" ولا والله ما رأيت منهم أحدأ ممن صنف في هذا الشأن وادعى علو المقام إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام، وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي حموها بزعمهم: حكميات، وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضا عن غيرها أصلا، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم، فتخبط حتى خبط فيهاخبط عشواء، ولم يفرق بين الحق والباطل وإلا فالله أعظم لطفا بعباده أن لا يجعل لهم عقلا يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه، لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال، وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانا يزن به العبد الواردات فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، فكيف يقال: إنه مخالف لبعفما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟
هذا باطل قطعا، يشهد له كل عقل سليم لكن {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور:40] .
" قال الشيخ الإمام قدس الله روحه: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية " (1) .
فابن تيمية يرى أن سبب تركيزه على هذه الجوانب وإطالة النفس فيها ما رأى عند هذه الطوائف من ضلالات ترمى إفى زعزعة العقيدة ثم الشريعة، وأن الذين ردوا عليها من أهل الكلإم- اتبعوا طرق واصطلاحات الفلاسفة- فساعدوا بمضمون كلامهم في هدم قواعد دين الاسلام، فرأى أنه لابد من بيان الحق للناس صافيأ والرد على هذه المقالات بالأدلة النقلية والعقلية.
2- وفي مناسبة يعلل ابن تيمية السبب في ذكر حجج الفلاسفة والرد عليها طويلا، ويبين أن كل من كان بفساد الباطل أعرف كان بصحة الحق أعرف--------------------------------------------
(1) الأعلام العلية (ص: 33- هـ 3) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
يقول: " ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة، وبالأدلة التى يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان؛ وذلك لأنا في مقام المخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق، ولكن قد يعارض ما جاء منه عقليات يجب تقديمها عليه، وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل، فذلك- ولله الحمد- هو علينا من أيسر الأمور ".
" ونحن- وللهالحمد- قد تبين لنا بيانا لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم، التي يعارضون بها كتاب الله، علمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك، وهذا- ولله الحمد- مما زادنا الله به هدى وإيمانا، فإن فساد مما يؤيد معرفة الحق ويقويه، وكل من كان أعرف بفساد الباطل، كان أعرف بصحة الحق … " (1) .
والمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين كنبوة مسيلمة ونحوه
من الكذابين، وأقاويل أهل الالحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به الرسول كلما ازداد العارف معرفة بها بما جاء به الرسول، تبين له صدق ما جاء به الرسول وبيانه وبرهانه، وبطلان هذه وفسادها وكذبها " (2) .
3- ويقول- في موضع آخر- معللا كثرة ردوده على ملاحدة الصوفية والجهمية، بأن هؤلاء ظهروا وانتشروا، وكثير من الناس يثق فيهم بل ويجعلهم أهل التحقيق، ويقول: " ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا، وظهروا وانتشروا، وهم عند كثير من الناس سادات الأنام، ومشايخ الاسلام، وأهل التوحيد والتحقيق، وأفضل أهل الطريق، حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين واكابر مشايخ الدين، لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال، وإيضاح هذا الضلال، ولكن يعلم أن الضلال لا حد له، وأن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من فرق بين نوع الإنسان فجعل منه من هو أفضل العالمين،--------------------------------------------
(1) الدرء (5/258) .
(2) نفس المصدر (5/260) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
وجعل منه من هو شر من الشياطين، ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء والأولياء كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولي الألباب هو الذي يوجب جهاد هؤلاء الملحدين، الذين يفسدون الدنيا والدين " (1) .
4- ويعلل- في موضع آخر- كثرة نقوله وردوده أن بعض الناس كلما كان طريق الاستدلال أدق وأخفى وأطول كان أنفع له، يقول: " وقد بسطنا الكلام على ما قاله الناس في هذا المقام من " الحدوث والإمكان " وعلة الافتقار إلى المؤثر، وذكرنا عامة طرائق أهل الأرض في " إثبات الصانع " من المتكلمين والفلاسفة وطرق الأنبياء- صلوات الله عليهم- وما سلكه عامة نظار الإسلام من معتزلي، وكرامى، وكلابي، وأشعري، وفيلسوف، وغيرهم، في غير موضع مثل كتاب درء تعارض العقل والنقل، وغير ذلك، وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في " شرح الأصبهانية "، وكتاب " الرد على النصارى " وغيرهما (2) . وبينا أن كثيرا من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول: لا يوصل إلى المطلوب إلا بهذا الطريق، ولا يكون الأمر كما قاله في النفي، وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق، فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا، وطرق الناس في معرفتها كثيرة وكثير من الطرق لا يحتاج إليه اكثر الناس، وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره، أو من أعرض عن غيره ".
" وبعض الناس يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى واكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لم تفرح نفسه به، ومثل هذا قد يستعمل معه الطريق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته، لا لكون العلم المطلوب--------------------------------------------
(1) الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الاسلام من بدع الجهمية والصوفية، مجموع الفتاوى (2/357-358) .
(2) انظر أيضا في ذكره لتدرج ردوده على الخالفين، النبوات (ص: 226-227) ط دار الكتب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
متوقفا عليها مطلقا، فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات، وهذا يسلك معه هذه الطريق)) (1) .
" وأيضا فإن النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدربه ويقويه على العلم، فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل، تعين على قوة الرمى والركوب وإن لم يكن ذلك وقت قتال، وهذا مقصد حسن، ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة، كالجبر والمقابلة، وعويص الفرائض، والوصايا، والدور (2) ، لشحذ الذهن، فإنه علم صحيح في نفسه، ولهذا يسمى " الرياضى " فإن لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي،؟ يذكر ذلك الأطباء وغيرهم، وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة، والآداب المحمودة، وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة، ويروى عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه أنه قال: " إذا لهوتم فالهوا بالرمى، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض " (3) ، أراد: إذا لهوا بعمل أن يلهوا بعمل ينفعهم في دينهم وهو الرمي، وإذا لهوا بكلام، لهوا بكلام ينفعهم أيضا في عقلهم ودينهم وهو الفرائض " (4) .--------------------------------------------
(1) الرد على المنطقيين (ص: 253-255) ، وانظر (ص: 328) وما بعدها، وانظر درء التعارض (5/97، 105، 197) .
(2) لابن تيمية كتاب في الدور، والدور أنواع: الدور الكوني: وهو نوعان: دور قبلي ودور معي، والنوع الثاني: الدور الحكمي الفقهى، والنوع الثالث: الدور الحسابي. انظر الرد على المنطقيين (ص: 257) .
(3) روى موقوفا، رواه الحاكم في المستدرك (4/333) ، والبيهقى في السنن الكبرى (6/209) ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى، لكن قال ابن حجر في تلخيص الحبير (3/85) ، " ورواته ثقات إلا أنه منقطع "، كا ضعفه الألبانيي في إرواء الغليل برقم (1666) الارواء (6/107) . وفيه أبو هلال الراسبى: محمد بن سليم، صدوق فيه لين، التقريب، وقال ابن عدى في الكامل (6/ 2220) عامة أحاديثه عن قتادة غير محفوظة ". قلت: وهذا منها فقد رواه عن قتادة.
(4) الرد على المنطقيين (ص: 255-256) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
وبعد هذا التمهيد نعرض لمنهج شيخ الاسلام العام، والكلام حول هذا الموضوع كما يلي::
أولا: مقدمات في المنهج.
ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال.
ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها.
رابعا: منهجه في الرد على الخصوم.
خامسا: الأمانة العلمية.
* * *
أولا: مقدمات في المنهج:
كثيرا ما يضع ابن تيمية بين يدي ردوده ومناقشاته، أو توضيحه لبعض قضايا العقيدة أصولا ومنطلقات ينطلق منها، وتكون هذه الأمور كالمقدمات الممهدة تفتح للقارى آفاقا تد يكون غافلا عنا، أو غير متصور لها تصورا كاملا، وقد ينير له الطريق في معرفة أقسام الناس أو العلماء أو أنواع من طرق الاستدلال.... ومن أمثلة ذلك:
1- ما يحتاجه الناس في العقيدة:
يقول ابن تيمية: " يحتاج المسلمون في العقيدة إفى شيئين: أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي نزل بها، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول-! آ- لما خاطبهم بالكتاب والسنة عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن ا! مل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه 000، (1) ، " ثم [وهذا هو الثاني] ، معرفة ما قال الناس في هذا الباب--------------------------------------------
(1) تفسير سورة الاخلاص- مجموع الفتاوى (17/353) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
لينظر المعاني الموافقة للرسول والمعاني المخالفة لها " (1) ، ثم شرح الوجه الثاني وبين أن الألفاظ التي يوردها الناس نوعان " نوع يوجد في كلام الله ورسوله، ونوع لا يوجد في كلام الله ورسوله، فيعرف معنى الأول، ويجعل ذلك المعنى هو الأصل، ويعرف ما يعنيه الناس بالثاني ويرد إلى الأول، هذا طريق أهل الهدى والسنة، وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس، يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعا لهم، فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم … " (2) . وفرق بين منهج أهل السنة وأهل البدعة في هذا.
2- لما سئل شيخ الاسلام عن الهم والعزم على فعل المعاصي- وعدم فعلها- هل يعاقب عليه؟ أجاب بقوله " الحمد لله، هذه المسألة- ونحوها - تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى حسن التصور لها، فإن اضطراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين:
أحدها: عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها، التي هي مورد الكلام. والثاني: عدم إعطاء الأدلة الشرعية حقها 000 (3) .
وابن تيمية يبين الأصل في الفتوى المبني على معرفة الواقعة وحسن التصور لها، ثم معرفة الأدلة الشرعية وحكم الله فيها.
3- بين طرق الناس في طلب العلم والدين فقال: (والناس لهم في طلب العلم والدين طريقان مبتدعان، وطريق شرعي:
فالطريق الشرعي: هو النظر فيما جاء به الرسول، والاستدلال بأدلته والعمل بموجبها، فلابد من علم بما جاء به، وعمل به، لا يكفي أحدهما،--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (17/355) .
(2) نفسه. وانظر مجموع فتاوى (4/191) فقد قسم الأقوال إلى قسمين: أقوال منقولة عن الأنبياء، وأقوال غير منقولة عنهم، ثم دين حكم كل منها.
(3) مجموع الفتاوى (0 1/ 0 72- 1 72) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
وهذا الطريق متضمن للأدلة العقلية والبراهين اليقينية، فإن الرسول بين بالبراهين العقلية ما يتوقف السمع عليه، والرسل بينوا للناس العقليات التي يحتاجون إليها، كما ضرب الله في القرآن من كل مثل، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده أن يسألوه هدايته.
وأما الطريقان المبتدعان: فأحدها: طريق أهل الكلام البدعي، والرأي البدعي، فإن هذا فيه باطل كثير، وكثير من أهله يفرطون فيما أمر الله به ورسوله من الأعمال، فيبقى هؤلاء في فساد علم وفساد عمل، وهؤلاء منحرفون إلى اليهودية الباطلة.
والثاني: طريق أهل الرياضة والتصوف والعبادة البدعية وهؤلاء منحرفون إلى النصرانية الباطلة 00. (1) ، فالأقسام ثلاثة: من يجمع بين العلم والعمل وهم أهل السنة، ومن يميل إلى العلم بلا عمل وهم أهل الكلام ومن يميل إلى العمل بلا علم وهم أهل التصوف.
4- أحسن طريقة لحكاية الخلاف في مسألة من المسائل:
جمن ذلك ابن تيمية فيقول: " هذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور " (2) .--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (3/107) .
(2) مقدمة في أصول التفسير (ص: 01 ا-102) ت زرزور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
فقد ذكر أربع ملاحظات على كتير ممن يحكي الخلاف والأقوال:
1- عدم استيعاب الأقوال، وقد يكون الحق في القول الذي أغفله.
2- حكاية الخلاف بلا بيان للصحيح.
3- حكاية الخلاف فيما لا فائدة تحته.
4- تكثير الأقوال وهي ترجع إلى أقل مما ذكره.
وفي موضع آخر بين أنواع النزاع وكيف يفصل النزاع الواقع بين اثنين فيقول: " فصل النزاع قد يكون بوجهين:
أحدهما: فهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا، إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه، كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف، ومقدار السفينة، والبعض البقرة الذي أمر الله بالضرب فيه إن قدر أنه كان معينا- مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين- وفي أمثال ذلك من الأمور التي لا فائدة فيها، وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل- فمثل هذا ينهى كل منهم عن منازعة الآخر، بل ينهى عن أن يقول ما لا يعلم.
والثاني: أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب " (1) .
5- تقعيده في الرد على الخصوم:
احتج بعض النصارى بالقرآن على معتقداتهم الباطلة وذلك بما يزعمون أنه دليل لهم ولا دليل فيه، أما النصوص التى تبين كفرهم وتبين عبودية المسيح عليه السلام فلم يحتجوا بها، بل قالوا: إن القرآن يناقض بعضه بعضا، فرد عليهم ابن تيمية في قولهم: إن القرآن يناقض بعضه بعضا قائلا: " إن هذا أيضا إن كان حقا فإنه يقدح في رسالته أأي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الرسول لا يناقض بعض خبره بعضا، ومن كان كذلك لم يصح لكم أن تحتجوا بشيء مما جاء به، وإن كان باطلا لم يرد عليه، فعلم أن استدلالهم بما في هذا الكتاب على صحة دينهم الذي خالفوا به هذا الكتاب في غاية الفساد، وهو جمع بين النقيضين،--------------------------------------------
(1) درء التعارض (10/313-314) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
واستدلال بما في الكتاب على ما يوجب بطلان الاستدلال بشيء مما في الكتاب " (1) ، وقال في موضع آخر في الرد على النصارى: " والمقصود هنا: أنهم سواء صدقوا محمدا أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرين فإنه إن كان نبيا صادقا فقد بلغ عن الله في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان به، وأمر بجهادهم، فمن علم أنه نبى ولو إلى طائفة معينة، فيجب تصديقة في كل ما أخبر بهـ وقد أخبر بكفر النصارى وضلالهم-.... وإن كذبوا محمدا تكذيبا عاما وقالوا: ليمر هو نبى أصلا، ولا أرسل إلى أحد، لا إلى العرب ولا إلى غيرهم، بل كان من الكذابين كما امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة غيره فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق الأولى " (2) .
وبمثل هذه المناقشات والمقدمات يفتح آفاقا في مناهج مناقشة النصارى ومجادلتهم.
أقسام العلماء وأنواعهم في مدى معرفتهم بالمعقول والمنقول:
كثيرا ما يردد شيخ الإسلام ابن تيمية في ردوده على أهل الكلام والنفاة أن اكثرهم قليل المعرفة بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف!، وقد أورد اعتراضا على قوله هذا ثم أجاب عنه. فقال: " فإن قيل: قلت: إن اكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول، ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك. قيل: هؤلاء أنواع:
نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلدون فيها، وقد اعتقد أقوال أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (2/263-264) ط المدني.
(2) الجواب الصحيح (1/174- هـ 17) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقا لهم وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه، وهذه حال مثل أبي حاتم البستى (1) وأبي سعد السمان المعتزلي (2) ، ومثل أبى ذر الهروي (3) ، وأبي بكر البيهقى (4) ، والقاضى عياض (5)
وأبي الفرج بن الجوزي (6) ، وأبي الحسن على بن المفضل المقدسى (7) وأمثا لهم.
والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها كما غلط غيره فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة--------------------------------------------
(1) هو: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي البستي، صاحب الثقات وصحيح ابن حبان، ولد سنة بضع وسبعين ومئتين، وتوفي سنة 354 هـ، وجهت له تهمة في دينه، لكن دافع عنه الذهبى، وقال فيه " وإن كان في تقاسيمه صحيح ابن حبان " من الأقوال والتأويلات البعيدة والأحاديث المنكرة عجائب، سير أعلام النبلاء (16/97) ، وانظر أيضا تذكرة الحفاظ (3/ 920) ، والوافي (2/317) ،ولسان الميزان (5/ 112)
(2) إسماعيل بن علي بن الحسين الرازى، قال عنه الذهبى: الحافظ المتقن، وأنكر عليه بدعة الاعتزال، توفي سنة 445 هـ، تذكرة الحفاظ (3/ 1121) ، والأنساب (7/130) ، وذكر أن بدعته نفى القدر، والجواهر المضية (1/424) ، والبداية والنهاية (12/65) .
(3) عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، الأنصارى الخراساني الهروى المالكي من تلاميذ الباقلاني وأخذ عنه المذهب الأشعري ونشره في الحرم، ولد سنة 355- أو 356 هـ، وتوفي سنة 434- أو 435 هـ، انظر: ترتيب المدارك (7/229) ، والمنتظم (8/115) ، والعقد الثمين (5/539) ، وسير أعلام النبلاء (17/554) .
(4) ستأتي ترجمته إن شاء الله في الفصل الخامس.
(5) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبى الأندلسى، السبتى المالكى، ولد سنة 476 هـ، وتوفي سنة 544 هـ، انظر: الصلة (2/453) ، والاحاطة (4/222) ، وبغية الملتمس (ص: 437) ، والتكملة لابن الأبار (ص: 6 30) ، وأزهار الرياض، وسير أعلام النبلاء (20/212) ..
(6) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن على، القرشي البكرى البغدادى الحنبلى، ولد سنة 509-أو 0 51 هـ، وتوفي سنة 597 هـ، انظر: التكملة للمنذرى (1/394) ، وسير أعلام النبلاء (21/365) ، وذيل طبقات الحنابلة (1/399) .
(7) هو: أبو الحسن على بن المفضل بن على بن مفرج بن حاتم، شرف الدين المقدسى، ولد سنة 544 هـ، وتوفي سنة 611 هـ، انظر: التكملة للمنذرى (2/306) ، وسير أعلام النبلاء (22/66) ، والتاج المكلل (ص: 82) - هندية-.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما، وهذه حال أبي محمد بن حزم (1) ، وأيى الوليد الباجي (2) ، والقاضي أبى بكر بن العريى (3) ، وأمثالهم، ومن هذا النوع بشر المريسى (4) ، ومحمد بن شجاع الثلجى (5) وأمثالهما.
ونوع ثالث: حمعوا الأحاديث والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة (6) والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض، وهذه حال أو بكر بن فورك (7) ، والقاضي أبي يعلى (8) ، وابن عقيل وغيرهم، (9)--------------------------------------------
(1) الامام المشهور علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبى اليزيدي، ولد سنة 384 هـ، وتوفي سنة 456 هـ، انظر: الذخيرة (ق ام اص: 67 1) ، والاحاطة (1/4 1 1) ، وسير أعلام النبلاء (18/184) ، وانظر رأي الذهبى في ابن حزم فهو مهم (ص: 1 0 2-202) ، ولسان الميزان (4/198) .
(2) هو: سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبى الأندلسى القرطبى الباجي، ولد سنة 403 هـ، وتوفي سنة 474 هـ، انظر: ترتيب المدارك (8/117) ، ووفيات الأعيان (2/408) ، والدبياج المذهب (1/377) ، وسير أعلام النبلاء (18/535) .
(3) محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن العربي الأندلسى الأشبيلى المالكى، ولد سنة 468 هـ، وتتلمذ على الغزالي، وأبو بكر الشاشى، وهو صاحب عارضة الأحوذى وأحكام القرآن، والعواصم من القواصم، توفي سنة 543 هـ، انظر: بغية الملتمس (ص: 92) ، ونفح الطيب (2/25) ، والمغرب في حلى المغرب (1/254) ، وسير أعلام النبلاء (20/197) .
(4) بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسى، توفي سنة 218 هـ وقيل 219 هـ، انظر تاريخ بغداد (7/56) ، ووفيات الأعيان (1/277) ، وميزان الاعتدال (1/322) ، ولسان الميزان (2/29) .
(5) هو: محمد بن شجاع، أبو عبد الله البغدادى الحنفي المعروف بابن الثلجي، قال عنه ابن عدى: كان يضع الأحاديث في التشبيه، ومنها حديث: عرق الخيل، توفي سنة 266 هـ، انظر الكامل لابن عدي (6/2292) ، وتاريخ بغداد (5/350) ، وسير أعلام النبلاء (12/379) ، وميزان الاعتدال (3/577) ، وتهذيب التهذيب (9/220) .
(6) كذا ولعل فيها سقط كلمة " بالسنة " أو نحوها.
(7) ستأتي ترجمته إن شاء الله في الفصل الخامس.
(8) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادى، الحنبلى، الفراء ولد سنة 380 هـ وتوفي سنة 458 هـ، انظر تاريخ بغداد (2/256) ، وطبقات الحنابلة (12/93) ، والوافي (3/7) ، وسير أعلام النبلاء (18/89) .
(9) على بن عقيل بن محمد بن عقيل الحنبلي، العالم المشهور، ولد سنة 431 هـ،=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل؟ فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار (1) ، وتارة يفوضون معانيها ويقولون تجرى على ظاهرها كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك، وتارة يختلف اجتهادهم فيرجحون هذا تارة وهذا تارة كحال ابن عقيل وأمثاله.
وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الاشكال مثل أن يكون رؤيا منام فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة من الجهمية وغيرهم وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه والحديث وأقوال الصحابة ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبا مركبا من هذا وهذا وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض، وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه كالقاضي أبى بكر (2) ، وأبي إسحاق الاسفراييني (3) وأمثالهما، ولهذا تجد أفضل هؤلاء كالأشعري يذكر مذهب--------------------------------------------
(1) = وتوفي سنة 513 هـ، انظر: ذيل طبقات الحنابلة (1/142) ، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد (ص: 192) ، وسير أعلام النبلاء (19/443) ، وانظر كلام الذهبي عنه مع تعليقات المحققين.
(1) له كتاب! مشكل الحديث وبيانها وفيه ردود على ابن خزيمة في كتابه " التوحيد".
(2) الباقلاني، وستأتي ترجمته إن شاء الله.
(3) هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن مهران، الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني روى عنه البيهقي والقشيرى كان من معاصري الباقلاني وابن فورك، توفي سنة 418 هـ، انظر: طبقات السبكي (4/256) ، وتبيين كذب المفترى (ص: 243) ، وسير أعلام النبلاء (17/353) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
أهل السنة والحديث على وجه الإجمال ويحكيه بحسب ما يظنه لازما، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم حكاها حكاية خبير بها عالم بتفاصيلها، وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغرهم، ومعرفة فساد أقوالهم، وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون فمعرفتهم بذلك قاصرة.
وإلا فمن (1) كان عالما بالآثار، وما جاء عن الرسول وعن الصحابة والتابعين من غير حسن ظن بما يناقض ذلك لم يدخل مع هؤلاء. إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع الخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث. أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك … [عدد جمهرة من أئمة أهل السنة ثم قال،: ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كا تواترت الآثار عنهم وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك" (2) .
إن هذا التقسيم المبني على الاستقراء الجيد لأقوال وكتب هؤلاء يجيب عن كثير من الأسئلة التي ترد في نفس المسلم- المتمسك بمذهب السلف- وفي قوله، ومن أهمها: كيف وقع هؤلاء العلماء في حبائل علم الكلام ومسائله وقالوا بها؟ وكيف يجمع بين اهتمامهم بالسنة وروايتها، وبين اعتقادهم لأقوال أهل البدع وكثير منها حرب على السنة وما جاء فيها؟. ثم لماذا يتردد بعض هؤلاء في هذه المسائل فتارة يرجحون مذهب السلف، وتارة يميلون إلى أقوال أخرى مخالفة له؟. هذه الأسئلة وغيرها يتضح الجواب عنها من خلال حكم ابن تيمية على هؤلاء العلماء والمعرفة بأحوالهم والاعتراف لهم بما عندهم من العلم والنية الصادقة، " ومن المعلوم- بعد كمال النظر واستيفائهـ أن كل من كان--------------------------------------------
(1) هذا قسم أهل السنة.
(2) درء التعارض (2/32-37) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
إلى السنة وإلى طريقة الأنبياء أقرب- كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح كما أن كلامه بالطرق النقلية أصح، لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد، لا تتناقض وتتعارض " (1) .
وإذا كان هذا تقسيما للعلماء فإن ابن تيمية أحيانا ينظر نظرة فاحصة إلى الكتب بفنونها- من غير نظر إلى مؤلفيها فيقول: " والمقصود هنا أن يعلم أنه لم يزل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يأمر بالمعروف وينس عن المنكر، وأن أمته لا تبقى على ضلالة، بل إذا وقع منكر من لبس حق بباطل أو غير ذلك فلابد أن يقيم الله تعالى من يميز ذلك فلابد من بيان ذلك ولابد من إعطاء الناس حقوقهم، كا قالت عائشة- رضي الله عنها أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم، رواه أبو داود وغيره (2) .
وهذا الموضع لا يحتمل من السعة--------------------------------------------
(1) درء التعارض (6/248) .
(2) هذا الحديث ذكره مسلم في مقدمة صحيحهـ بلا إسناد- فقال: " وذكر عن عائشة … (ص: 6) ، ورواه غيره مسندا: فرواه أبو داود، كتاب الأدب، باب تنزيل الناس منازلهم ورقمه (4842) ، سنن أبي داود (5/173) ط الدعاس، كمارواه البخاري في كتاب " الآداب (ص: 193-194) ، وأبو نعيم في الحلية (4/379) ، وأبو يعلى الموصلى في مسنده رقم (4826، 8/246) ، كما رواه ابن خزيمة، والبزار والعسكرى في الأمثال وغيرهم كما أشار إلى ذلك السخاوى في المقاصد الحسنة، رقم (179) "أمرنا" والزييدي في إتحاف السادة (1/342) ، كما رواه الخرائطي بلفظ آخر عن معاذ في مكارم الأخلاق (ص: 8) ط السلفية، وقد اختلف العلماء في حكمهم عليه.
أ- فضعفه أبو داود حيث قال في هذا الحديث " ميمون لم يدرك عائشة"، كما ضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (7/190) رقم (4675) ، حيث قال بعد نقل كلام أبي داود " وقيل لأبي حاتم الرازى ميمون بن أبي شبيب عن عائشة متصل قالا: لا،؟ ضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (1342) ، ورقم (1344) . ومحقق مسند أبي يعلى، والمناوى في فيض القدير (3/57-58) حيث تعقب السيوطي في تصحيحه له.
ب- أما الذين صححوه أو حسنوه: فالحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: 62) ، قال " فقد صحت الرواية عن عائشة … !، كما صححه ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط (ص: 83-84) فقال: " وأما قول مسلم في خطبة كتابه " وقد ذكر عن عائشة … فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس لفظا جازما بذلك عن عائشة غير مقتض كونه مما حكم بصحته،=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
وكلام الناس في مثل هذه الأمور التي وقعت ممن وقعت منه، بل المقصود التنبيه على حمل ذلك لأن هذا محتاج إليه في هذه الأوقات: فكتب الزهد والتصوف فيها من جنس ما في كتب الفقه والرأي وفي كليهما منقولات صحيحة وضعيفة بل وموضوعة ومقالات صحيحة وضعيفة بل وباطلة، وأما كتب الكلام ففيها من الباطل أعظم من ذلك بكثير، بل فيها أنواع من الزندقة والنفاق، وأما كتب الفلسفة فالباطل غالب عليها، بل الكفر الصرج كثير فيها " (1) .
تلك مقدمات يحرص ابن تيمية على ذكرها في مجال ردوده ورسائله وهي قضايا من منهجهـ رحمه الله.
ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال:
هذه المسألة من المسائل المهمة، لأنها المنطلق الذي ينبغى أن ينطلق منه في مثل هذه المباحث المتعلقة بالعقيدة وأصول الدين، وشيخ الاسلام له منهج واضح في هذا الموضوع، ولكن منهجه هذا لم يكتب فيه كتابة مستقلة في رسالة أو كتاب، وإنما أشار إلى شذرات متفرقة من خلال ردوده ىيما الخا! وين، واتحر مظانه في بحوثه المتعلقة بنقض المنطق، والنبوات، وبيان موافقة صحيح المنقول لصرج المعقول.
وقد قام منهجه في هذا على أساسين كبيرين:
أحدها: نقض أصول ومناهج الاستدلال الفلسفية والكلامية.
والثاني: بيان المنهج الشرعي الإسلامي في ذلك.--------------------------------------------
(1) = وبالنظر إلى أنه احتج به وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي كونه مما حكم بصحته، ومع ذلك فقد حكم الحاكم.... بصحته "، ثم ذكر قول أبي داود أن ميمون لم يسمع من عائشة ورده بأنه عاصرها وعند مسلم يكفي المعاصرة، وانظر شرح النووى (1/19) ، فقد نقل كلام ابن الصلاح وأيده، كا حسنه السخاوي في المقاصد الحسنة رقم (179) وقال السخاوي بعد كلام " وبالجملة فحديث عائشة حسن كما حسنه وأطال الكلام حوله في الجواهر والدرر (411) . كما أيده العجلوني في كشف الخفا (1/194) رقم (590) ، وفي مختصر المقاصد قال: حسن كما رمز له السيوطي بعلامة الصحة.
(1) شرح الأصفهانية (ص: 45 ا-146) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
أما الأول: فقد كانت لشيخ الإسلام جهود عظيمة فيه لفتت انتباه من أتى بعده من الموافقين والخالفين له، حتى أصبحوا يعتبرون موقفه موقفا متميزا يؤرخون فيه مرحلة من مراحل نظرة المسلمين إلى الفلسفة، والمنطق بشكل خاص (1) . ولن ندخل في هذا الموضوع ولكن نشير إشارات مجملة إلى نقده لتلك المناهج:
أ- فقد نقض أصول الفلسفة وأهدافها العليا، ورد على المناطقة الذين يزعمون أن فلسفتهم وبراهينهم توصل إلى العلوم الكمالية، وقد بين شيخ الاسلام أن كمال النفس إنما يكون بالايمان بالله والعمل الصالح، أما علومهم هذه فإنها لا تفيد- إن أفادت- إلا أمورا كلية لا حقيقة لها ولا ثمرة (2) ، ولذلك قال شيخ الإسلام عن علومهم هذه: إنها " لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقي " (3) ، وقال عن المنطق اليوناني: " لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد " (4) ، بل بين حكم تعلم المنطق وبين بطلان من قال بوجوبه وأنه فرض كفاية مثل اللغة العربية، كما بين أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين لم يعرفوه (5) ، بل بين لماذا اشتهر عند المسلمين أنه يجر إلى الإلحاد والزندقة (6) .
2- لما كان المنطق اليوناني يزعم أصحابه أنه آلة قانونية تعصم الذهن من أن يزل فكره، نقض هذا المنطق وكتب فيه كتابا مستقلا مرتبا ومبوبا، وأتى على جميع مباحثه بالمناقشة والنقد، فنقد الحد، وقول المناطقة: إن التصورات--------------------------------------------
(1) انظر فهارس: مناهج البحث للنشار، والمدرسة السلفية وموقفها من المنطق وعلم الكلام-نصار- وغيرها.
(2) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 22 ا-147) ، ونقض المنطق (ص: 164) .
(3) درء التعارض (5/71، 8/234، 7/42) وفيه " ولا سمين فينتقل،، والعبارة وصف إحدى النساء لزوجها في حديث أم زرع) البخارى في النكاح ورقمه (5189) ، الفتح (9/254) .
(4) الرد على المنطقيين (ص: 3) .
(5) انظر: المصدر السابق (ص: 178- 180) ، ومجموع الفتاوى (9/269- 270) .
(6) انظر: درء العارض (1/217-218) ، ومجموع الفتاوى (9/261) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
لا تنال إلا بالحد (1) ، كما نقض قولهم لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس (2) ورد قضية الكلية التي يقوم عليها (3) ، كما رد عليهم حصرهم له بأنه لابد أن يقوم على مقدمتين، فبين بأنه قد يقوم على مقدمة واحدة، وقد يحتاج الوصول إلى نتيجة إلى ثلاث مقدمات أو اكثر، فحصرها بهذا العدد محض تحكم (4) . كا بين أن كون القضية بديهية أو نظرية أمر نسبي وليس وصفا لها، إذ قد تكون عند شخص بديهية وعند آخر ليست بديهية (5) ، كا نقض قضايا المنطق الأخرى (6)
3- وإذا كان أهل الفلسفة حصروا منهجهم العلمى بالمنطق والقياس، فإن هناك طائفة قابلتهم في هذا الباب، فرأوا أن مصدر المعرفة ليست في شيء من ذلك، وجعلوا مصدرها ما عندهم من خيالات صوفية، وفيوضات- قد تكون فيوضات شيطانية- وغفل هؤلاء وهؤلاء عن الطريقة الشرعية، ولذلك كان بعض العلماء (7) يتعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي (8) .--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 7) وما بعدها، و (ص: 32) وما بعدها، ودرء التعارض (3/319) وما بعدها (8/523) ، ونقض المنطق (ص: 183) وما بعدها.
(2) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 88) ، ونقض المنطق (ص: 156) ، ومجمرع الفتاوى (9/268) ، وانظر المدرسة السلفية (ص: 0 36) .
(3) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 368- 1 37، 381) ، ومناهج البحث للنشار (ص: 69 1، 178، 182) .
(4) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 167) وما بعدها، ومنهاج السنة (2/84) ، مكتبة الرياض الحديثة، وانظر منطق ابن تيمية (ص: 0 0 1) ، ومناهج البحث (ص: 184، 96 1) ، والمدرسة السلفية (ص: 382) .
(5) انظر: درء التعارض (3/ 4 0 3) ، والرد على المنطقيين (ص: 88، 363) ، والمدرسة السلفية (ص: 0 37) .
(6) مثل أقسام الصفات اللازمة وهل تنقسم الى ذاتي وعرضي، انظر الدرء (2/374،3/ 28، 5/10-13) .
ومثل: الفرق يين الماهية ووجدها، انظر الرد على المنطقيين (ص: 64) ، وتفريقهم بين الزاتي واللازم. انظر: الرد على المنطقيين (ص: 70) .
(7) منهم أبو القاسم السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، صاحب الروض الأنف في شرح السيرة، توفي سنة: 581 هـ، ترجمته فى إشارة التعيين (ص: 182) ، وأنباء الرواة (2/162) ، وبغية الوعاة (2/81) .
(8) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 482) وما بعدها، ونقض المنطق (ص: 35) ، ودرء التعارض (3/303) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
4- وقد وقع الفلاسفة- وأهل الكلام- في غلط كبير، حين بنوا علومهم على أن كل ما لم يدل عليه الدليل يجب نفيه، وهذا تحكم ظاهر إذ أن معناه أن كل ما جهله الناس أو لم يجدوا له دليلا فعليهم أن ينفوه وينكروا وجوده أو حصوله، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ببيانه لقاعدة عامة وهي أن عدم العلم ليس علما بالعدم، أي أن الجهل بالشيء ليس دليلا على أن هذا الشيء غير موجود، وهنا يتبين خطأ المنحرفين حين نفوا أشياء كثيرة- ربما تكون من صفات الله أو اليوم الآخر أو المغيبات- لأنهم لم يجدوا عليها دليلا، وليس الخطأ جهلهم بالدليل، وإنما الخطأ حين جعلوا عدم علمهم بالدليل دليلا على انتفاء هذا الشىء (1) ، والنافي عليه الدليل كما على المثبت (2) .
5- كما تطرق ابن تيمية كئيرا إلى شبهة أخرى أضلت كثيرا من الفلاسفة والمتصوفة وأهل الكلام، وهي اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان، أو ما يسمى بالكلى المطلق، فهؤلاء قد يتصورون في أذهانهم أشياء مثل الكليات العقلية التي يزعمون أنها تكون خارج العقل ولا يمكن الإشارة إليها ولا الاحساس بها وليست داخل العالم ولا خارجه، ومثل الكليات المجردة مثل وجود مطلق، أو إنسانية مطلقة، ومثل أصحاب الاتحاد المطلق توهموه في أذهانهم فظنوا أنه في الخارج (3) . أما الثاني: فقد أشار إلى المنهج الصحيح للمعرفة والاستدلال ويمكن أن نعرضه كما يلي:
1- في البداية يوضح شيخ الإسلام مراتب الدلالة فيقول:" ولا ريب أن الدلالة على مراتب: أحدها: أن يدل الدليل بغير شعور منه ولا قصد، فهذا الذى يسمى لسان الحال.... والدرجة الثانية: أن يكون الدال عالما بالمدلول عليه،--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 100،437) ، والصفدية (1/ 180) ، ونقض المنطق (ص: 73) ، والجواب الصحيح (4/296) ، ودرء التعارض (4/59، 5/44) .
(2) انظر: الصفدية (1/166) ، وانظر المدرسة السلفية (ص: 305) .
(3) هذه القضية بحثها ابن تيمية كثيرا- وربما تعرض فيما بعد- وانظر نقض أساس التقديس المطبوع (1/332) ، ودرء التعارض (6/1 1 2، 285،289، 5/111، 127، 173، 313، 6/ 96) ، والسبعينية (ص: 0 9، 0 0 1) ، والصفدية (2/1 1 1-17 1 1، 296-308) ، والجواب الصحيح (3/78) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
لكن لم يقصد إفهام مخاطب، ولكن حاله دل المستدل على ما علمه، كالأصوات التى تدل بالطبع مثل البكاء والضحك ونحوهما، فإنها تدل على ما يعلمه المرء من نفسه مثل الحزن والفرح، وكذلك صفرة الرجل وحمرة الخجل … والدرجة الثالثة: الدلالة التي يقصدها الدال، فمنها: الاعلام بغير خطاب مسموع، كمن يعلم لغيره علامات تدله على ما يريد وكإشارة الأخرس ونحو ذلك … " (1) . ويبين في موضع آخر أن الدليل ينقسم إلى ما يدل بنفسه وما يدل بدلالة الدال به، فالخلوقات تدل على الله الخالق، فهذا مثال ما يدل بنفسه، أما ما يدل بغيره فقد يكون دالا بالمواطأة والاتفاق بين اثنين فصاعدا، مثل أن يتفق الرجل مع وكيله على علامة لمن يرسله إليه تدل على أنه أرسله مثل وضع خنصره في خنصره، ومثل وضع يده على ترقوته، ومثل شعار الناس في الحرب فلكل طائفة شعار خاص بهم يعرفون به بعضهم. وتد يدل بغيره قصدا من غير مواطأة مع المستدلين على أنه دليل، لكنهم يعلمون أنه قصد الدلالة لعلمهم بأحوال مثل أن يرسلوا عمامته أو ثوبه مع شخص فيعلمون أنه أرسلها علامة على أنه أرسله (2) . وشيخ الإسلام إنما يهدف إلى عدم حصر الاستدلال بطريقة معينة، فإثبات الصانع وحدوث العالم، ودلالة صدق الأنبياء وغيرها لا ينحصر الاستدلال لها في قالب معين كما فعل أهل الفلسفة والكلام الذين وصل بهم الأمر إلى إنكار ما لم يأت عن غير هذا الطريق الذي زعموه.
2- يقول المتكلمون: إنه لابد للوصول إلى العلم من النظر ولذلك يقولون: إن النظر يضاد العلم، لأنه لو كان عالما لما احتاج إلى النظر، لكن يرجع هؤلاء فيقولون: إن النظر مستلزم للعلم، وهذا تناقف، ويبين ابن تيمية أن الذي يفصل في القضية أن النظر نوعان: أحدهما: النظر الطلبي، وهو النظر في المسألة التي هي القضية المطلوب حكمها ليطلب دليلها، فهذا هو النظر الذ! ط لا يجامع العلم بل يضاده، لأنه ينظر في المطلوب فقد يجده وتد لا يجده، فهذا نظر في الحكم--------------------------------------------
(1) درء التعارض (10/200-202) .
(2) انظر: النبو ات (ص: 266- 279) ، وا نظر (ص: 369) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
كالذي ينظر في المسألة لينال دليلها من القرآن والحديث، والثاني: النظر الاستدلالي: وهو النظر في الدليل الذي يوصله ويستلزم المدلول، وهذا هو الذي يوجب العلم ولا ينافيه فهو كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم (1) . لكن هل النظر واجب؟ يجيب شيخ الإسلام: " لكن من حصر العلم بطريق عينه، هو مثل حد معين ودليل معين، أخطأ كثيرا، كا أن من قال: إن حد غيره ودليله لا يفيد بحال أخطأ كثيرا، وهذا كما أن الذين أوجبوا النظر وقالوا: لا يحصل العلم إلا بة مطلقا، أخطأوا، والذين قالوا:- لا حاجة إليه بحال، بل المعرفة دائما ضرورية لكل أحد في كل حال- أخطأوا، بل المعرفة وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطر السليمة، فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغنى عنه فى حال ويحتاج إليه في حال، وكذلك الحدود قد يحتاج إليها تارة ويستغنى عنها أخرى كالحدود اللفظية، والترجمة قد يحتاج إليها تارة، وقد يستغنى عنها أخرى، وهذا له نظائر. وكذلك كون العلم ضروريا أو نظريا، والاعتقاد قطعيا وظنيا أمور نسبية، فقد يكون الشىء قطعيا عند شخص في حال، وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول فضلا عن أن يكون مظنونا، وقد يكون الشىء ضروريا لشخص في حال، ونظريا لشخص آخر وفي حال أخرى، وأما ما أخبر به الرسول فإنه حق في نفسه، لا يختلف باختلاف عقائد الناس وأحوالهم، فهو الحق الذي لا يقبل النقيض، ولهذا كل ما عارضه فهو باطل مطلقا " (2) . والعلم علمان: عملي ونظرى، فالأول: " ما كان شرطا في حصول المعلوم كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه.
والثاني: العلم الخبري النظرى، وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى العلم به كعلمنا بوحدانية الله وأسمائه وصفاته وصدق رسله، وبملائكته وكتبه وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها، فهي مستغنية عن علمنا بها" (3) .--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على المنطقيين (ص: 352-353) .
(2) درء التعارض (3/303-304) .
(3) درء التعارض (1/88) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)