" فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنة على غير شريعة الإسلام، وكانوا يظهرون أنهم رافضة، وهم في الباطن إساعيلية ونصيرية وقرامطة باطنية، كما قال فيهم الغزالي-رحمه الله تعالى-- في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم " ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض ". واتفق طوائف المسلمين: علماؤهم وملوكهم وعامتهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام، وأن قتالهم كان جائزا، بل نصوا على أن نسبهم كان باطلا.... والذين يوجدون في بلاد الإسلام من الاسماعيلية والنصيرية والدرزية وأمثالهم من أتباعهم، وهم الذين أعانوا التتر على قتال المسلمين (1) ، وكان وزير هو! والنصير الطوسى من أئمتهم " (2) .
وهذا الذي استجد في هذا العصر جاء مع ظهور التتار وهجومهم على العالم الإسلامى. وهؤلاء التتار كان يحكمهم نظام وقانون وضعه لهم زعيمهم جنكيزخان يسمى بالياسا، أو الياسق، وهذا القانون كانوا يطبقونه بحذافيره، وصارت له عندهم قداسة، وفي هجومهم على المسلمين حملوه معهم وطبقوه.
وكلمة " ياسا" وقد يقال: ياسه، أو يساق أو يسق (3) ، كلمة مغولية [تركية] تعني قانون التتار الذى وضعه زعيمهم، يقول المقريزى- في أثناء ذكره لمهمات "الحجاب "- حجاب السلاطين- في عهده: وأن متوليها مهمته أن ينصف من الأمراء والجند، تارة بنفسه، وتارة بمشاورة السلطان، وتارة بمشاورة النائب،--------------------------------------------
(1) من العجيب- وابن تيمية يشير إلى تعاون الرافضة مع التتر- أن من نصوص قانون التتار الياسق الذي ذكرهـ أو بعضهـ المقريزي في خططه نصا يأمر بتمييز ولد علي بن أبي طالب- رضي الله عنه وأن لا يكون عليهم كلفة ولا مؤنة: يقول: " وشرط أن لا يكون على أحد من ولد علي ابن أبي طالب- رضى الله عنهـ مؤنة ولا كلفة ". الخطط (2/220) .
(2) مجموع الفتاوى (28/635-636) .
(3) في تاج العروس (7/98) - مما استدركه في فصل الياء مع القاف- قال عن كلمة " يساق "، " كسحاب" وربما قيل يسق بحذف الألف، والأصل فيه يساغ، بالغين المعجمة، وربما خفف فحذف، وربما قلب قافا، وهي كلمة تركية يعبر بها عن وضع قانون المعاملة "، ولما كان معظم الجزاءات المنصرص عليها في نظام الياسا الاعدام صار من معاني هذه الكلمة القتل أو الموت. انظر: المغول في التاريخ (ج-1 ص: 338) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وأن حكم الحاجب كان " لا يتعدى النظر في مخاصمات الأجناد واختلافهم في أمور الإقطاعات ونحو ذلك، ولم يكن أحد من الحجاب فيما سلف يتعرض للحكم في شيء من الأمور الشرعية كتداعي الزوجين وأرباب الديون، وإنما يرجع ذلك إلى قضاة الشرع، ولقد عهدنا دائما أن الواحد من الكتاب أو الضمان ونحوهم يفر من باب الحاجب ويصير إلى باب أحد القضاة ويستجير بحكم الشرع فلا يطمع أحد بعد ذلك في أخذه من باب القاضي.... " (1) ، ثم ذكر المقريزي التطور الذي حدث بعد ذلك لمهمات الحجاب فقال: " ثم تغير ما هنالك وصار الحاجب اليوم (2) اسما لعدة جماعة من الأمراء ينتصبون للحكم بين الناس … وصار الحاجب اليوم يحكم في كل جليل وحقر بين الناس سواء كان الحكم شرعيا أو سياسيا بزعمهم، وإن تعرض قاض من قضاة الشرع لأخذ غريم من باب الحاجب لم يمكن من ذلك " (3) ، ثم قال: " وكانت أحكام الحجاب أولا يقال لها حكم السياسة وهي لفظة شيطانية لا يعرف اكثر أهل زمننا اليوم أصلها، ويتساهلون في التلفظ بها، ويقولون: هذا الأمر مما لا يمشي في الأحكام الشرعية وإنما هو من حكم السياسة ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم " (4) ، ثم ذكر المقريزي معنى " الشرع " ومعنى " السياسة " في اللغة، وأن السياسة نوعان: سياسة عادلة وهي السياسة الشرعية وقد ضنف فيها كتب متعددة، وسياسة ظالمة، وأن الشريعة تحرمها.
ثم عرض لأصل هذه الكلمة وغلط الذين يظنون أن أصلها كلمة عربية فقال: " وليس ما يقوله أهل زماننا في شيء من هذا، وإنما هي كلمة فعلية أصلها ياسة، فحرفها أهل مصر وزادوا بأولها سينا فقالوا سياسة، وأدخلوا عليها الألف واللام فظن من لا علم عنده أنها كلمة عربية، وما الأمر فيها إلا ما قلت لك واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة حتى انتشرت--------------------------------------------
(1) 1 لخطط (2/219) .
(2) توفي المقريزي: تقى الدين أبو العباس أحمد بن على سنة845، وكان مولده سنة 766 هـ، انظر: اللامع (2/ 1 2) ، والبدر الطالع (1/79) ، والأعلام (1/77) .
(3) 1 لخطط (219-220) .
(4) المصدر السابق (ص: 220) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
بمصر والشام وذلك أن جنكزخان القائم بدولة التتر في بلاد الشرق لما غلب الملك أونك خان، وصارت له دولة قرر قواعد وعقوبات أثبتها في كتاب سماه ياسة، ومن الناس من يسميه يسق، والأصل في اسمه ياسة، ولما تمم وضعه كتب ذلك نقشا في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده حتى قطع الله دابرهم، وكان جنكزخان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض كما تعرف هذا إن كنت أشرفت على أخباره، فصار الياسة حكما بتا بقى في أعقابه لا يخرجون عن شيء من حكمه" (1) . وقد نقل القلقشندى (2) عن علاء الدين الجويني (3) - الذى كان أحد خواص كتبة أرغون زعيم التتار وكان هجوم هولاكو على بغداد في عهدهـ أنه قال: " ومن عادة بني جنكزخان؛ أن كل من انتحل منهم مذهبا لم ينكره الآخر عليه " (4) ، ثم ذكر القلقشندي الياسة فقال: " ثم الذي كان عليه جنكزخان في التدين وجرى عليه أعقابه بعده الجرى على منهاج ياسة التي قررها، وهي قوانين ضمنها من عقله وقررها من ذهنه، رتب فيها أحكاما وحدد فيها حدودا ربما وافق القليل منها الشريعة المحمدية وأكثرها مخالف لذلك سماها الياسة الكبرى، وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزانته تتوارث عنه في أعقابه وأن يتعلمها صغار أهل بيته " (5) ،
ويقول ابن كثير " وأما كتابه الياسة فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ، ويحمل على بعير عندهم " (6) .--------------------------------------------
(1) الخطط (2/320) .
(2) أحمد بن علي بن أحمد الفزاري ولد سنة 756 هـ، وتوفي سنة 1 82 هـ، الضوء اللامع (2/ 8) ، والأعلام (1/ 177) .
(3) هو: علاء الدين عطا ملك الجويني، اشتغل هو وأبوه في خدمة المغول، ولد سنة 623 هـ، وتوفي سنة 686 هـ. دولة الاسماعيلية في إيران (ص: 127-138) ، والجوينى أحد الذين أرخوا للمغول، وعليه وعلى المؤرخ الآخر رشيد الدين، إعتمد كثير من المؤرخين في تاريخهم للمغرل، ومنهم ابن كثير في ترجمته لجنكزخان البداية والنهاية (13/117) .
(4) صبح الأعشى (4/310) .
(5) المصدر السابق (4/310- 311) ..
(6) البداية والنهاية (13/118) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ومن نصوص هذا الياسة: " أن من زنى قتل- ولم يفرق بين المحصن وغير المحصن- ومن لاط قتل، ومن تعمد الكذب أو سحر أو تجسس على أحد، أو دخل بين اثنين وما يتخاصمان وأعان أحدهما على الآخر قتل، ومن بال في الماء أو على الرماد قتل، ومن أعطى بضاعة فخسر فيها فإنه يقتل بعد الثالثة، ومن أطعم أسير قوم أو كساه بغير إذنهم قتل.... وأن من ذبح حيوانا كذبيحة المسلمين ذبح.... وشرط تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة على أخرى … وألزمهم أن لا يدخل أحد منهم يده في الماء ولكنه يتناول الماء بشيء يغترفه، ومنعهم من غسل ثيابهم بل يلبسونها حتى تبلى، ومنع أن يقال لشيء: إنه نجس، وقال جميع الأشياء طاهرة ولم يفرق بين طاهر ونجس وألزمهم أن لا يتعصبوا لشيء من المذاهب، (1) ومما يلفت الانتباه أن من ضمن هذا القانون أن السلطان ألزم بإقامة البريد حتى يعرف أخبار مملكته بسرعة (2) .
هذا هو نظام الياسة الذى وضعه زعيم التتار و" لما مات التزم من بعده من أولاده، وأتباعهم حكم الياسة كالتزام أول المسلمين حكم القرآن، وجعلوا ذلك دينا لم يعرف عن أحد منهم مخالفته بوجه " (3) .
هذه أحوال التتار وأنظمتهم لما هاجموا العالم الاسلامي، ولكن حدث لهم تطور- أشرنا إليه عند الحديث عنهم-، وذلك بدخولهم في الإسلام، وإعلان زعيمهم قازان الإسلام، ودخل كثير من التتار الإسلام. ولكن صاحب إسلام هؤلاء التتر عدة أمور- مخالفة لما يجب أن يكون عليه المسلم- ومنها:
أ- مهاحمتهم لبلاد المسلمين ف! الشام وغيره، ومقاتلتهم ونهب أموالهم وغير ذلك من الفساد.--------------------------------------------
(1) الخطط (2/220-221) .
(2) المصدر السابق، والملاحظ أيضا أنه في آخر العهد العباسى ألغى نظام البريد فكان ذلك من العوامل التي ساعدت على ضعف مقاومة المسلمين للتتار.
(3) المصدر السابق (2/ 221) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
ب- تعظيم نظامهم الياسق، وتنفيذ بعض بنوده ولو كانت مخالفة للشريعة االإسلامية.
ج-- تعطل بعض شرائع الإسلام، مثل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والكف عن دماء المسلمين، وضرب الجزية على اليهود والنصارى، وغير ذلك.
د- إقرار المنكرات، مثل أماكن الخمور والزنا، والسماح للنصارى بتعليق الصلبان، كما حدث في بيت المقدس والخليل زمن التتار.
ولكنهم مع هذا يعلنون إسلامهم وإقرارهم بالشهادتين، بل ويزعم قازان في رسائله إلى السلطان الناصر قلاوون أنهم كلهم أهل ملة واحدة، شرفهم الله بدين الإسلام وأنه دافع عن أهل ماردين الذين هاجمهم بعض جنود المماليك، وأنه إنما يقاتلهم لما أخذته الحمية الإسلامية، وفي مرسوم آخر أصدره لما احتل دمشق يتهم فيه حكام مصر والشام بأنهم خارجون عن طريق الدين، غير متمسكين بأحكام الإسلام (1) .
أمام هذه الأوضاع والدعاوي، ومع نشوب الحرب بين أهل الشام والتتار وقع الناس في حيرة من هذه المسألة، كيف يقاتلون التتر وهم يدعون الإسلام، ويعلنون الشهادتين؟، ولم تقتصر هذه الحيرة على عامة الناس، بل إن العلماء والفقهاء أيضا وقعوا في حيرة، واحتاج الأمر إلى وضوح الحكم في هذه المسألة الواقعية، وبيان الحق فيها، حتى يسير الناس وهم على الهدى، فكان ممن انتدب، وندب نفسه لبيانها شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-- وجاء ذلك على محورين:
محور علمي: يبين حكم هؤلاء التتار، وقد وردت عدة أسئلة وجهت إلى ابن تيمية حول هؤلاء الذين يعلنون الشهادتين، ويقتلون المسلمين، ويسبون بعض ذراري المسلمين ويهتكون حرمات الدين من إذلال المسلمين، وإهانة المساجد لاسيما بيت المقدس.... وادعوا مع ذلك تحريم قتال مقاتلهم--------------------------------------------
(1) انظر: نصوص رسائل قازان إلى الناصر قلاوون وأجوبته عليها في وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي (ص: 383-3 5 4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
لما زعموا من اتباع أصل الإسلام فهل يجوز قتالهم؟ وفي سؤال آخر إضافة إلى ما سبق: وما حكم من يكون من عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر والتصوف ونحو ذلك؟ ومايقال فيمن زعم أنهم مسلمون، والمقاتلون لهم مسلمون، وكلاهما ظا لم فلا يقاتل مع أحدهما.... أفتونا في ذلك بأجوبة مبسوطة شافية، فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين، بل على أكثرهم، تارة لعدم العلم بأحوالهم، وتارة لعدم العلم بحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مثلهم، وفي سؤال آخر: سئل عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار، ويقولون: إن فيهم من يخرج مكرها معهم، وإذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا؟ وفي سؤال سئل عن أموالهم هل أخذها حلال أو حرام؟.
وقد أجاب ابن تيمية عن هذه الأسئلة بأجوبة واضحة كل الوضوح، وبناها على قاعدة في الفتوى عزيزة، لازمة لكل من يتصدى للفتوى- خاصة في المسائل المستجدة- فقال في أحد الأجوبة: " نعم، يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين:
أحدهما: المعرفة بحالهم.
والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم.
فأما الأول: فكل من باشر القوم يعلم حالهم، ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين، ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن نبين الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول: كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت في الشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا البدع الخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها: مثل أن يظهروا الالحاد في أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأحماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التى توجب الخروج عن شريعة الإسلام، وأمثال هذه الأمور.... " (1) ، ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة وفعل الصحابة مع المرتدين والخوارج وغيرهم، ثم قال: " وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم [أي التتار] فقد علم أن هؤلاء القوم جازوا على الشام في المرة الأولى عام تسعة وتسعين [بعد الستمائة] وأعطوا الناس الأمان وقرأوه على المنبر بدمشق، ومع هذا فقد سبوا من ذراري المسلمين ما يقال: إنه مئة ألف أو يزيد عليه وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله، حتى يقال: إنهم سبوا من المسلمين قريبا من مئة ألف، وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها، كالمسجد الأقصى والأموي وغيره، وجعلوا الجامع الذي العقبه دكا؛ وقد شاهدنا عسكر القوم، فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نر في معسكرهم مؤذنا ولا إماما، وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله.... وهم يقاتلون على ملك جنكزخان، فمن دخل في طاعتهم جعلوه ولما لهم، وإن كان كافرا، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار المسلمين، ولا يقاتلون على الاسلام ولا يضعون الجزية والصغار " (2) ،
ثم بين كيف أنهم يعظمون جنكزخان ويقرنونه بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويقدسون تعاليمه، ثم قال: " ومعلوم بالاضطرار من دين الاسلام باتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام،--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (28/510- 511) .
(2) مجموع الفتاوى (28/519- 521) ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من أمر ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب " (1) ، ثم تحدث عن وزرائهم، وإظهارهم الرفض، ثم أجاب عن بقية التساؤلات والشبهات (2) .
هذا هو المحور الأول، أما المحور الثاني فهو: المحور العملي، وذلك بالحض على جهاد هؤلاء التتار وإعلان جهادهم، حتى انه ذهب من الشام إلى مصر ليلتقى بالسلطان ومن حوله من الأمراء والوزراء ليحضهم على جهادهم، وجمع الجيوش لقتالهم، وكان لابن تيمية في هذا الجهاد والإعداد له، وقيادة بعض فصائله ما هو مشهور ومسطور وقد أشار إلى هذه المسألة- مسألة شبهة مقاتلة التتار مع ادعائهم الاسلام- ابن كثير-رحمه الله وهو يعرض لبعض وقائعهم، فقال عن وقعة " شقحب ": " وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو؟ فإنهم يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه "، فقال الشيخ تقي الدين [ابن تيمية] : " هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما. وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصى والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسى مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد " (3) ، وابن كثير يقول لما ذكر الياسة وبعض أحكامه، " وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحام إلى الياسة وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإحماع المسلمين " (4)
وقال في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (28/524) .
(2) انظر: مجمرع الفتاوى (ج- 28، ص: 1 50-553، وص: 589) .
(3) البداية والنهاية (14/23-24) .
(4) البداية والنهاية (13/119) ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير " (1) .
وهكذا أوضح ابن تيمية وتلامذته من بعده حكم هذه المسألة، وكان الجواب حاسما في بيان الحكم، وقويا في جهاد هؤلاء التتار وإبعاد خطرهم عن المسلمين.
* * *
وهناك أمر آخر - له علاقة بهذا الموضوع - وجد في عهد المماليك، ألا وهو إعطاء الامتيازات للأجانب - من النصارى وغيرهم - داخل الدولة الإسلامية، وكان الباعث على ذلك حرص المماليك على تنشيط التجارة، وكانت التجارة أكثر ما تكون في ذلك الوقت مع الهند وما جاورها، ومع أوربا، وبالأخص الأندلس وإيطاليا، وقد حرص المماليك على أن رد التجار ببضائعهم المختلفة وتجاراتهم إلى دولة المماليك، فقد أصدر المنصور قلاوون بيانا يعلن فيه - بعد مدح ممالك مصر والشام- حسن معاملة من يرد من التجار غير المسلمين والوفاء بالعهود لهم، كا أوصى بإعادة النظر فى ثغر الإسكندرية وأن يحرص الناظر--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (3/122-123) ، ط الشعب، وانظر: عمدة التفسير لأحمد شاكر (4/173) ، وتعليقه على هذا الموضوع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
- في ضمن مهامهـ على معاملة التجار الواردين إليه بالعدل والرفق، وأن لايسلك بهم حالة تجلب لهم القلق والتظلم (1) .
وكانت تتم أحيانا معاهدات- مع النصارى- تتضمن ما يتعلق بالأمور التجارية، وكان حكام المماليك في موقف الأقوى- خاصة بعد نهاية الحروب الصليبية بالشام-، وفي عهد المنصور قلاوون- في سنة 686 هـ- عقد صلح مع ملك أرغون- حاكم برشلونه في الأندلس، ومع أخيه صاحب صقلية- وكان ضمن هذا الصلح- الذي ينص على حماية كل بلد لتجار ومراكب وسفن البلد الآخر- نص يقول: " وعلى أنه متى كانت بين تجار المسلمين وتجار بلاد الريدراغون [أي ملك أرغون في شرق الأندلس] معاملة في بضائعهم وهم في بلاد مولانا السلطان كان أمرهم محمولا على موجب الشرع الشريف " (2) .
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وإنما تعداهـ تشجيعا للتجار- إلى إعطائهم كثيرا من الامتيازات، بحيث جعلت لهم فنادق يسكنون فيها، وصار لهم قنصل دائم يتحدث باسم الممالك التي ينتمون إليها، وتطور الأمر إلى ما هو أخطر وذلك بالسماح لهم بإحضار الخمور ليستعملوها هم، وكذلك يتحاكمون إلى قناصلهم حسب قوانينهم لا حسب الشريعة (3) .
سابعا: الجوانب العلمية والعقائدية:
إذا كان هذا العصر- عصر المماليك- قد تميز بأنه عصر جهاد ومقاومة لأعداء الإسلام من المغول والصليبيين، الذين أرادوا أن يحطموا الإسلام وما يحمله من حضارة وعلوم ومعارف كانت محط أنظار العالم أجمع، وإذا كان المماليك--------------------------------------------
(1) انظر: صبح الأعشى (1 1/ 0 4- 42، 9 1 4-423) ، وأيضا (13/339- 342) .
(2) تشريف الأيام والعصرر (ص: 161) ، وانظر نص الهدنة (ص: 56ا-164) ، وانظر صلحا آخر مابها مع أهل جنوة (ص: 165-169) .
(3) انظر في هذه القضية: تشريف الأيام والعصور (ص: 51) من مقدمة المحقق، وانظر: بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى (ص: 31 ا- 140) ، ودراسات في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب (ص: 02 ا-19 1) ، ودولة بني قلاوون (ص: 339-346) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
قد قاموا بدور عظيم في الجهاد والعناية بكل ما يدعمه وينمى جيوشه وأساطيله، فلا يعنى هذا أن هذه الأمور طغت عليه فلم يتميز بجوانب أخرى.
لقد برزت الناحية العلمية- التى قادها علماء كبار- في شتى التخصصات، في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والتراجم واللغة وغيرها، كما عنى علماء هذا العصر بالتأليف الموسوعي، وهذه المؤلفات وإن كان يغلب عليها الجمع والنقل عن السابقين، إلا أنها لا تخلو من بحوث لموضوعات جديدة، كما أنها حفظت لنا كثيرا من كتب السابقين المفقودة.
لقد برز في هذا العصر أعلام أمثال: النووي والعز بن عبد السلام، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وبدر الدين بن جماعة، كما برز الذهبى والصفدي وابن حجر العسقلافي، والبدر العينى، وابن تغري بردي والمقريزي والسيوطي والقلقشندي وغيرهم ممن أصبحت مؤلفاتهم- في العصر الحاضر- من أشهر المؤلفات وأكثرها فائدة للعلماء والباحثين.
ولم يكن العلماء قابعين في بيوتهم للتأليف والجمع فقط وإنما كانوا يقومون بدور كبير في التدريس والقضاء، والأمر بالمعروف والهي عن المنكر، وقد وجد في هذا العصر من كانت له مواقف مشهودة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالإمام النووي [توفي سنة 676 هـ] الذي كتب إلى السلطان الظاهر بيبرس من ضمن ما كنب يقول- في جواب على جواب السلطان الذي يحمل التوبيخ والتهديد-: " وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد ولا أكثر منه، ولا يمنعنى ذلك من نصيحة السلطان فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى.... " (1) ، أما مواقف العز ابن عبد السلام وشيخ الإسلام ابن تيمية فهي مشهورة.--------------------------------------------
(1) ترجمة النووى للسخاوى (ص: 42) ، وحسن المحاضره (2/ 100) ، وانظر: تفاصيل موقف النووي ورسائله في هذا الموضوع في المصدرين السابقين، في ترجمته للسخاوي (ص: 40- هـ ه) ، وحسن المحاضرة (2/97- 5 10) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
أما الناحية العقدية - في هذا العصر- فلتوضيحها نعرض لأحوال أهل الذمة ثم إلى انتشار التصوف والشركيات، وأخيرا نعرض إلى انتشار المذهب الأشعري.
أولا: أهل الذمة:
لأهل الذمة أحكام ذكرها العلماء، وأشهر ما جع في ذلك ما ورد في الشروط العمرية- نسبة الى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه (1) ، ثم لما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز-رحمه الله كانت له مواقف من أهل الذمة (2) ، وقد اهتم العلماء في هذه المسألة وأبرز من اهتم بها وذكر فيها روايات عديدة عبد الرزاق الصنعاني [المتوفي سنة 211 هـ] وذلك ضمن موسوعته الحديثية " المصنف " وسماه " كتاب أهل الكتابين " (3) ، ولعل سر اهتمامه بذلك كونه عاش في اليمن حيث يوجد هناك بعض اليهود والنصارى.
وقد بقى أهل الذمة في العالم الإسلامي غالبا ما يلتزمون هذه الشروط العمرية- سواء منها ما يتعلق باللباس المميز لهم أو غيره -، حتى إذا جاء الفاطميون واحتلوا مصر وهم يحملون معهم المذهب الشيعي الغالي الخالف لمذهب جمهور المسلمين السنيين، ورأوا أنه لا يمكن الاعتماد- كليا- على أهل السنة الموالين للخلافة العباسية، قرب الخلفاء الفاطميون أهل الذمة من اليهود والنصارى وولوهم مناصب كبيرة في الدولة بلغت أحيانا مرتبة الوزارة، وقد عمل هؤلاء - حتى ولو كانوا من اليهود- على التساع مع النصارى وتوظيفهم، وبناء الكنائس، وبلغ من تعاطف! بعض الخلفاء الفاطميين مع النصارى أن صاروا يحتفلون معهم بأعيادهم الخاصة بهم وقد لقى المسلمون من جراء هذه الأمور--------------------------------------------
(1) انظر: نص هذه الشروط والكلام حول رواياتها ثم شرحها في أحكام أهل الذمة لابن القيم (2/657) وما بعدها. وانظر الأموال لأبي عبيد (ص: 23 1) وما بعدها، وانظر: معالم القرية (ص: 94) ، ونهاية الرتبة (ص: 106) .
(2) انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي (ص: 81) ولابن عبد الحكم (ص: 140) .
(3) المصنف (0 1/1 1 3-378) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
أذى ومصاعب كثيرة (1) .
وفي عهد المماليك - صارت الدولة تلزم رؤساء الطوائف بعد تعيينهم أن يلتزموا ويلزموا أتباعهم بالشروط المعروفة على أهل الذمة، وأن يلتزموا أيضا بالقيود المفروضة عليهم من تميزهم باللباس، وكانت هذه الأوامر تخف أحيانا بحيث لا يلتزمها أهل الذمة، ثم إذا طالت المدة - ووجد سبب معين - أعيد الأمر بالتزامها وشدد عليهم في ذلك.
وكان من أبرز المراسيم الصارمة الصادرة في حق أهل الذمة المرسوم الصادر سنة 700هـ - في عهد السلطان قلاوون - بالزامهم بأحكام أهل الذمة من لباس ومركوب، وعدم استخدامهم في الوظائف الديوانية، وكان لنائب السلطان: الجاشنكير دور كبير في ذلك (2) .
وفي سنة 709هـ لما عاد السلطان محمد بن قلاوون في سلطنته الثالثة، وأمر بإطلاق ابن تيمية - من السجن - وقدمه - فلما جلس ومعه العلماء والقضاة عرض الوزير (3) على السلطان أن أهل الذمة قد عرضوا أن يدفعوا للديوان سبعمائة ألف في كل سنة زيادة على الحالية، على أن يعودوا إلى لبس العمائم البيض - كالمسلمين - فاستشار السلطان العلماء " فقال لهم: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم احد، فجثى الشيخ تقي الدين على ركبتيه، وتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ ورد على الوزير ما قاله ردا عنيفا، وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويسكنه بترفق وتؤدة وتوقير، وبالغ الشيخ في الكلام وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله ولا بقريب منه، وبالغ في التشنيع--------------------------------------------
(1) انظر: الدولة الفاطمية - سرور - (ص86) وما بعدها، وانظر: أهل الذمة في مصر في العصور الوسطى (ص51) ، وانظر أيضا: الفاطميون في مصر - حسن ابراهيم حسن (ص199) وما بعدها.
(2) انظر صبح الأعشى (13/ 377) ، والبداية والنهاية (14/ 16) ، والنجوم الزاهرة (8/ 132) ، والسلوك (1/909) ، وعلل المقريزي ذلك بزيادة ترف أهل الذمة وركوبهم الخيل المسومة، ثم ذكر قصة قدوم وزير ملك المغرب ودوره في ذلك وقد أشار إلى دوره كال من القلقشندي وابن تغري بردي، كما فصل ذلك المقريزي في الخطط (2/498) .
(3) هو: ابن الخليل - انظر حسن المحاضرة (2/300) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
على من يوافق فى ذلك، وقال للسلطان: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ رد ملكك إليك وكبت عدوك ونصرك على أعدائك " (1) ، ولما كان للجاشنكير- الذي كان نائبا لقلاوون ثم اغتصب السلطة منه وتولى بدلهـ دور في صدور قرار إلزام أهل الذمة بشروط عمر- رضى الله عنهـ سنة 700 هـ قال السلطان قلاوون لابن تيمية لما كلمه بما سبق: إن الجاشنكير هو الذي جدد عليهم ذلك- والجاشنكير كما أنه آذى السلطان وعزله وتولى بدله فقد آذى ابن تيمية أذى شديدا وسجنهـ لكن ابن تيمية لم ينظر إلى الأمر من هذه الزاوية وإنما قال للسلطان: " والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبا لك، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك " (2) . وقد وقعت الفتن بين المسلمين والنصارى الذين ضايقهم هدم بعض كنائسهم مما تسببوا في إشعال الحرائق في القاهرة سنة 702 هـ، وسنة 721 هـ (3) .
ويبدو أن مثل القضايا في مصر والشام كانت سببا في ظهور المناقشات العلمية حول أحكام أهل الذمة، وكيف يعاملون؟، وحكم كنائسهم التي كانت موجودة عند الفتح الإسلامي لمصر والشام، وحكم الكنائس التى أحدثت في أمصار المسلمين ومنها- القاهرة- التي بنيت بعد الفتح الإسلامى بقرون، وقد أجاب العلماء على مثل هذه الأسئلة: ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أجاب بعدة فتاوى حول أهل الذمة وإلزامهم الشروط العمرية، وحكم كنائسهم وهدمها، وقد بين ذلك بكل قوة ووضوح حتى قال، وهو يعرض لحكم سبهم للرسول محمد صلى الله عليه وسلم: " وهنا (4) الشروط على أهل الذمة حق لله، لا يجوز للسلطان ولا لغيره أن يأخذ منهم الجزية ويعاهدهم على المقام بدار الإسلام--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية (14/54) .
(2) المصدر السابق، وانظر العقود الدرية (ص: 281) ، والكواكب الدرية (ص: 137) .
(3) انظر: السلوك (1/ 941،2/ 222) ، وحسن المحاضرة (2/301) .
(4) لعل صوابه " وهذه ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
إلا إذا التزموها وإلا وجب عليه قتالهم بنص القرآن " (1) ، فبين أن هذا الأمر ليس السلاطين هم الذين يقررون أن يلزموهم أو لا يلزمونهم، وإنما هو حق لله تعالى، كما بين في فتاويه حكم الكنائس التي بنيت في الأمصار التي مصرها المسلمون، وأنه لا يجوز إبقاؤها بحال (2) … ، كما أن ابن القيم-رحمه الله لما سئل عن حكم أهل الذمة أجاب بجواب طويل جدا- بلغ مجلدين- وأوضح فيه المسألة وبينها بيانا شافيأ ذاكرا الأدلة والنصوص وأقوال العلماء (3) .
ثانيا- انتشار الشركيات والتصوف:
كثرت في هذا العصر مظاهر الشرك، كما انتشر التصوف، وبين الشرك والتصوف المنحرف علاقة وطيدة، إذ غالبا ما يكون أهم مظاهر التصوف الشرك وذلك بالغلو في المشايخ والأولياء- الأحياء منهم والأموات- وقد كان أبرز مظاهر الشرك بناء المشاهد على القبور، وبناء المساجد عليها؛ بحيث تصبح هذه القبور أماكن للعبادة والتقرب إلى الله بشتى أنواع القرب فيأتيها الناس مستشفعين بهؤلاء الأموات، طالبين فهم قضاء الحاجات وكشف الكربات وس جع نشأة بناء المشاهد والأضرحة إلى الرافضة، فمن المعلوم أنه لم يكن في أول الإسلام حتى أوائل العهد العباسي شىء من هذه المظاهر بارزا، فلما جاءت دولة العبيديين - الفاطميين- في المغرب ثم فى مصر، ثم جاءت دولة بنى بويه في العراق - وكلهم رافضة- نشأت هذو الظاهرة الشركية في العراق ومصر وغيرهما، ولما كان هؤلاء الرافضة ليس لهم هم إلا إفساد دين الإسلام وحرب أهلهـ أهل السنة---------------------------------------------
(1) الصارم المسلول (ص: 213) .
(2) انظر فتاوى ابن تيمية في: مجموع الفتاوى (28/632) وما بعدها، وأحكام أهل الذمة (2/677) حيث نقل فتوى له أخرى بنصها كما كان لابن تيمية مناقشات للنصارى، انظر الجواب الصحيح (2/172) ، ومجمرع الفتاوى (1/370) وترجمته بقلم خادمه (ص: 23) . …
(3) وهو كتاب أحكام أهل الذمة وقد حققه الدكتور صبحي الصالح-رحمه الله وكتب له مقدمة طوبلة- بروح انهزامية غربية- فهل كان متأثرا بالوضع الطائفي في لبنان وهو من أهله، أم كان متأثرا بحضارة العصر- حضارة هيئة الأمم المتحدة- ومع ذلك فمن المحزن المبكي أن الكتاب صدر بمقدمة صبحي الصالح سنة 1 38 1 هـ، ثم أعيدت طباعته سنة 1 0 4 1 هـ، وفي هذا العام 7 0 4 1 هـ اغتيل صبحي الصالح في لبنان في حمى الصراع الطائفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
عنوا بمثل هذه الأمور فبنوا الأضرحة وضخموها وعظموها ودعوا الناس لزيارتها ودعائها حتى صارت هذه المشاهد تعظم وتزار ويبذل لها أكثر من زيارة بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج.
والنصارى- بوثنيتهم وتقديسهم للصور والتماثيل والقبور- لهم أثرهم على من يلقونه من جهال المسلمين ممن يخالطهم ويسمع كلامهم، ولذلك لما ظهرت دولة العبيديين في مصر قدم النصارى إلى الشام واستوطنوا ثغوره وأمصاره. وهكذا تلتقي هذه الطوائف الثلاث: النصارى، والرافضة والمتصوفة، في هذا الإنحراف الخطير المتمثل في أنواع من الشرك بالله - بمظاهره العديدة التي لا تزال أكثر أقطار العالم الإسلامي تعاني منه ومن آثاره (1) .
جاء عهد المماليك وكثير من هذه المشاهد والأضرحة موجودة، قبور بني عبيد، وقبر الشافعي، وقبر الحسن- الذي بناه بنو عبيد- وغيرها، فلم يحرك السلاطين ساكنا، بل الأمر على العكس أخذوا يبنون لأنفسهم ولأقاربهم الأضرحة والقبب وتفننوا فيها بحيث جعلوا عليها مساجد ومدارس، يأتيها العلماء وطلاب العلم وتلقى فيها الدروس المنتظمة، وأوقفوا عليها الأوقاف الكثيرة، فالظاهر بيبرس [توفي سنة 676 هـ] بنى على قبر أبى عبيدة- رضى الله عنه - مشهدا، وجدد قبة الخليل عليه السلام، كما وسع مشهد جعفر الطيار، وعمر تربة لزوجته (2) ، والمنصور قلاوون- ت 689 هـ- بنى في سنة 683 هـ تربة على قبر والدة السلطان الملك الصالح بن المنصور قلاوون (3) .
أما أشهر المدارس فهى المدرسة المنصورية، وقد وضع فيها قبة سميت القبة المنصورية وفيها قبر المنصور قلاوون وابنه الناصر محمد، وهي من أكبر القباب وأشهرها، وصارت معظمة عند المماليك إلى حد أن السلطان إذا أمر أحدا--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (27/167، 460- 461،466) .
(2) انظر: فوات الوفيات (1 / 243، 244) ، والبداية والنهاية (13 / 276) ، والظاهر بيبرس (ص: 60 ا- ا 16) ، ومملكة صفد (ص: 263) .
(3) انظر: تشريف الأيام والعصور (ص: 55) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
من أمراء الشام أو مصر، فإن الأمير الجديد ينزل من قلعة الجبل إلى القبة المنصورية ثم يحلف عند القبر المذكور ويحضر تحليفه صاحب الحجاب (1) . وتليها المدرسة الناصرية التى بناها الناصر قلاوون وبنى فيها قبة دفن والدته وأحد أولاده (2) . ولما انتصر قلاوون سنة 702 هـ في وقعة شقحب وقدم إلى مصر كان أول عمل عمله أن زار قبر والدهـ في ضريحهـ والقراء يقرؤون القرآن عند القبر (3) .
أما على المستوى العام فقد انتشر عند الناس تعظيم القبور والسفر لزيارتها، كما شاع عندهم تعظيم بعض الأماكن التي تنسب- كذبا- إلى نبي أو ولي، ففي دمشق كانت هناك صخرة عند مسجد التاريخ يعظمها الناس ويقبلونها، ويزعمون أن فيها أثر قدم النبى صلى الله عليه وسلم، كما كان هناك عند الباب الصغير العمود الخلق يتبرك به الناس وقد هدمهما ابن تيمية-رحمه الله تعالى-- (4) .
أما موقف أكثر العلماء من هذه الشركيات فكان أحسن أحواله السكوت عنها - خاصة وأن كثيرا ممن تولى القضاء كانوا يميلون إلى التصوف- ويرون السفر لزيارة القبور، وهؤلاء هم الذين وقفوا ضد فتاوى ورسائل ابن تيمية حول هذه المسائل حتى سجن ومات فيه.
أما موقف ابن تيمية من هذه الشركيات فقد كان موقفا عظيما، وقد قام على ثلاثة محاور:
الأول: بيان حقيقة هذه المشاهد، وأن الكثير منها كذب، وليست قبورا لمن نسبت إليه (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: الخطط (2/ 0 38- 381) ، والسلوك، ملاحق (1/997- 1 0 0 1) ، وكان الأمراء قبل ذلك يحلفون عند القبة فى المدرسة الصالحية. انظر: الخطط (2/374،0 38) .
(2) انظر: الخطط (2/ 382) ، والسلوك- ملاحق- (1/1040- 0 5 0 1) .
(3) انظر: السلوك- ملاحق- (1/1038- 39 0 1) .
(4) انظر: ترجمة ابن تيمية بقلم خادمه (ص:10 - 11) ، والسلوك (2/8-9) ، وبدائع الزهور (1/417) ، والبداية والنهاية (14/ 34) .
(5) انظر: كتاب رأس الحسين، ومجموع الفتاوى (17/ 0 0 5، 27/ 173) ، وأيضا (27/ 61) حول قبر نوح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
الثاني: البيان العلمى من خلال المناقشات المباشرة، ومن خلال المؤلفات والرسائل، وبيان ما فيها من بدع وشرك ومناقشة أقوال الخالفين.
الثالث: الناحية العملية وذلك بإزالة هذه الأماكن الشركية ومنع المتلبسين بشيء منها (1) .
أما التصوف فيعتبر هذا العصر- القرن السابع والثامن- العصر الذهبي له، ولعل الضعف والتفرق الذي أصاب العالم الاسلامي قبل ذلك، والحروب الصليبية التى صدمت المسلمين نفسيا قبل أن تصدمهم عسكريا، كانت من أسباب انتشاره في هذا العصر.
والتطور الذي حدث للتصوف في هذا العصر تطور خطير، إذ أنه تحول من تصوف فردى في الغالب يقوم على جهود الأفراد واتباعهم الى تصوف منظم، له مدارسه التي يينيها الحكام وغرهم وتهيأ لهذه المدارس والأماكن كل ما يحتاجه ساكنو هذه المدارس ومرتادوها، ولأ تنقطع بموت الشيخ أو الصوفي وإنما يتوارثها من بعده ممن اشتهروا وزعم الناس فيهم الولاية وشاعت لهم الكرامة.
وقد برز التصوف من خلال ممايلي:
أ- بناء الخوانق والربط والزوايا (2) ،
وقد انتشرت انتشارا عظيما في عصر الأيوبيين والمماليك، ومن المحزن حقا ما ذكره بعض الكتاب من أن أول خانقاه بنيت في الشام كانت برملة بيت المقدس بناها أمير النصارى حين استولى--------------------------------------------
(1) انظر: نماذج من ذلك في ترجمته بقلم خادمه (ص: 6-24) .
(2) الخانقاه: كلمة فارسية وتنطق أحيانا خانكاه، ومعناها بيت، ثم جعلت علما على المكان الذي يتخلى فيه الصوفية لعبادة الله تعالى، انظر الخطط (2/414) ، ومنادمة الأطلال (ص: 272) .
والربط: جمع رباط وأصله المكان الذي يرابط فيه المجاهدون في سبيل الله في الثغور، ثم بعد ذلك استخدم علما على بيت الصوفية ومنزلهم. انظر: عوارف العوارف (1/ 261- 281) ، والخطط (2/427) .
والزوايا: جمع زاوية، وهي المكان الذي يخصصه شخص ما للعبادة ويختلى فيه ويأتيه فيه بعض مريديه. انظر منادمة الأطلال (ص: 299) .
والفرق بينهما: أن الخانقاه على شكل مدرسة يعين لها شيخ رفيها مدرسون فلا يدخلها إلا من قبل فيه، أما الربط: فهى لفقراء الصوفية، أما الزاوية: فهي برسم شخص معين. انظر المجتمع الاسلامي في بلاد الشام (ص: 155) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
الفرنج على القدس، وأنه رأى طائفة من الصوفية فأعجبه ما بينهم من ألفة ومحبة - ولعله لمس أن فيها شبها من رهبنة النصارى - فسألهم عن حالهم فأخبروه، فقال لهم: أبني لكم مكانا لطيفا تتآلفون فيه وتتعبدون، فبنى لهم تلك الخانقاه ثم نتشرت بعد ذلك (1) وفي القرن السادس والسابع كثر بناء الخوانق والربط، فانتشرت في مصر والشام بحيث أصبحت أماكن معروفة ومشهورة يرتادها الصوفية من كل مكان ويتلقون فيها - إضافة إلى دروس العلماء وممارسة العبادات والأوراد الصوفية - وكافة ما يحتاجونه من مطعم ومشرب ومأوى وأموال تصرف لهم أحيانا، حتى أصبحت لها امتيازات ليست لغيرها - بسبب الأموال والأوقاف الكثيرة التي تجلب لها - (2) .
ب - عاش في هذا العصر طائفة من كبار الصوفية الذين كان لهم أتباع ومريدون ولا شك أن وجود هؤلاء في أماكن مختلفة يؤدي إلى أن يصبح التصوف ظاهرة اجتماعية حيثما حل الإنسان في بلد يجد هذه الفئات المتزهدة المظهرة للفقر والحاجة، ومن أهم رجال التصوف المشهورين في هذا العصر:
1 - ابن عربي محيي الدين محمد بن علي بن محمد، توفي سنة 638هـ.
2 - ابن الفارض، عمر بن علي بن مرشد الحموي، توفي سنة 632هـ.
3 - أبو الحسن الشاذلي، علي بن عبد الله بن عبد الجبار، توفي سنة656هـ.
4 - أبو القاسم بن منصور بن يحيى المالكي الأسكندري المعروف بالقباري، توفي سنة 662هـ.
5 - خضر بن أبي بكر المهراني، كان الظاهر بيبرس يعتقد فيه ويخضع له، توفي سنة 676هـ.
6- أحمد البدوي، أحمد بن علي بن إبراهيم القدسي الملثم، توفي سنة675هـ
7- التلمساني المرسي، محمد بن موسى بن النعمان، توفي سنة 686هـ.--------------------------------------------
(1) انظر: خطط الشام (6/130) ، والمجتمع الإسلامي في بلاد الشام (ص151) .
(2) انظر: حصراً بأسماء هذه الخوانق والربط والزوايا في مصر والشام: خطط المقريزي (2/ 414- 436) ، ومنادمة الأطلال (ص272 - 316) ، وحسن المحاضرة (2/265 - 267، 273) ، والمجتمع الإسلامي في بلاد الشام (ص150 - 155) ، خطط الشام (6/130 - 155) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
8- أبو العباس المرسى، أحمد بن عمر الأنصاري، توفي سنة 686 هـ
9- نصر بن سلمان المنبجى، أبو الفتح، توفي سنة 719 هـ.
10- أبو الحسن الشثتري، علي بن عبد الله، توفي سنة 668 هـ.
11 - ابن عطاء السكندري: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، توفي سنة 709هـ (1) .
جـ - ادعاء الكرامة وظهور السحر والشعوذة والأحوال الشيطانية، ونسبتها إلى الأولياء والصلحاء أو من يدعون أنهم منهم، ومذهب أهل السنة في الكرامة معروف وهو إثباتها إذا جاءت على يد الصالح المتمسك بالكتاب والسنة وليست دليلا على الولاية، أما الكثير من الكرامات الذي وجد في هذا العصر فقد كان يأتي على يد الدجالين والمنحرفين، أو أنها تنسب الى الصلحاء ولكنها أحوال شيطانية تقع لمن يعتقد فيهم من عامة الناس اعتقادا قد يؤدى إلى الشرك بالله تعالى.
ولقد كان لشيخ الإسلام ابن تيمية مع كثير من هؤلاء وأتباعهم صولات وجولات فبين الحق في هذه الأمور وفضح أصحابها وبين المداخل الشيطانية لهؤلاء، ووضع أصولا للفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. وقد حكى في مناسبات كثيرة من كتبه قصصا شاهدها أو رواها له الثقات عن كثير ممن يدعي أو يدعى له الولاية والكرامة وبين كيف تجيء الشياطين وتصنع هذه الأمور الخارقة فيظن من شاهدها أو وقعت له أنها كرامة وليست كذلك.
فمما ذكره وقد سئل عن الحلاج- المقتول على الكفر والزندقة سنة 309 هـ- فبين حاله وأحواله الشيطانية ثم قال: " ومثل هذا يحدث كثيرا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني، ونحن نعرف كثيرا من هؤلاء في زماننا وغير زماننا مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق، فيجىء من الهواء إلى طاقة البيت الذي فيه الناس فيدخل وهم يرونه،--------------------------------------------
(1) انظر: حسن المحاضرة (1 / 518 - 524) ، وانظر: الطرق الصوفية في مصر، عامر النجار (ص: 136-140) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)