أهل السنة إلى عا لم من العلماء، أو مجدد من المجددين فلأنه دعا اليه لا لأنه ابتدعه أو اخترعه.
ومما سبق يتبين أن طرح النشأة لمذهب أهل السنة ينبغي أن ينصب على التسمية، أما النشأة ذاتها فواضحة لأنها كانت مع مجيء الإسلام الذي وضح وكمل أتم كمال وأبينه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فمن جاء بعده إذا قيل عنه: إنه إمام أهل السنة- في زمنه أو بعد زمنهـ فلأنه دعا إلى الأصول الأولى لمذهب أهل السنة وجدد ما اندرس منها.
وبدء التسمية مرتبط بنشأة الفرق؟ لأن من الطبيعي أن يتميز أهل السنة عن بقية أهل الأهواء من أهل الفرق الذين انحرفوا عن المنهج السوي والذين ابتدعوا أقوالا وآراء مخالفة لما كان عليه أهل الصدر الأول.
والكلام حول بدء الفتنة ونشوء الفرق يطول، ولكن نشير إلى لمحات في هذا الأمر لنصل إلى حقيقة تميز أهل السنة عن غيرهم:
ا- من المعلوم أن الفتنة وقعت في آخر عهد عثمان بن عفان- رضي الله عنه وكان من آثارها استشهاده، ثم نشأت على أثر ذلك الفرق، وكان أول بدعة نشأت بدعة الخوارج والروافض، فالخوارج كفروا عليا- رضي الله عنه وخرجوا عليه، والروافض ادعوا إمامته وعصمته، أو نبوته أو إلهيته.
ثم بعد ذلك أخذت البدع تتوالى في الظهور ف-" لما كان في آخر عصر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين- في أواخر الخلافة الأموية- حدثت بدعة الجهمية والمشبهة والممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك " (1)
2- كانت بدعتا الروافض والخوارج- من أول البدع ظهورا- كما سبق- وكانتا من المعالم الرئيسة في تميز أهل السنة والجماعة أو أهل الحديث:--------------------------------------------
(1) المنتقى (ص: 387) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
أ) ففي أجواء هذه الفتنة بدأ المسلمون يعنون بالبحث عن الإسناد، والكلام في الرجال، وذلك لأن السلف خافوا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة وأن دواعي ذلك موجودة في مثل هذه الظروف، فقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال: " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم " (1) ، وابن سيرين كان يقول: " إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (2) .
وهنا بدأ التميز لأهل السنة والجماعة، وذلك بتمييز من تقبل روايته ممن لا تقبل؟ فمن كان من أهل السنة والاتباع، ولم يقل بقول طائفة من الطوائف المنحرفة بل ثبت على الهدى الصحيح، هدي الصحابة والتابعين، فهذا له تميز عند علماء الحديث، وروايته مقبولة- مع الاعتراف بتفاوت الرجال الذين لهم هذه الصفة من ناحية الحفظ والضبط- وأما من كان من أهل البدعة فروايته مردودة إلا بشروط دقيقة (3) .
ومما يلاحظ أن الكذب قد اشتهر عند الرافضة، ولذلك قال عنهم الإمام الشافعي-رحمه الله: " لم أر من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة " (4) ، ولما وقعت فتنة المختار - ذى الميول الشيعية (5) - اشتهر في زمنه الكذب ووضع--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم، المقدمة (ص: 15) ، وانظر: الكفاية (ص: 162-163) هندية، وشرح علل الترمذى (1/51) .
(2) الكفاية (ص: 162) .
(3) حكم الرواية عن أهل البدع تكلم عنها العلماء: انظر: الكفاية (ص: 159) وما بعدها، وشرح علل الترمذى (1/53) وما بعدها، وتدريب الراوي (1/324) وما بعدها.
(4) الكفاية (ص: 167) ، وقال يزيد بن هارون [توفي سنة: 26 هـ] سير أعلام النبلاء: 9/358: " يكتب عن كل مبتدع- إذا لم يكن داعية- إلا الرافضة فإنهم يكذبون " (المنتقى ص: 22) .
(5) من العجيب أن هذا الكذاب كان أول أمره ناصبيا، فأبغضته الشيعة، ثم تشيع. انظر ترجمته في: البداية والنهاية (8/289-292) ، وانظر سير أعلام النبلاء (3/538) ، وميزان الاعتدال (4/ 80) ، وكان المختار يزعم أنه يوحي إليه. انظر: المسند للإمام أحمد (5/223-224) قتل المختار سنة: 67 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا روى الإمام أحمد عن جابر بن نوح عن الأعمش عن إبراهيم [النخعي] قال: " إنما سئل عن الإسناد أيام المختار " (1) ، والمختار نفسه كان يأمر بأن توضع له الأحاديث المكذوبة، فقد أمر رجلا- من أصحاب الحديث- قائلا: " ضع لي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أني كائن بعده خليفة "، فرفض الرجل (2) ، بل أمر محمد بن عمار بن ياسر أن يحدث عن أبيه بحديث كذب فأبى فقتله (3) . ولذلك فشا الكذب في عهده، كما روى شريك عن أبي إسحاق: سمعت خزيمة بن نصر العبسى- أيام المختار- وهم يقولون ما يقولون من الكذب- وكان من أصحاب علي- قال: " ما لهم قاتلهم الله، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا " (4) . وإذا كان الرافضة أهل كذب فقد ضموا إليه الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورميهم بالكفر والردة إلا أعدادا قليلة.
وليس الغرض استقصاء هذه الأمور- فالموضوع فيها طويل- ولكن نشير هنا إلى أن تميز أهل السنة واكب ظهور الرافضة من جهتين:
الأول: انتشار الكذب عندهم (5) ، مما أثار علماء السنة للبحث عن الرجال والأسانيد، فبدأ بتميز أهل الحديث عن غيرهم، وسبق أن ذكرنا أقوال العلماء بأن الفرقة الناجية هم أهل الحديث.
الثانية: طعنهم في الصحابة، ونشوء البدع وكئرتها لديهم، حتى أصبح شعار " أهل السنة " كثيرا ما يستعمل في مقابل الرافضة، وسفيان الثوري-رحمه الله--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذيا (1/52) ، ورواه الخطيب في الجامع عن خثيمة بن عبد الرحمن. (الجا مع: 1/ 130) تحقيق: الطحان.
(2) التاريخ الكبير للبخاري (8 / 434- 435) ، والصغير (1 / 47) ، والموضوعات لابن الجوزي (1/39) .
(3) الجامع للخطيب (1/131) ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (8/43) .
(4) رواه البيهقى في المدخل، رقم (83) ، وانظر علل الترمذى (1/52) .
(5) بل الكذب أحد أصولهم وذلك بما يسمى " التقية "! عندهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
فسر موافقة السنة ب- " تقدمة الشيخين أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما " (1) .
ب) وفي مقابل فتنة الروافض جاءت فتنة الخوارج، والذي يلاحظ أن الخوارج اشتهر عنهم الصدق، ولعل مرد ذلك اعتقادهم أن مرتكب الكبيرة كافر، والكذب كبيرة من الكبائر، ولهذا روي عن أبي داود سليمان بن الأشعث أنه قال: " ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج " (2) . ولذلك روى البخاري وغيره عن دعاتهم، ولكن صدقهم وحماستهم لم يكن حائلا دون أن تكون فتنتهم وضلالهم شديدة الوطأة على المسلمين، لأنهم كفروا من عداهم، ولم يكتفوا بذلك، بل ميزوا صفوفهم عن صفوف غيرهم من المسلمين، وحاربوا وقاتلوا، فصارت بدعتهم وانحرافهم أشد من غيرها، ولذلك قاتلهم علي- رضي الله عنه وأجمع الصحابة على قتالهم.
فالخوارج خرجوا على الجماعة الذين لهم إمام شرعي، ومع ظهور فتنة هؤلاء برز أهل السنة بحرصهم على الجماعة وعدم الخروج على الإمام الشرعي - ولو كان جائرا- وصاروا يذكرون هذا الاعتقاد ويدعون إليه ويحذرون من مخالفته، وحرص المسلمون على الجماعة ونبذ الفرقة، ولما اجتمعوا على معاوية - رضى الله عنهـ عام إحدى وأربعين بعد تنازل الحسن- رضى الله عنهـ سموا هذا العام عام الجماعة.--------------------------------------------
(1) شرح السنة للالكائي (1/152) ، ومما يلاحظ أن سفيان الثورى في اعتقاده هذا الذى سأله عنه شعيب بن حرب- لما ذكر بعض أمور الاعتقاد التى تميز أهل السنة ذكر مسألة المسح على الخفين وعدم الجهر بالبسملة- مع أن مسألة الجهر بالبسملة من المسائل الفرعية التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة. وقد علل ذلك ابن تيمية في منهاج السنة (2/184) ط مكتبة الرياض الحديثة، بقوله: " حتى أن سفيان الثورى وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة، لأنه كان عندهم من شعار الرافضة؟ يذكرون المسح على الخفين لأن تركه عندهم من شعار الرافضة.. ".
(2) الكفاية (ص:172 - 173) هندية - ولكن وردت روايات أن الخوارج ربما يضعون الأحاديث، فقد روى عن أحد شيوخهم أنه قال: " إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا". (رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص: 415-416) ، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
فظهور بدعة الخوارج ميزت أهل السنة من جانبين:
الأول: خروج الخوارج عن المذهب الحق بالتكفير لمن عداهم من المسلمين، ولا شك أن هذه بدعة شنيعة، وقد حرص المسلمون على الرد على أصحابها، وتحذير الناس أشد التحذير فهم. وصار من معا لم مذهب أهل السنة عدم التكفير لمرتكب الكبيرة.
والثاني: خروجهم على الجماعة وعلى الإمام الشرعي وقتالهم للمسلمين بناء على أصل مذهبهم التكفير، وقد قابل أهل السنة هذا بمقاتلتهم حتى يقضي عليهم أو يكفوا شرهم وبالتحذير منهم وإعلان وجوب اتباع النصوص التي حذرت من الخروج على أئمة المسلمين وإن جاروا وظلموا، ولذا كان أحد المعاني المهمة للجماعة أنها الجماعة الذين اجتمعوا على أمير.
3- وبعد ظهور فتنة الروافض والخوارج أخذت بقية البدع تظهر بين المسلمين كبدعة القدر، والإرجاء، والتجهم، فقاومها أهل السنة وحذروا فها ومن أصحابها، حتى صار أهل البدع نشازا في المجتمع الإسلامي يأوي إليهم ويسمع أقوالهم إما أهل الزندقة والنفاق، ممن يكيدون لهذا الدين في الخفاء، وإما أصحاب الإيمان الضعيف ممن تؤثر فيهم وتستهويهم هذه البدع وما فيها من آراء وأفكار جديدة على المسلمين، أما السواد الأعظم من المسلمين فإنهم يتبعون علماء الآفاق من أهل السنة في كل مكان.
وحذر علماء أهل السنة من أصحاب الأهواء، حتى كان الحسن يقول: " لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم " (1) ، ولما جاءه رجل فقال: " يا أبا سعيد أني أريد أن أخاصمك "، فقال الحسن: " إليك عني--------------------------------------------
(1) = والخطيب في الكفاية (ص:63 1) هندية، وابن الجوزي في الموضوعات (1/38-39) ، وانظر مناقشة الموضوع بشكل موسع في كتاب: " الوضع في الحديث (1/229-238) ، حيث رجح الدكتور عمر فلاتة في رسالته هذه أن الخوارج ليس لهم دور في الوضع في الحديث.
(1) شرح السنة للالكائي، رقم (240) ، ورواه الدارمى في السنن، رقم (407) - ط اليماني - عن الحسن وابن سرين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فإني قد عرفت ديني، وإنما يخاصمك الشاك في دينه " (1) . واستمر تحذير العلماء من أهل الكلام والبدع، وصار مذهب أهل السنة متميزا بالاتباع والسير على منهاج الصحابة رضي الله عنهم مع البعد عن أهل البدع والإنكار عليهم - فصار لقب أهل السنة مقابل: أهل البدع والأهواء والكلام.
ولما وقعت محنة القول بخلق القرآن - وصار للمعتزلة دولة وصولة امتحن أهل السنة وثبت الله الإمام أحمد رحمه الله فصار وقوفه وثباته مثالاً شامخاً للثبات على مذهب أهل السنة في مقابل أهل البدعة، فصار الإمام أحمد إمام أهل السنة لذلك.
هذه خطوط عريضة لعلها تكون قد أوضحت كيف نشأت التسمية بأهل السنة والجماعة، أو اهل الحديث، وإن ذلك كان مع ظهور البدع ونشوء الفرق، وما صاحب ذلك من الاستهانة بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبنقلته من الصحابة، فبدأ أهل السنة يعلنون تميزهم من خلال:
1 - العناية بالحديث رواية ودراية، والكلام في الرجال، والسبب في ذلك نشوء الكذب مع كثرة أهل الأهواء.
2 - المحافظة على السنة وعلى ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، من غير ابتداع في الدين أو اتباع لأهل الأهواء والكلام المذموم على اختلاف مذاهبهم وأقوالهم.
3 - المحافظة على الجماعة التي تعني الاتباع والسير على المنهج الحق، وتعني أيضاً المحافظة على وحدة الأمة وعدم الخروج على الجماعة التي لها إمام شرعي.
أما التحديد الدقيق لنشأة التسمية بأهل السنة والجماعة، وربط ذلك بزمن محدد أو بعلم من أعلام أهل السنة، أو نشوء فرقة من الفرق، فلا أظن أن ذلك ممكن إلا من خلال خطوط عريضة كما أسلفنا - والله أعلم -.--------------------------------------------
(1) شرح السنة، رقم (215) ، والآجري في الشريعة (ص: 57) بلفظ مقارب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
المبحث الثالث: منهج السلف في العقيدة
سنعرض في هذا المبحث- بشكل مختصر- لمنهج السلف في العقيدة، وتميزهم بهذا عن غيرهم من أهل البدع والأهواء، وهذا الموضوع قد كتب حوله الكثير، ولكن أغلب ما كتب جاء مقدمة لبعض النصوص المحققة في عقيدة أهل السنة، أو لبعض البحوث المتعلقة بجانب من جوانبها، وكان من الواجب أن يفرد برسالة جامعة تستقصي ما يتعلق بهذا الموضوع، وتبين الشبهات المثارة حول مذهب السلف، وترد عليها، كما ترد على دعاوى المنتسبين إليها ممن ليس من أهلها أو ممن انحرف عنها- وعلى حد علمي لم يكتب في ذلك رسالة- (1) .
والكتابة حول هذا الموضوع من خلال التمهيد لهذا البحث المتعلق بموقف ابن تيمية من الأشاعرة لا يمكن التوسع فيها إلا من خلال ما يتعلق بالموضوع، وقد ناقش ابن تيمية-رحمه الله كثيرا من الأشاعرة في هذه المسألة، وبين غلطهم في بعض القضايا المتعلقة بحقيقة مذهب السلف أو بحقيقة منهجهم رحمهم الله وسنشير إلى ذلك في موضعه من هذه الرسالة- إن شاء اللهـ.
أما هنا فسنذكر لمحات في هذا الموضوع تكملة للمبحثين السابقين، والشىء الواضح في هذا أن السلف تميزوا عن أصحاب الأهواء والفرق بميزة الرجوع إلي الكتاب والسنة والاعتصام بهما، وبذلك سلموا من الانحراف، أما من عداهم فلابد أن تجد في انحرافهم أو بدعهم ما كان سببه وقوعهم في مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ارتكاب ما نهى عنه الله ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك:
* نهى الله ونهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن اتباع المتشابه، فجاءت فرق عديدة تتبع ما تشابه من القرآن، وتضرب كتاب الله بعضه ببعض.--------------------------------------------
(1) في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سجلت رسالة بعنوان: العقيدة السلفية فى مسيرتها التاريخية وقدرتها على مواجهة التحديات. للباحث محمد المغراوى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
* نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن سب الصحابة وبين فضلهم، فجاءت فرق الرافضة وغيرهم لتسب الصحابة- رضي الله عنهم وتنتقص من شأنهم.
* أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير- وإن جار أو ظلم- فجاءت الخوارج ليخرجوا على أئمة المسلمين ويثيروا الفتنة بين المسلمين.
* نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخوض في القدر، فجاءت القدرية وغيرهم ليخوضوا فيه بالباطل.
* أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بابتاع سنته، وأخبر أنه سيأتي أناس من أمته لا يحتجون بسنته، ونشأ بعد ذلك من لا يحتج بخبر الآحاد في العقيدة.
* وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فجاء أقوام يضربون بأقوالهم عرض الحائط ويقولون: نحن رجال وهم رجال.
* وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق- أن هذه الأمة ستفترق إلى فرق عديدة، وذكر أن هناك فرقة هي الفرقة الناجية، وهي الطائفة المنصورة، ثم وجد بعد ذلك من يتزعم الفرق الضالة، أو يتبعها ويترك الاعتصام بالسنة وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
والسلف الذين لم يخوضوا في شيء مما خاض فيه أهل الأهواء استقام أمرهم لموافقتهم الكتاب والسنة، ولوعيهم- خاصة أثناء وقوع الفتن وانتشار البدع- وتذكرهم لمثل هذه النصوص التي حذر فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع فيما نهى عنه:
وسنعرض لمنهج السلف من خلال مايلي:
أولا: منهج السلف في العقيدة.
ثانيا: المميزات التى تميزوا بها عن غيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
أولا: منهج السلف في العقيدة
ا- أول قاعدة في منهج السلف هي اقتصارهم في مصدر التلقي على الوحي: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وقد تمثلت هذه القاعدة في عدة ركائز:
أ) الاعتقاد الجازم أنه لا يتحقق رضا الله تبارك وتعالى والفوز بجنته والنجاة من عذابه إلا بالإيمان بهما والعمل بما جاءا به، وما يترتب على هذا من وجوب أن يعيش المسلم حياته كلها اعتقادا وعملا وسلوكا، مستمسكا ومعتصما بهما، لا يزيغ عنهما ولا يتعدى حدودهما. ومن مستلزمات هذا أن يتحاكم إليهما عند التنازع والاختلاف، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] ، وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65] ولقد تربى الصحابة على ذلك، فعاشوا لا يلتفتون إلى غير الكتاب والسنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرهم كل التحذير من أن يلتفتوا إلى كتب السابقين التي نزلت على الأنبياء ودخلها التحريف- فضلا عن غيرها من كتب الفلاسفة والملاحدة، فقد روى عبد الله بن ثابت قال: " جاء عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوارة ألا أعرضها عليك، قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، قال: فسرى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: والذي نفسى بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين " (1) ،--------------------------------------------
(1) رواه الامام أحمد في مسنده (3/470- ا 47) ، وعبد الرزاق الصنعاني في المصنف (6/113) ورقمه (10164) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
وفي رواية جابر أنه قال لما غضب على عمر: أمتهوكون (1) فيها يا ابن الخطاب، والذى نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى- عليه السلام كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (2) ، وقد طبق هذا عمر- رضي الله عنه عمليا، فقد ضرب رجلا من عبد القيس لأنه انتسخ أحد الكتب السابقة وأمره بمحوه (3) .
والاستغناء بالكتاب والسنة والاعتماد عليهما نابع من اليقين القاطع أن ما جاء به فهو حق وصدق، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية: " وأما خبر الله ورسوله فهو صدق، موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلا ولا مخالفا لما عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئا من أخباره وناقضه فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية (4) ، وإن كان العالم بذلك لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره، وهذه حال المؤمنين للرسول الذين علموا أن رسول اللة الصادق فيما يخبر به، ويعلمون--------------------------------------------
(1) أى: أمتحيرون، هكذا فسره الحسن وأبو قلابة،؟ في شعب الإيمان للبيهقي (1/ 481) والمر اسيل (ص: 224) .
(2) رواه الإمام أحمد (3/387) ، والدارمي في سننهـ باب ما يتقى من تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم (1/95) ورقمه (441) ، والبيهقي في شعب الإيمان (1/479) - ط الدار السلفية في الهند. وهذا الحديث رواه أبو داود في المراسيل عن أبي قلابة في كتاب العلم (ص: 223) ت السيروان كما رواه ابن أبي حاتم مختصرا كما في تفسر ابن كثير (سورة يوسف: 3) . وانظر التعليق القادم.
(3) ثم ذكر عمر قصته مع النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو يعلى الموصلي، وأبو بكر الاسماعيلي، كما نقله عنهما ابن كثير في تفسيره (سورة يوسف: 3) . والحديث حسنه الألباني كا في تخريج المشكاة رقم (177،194)
(4) السوفسطائية: السفسطة: قياس مركب من الوهميات، والغرض منه تغليط الخصم وإسكاته، والسوفسطائيون: جماعة من فلاسفة اليونان، وزعيمهم بروتاجوراس الذى ولد سنة (480 ق. م) . ونظريتهم تقوم على أنه ليس هناك وجود خارجى مستقل عما في أذهاننا، فما يظهر للشخص أنه الحقيقة يكون هو الحقيقة له، فإذا رأى السراب ماء فهو عنده حقيقة ماء. انظر: التعريفات (ص:63) ، وكشاف اصطلاح الفنون (17313) ، وقصة الفلسفة اليونانية (ص: 62-72) ، وربيع الفكر اليوناني (ص: 65) ، والمعجم الفلسفى (1/658) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل، وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح لا عقلي ولا سمعي … " (1) .
ويقول: " وما أحد شذ بقول فاسد عن الجمهور إلا وفي الكتاب والسنة ما يبين فساد قوله، وإن كان القائل كثيرا … ، وأما القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة فلا يكون شاذا وإن [كان] (2) القائل به أقل من القائل بذاك القول، فلا عبرة بكثرة القائل باتفاق الناس " (3) .
ب) أن هذا الدين كامل، والله تبارك وتعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] ، ويقول أيضا: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ، وقال {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:16] . يقول ابن تيمية بعد ذكره لهذه الآيات وغيرها: " ومثل هذا في القرآن كثير، مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كاف لمن اتبعه، لا يحتاج معه إلى غيره يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل " (4) ، ومسألة كمال الدين من المسائل المهمة في بيان منهج السلف- رحمهم الله تعالى-، فقد انطلقوا بقوة من هذا المنطلق، وهذا لا يعني أنه لم يكن في عهد الصحابة ومن بعدهم ديانات ومذاهب، بل كانت موجودة، لكن من الذى يلتفت إليها وهو مقتنع تمام الاقتناع بكمال ما لديه من كتاب وسنة وأن فيهما ما يغني ويكفي، وأن ما فيهما حق وصدق لا يأتيه الباطل أبدا، ف-" متى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث وبين معناها--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (5/ 255) .
(2) في طبعة النبوات لدار الكتب العلمية (ص: 4 0 2) ، ودار الفكر (ص: 38 1) بدون " كان"، والسياق يقتضيها.
(3) النبوات (ص: 204) ط دار الكب العلمية.
(4) درء تعارض العقل والنقل (10/304) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
بيانا شافيا فإنها تنظم (1) جميع ما يقوله الناس من المعافي الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في الكلام من الباطل كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] ، وقال تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41،42] ، وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1] ، وقال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [لقمان:2] ، وفيه من دلائل الربوبية والنبوة والمعاد ما لا يوجد في كلام أحد من العباد، ففيه أصول الدين المفيدة لليقين، وهو أصول دين الله لا أصول دين محدث ورأي مبتدع" (2) .
ج-) وجوب تقديم الشرع على العقل عند توهم التعارض، وإلا ففي الحقيقة والواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، ولقد كان تقديم ما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على ما فى غيرهما من معقول أو غيره يعارضها من مسلمات منهج السلف رحمهم الله تعالى.
وليس هذا موضع تفصيل الأدلة لذلك، ولكن نشير إلى أن الأنبياء أعلم بالله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر من غيرهم فيجب رد الأمر إليهم، وهذا كما أن العامة يردون ما يختلفون فيه مما يتعلق بالطب وغيره من أمور الدنيا إلى من هو أعلم به منهم، "وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله وأسماائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت--------------------------------------------
(1) في الأصل: "فإنها لا تنظم" ط دار الكتب العلمية، وكذا في مصورة دار الفكر، (ص: 221) ، ولعل الصواب حذف " لا".
(2) النبوات (ص: 334) ط دار الكتب العلمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
الذي بين العامة وأهل العلم بالطب" (1) .
د) الأدب مع نصوص الكتاب والسنة، وذلك بأن تُراعى ألفاظهما عند بيان العقيدة، وأن لا تستخدم الألفاظ والمصطلحات الموهمة غير الشرعية، ف- "أهل السنة والحديث فيهم رعاية النصوص لألفاظ النصوص وألفاظ السلف" (2) .
2- عدم الخوض في علم الكلام والفلسفة، والاقتصار في بيان وفهم العقيدة على ما في الكتاب والسنة، وقد تجلي هذا في منهج السلف من خلال عدة أمور:
أ) الحرص على العلم النافع مع العمل. فالعلم علمان: علم نافع يولد عملا، وينفع صاحبه فى الدنيا والآخرة، وعلم غير نافع، لا ينفع صاحبه في الدنيا أو لا ينفع صاحبه في الآخرة " ولذلك جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع وغير نافع، والاستعاذة من العلم الذي لا ينفع، وسؤال العلم النافع، ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" (3) " (4) . وقال معروف الكرخي (5) : "إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل" (6) . وللعلم النافع علامات ذكرها بعض العلماء (7) .
ب) النهي عن البدع، ومن ذلك علم الكلام، وقد كان موقف السلف--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/141) ، وانظر: قواعد المنهج السلفي مصطفى حلمى (ص: 253-257) ط ثانية.
(2) نقض التأسيس المطبوع (2/110) .
(3) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، ورقمه (2722) .
(4) بيان فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب (ص: 17) ط دار الأرقم.
(5) هو معروف بن فيروز أو فيرزان، أبو محفوظ البغدادى الكرخي، أحد الزهاد، مدحه الإمام أحمد. انظر ترجمته في: مناقب معروف الكرخي وأخباره لابن الجوزى، وتاريخ بغداد (13/199) وطبقات الحنابلة (1/ 1 38) ، وسير أعلام النبلاء (9/ 5 33) .
(6) رواه أبو نعيم في الحلية (8/361) ، وابن الجوزى في مناقب معروف الكرخي (ص: 122-123) .
(7) انظر مثلا: بيان فضل علم السلف على الخلف (ص: 51-54) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
واضحا ومشهورا من علم الكلام، فقصة عمر- رضي الله عنه مع صبيغ ابن عسل (1) لما علم أنه يتتبع متشابه الكلام ويسأل عنه، فضربه عمر ونفاه إلى البصرة- قصة مشهورة (2) -، لذلك لما حدث يزيد بن هارون بحديث الرؤية، فقال له رجل: يا أبا خالد، ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد (3) وقال: ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به (4) . وعمر- رضي الله عنه روي عنه أنه قال: " إنه سيأقي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " (5) .
وقد استمر السلف على هذا المنهج من التحذير من البدع وعلم الكلام وما عليه أهل الأهواء، فالشافعي أثر عنه الكثير في التحذير من أهل الكلام حتى قال: " لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء " (6) ، والإمام أحمد-رحمه الله يقول في رسالتهـ الثابتة عنه - الى عبد الله بن يحيى بن خاقان - لما طلب منه المتوكل أن يكتب له حول مسألة "خلق القرآن ": وقد روى غير واحد ممن مضى من سلفنا رحمهم الله أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله عز وجل وليس بمخلوق،--------------------------------------------
(1) هو صَبيغ بن شريك بن المنذر بن قشع بن عسل التميمي، ويقال صبيغ بن عسل، نسبة إلى جده. ترجمته في: الإكمال لابن ماكولا (5/ 221،6/206-208) ، والإصابة (3/458) ، ترجمة رقم (27 1 4) ، وتبصير المنتبه (3/4 95) ، والوافي في الوفيات (16/383) .
(2) رواها: الدارمى في سننه، رقم (46 1) ، والآجرى في الشريعة (ص: 73) ، واللالكائي في شرح السنة، رقم (136 - 140) ، والصابوني في عقيدة السلف، رقم (83-85) ، تحقيق: بدر البدر، ورواها غيرهم. انظر: الإصابة (3/458) ، رقم الترجمة (27 41) ت البجاوى، والدر المنثور للسيوطي. أول سورة الذاريات.
(3) " حرد " أي غضب واغتاظ وهم به. انظر: الصحاح، والمعجم الوسيط، مادة:"حرد".
(4) عقيدة السلف للصابوني، رقم (82) .
(5) رواه الدارمي رقم (121) ، واللالكائي رقم (202) ، والآجري في الشريعة (ص: 52) .
(6) رواه البيهقي في: مناقب الشافعي (1/452) ، وفي الاعتقاد (ص: 39) ، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، وأبو نعيم في الحلية (9/111) ، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص: 337) ، واللالكائي في شرح السنة، رقم (300) ، وابن أبي حاتم: كما في توالي التأسيس لابن حجر (ص:110) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وهو الذي أذهب إليه، ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شىء من هنا، إلا ما كان في كتاب الله عر وجل أو في حديث النبى صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود … " (1) .
واشتهر هذا الموقف من علم الكلام ومن المنطق عن أعلام السلف- رحمهم الله وصارت دواوين السنة تذكر كثيرا من الآثار عنهم في موقفهم هذا. بل وصل الأمر في إحدى الحالات أن النساخ كانوا يقسمون أنهم لم ينسخوا كتابا في المنطق (2) .
وموقف السلف من علم الكلام كان لأسباب (3) ، وليس لأنهم عجزوا أو جهلوا أو شغلوا عنه كما يحلو للبعض أن يفسر ذلك، ولا شك أن منهج علم الكلام يقوم على أسس غريبة على المنهج الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأية محاولة للعودة بالمسلمين إلى الإسلام فلابد أن تكون أولى مسلماته العودة إلى صفاء العقيدة وتخليصها مما ران عليها من شوائب علم الكلام والفلسفة، يقول سيد قطب-رحمه الله في معرض كلامه عن المنهج الذي يراه في العقيدة: " ولما كانت هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية.... فقد بدت " الفلسفة الاسلامية- كما سميت - نشازا كاملا في لحن العقيدة المتناسق، ونشأ من هذه المحاولات تخليط كثير، شاب صفاء التصور الإسلامي، وصغر مساحته،--------------------------------------------
(1) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (1/139-140) ، وأبو نعيم في الحلية (9/216) ، وابن الجوزى في المناقب (ص: 462) باختصار، والذهبي في تاريخ الإسلام (ترجمة الامام أحمد مفردة - ط: دار الوعي بحلب) (ص: 70- 71) ، وقال الذهبي في آخرها: " قلت: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات أشهد بالله أنه أملاها على ولده"، وذكرها فى سير أعلام النبلاء (11/286) ، وقال: " إسنادها كالشمس".
(2) انظر: الكامل لابن الأثير حوادث سنة: 279 (7/453) دار صادر.
(3) انظر: بيان فضل علم السلف لابن رجب (ص: 55-58) ، ومنهج علماء الحديث والسنة مصطفى حلمي (ص: 0 6- ا 6) ، ومنطق ابن تيمية (ص: 277) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وأصابه بالسطحية، ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط، مما جعل تلك الفلسفة الإسلامية ومعها مباحث علم الكلام غريبة غربة كاملة على الإسلام وطبيعته، وحقيقته، ومنهجه وأسلوبه ".
" وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة- على الأقل- سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى " الفلسفة الاسلامية " أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة.... ولكني أقرر وأنا على يقين جازم بأن " التصور الإسلامي " لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ إلا حين نلقي عنه جملة بكل ما أطلق عليه اسم الفلسفة الاسلامية، وبكل مباحث علم الكلام، وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضا، ثم نعود إلى القرآن الكريم … " (1) .
ج-) الرد على المنحرفين وأصحاب الأهواء بمنهج متميز، فالسلف رحمهم الله لما حذروا من المنطق ومن علم الكلام لم يكتفوا بهذا، وإنما ردوا وناقشوا أصحاب البدع بالأدلة النقلية والعقلية المبنية على الكتاب والسنة.
والسلف كانوا أصحاب منهج واضح، مقنع، وليس كما يزعم بعض أهل الكلام من أن السلف أو أهل الحديث لا يعرفون الرد ومجادلة الخصوم ويذكرون في ذلك قصة لهارون الرشيد لما منع الجدال في الدين وحبس أهل الكلام، وخلاصتها: أن ملك السند بعث يطلب منه أن يرسل إليه من يناظره، فأرسل إليه قاضيا- أو رجلا من أهل الحديث- فعجز عن مناظرته، فغضب الرشيد وسأل من حوله: " أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟، فقيل له: بلى، هم الذين نهيتهم عن الجدال، وفيهم من هو في الحبس. فأحضروهم، وأرسل واحدا منهم إلى ملك السند، فدس له السم قبل وصوله إليه (2) . وهذه قصة باطلة لأن فتح السند وقتل ملكها كان سنة 93 هـ وهارون الرشيد تولى الخلافة سنة 170 هـ.--------------------------------------------
(1) خصائص التصور الاسلامي: كلمة في المنهج (ص:10 - 11) .
(2) المصدر المعروف لهذه القصة- التي وردت بعدة روايات - هو كتاب المنية والأمل- لابن المرتضي المعتزلي (ص: 55 ا - 158) ت: محمد جواد مشكور، وهي في طبعة أرنلد التى أفرد فيها ذكر المعتزلة (ص: 31-33) ، وذكرها النشار في نشأة الفكر الإسلامي (1/504-505) ، وردها، وانظر قواعد المنهج السلفي (ص: 80-82) الطبعة الثانية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وهذه القصة كما يظهر من مصدرها ليس لها سند صحيح، وسياق القصة يدل على الهدف من وضعها، واذا كان مصدر السلف الأول هو كتاب الله وفيه الحجج والبراهين الدامغة فكيف يخطر على البال أنهم يعجزون عن المناقشة والرد على أهل البدع. أما إن كان القصد المناقشة ببدع وأصول أهل الكلام فلا ريب أن السلف كانوا بعيدين عنها ولا يعرفونها لأنهم في غنى عنها، لكن من عاش منهم مع أهل الكلام ثم رجع إلى منهج ومذهب أهل الحديث فهذا قد تكون له خبرة بهم، ولذلك قال نعيم بن حماد (1) - الذى امتحن في مسألة القرآن فأبى أن يجيب، فحبس ومات في السجن- يقول عن نفسه: " أنا كنت جهميا، ولذلك عرفت كلامهم، فلما طلبت الحديث عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل " (2) .
والسلف- رحمهم الله لم ينهوا عن جنس النظر والاستدلال، ولكن معارضتهم تركزت على الأساليب الكلامية المبنية على غير الكتاب والسنة (3) . ولذلك روى الآجرى عن محمد بن سيرين لما ماراه (4) رجل في شيء، فقال له محمد: " إني أعلم ما تريد، وأعلم بالمماراة منك ولكني لا أماريك" (5) ، فهو لا يريد الممارأة والجدل، ولو جادله لجادله بمنهج القرآن والسنة لا بمنهج المتكلمين.--------------------------------------------
(1) هو نعيم بن حماد بن معاوية، أبو عبد الله الخزاعي - ت: 228 هـ، طبقات ابن سعد (7 / 519) ، وتاريخ بغداد (13 / 306) ، وتهذيب المزي- المخطوط (ص: 1419) ، وسير أعلام النبلاء (10/595) .
(2) تاريخ بغداد (13/307) ، وتهذيب المزى (ص: 1420) ، وسير أعلام النبلاء (10/597) .
(3) انظر: قواعد المنهج السلفى: مصطفى حلمي (ص: 85) ، ومنهج علماء الحديث والسنة له (ص:40) .
(4) من المماراة: تقول ماريت الرجل، أى: جادلته. انظر: الصحاح مادة:" مرا" من حرف الياء، وقد وردت اللفظة في الشريعة وفي طبعتى فضل علم السلف " ومارآه" وهر تحريف.
(5) الشريعة للآجري (ص: 61 - 62) ، وانظر: بيان فضل علم السلف لابن رجب (ص: 37) ط دار الأرقم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وهذا يدل على أن السلف لا يناظرون إلا عند الحاجة، ومناظرتهم لا تكون بمنهج المتكلمين، يقول الآجري: " فإن قال قائل: فإن اضطر في الأمر- وقتا من الأوقات- إلى مناظرتهم وإثبات الحجة عليهم، ألا يناظرهم؟، قيل: الاضطرار إنما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى في وقت أحمد بن حنبل-رحمه الله: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدا من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة العامة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورة لا اختيارا، فأثبت الله عز وجل الحق مع أحمد بن حنبل ومن كان على طريقته وأذل الله العظيم المعتزلة وفضحهم وعرفت العامة أن الحق ما كان عليه أحمد ابن حنبل ومن تابعه إلى يوم القيامة " (1) .
3- حجية السنة في العقيدة ومن ذلك خبر الآحاد، وهذه من القواعد الكبرى في منهج السلف- رحمهم الله تميزوا بها عن كثير من أهل الأهواء والبدع، وما عني أهل السنة بجمع السنة والكلام في متونها وأسانيدها، ونشأة هذا العلم الذى تميزت به الأمة الاسلامية عن غيرها من الأمم، وبذلوا في سبيل ذلك جهودا منقطعة النظير، كل ذلك إنما كان منهم حفاظا على المصدر الثاني الذى هو وحي يوحى من الله تعالى، ولم يميزوا بين الأحاديث المتعلقة بالأحكام والأحاديث المتعلقة بالعقائد.
وقد كان اعمادهم على السنة وتعظيمهم لها مبنيا على أمور منها:
أ) أن من مقتضيات شهادة أن محمدا رسول الله التى لا يتم الايمان إلا بها، ولذلك قرنت بشهادة أن لا إله إلا الله وجوب تصديقه فيما أخبر، سواء كان عن الله أو صفاته أو مخلوقاته أو ما يستقبل من أمور الآخرة وغيرها من المغيبات.
ب) أن أعرف العباد بما صلح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أرغب الناس في نشرالخير وتعريف الخلق به، ولذلك فما من خير إلا ودل أمته عليه،--------------------------------------------
(1) الشريعة (ص: 62) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وما من شر إلا وحذرها منه، ومن المعلوم أن أهم الأمور بالنسبة للعباد ما يتعلق بالعقيدة من الأمور الإلهية والمعارف الدينية، والعلم في هذه " مأخذه عن الرسول، فالرسول أعلم الخلق بها، وأرغبهم في تعريف الخلق بها، وأقدرهم علي بيانها وتعريفها، فهو فوق كل أحد في: العلم، والقدرة، والإرادة، وهذه الثلاثة بها يتم المقصود. ومن سوى الرسول: إما أن يكون في علمه بها نقص أو فساد، وإما أن لا يكون له إرادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه، إما لرغبة وإما لرهبة، وإما لغرض آخر. وإما أن يكون بيانه ناقصا، ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان ".
" وبيان الرسول على وجهين: تارة: يبين الأدلة العقلية الدالة عليها.
والقرآن مملوء من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية على المعارف الالهية والمطالب الدينية. وتارة: يخبر بها خبرا مجردا، لما قد أقامه من الآيات البينات، والدلائل اليقينيات على أنه رسول الله المبلغ عن الله، وأنه لا يقول عليه إلا الحق، وأن الله شهد له بذلك، وأعلم عباده وأخبرهم أنه صادق مصدوق فيما بلغه عنه، والأدلة التي بها نعلم أنه رسول الله كثيرة متنوعة، وهي أدلة عقلية تعلم صحتها بالعقل، وهي أيضا شرعية سمعية " (1) .
ب) أن الرسول بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه، لم يكتم شيئا من ذلك، وأنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ ذلك أتم بلاغ وأبينه حتى ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقد تمثلت هذه الأمور- السابقة- في موقف السلف من السنة وتعطمهم لها، وإنزالها منزلتها اللائقة بها، وذلك بكونها وحيا من الله تعالى وبكونه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى. وبدا هذا واضحا من خلال:
أ) الخضوع لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صح - وتعظيمه وعدم الاعتراض عليه بأي نوع من أنواع الاعتراض، ومن ذلك ما روي أن أبا معاوية--------------------------------------------
(1) رسالة الفرقان دين الحق والباطل- مجموع الفتاوى (13/136) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
الضرير (1) كان يحدث " هارون الرشيد " فحدثه بحديث أبي هريرة- رضي الله عنه: " احتج آدم وموسى " (2) ، فقال عيسى بن جعفر: " كيف هذا، وبين آدم وموسى ما بينهما؟، قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعارضه بكيف!، قال: فما زال يقول حتى سكت عنه" (3) ، وفي رواية أنه حبسه، ولم يطلقه حتى حلف الأيمان المغلظة أنه ما سمعه من أحد وما جرى بينه وبينه كلام (4) ، أي لم يتلق هذه الشبهة عن أحد، يقول الصابوني معلقا على هذا: " هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد-رحمه الله مع من اعترض على الخبر الصحيح الذى سمعه، - بكيف،- على طريق الإنكار والاستبعاد له، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد من الرسول صلى الله عليه وسلم " (5) .
ولما سئل ابن المبارك- حين روى حديث النزول- كيف ينزل؟ أجاب: " ينزل كيف يشاء " (6) ، وفي رواية أنه قال: " إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخضع له " (7) .--------------------------------------------
(1) هو: محمد بن خازم أبو معاوية الضرير- روى له الجماعة. تهذيب التهذيب (9/137) ، وتاريخ بغداد (5/242) .
(2) متفق عليه: البخاري، كتاب القدر، ورقمه (6614) ، الفتح (11/505) ، مسلم في القدر، ورقمه (2652) .
(3) رواه الصابوني: عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص: 16 ا-117) ط: بدر البدر، وانظر الفقرة التالية.
(4) رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 181-182) ، والخطيب في تاريخ بغداد (5/243) ، [ومختصرا فى (14/7-8] ، وانظر سير أعلام النبلاء (9/288) ] ، وقد أوردوا القصة بطولها وهي قصة عجيبة تدلءلى مدى حرص الرشيد على السنة وحرب أهل البدع.
(5) عقيدة السلف للصابوني (ص: 117) وهو آخر الرسالة.
(6) رواه الصابوني في عقيدة السلف (ص: 29) ، البيهقي في الأسماء والصفات (ص: 453) عن الصابوني.
(7) الصابوني في عقيدة السلف (ص: 172) تحقيق: الأخ ناصر الجديع- مطبوع على الآلة الكاتبة وهو في طبعة بدر البدر (ص: 29) ، لكن عبارته " فاصغ له".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)