج الشيخ ابن تيمية وجماعة من أصحابه إلى ملك التتر (5) … ، وفي سنة 704هـ ذهب مع أصحابه لهدم صخرة تزار (6) ، وفي نفس السنة ذهب مع أصحابه إلى جبل الكسروانيين، وفي سنة 709 هـ لم يخرج أحد من أصحابه معه إلى الاسكندرية، لكن بعد ذلك لحق به جماعة من أصحابه (7) .
ب - جهاده للتتار:
اكتنفت جهاد التتار حالة من الغموض في بعض الأمور المتعلقة بهم، كما صاحبها أحوال من الخوف والهلع من هذه الجيوش المدمرة، كما أن أوضاع العصر--------------------------------------------
(1) انظر البداية والنهاية (14/66) .
(2) صلاة مبتدعة نشأت في القدس بعد الثمانين والأربعمائة، ورد فيها حديث موضوع، وهي صلاة في رجب تصلى في الليل على أثر صيام أول خميس فيه، وهذه الصلاة هي موضوع المساجلة العلمية بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح، انظرها مع مقدمتها. طبع المكتب الإسلامي.
(3) انظر البداية والنهاية (14/ 41) .
(4) المصدر السابق (14/46)
(5) المصدر نفسه (14/8)
(6) المصدر نفسه (14/ 34) .
(7) انظر البداية والنهاية (14/ 49 - 50) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وما فيه من فوضى جعلت موضوع " الجهاد في سبيل الله" الذي هو من أشرف الأعمال وأعظمها صورة نظرية تقرأ في نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء، أو انحصرت في مسألة واضحة- لا يزال المسلمون يعيشون أحداثها- في جهادهم للنصارى. وقد هيأ الله لهذه الأمة في هذا الوضع رجلاً يقوم بدور كبير في هذا المجال وفي هذه الأحوال، وقد ظهرت مواقف ابن تيمية وجهاده العظيم من خلال مايلي:
أ- توضيح حال التتار، وأنه يجب قتالهم- لاتفاق العلماء على وجوب قتال كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام- ثم بيانه لأحوال التتار وأنه ينطبق عليهم هذا الحكم- وقد تقدم بيان ذلك.
ب- بيان أسباب النصر، وأن التتار- على قوتهم وكثرتهم ورهبة الناس منهم- ليس مستحيلا أو صعبا النصر عليهم متى ما أخذ المسلمون بأسباب النصر من تحكيم الشرع ورفع الظلم ونشر العدل، وإخلاص النية في الجهاد في سبيل اللة، ولذلك نجده في معركة " شقحب " (1) يأمر الناس بالفطر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأفطر معهم، وكذلك لما حض السلطان على الجهاد سأله السلطان أن يقف معه فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم (2) ، وقبيل المعركة- وابن تيمية يحض على الجهاد- كان يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج:60] . (3) .--------------------------------------------
(1) شقحب كجعفر، موضع قرب دمشق، وهي قرية صغرة قبلي دمشق على تخوم أرض حوران تبعد عن دمشق 37 كيلو مترا. وشقحب تقع تحت جبل غباغب وهي قرية في أول عمل حوران، انظر: تاج العروس (1/324) ط بولاق، ومعجم البلدان (4/184) ، والسلوك (1/932) ، وأعلام الورى لابن طولون (ص: 166) حاشية المحقق.
(2) انظر: البداية والنهاية (14/26) .
(3) المصدر السابق (14/23) وفيه وقع تحريف في الآية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
ب- ثم نجدهـ بعد جهاده لهؤلاء والانتصار عليهم- يحلل تلك المعارك ويبين الدروس المستفادة منها، ويقف فيها وقفات يبين وجه الشبه بين ما جرى مع التتار وغزوات النبى صلى الله عليه وسلم، يقول في بداية كلامه: " إن هذه الفتنة التي ابتلى بها المسلمون من هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الاسلام، قد جرى فيها شبيه ما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغازي التى أنزل الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين، ما هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا إلى يوم القيامة، فإن نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظى والمعنوي، أو بالعموم المعنوي. وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة كا نالت أولها وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأم لتكون عبرة لنا، فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها … " (1) ، ثم يذكر هذه الفتنة التي وقعت فيقول: " ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان " (2) .
ثم بين أقسام الناس في هذه الحادثة ووجه الاعتبار منها، ثم أخذ يقارن بين أحداث السيرة وبين ما وقع في هذه الفتنة مع التتار؛ فيعرض لحال الأعداء ولحال المؤمنين، ثم يتكلم عن المنافقين وأفعالهم وصفاتهم، مع مقارنة دقيقة بأحوالهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر تحزب الأحزاب من كل جانب على المدينة ثم يقول: " وهكذا هذا العام: جاء العدو من ناحيتي علو الشام، وهو شمال الفرات، وهو قبلي الفرات، فزاغت الأبصار زيغا عظيما، وبلغت القلوب الحناجر، لعظم البلاء، لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا:
هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام.--------------------------------------------
(1) العقود الدرية (ص: 121) .
(2) المصدر السابق (ص: 124) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)