ب) اعتمادهم على الأحاديث الصحيحة، ونبذ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد تمثل هذا عندهم بالإنكار على من اعترض على الأحاديث الصحيحة الثابتة، وتمثل أيضا بذكرهم للأسانيد فيما يروونه، ومعلوم أنه إذا أسند الراوي فلابد من النظر في إسناده والحكم على الحديث صحة وضعفا بعد جمع طرقه ورواياته، ومن الملاحظ على كتب السنة- التي اختصت بالعقيدة- ورود بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة فيها، ولا شك أن الناظر فيها- في العصور المتأخرة- يحس أنه كان من المفروض تمييز صحيحها من غيره، أو يراد ما صح منها فقط، أما إدخال هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة فيها فله سلبيات لعل من أهمها التشهير بأهل السنة من جانب أهل التعطيل ووصفهم لهم بالحشو والتشبيه، والتندر بهم بذكر نماذج من هذه الأحاديث. ولكن لو رجعنا إلى هذا الزمن الذي دونت فيه لوجدنا ما يبرر فعلهم هذا، فالعناية بالحديث كانت شديدة، ومعرفة الضعفاء والوضاعين كانت مشهرة، ثم إن هذه الروايات التي أوردوها- ويعلمون أحيانا أنها ضعيفة- قد تكون وردت عند أحد أعلام المحدثين بطريق أو بطرق أخرى صحيحه، فليس هناك ما يضمن مع كثرة المحدثين والرواة في مختلف أمصار المسلمين أن هذه الأحاديث لم ترد إليهم بطرق أخرى.
ج-) حجية خبر الآحاد في العقيدة إذا صح، وهذا من المعالم الرئيسة لمنهج السلف، والقول بأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم ومن ثم فلا يحتج بها في العقيدة بدعة كبرى تلقفها أو أحدثها المعتزلة، ولكن من المؤسف أن كثيرا من العلماء ممن ينتسبون إلى السنة- وخاصة في كتبهم في أصول الفقهـ ظنوا أنها لا تفيد العلم وإنما تفيد الظن، وانتشرت هذه المقالة بنسبة القول بها إلى الجمهور، ومما يلاحظ أن كثيرا ممن ألف في أصول الفقه هم، إما من المعتزلة أو الأشاعرة أو الماتريدية، فأدخل هؤلاء هذه المسألة وصاروا يذكرون فيها أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن فيحتج بها في الأمور العملية من الأحكام لا العلمية، ويقصدون بها أمور العقائد بينما لو تتبعنا نصوص السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم لوجدنا الإجماع منهم- تقريبا- على عدم التفريق في أخبار الآحاد بين الأحكام والعقائد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
ولذا يحسن هنا أن نذكر قصة إسحاق بن راهويه (1) مع عبد الله بن طاهر (2) ،
فقد روى عن إسحاق بن راهويه قال: " دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال لي: يا أبا يعقوب، تقول: إن الله ينزل كل ليلة؟، فقلت: أيها الأمير، إن الله تعالى بعث إلينا نبيا نقل إلينا عنه أخبار، بها نحلل الدماء وبها نحرم، وبها نحلل الفروج وبها نحرم، وبها نبيح الأموال وبها نحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك، قال: فأمسك عبد الله " (3) .
هذا مذهب السلف ومنهجهم لم يؤثر عن أحد منهم ممن يعتد بقوله إذا ورد عليه حديث صح عنده ثبوته أن رد ما دل عليه من أمور العقيدة بأنه خبر آحاد- وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة المهمة، وإنما الغرض الإشارة المجملة.
4- أن الصحابة أعلم الناس- بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بالعقيدة، لذلك فأقوالهم وتفاسيرهم للنصوص حجة لأنهم- رضي الله عنهم قد اكتمل فيهم الفهم والمعرفة لأصول الدين التي دل عليها كتاب الله المنزل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والعجب أن بعض من يدعي الانتساب إلى مذهب أهل السنة يشتد غضبه حينما يعرض لرأي الرافضة في الصحابة وتنقيصهم لهم، ولكن لا يرى بأسا في أن يقرأ أو يسمع لبعض شيوخه من المنتسبين للسنة في مقابل الرافضة والمعتزلة كلاما يؤول إلى تنقيص الصحابة والطعن في فهمهم وعقولهم، مثل عبارة: أن الصحابة لم يعلموا - علم الكلام - لأنهم كانوا مشغولين بالجهاد،--------------------------------------------
(1) هو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلى، أبو محمد بن راهويه المروزى، قرين أحمد بن حنبل حياته (1 6 ا-237) أو (238 هـ) ،. تاريخ بغداد (5/6 34) ، وسير أعلام النبلاء (11/ 358) ، والتهذيب (1/6 1 2) ، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص: 88 1) .
(2) عبد الله بن طاهر، أبو الحسين بن مصعب، الأمير العادل، أبو العباس، حاكم خراسان، توفى سنة: 230 هـ وله (48) سنة.
تاريخ بغداد (9/483) ، وولاة مصر للكندي (ص: 4 0 2-08 2) ، وسير أعلام النبلاء (10/ 684) ، والفرج بعد الشدة (1/339) .
(3) ذكره البيهقى في الأسماء والصفات (ص: 452) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ومثل قول بعضهم: إن الصحابة كانوا يقرؤون القرآن ولكنهم يمرون النصوص المتعلقة بالصفات وغيرها دون فهم لها ولمعناها … ، أو أن الصحابة لو واجهوا الشبهات التي واجهها من بعدهم لتأولوا كما تأولنا … الخ.
وهذا- بلا شك- منهج خطير، لا يقف الانحراف فيه عند حد الصحابة، بل قد يلزم منه اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الرسول المبلغ عن الله - بمثل هذه التهم التي توجه إلى الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين-.
والصحابة- في نظر أهل السنة، الذين هم أهل الحديث- كلهم عدول، ومن ثبتت صحبته ثبتت له العدالة بمجرد الصحبة، ولا شك أن هذه الأفضلية- أعني أفضلية الصحبة التى اختصوا بها، ولا يمكن أن ينال فضلها أحد ممن جاء بعدهم- تجعل لهم منزلة في فهم العقيدة وإدراكها، لا يمكن أن ينالها من جاء بعدهم. ولذلك كان السلف يفتخرون في أن دينهم أخذوه عن التابعين عن الصحابة، فشريك بن عبد الله (1) لما قيل له: إن قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث أى أحاديث النزول، حدث بنحو عشرة أحاديث في هذا، وقال: " أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم عمن أخذوا؟ " (2) .
ولمكانة الصحابة عند السلف حرصوا على تدوين أقوالهم وآرائهم في مختلف المسائل، فقد روى صالح بن كيسان (3) قال: " اجتمعت أنا والزهري (4)--------------------------------------------
(1) هو: شريك بن عبد الله النخعى الكوفي، القاضي، أبو عبد الله، صدوق، بخطئ كثيرا، كان عارفا عابدا، شديدا على أهل البدع، ولد سنة (90 هـ) وتوفى سنة 178 هـ. ميزان الاعتدال (2/270) ، سير أعلام النبلاء (8/172) ، تهذيب التهذيب (4/333) ، التقريب (1/ 351) .
(2) رواه الصاغاني- كما في: سر أعلام النبلاء (8/158) ، والبيهقي فى الأسماء والصفات عن الصاغاني (ص: 451) .
(3) هو: صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة، ثبت، فقيه، مات بعد سنة: 140 هـ. تهذيب تاريخ دمشق (6/380) ، وتذ كرة الحفاظ (11/48) ، وسير أعلام النبلاء (5/454) ، والتقريب (1/362) ، وطبقات الحفاظ (ص: 63) .
(4) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله، أبو بكر القرشي الزهري المدني، أحد الأعلام، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
- ونحن نطلب العلم- فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة. قال: فقلت أنا: لا، ليس بسنة، لا نكتبه. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت " (1) .
والصحابة تميزوا في العقيدة وفهمها بعدة ميزات، أهمها:
أ) أنهم شاهدوا التنزيل، وعاشوا مع النبى صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى هذا الوحى من ربه الذي ينزل عليه مفرقا حسب الوقائع والأحداث، فعاصروها جميعا، واحدة فواحدة، فكيف لا يكونون وهم كذلك- أعلم الناس بالتنزيل وأسباب نزولهـ إن كانت له أسباب- وأعلم الناس- من ثم- بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يقول عاقل: إن من حضر الواقعة أو الحادثة- أيا كانت- أقل علما بها ممن لم يحضرها ولم يشارك فيها.
ب) من المعلوم أن حواري الرسل وصحابتهم الذين اتبعوهم وآمنوا بهم هم اكثر الناس فهما لرسالتهم وما يتلعق بها من أحكام سواء في العقيدة أو الشريعة؛ فهم العارفون بدقائقها المدركون لحقائقها، وهم اكمل الناس علما وعملا، ولا يكون من بعدهم اكمل منهم في شيء من ذلك، ولذلك روى عبد الله ابن مسعود- رضى الله عنهـ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من نبى بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه--------------------------------------------
(1) = توفي سنة: 124 هـ. طبقات ابن سعد- الجزء المتمم (ص: 157) ، وتاريخ دمشق- طبعت ترجمته مفردة- ووفيات الأعيان (4/177) ، وغاية النهاية في طبقات القراء (2/262) ، وسير أعلام النبلاء (5/326) ، والواي للصفدي (5/24) ، وتهذيب الهذيب (9/445) .
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف (11/ 258) ورقمه (487 0 2) ، والخطيب في تقييد العلم (ص: 6 0 ا- 107) ، وابن سعد في الطبقات (2/388) ، وفي الجزء المتمم (ص: 68 1) ، والفسوى في المعرفة (1/637، 641) ، وابن عساكر- ترجمة الزهري مفردة- (ص: 62) ، وأبو نعيم في الحلية (3/360) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " (1) ، فمن سار على نهج الصحابة سلم من هذه الصفة الذميمة. ومع كل ذلك فمن أتى بعد الصحابة فلن يكون مثلهم في الفهم والعلم.
ج-) لم يكن بين الصحابة خلات في العقيدة، فهم متفقون في أمور العقائد التى تلقوها عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل وضوح وبيان، وهذا بخلاف مسائل الأحكام الفرعية القابلة للاجتهاد والاختلاف، يقول ابن القيم-رحمه الله: " إن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الايمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانا. ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشىء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن واحدة " (2) .
والأمور اليسيرة التى اختلفوا فيها- كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه، وغيرها لا تؤثر في هذه القاعدة العامة، لأن الخلاف فيها كان لأسباب وقد يكون لبعض الصحابة من العلم ما ليس عند الآخر، لكنهم- رضى الله عنهم- إذا جاءهم الدليل خضعوا له بلا تردد.
د) كان الصحابة يسألون عما يشكل عليهم، وهذا أمر مشهور عنهم - رضى الله عنهم - فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رُوي عنها أنها--------------------------------------------
(1) رواه مسلم، كتاب الايمان- باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، ورقمه (80) .
(2) إعلام الموقعين (1/ 51-52) ت: الوكيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
" كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه " (1) ولذلك سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: " من نوقش الحساب عذب " عن الآية: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق:7،8] ، فأجابها: " إنما ذلك العرض … " (2) ، كذلك سأل الصحابة عن رؤية الله فمثل لهم برؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب (3) ، وكذلك قدرة الله على البعث ضرب لها مثالا بالنبات (4) .
ومن هذه الميزات تتضح بجلاء مكانة الصحابة وعلمهم وفهمهم- رضي الله عنهم أجمعين- كما يتبين فضلهم- في هذه الأمور وغيرها- على من جاء بعدهم، وأن أي تجهيل لهم بأسلوب صريح أو غير صريح يعتبر ضلالا وانحرافا، لا يتوقف عند حد اتهام الصحابة أنفسهم بل يتعداه إلى ما بلغوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الدين كلها. وإن العجب ليأخذ الإنسان وهو يقرأ مثل هذا الكلام لأحد الكتاب وهو يعرض لمذهب السلف ومدرستهم، يقول: " ولعلنا نلمح- من خلال هذا العرض- الفرق الواضح بين الايمان والمعرفة، فالأول محله القلب، والثانية محلها العقل. ومن ثم نستطع أن نقرر أن المتديني ن في الصدر الأول قد فقهوا النص الديني- وخاصة ما يتعلق بأمور العقيدة- بقلوبهم، قبل إدراكه بمقاييس العقل، كالذي عرف فيما بعد لدى بعض فرق المتكلمين، وتخريجهم نصوص العقيدة على مقتضى ما وضعوه من مقامات عقلية "--------------------------------------------
(1) رواه البخارى عن ابن أبي مليكة في العلم، رقم (103) ، واسمه: عبد الله بن عبيد الله ابن عبد الله بن أبي مليكة بن عبد بن جدعان ثقة، فقيه، روى عن مجموعة من الصحابة- منهم عائشة - روى له الجماعة. انظر: التهذيب (5/306) ، والتقريب (1/431) .
(2) متفق عليه: رواه البخارى عن ابن أبي مليكة عن عائشة، كما رواه عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة، وأرقامه (3 0 1، 4939،6536،6537) ، ومسلم في الجنة، ورقمة (2876) .
(3) رواه أحمد - عن أبي رزين العقيلى ابن المنتفق - المسند (4/11) ، ورواه أبو داود في السنة، رقمه (4731) ، وابن ماجه في المقدمة، رقمه (180) ، وابن أبي عاصم في السنة، رقمه (459- 460) ، وحسنه الألباني.
(4) رواه أحمد عن أبي رزين العقيلى، واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق، وهو الذي سأله. المسند (4/11) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
ثم يعقب قائلا:" وليس في هذا القول نسبة لهم- أي المتدينين- إلى التجهيل كما فهم تقي الدين ابن تيمية " (1) .
هكذا يقول الكاتب عن الصدر الأول- وفيهم الصحابة- إنهم كانوا يؤمنون بأمور العقيدة بقلوبهم، ولكنهم لا يعرفونها بعقولهم، وإنما عرفها أهل الكلام من بعد لما جاءوا بالمقدمات العقلية، ومع ذلك فليس في هذا تجهيل للصحابة والصدر الأول (2) .
5- ومن منهج السلف: التسليم لما جاء به الوحي، مع إعطاء العقل دوره الحقيقي، وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه، فالسلف رحمهم الله لم يلغوا العقل كا يزعم خصومهم من أهل الكلام، أو من لا خبرة له بمذهب السلف من غيرهم، كما أنهم لم يحكموه في جميع أمورهم كما فعل أهل الضلال، وإنما وزنوا الأمر بموازين الشرع: فما جاء به الوحي فهو حق وصدق ولا يمكن أن يخالف معقولا صريحا أبدا، إذ كيف يخالفها والوحي من الله والعقول مخلوقة لله، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك والمقصود هنا بيان أن من منهجهم التسليم لما ورد في النصوص وعدم معارضتها بشيء من الأهواء أو العقول، مع إعطاء العقل دروه المناسب له (3) .
6- لم يكونوا يتلقون النصوص ومعهم أصول عقلية يحاكمون النصوص إليها،؟ فعل المعتزلة وغيرهم الذين وضعوا أصولأ عقلية، ثم لما جاءوا إلى القرآن والسنة وما فيهما من دلالات في الاعتقاد، نظروا فما وجدوه موافقا لتلك الأصول العقلية أخذوا به، وما وجدوه مخالفا لشيء نها أولوه أو أنكروا الاحتجاج به، وقد كان سيد قطب-رحمه الله من الدعاة إلى هذا المنهج في العودة إلى العقيدة والتصور الإسلامي، يقول في كلامه حول المنهج الصحيح لذلك: " ومنهجنا--------------------------------------------
(1) المدرسة السلفية، تأليف: محمد عبد الستار نصار (ص: 478) .
(2) انظر: في موضوع منزلة الصحابة، قواعد المنهج السلفي (ص: 51-68) الطبعة الثانية.
(3) انظر: علاقة الاثبات والتفويض (ص: 23-26) ، ومنهج علماء الحديث والسنة (ص: 40) ، وانظر: نقض التأسيس المطبوع (1/246-247) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
في استلهام القرآن الكريم، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا، لا مقررات عقلية، ولا مقررات شعورية- من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاتهـ نحام إليها نصوصه، أو نستلهم معافي هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة ".
" لقد جاء النص القرآني- ابتداء- لينشىء المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليا تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلى الكبير، هذه الرعاية من الله ذي الجلال- وهو الغني عن العالمين- أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نطفا من كل رواسب الجاهليات- قديمها وحديثها على السواء- مستمدا من تعليم الله وحده، لا من ظنون البشر، التي لا تغنى من الحق شيئا ".
" ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى، إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب إبتداء، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا، وهذا- وحدهـ هو المنهج الصحيح، في مواجهة القرآن الكريم، وفي استلهامه خصائص التصور الإسلامي ومقوماته " (1) .
7- الرجوع إلى النصوص الواردة في مسألة معينة، وعدم الاقتصار على بعضها دون البعض الآخر، وهذا ناشيء من أنهم لا يفرقون بين النصوص وليس لديهم أصول عقلية متقررة سلفا عندهم ليأخذوا من النصوص ما وافقها ويدعوا ما خالفها، كما وقع فيه أهل الأهواء كلهم، إذ ما من طائفة من طوائفهم إلا وأخذت بجزء من النصوص مما يوافق مذهبها ثم تأتي طائفة تطعن في أدلة الطائفة الأخرى … وهكذا في جميع مسائل العقيدة.
أما السلف- ومذهبهم هو الوسط- فلا يسلكون مثل هذا المنهج، بل يأخذون بجميع النصوص، فيكون معهم الحق الذي مع كل من الطائفتين المنحرفتين،--------------------------------------------
(1) خصائص التصور الإسلامي (ص: 14-15) ، ومع هذا المنهج الواضح لسيد قطب فلا يخلو كتابه " في ظلال القرآن " من بعض الهفوات التي وقع بها، خاصة في بعض الصفات كالاستواء وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
ويسلمون من الباطل الذي معهما. والأمثلة على ذلك كثيرة وواضحة والحمد لله. فالسلف يجمعون النصوص في المسألة الواحدة من مسائل العقيدة وغيرها، ثم يأخذون بها جميعا فيخلصون إلى مذهب وسط هو المذهب الحق والعدل.
8- التزام العدل والإنصاف مع أعدائهم، فهم يعترفون بما عند الخصوم من حق، ولا يعميهم ما يجدونه عندهم من ضلال فيصدهم عن قول الحق فيهم، أو يدعوهم إلى رميهم بما ليس فيهم من الباطل. وهذا بخلاف منهج أهل الأهواء الذين يرمون كل من لم يقل بمقالتهم بشتى أنواع التهم، ويحملون أقوال من يخالفهم أسوأ الاحتمالات، ولا يعترفون له بحق أبدا. أما أهل السنة فيلتزمون الإنصاف مع أنفسهم ومع من يخالفهم، ولذلك فهم يقسمون من عداهم إلى قسمين:
أ) أهل كفر وعناد فهؤلاء يجاهدونهم ويكشفون باطلهم.
ب) أهل بدعة وعصيان. فهؤلاء يحمدون لهم ما عندهم من إيمان وجهاد وخير وخدمة للإسلام، ويردون ما هم عليه من بدعة، ويبينون ما فيها من ضلال ومخالفة لمذهب أهل السنة، ومن كان داعيا إلى بدعته فالموقف منه يشتد حسب خطورة المقالة الضالة التي أتى بها، وحسب المصلحة التى تنجم عن كشف البدعة وتفسيق صاجها.
9- لا يتعصبون لشخص إلا للرسول صلى الله عليه وسلم، فعندهم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الهادي البشير عليه الصلاة والسلام، لأنه الذي لا ينطق عن الهوى. وهذا بخلاف أهل الأهواء الذين يتعصبون لطائفتهم أو إلى رجل من رجالهم، ويجعلون أقوال هؤلاء كالنصوص، لا تقبل الرد ولا التأويل، ومن ثم يردون نصوص الكتاب والسنة لأجلها. أما أهل السنة فإمامهم وقائدهم الذي يتبعون ما جاء به ويزنون جميع أقوال الناس بأقواله؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: تميز السلف " أهل السنة والجماعة " عن غيرهم:
والقصد من هذا بيان الميزات التى تميز بها أهل السنة عن غيرهم ومن أهمها:
ا- أن أهل السنة ليس لهم اسم يسمون به إلا اسم " أهل السنة والجماعة "، أو " أهل الحديث " فهو الاسم الذي عرفوا به، وهذا بخلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
أصحاب البدع الذين تسموا بأسماء وألقاب أو عرفوا بها فصارت علما عليهم، ومن المعلوم أن أهل السنة قد يسميهم غيرهم بأسماء وألقاب أخرى، إذ ما من فرقة إلا وسمت أهل السنة باسم يناسب ما خالفها فيه أهل السنة، ولكن بقي أهل السنة لم يلزمهم شىء من هذه الألقاب الباطلة. ولذلك ذكر ابن عبد البر أن رجلا جاء إلى الامام مالك فقال: " يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بينى وبين الله عز وجل، قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل. قال: من أهل السنة؟، قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمى، ولا قدري، ولا رافضي (1) ، ويقول الشيخ عبد القادر الجيلى (2)
في الغنية: " واعلم أن لأهل البدع علامات يعرفون بها فعلامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر بالحشوية، ويريدون إبطال الآثار، وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر ناصبة، وكل ذلك عصبية وغياض لأهل السنة، ولا اسم لهم إ، اسم واحد وهو: أصحاب الحديث، ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع، كمالم يلتصق بالنبي صلى الله عليه وسلم تسمية كفار مكة ساحرا وشاعرا ومجنونا ومفتونا وكاهنا، ولم يكن اسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه ولسائر خلقه إلا رسولا نبياً … " (3) .
2- توسطهم بين الناس، وعدم الافراط أو التفريط، وهذا مبني على أن مذهبهم هو المذهب الوسط. وقد حرص السلف على أن يكونوا وسطا.--------------------------------------------
(1) الانتقاء لابن عبد البر (ص: 35) .
(2) أو الجيلاني، وهو الشيخ عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي الحنبلي، وفي مقدمة الغنية في ترجمته (ص: 3) عبد القادر بن موسى وكذا في الأعلام (4/47) - الطبعة الأخيرة-، ولد الشيخ عبد القادر سنة 470 هـ، وتوفى سنة 561هـ. قال عنه الذهبى: " وفي الجملة: الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه"، وسماه في بداية الترجمة شيخ الاسلام وعلم الأولياء. سير أعلام النبلاء (20/439- 451) ، وانظر الأنساب (3/414) ، ط لبنان والمنتظم (10/219) ، وذيل طبقات الحنابلة (1/290-301) ..
(3) الغنية (1/80) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
في الأمور كلها وأن لا ينساق أحد منهم مع أحد القولين المتطرفين، ولذلك كان الشعبي (1) يقول: " أحب أهل بيت نبيك ولا تكن رافضيا، واعمل بالقرآن ولا تكن حروريا، واعلم أن ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولا تكن قدريا، وأطع الامام وإن كان عبدا حبشيا ولا تكن خارجيا، وقف عند الشهات ولا تكن مرجيا، وأحب صاع بنى هاشم ولا تكن خشبيا (2) ، وأحب من رأيته يعمل الخير وإن كان أخرم سنديا " (3) .
3- ثباتهم على منهجهم لقناعتهم أنه الحق، وعدم تقلبهم كما هي عادة أهل الأهواء، ولذلك روى عن عمر بن عبد العزيز-رحمه الله أنه قال: " من جعل دينه غرضا للخصومات اكثر التنقل " (4) ، كما روى عن الامام مالك أنه قال: " كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله " (5) ، وروى معن بن عيسى قال: " انصرف مالك بن أنس - رضى الله عنه - يوما من المسجد وهو متكىء على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الحورية- كان يتهم بالإرجاء- فقال: يا عبد الله، اسمع منى شيئا أكلمك به وأحاجك، وأخبرك رأي، قال: فإن غلبتني؟ قال: إن غلبتك اتبعني. قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال نتبعه. قال مالك-رحمه الله تعالى- -: يا عبد الله، بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم بدين واحد، وأراك تنتقل--------------------------------------------
(1) هو: الامام المشهور: عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، أبو عمرو الهمذاني الشعبى، روى له الجماعة. توفى سنة 05 1 هـ، وقيل غير ذلك. انظر: أخبار القضاة (2/413-428) والحلية (4/ 0 31) ، وسير أعلام النبلاء (4/294) ، والوافي في الوفيات (16/587) .
(2) هم أتباع المختار بن أبي عبيد، من الشيعة، وهم من الكيسانية وغيرهم، وسموا بذلك لاستعمالهم العكاكيز في الحرب. انظر: مروج الذهب (3/ 310) ، منشورات الجامعة اللبنانية، وانظر فهارس هذا الكتاب (6/306) .
(3) تهذيب تاريخ دمشق (7/143) .
(4) رواه الد ارمي، رقم (310) - باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله، والآجري في الشريعة (ص: 56) ، والبغوى في شرح السنة (1 / 217) ، ط المكتب الإسلامي، ورواه اللالكائي في شرح السنة، رقم (216) .
(5) رواه اللالكائي في شرح السنة، رقم (293-294) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات اكثر التنقل " (1) .
ولذلك ما أكثر تنقل أهل الأهواء، بخلاف السلف الذين عرفوا الحق فثبتوا عليه، وأهل الكلام " لو اعتصموا بالكتاب والسنة لا تفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث، فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شىء من أصول دينهم " (2) .
4- اتفاقهم على أمور العقيدة، وعدم اختلافهم مع اختلاف الزمان والمكان، وهذا ما يمكن أن يسمى به الوحدة الفكرية عندهم " فأهل السنة في أي قرن من القرون، وفي أي مكان لو اختبرت الواحد منهم لوجدته يحمل من العقيدة والمنهج- مع القناعة التامة بذلك- مثل ما يحمله الآخر يقول قوام السنة الأصبهاني (3) : " ومما يدل على أن أهل الحديث هم أهل الحق انك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار - وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافا ولاتفرقا في شيء ما وإن قل. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ " (4) .وهذا وصف دقيق لوحدة أهل السنة وعدم تباين واختلاف أقوالهم مثل ما حدث ويحدث لمن عداهم من أهل الأهواء والابتداع.--------------------------------------------
(1) الشريعة للآجري (ص: 56-57) .
(2) درء تعارض العقل والنقل (10/306) .
(3) هو: الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشى، التيمي الأصبهاني، (ويقال له: الجوزي، نسبة إلى الجوزة، وهي الفرخة في لغة العجم) ، وبها نسبه تلميذه صاحب الأنساب، وذكر أنه كان يكرهها، لكنه قال: ولولا اشتهاره بها ما نسبته إليها، ويلقب بقوام السنة، ولد سنة: 457 هـ وتوفى سنة: 535 هـ. الأنساب (3/368) ، وطبقات الشافعية للأسنوي (1/359) وشذرات الذهب (4/105) ، وسير أعلام النبلاء (20/ 80) ، والأعلام (1/323) .
(4) الحجة في بيان المحجة- مخطوط- ورقمة (164) ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
5- ردهم على أهل البدع- في كل زمان- حسب البدع التي نشأت فيه، وهذا لأنهم حريصون أتم الحرص على سلامة العقيدة من أن يشوبها شيء من كدر الهوى والابتداع، فكل ما حدثت بدعة ردوا عليها وبينوا فسادها، وهكذا في البدع التي تليها. ولا يفتعلون افتراضات وشبهات ثم يقومون بالرد عليها كما يفعل أهل البدع، وإنما يحرصون على تربية الناس على العقيدة الصحيحة من الكتاب والسنة، ويبينون للناس ذلك ويشرحونه، حتى تمتلىء قلوبهم بعظمة الله، وبعظمة الوحي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما يترتب على هذه التربية من الاعتزاز بهذا الدين وبمذهب أهل السنة والجماعة، وأنه طريق النجاح والفلاح. أما مجادلة أهل البدع والرد عليهم فإنما يأتي عرضا حسب خطورة البدعة والخوف من انتشارها، فيردون عليها فقط ولا يتعدى ذلك إلى افتراض بدع أخرى ثم الرد عليها، حتى توجد هذه البدعة، ولذلك فمن الواضح من منهج السلف أنه " قد يبين بعضهم في بعض الأوقات ما لا يبينه غيره لحاجته في ذلك، فمن ابتلي بمن يقول: ليس هذا كلام الله كالامام أحمد كان كلامه في ذم من يقول: هذا مخلوق، أكثر من ذمه لمن يقول: لفظي مخلوق. ومن ابتلى بمن يجعل بعض بعض صفات العباد غير مخلوق، كالبخاري صاحب الصحيح، كان كلامه في ذم من يجعل ذلك غر مخلوق أكثر. مع نص أحمد والبخاري وغيرهما على خطأ الفريقين " (1) .
6- حبهم لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وموالاتهم لأهلها، وهذه ميزة بارزة لأهل السنة كما؟ أن ضدها من الإعراض عن السنة وعدم الاهتمام بها، والازراء أحيانا بمن يفنون أعمارهم في روايتها ونقلها وتعليمها للناس- إحدى علامات أهل البدع الكبرى. رُوي عن البخاري أنه قال: " كنا ثلالة أو أربعة على باب علي بن عبد الله فقال: إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم" (2) ،--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (3/103) .
(2) سبق تخريجه (ص: 35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث أنتم، لأن التجار قد شغلوا أنفسهم بالتجارات، وأهل الصنعة قد شغلوا أنفسهم بالصناعات، والملوك قد شغلوا أنفسهم بالمملكة، وأنتم تحبون سنة النبي صلى الله عليه وسلم (1) ، ويقول قتيبة بن سعيد (2) : " إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويهـ وذكر قوما آخرين- فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع " (3) ، ويقول الشيخ أبو اسماعيل الصابوني: " وإحدى علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار، ويدلون أصحابهم على دار البوار، وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة فضلا منه جل جلاله " (4) .
7- قبولهم عند الناس والتمكين لهم، فهم العدول الذين تقبل أقوالهم ويحتج برواياتهم. ولو استعرضنا تاريخ الاسلام لوجدنا البارزين فيه كل عصر هم أهل السنة الذين قاموا بالحق ودعوا إليه، وجددوا ما اندرس من أمور الاسلام، وجاهدوا في الله حق جهاده بالنفس والمال والقلم واللسان. يقول إسحاق ابن موسى الخطمي (5) : ما مكن لأحد من هذه الأمة ما مكن لأصحاب الحديث لأن الله عز وجل قال في كتابه: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] فالذي ارتضاه الله قد مكن لأهله فيه، ولم يمكن لأصحاب--------------------------------------------
(1) شرف أصحاب الحديث (ص: 52) .
(2) هو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طربف الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، ولد سنة 149 هـ، وتوفى سنة 240 هـ. روى له الجماعة. سير أعلام النبلاء (11/13) ، والأنساب (2/257) ، والتقريب (2/123) .
(3) شرف أصحاب الحديث (ص: 71-72) ، ورواهـ مع اختلاف يسير- الصابوني في عقيدة السلف (ص: 109) ، واللالكائي في شرح السنة، رقم (59) .
(4) عقيدة السلف للصابوني (ص: 08 ا-109) .
(5) هو: اسحاق بن موسى الخطمي، أبو موسى المدينى، ثقة متقن من رجال مسلم وبعض أصحاب السنن، توفي سنة 244 هـ، تهذيب الكمال للمزي (2/480) مطبوعة، وسير أعلام النبلاء (10/554) ، والتقريب (1/ 61) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
الأهواء في أن يقبل منهم حديث واحد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وأصحاب الحديث يقبل منهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث أصحابه. ثم ان كان فيهم رجل أحدث بدعة سقط حديثه وإن كان من أصدق الناس " (1)) . وهذا على العموم، وإلا فقد روى بعض العلماء عن بعض أهل البدع بشروط دقيقة حددوها.
8- حرصهم على تنشئة الشباب على السنة، لأن الشاب إذا نشأ على قراءة القرآن ومحبة السنة ومدارستها، وما ينشأ عن ذلك من مجالسة أصحابها والتعلم منهم- أحرى أن يكون معهم وأن يكون صاحب سنة، مبغضا للبدعة وأصحابها. قال عمرو ابن قيس الملائي (2) : " إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه فإن الشاب على أول نشوئه " (3) ، وقال عبد الله بن شوذب (4) : " إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها " (5) ، وروى عن أيوب [السختياني] (6) أنه قال: " إن من سعادة الحدث والأعجمى أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة " (7) .--------------------------------------------
(1) شرف أصحاب الحديث (ص: 32) .
(2) أبو عبد اللة الكوفي، ثقة متقن، عابد، مات سنة بعض وأربعين ومئة حددها بعضهم بسنة 146 هـ. تهذيب التهذيب (8/92) ، والتقريب (2/72) .
(3) الإبانة لابن بطة (الصغرى) (ص: 133) رقم (92) .
(4) هو: عبد الله بن شوذب الخراساني، أبو عبد الرحمن، صدوق عابد، ولد سنة 86 هـ، وتوفي سنة 144 هـ، وقيل: 156 هـ. الحلية (6/129) ، سير أعلام النبلاء (7/92) ، تهذيب الهذيب (5/ 255) ، التقريب (1/423) .
(5) شرح السنة للالكائي رقم (31) ، وانظر: الإبانة (الصغرى) (ص: 133) .
(6) هو: أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني، أبو بكر البصرى، ثقة، ثبت، حجة، من كبار الفقهاء والعباد، توفي سنة 131 هـ. سير أعلام النبلاء (6/15) ، تهذيب المزي (3/457) ، رقم الترجمة: 07 6- مطبوعة-، وتهذيب التهذيب (1/397) (1/397) ، والتقريب (1/89) .
(7) رواه اللالكائي، رقم: 30، وابن الجوزى في تلبيس (ص: 9) ، الطبعة المنيرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
9- الحرص على جماعة المسلمين ووحدتهم، فهم دائما يحضون على الوحدة وينبذون الفرقة والتفرق. وهذا واضح في منهج السلف! القائم على أن أي اتفاق بين المسلمين لا يكون إ، على أساس الرجوع إلى الكتاب والسنة، وتحكيمها، فهم أهل السنة والجماعة المجتمعون على الحق، الحريصون على حمع الناس على كلمة الحق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
الباب الأول: ابن تيمية والأشاعرة
ويشمل الفصول التالية:
الفصل الأول: حياة ابن تيمية- عصره، ونشأته وآثاره.
الفصل الثاني: منهجه في تقرير عقيدة السلف وفي رده على الخصوم.
الفصل الثالث: أبو الحسن الأشعري.
الفصل الرابع: نشأة الأشاعرة وعقيدتهم.
الفصل الحامس: تطور مذهب الأشاعرة، وأشهر رجالهم إلى عصر ابن تيمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
الفصل الأول: حياة ابن تيمية
ويشمل مبحثين:-
المبحث الأول: عصر ابن تيمية.
المبحث الثاني: ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
الفصل الأول
تقدمة
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله من العلماء البارزين الذين حظوا بتراجم عديدة، مفردة وغير مفردة. كما أن كتبه ورسائله وفتاواه وما تضمنته من اجتهادات في مسائل الفقه والأحكام، ودراسات أصولية- في الفقه والحديث والتفسير- وشروح لمذهب السلف وردود على المخالفين.... وغيرها- صارت مجالا خصبا للتأليف والدراسة والنشر والتحقيق، ولم تغفل هذه الكتب الترجمة لابن تيمية ودراسة جوانب من منهجه.
لذا فإن الباحث يقف في حيرة من هذا الأمر: كيف يترجم لهذا العلم مع هذا العدد الكبير من المصادر والمراجع التى تناولت حياته بالشرح والتفصيل؟ خاصة إذا كان من المهم إبراز جوانب تتعلق بحياة المترجم لها مساس بموضوع البحث الأساسي.
وقد جاء هذا الفصل المتعلق بحياة شيخ الإسلام يركز على مبحثين:
الأول: عصر ابن تيمية، وأوضاعه السياسية والإدارية والعلمية والعقدية، ونظرا لتأخر عصر ابن تيمية نوعا ما فقد حرصت على أن لا يكون العرض مختصرا، بل شاملا ومركزا يعرض للخلفيات، والمواقف، خاصة مواقف العلماء ومنهم ابن تيمية، ولعل تفصيل بعض النقاط هنا يغني عن تفصيلها عند الحديث عن ترجة شيخ الإسلام.
الثاني: ترجمة شيخ الإسلام، تركز على نسبه وشيوخه وجهوده العلمية والعملية، ومحنه التي مر بها، ثم تلاميذه، وآثاره مع التركيز على كتبه ورسائله التي رد فيها على الأشعرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
المبحث الأول: عصر ابن تيمية
عاش شيخ الإسلام ابن تيمية في النصف الثاني من القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن الهجري، وبالتحديد بين عامي 661- 728 هـ، وقد كان هذا العصر امتدادا لعصور سابقة اعتورتها أحداث كبار ومتغيرات كثيرة في العالم الإسلامي، سواء في وضعه السياسى أو وضعه العقدي أو وضعه الاجتماعي وا لتشريعي.
وتفصيل هذه الأمور يبعدنا عن موضوع هذه الرسالة، لذا سنقتصر على الإشارة إلى بعض القضايا التي تلقي الضوء على هذا العصر دون الدخول في متاهات الأوضاع السياسية وتقلباتها- التي فصلتها كتب التاريخ-
وأهم هذه القضايا:-
1- الغزو الصليبي للعالم الإسلامي.
2 - ظهور التتار واجتياحهم للعالم الإسلامي.
3 - المماليك يخلفون الأيوبيين في حكم مصر والشام.
4 - سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وانتقال مركز القيادة والثقل في العالم
الإسلامي إلى مصر.
5 - الباطنيون والرافضة.
6 - بداية ظهور التقنين والتحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية.
7 - الجوانب العلمية والعقائدية:
أ- أهل الذمة.
ب - التصوف والشركيات.
جـ - المذهب الأشعري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)