Arabic source text

📘 আত-তানকীলু বিমা ফী তানীবিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - তবাতুল মাকতাবিল ইসলামী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 আত-তানকীলু বিমা ফী তানীবিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - তবাতুল মাকতাবিল ইসলামী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الحجازيين [2/ 9] في الماء أحسنُ من قولنا، وقولنا فيه خطأ". وقال في موضع آخر(1): "فقال: ما أحْسَنَ قولَكم في الماء! ".
أقول: فانحصر الحق في المذهبين الأولين، وسقط ما يخالفهما.
وأما الأمر الثاني، وهو الاضطراب في روايات ذاك الحديث، فالاضطراب الضارُّ أن يكون الحديث حجةً على أحد الوجهين مثلًا دون الآخر، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتدُّ بحيث يدل أن الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يَضبط. وليس الأمر في هذا الحديث كذلك، كما يُعلم من مراجعة "سنن الدارقطني"، و"المستدرك"، و"سنن البيهقي"(2).
وأما الأمر الثالث، وهو قول الأستاذ: "ولم يقُلْ بتصحيحه إلا المتساهلون"، ففيه مجازفة. فقد صحَّحه الشافعي(3)، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه(4)، وأبو عبيد القاسم بن سلام(5). وحكى الشافعي عن مناظره من الحنفية ــ ويظهر أنه محمد بن الحسن ــ أنه اعترف بثبوته، كما--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (10/ 93).
(2) انظر "سنن" الدارقطني (1/ 17، 18) و"المستدرك" (1/ 133) والبيهقي (1/ 260 - 262). وراجع "التلخيص الحبير" (1/ 29 وما بعدها) وتعليق أحمد شاكر على الترمذي (1/ 97 - 99).
(3) في "اختلاف الحديث" من كتاب "الأم" (10/ 89).
(4) نقل الترمذي (67) أقوال هؤلاء العلماء الذين أخذوا بهذا الحديث، وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده، كما ذكر ذلك أحمد شاكر في شرح الترمذي (1/ 98).
(5) انظر كتاب "الطهور" له (ص 133).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 13)

في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (ج 7 ص 115)(1) ولفظه: "فقلتُ: أليس تثبت الأحاديث التي وصفتُ؟ فقال: أما حديث الوليد بن كثير [وهو حديث القلتين]، وحديث ولوغ الكلب في الماء، وحديث موسى بن أبي عثمان = فتثبت بإسنادها. وحديث بئر بضاعة، فيثبت بشهرته وأنه معروف". واعترف الطحاوي(2) بصحته، كما يأتي. وصححه ابن خزيمة(3)، وابن حبان(4)، والحاكم(5)، وغيرهم. قال الحاكم في "المستدرك" (ج 1 ص 132): "حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا جميعًا بجميع رواته ولم يخرجاه. وأظنهما ــ والله أعلم ــ لم يخرجاه لخلافٍ فيه … " ثم ذكر الخلاف، وأثبت أنَّ ما هو متابعة تزيد الحديث قوة.
وأما الأمر الرابع، وهو قول الأستاذ: "ولم ينفَعْ تصحيحُ مَن صحَّحه لعدم تعيُّن المراد بالقلتين". ففي "فتح الباري"(6): "واعترف الطحاوي من الحنفية بذلك [يعني بصحة الحديث]، لكنه اعتذر عن القول به بأن القُلَّة في العُرف تُطلَق على الكبيرة والصغيرة كالجَرَّة، ولم يثبت في الحديث تقديرُهما، فيكون مجملًا، فلا يُعمل به. وقوَّاه ابن دقيق العيد … ".--------------------------------------------
(1) (10/ 89) ط. دار الوفاء.
(2) رواه في "شرح معاني الآثار" (1/ 15) و"شرح مشكل الآثار" (2644) بإسناد صحيح، وبنى عليه الكلام.
(3) في "صحيحه" (92).
(4) في "صحيحه" (1249).
(5) في "المستدرك" (1/ 132، 133).
(6) (1/ 348).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 14)

[2/ 10] أقول: قال الله عز وجل: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]. ومن المساكين الصغير والكبير، والطويل الجسيم والقصير القضيف(1). ومن المماليك الصغير والكبير. وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة، إذ يَصدُقان بتمرة تمرة وقَلَنْسُوَة قلنسوة. وأمثال هذا في النصوص كثير. وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك: إنه مجمل. بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل.
فيمكن الأخذ بمقتضى الإطلاق في القلتين، فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين من أصغر ما يكون من القلال. ولا يَخْدِش في ذلك أنه قد يكون مقدار قُلَّةٍ كبيرة أو نصفها مثلًا، كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفي ما يُسمَّى كسوة مساكين.
ويمكن الأخذ بالأحْوَط كما فعل الشافعي وغيره. ولا ريب أنَّ ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذٍ وزاد على ذلك داخلٌ في حكم منطوق الحديث حتمًا على كل تقدير، وهو أنه لا ينجَس، وأن ما لم يبلغ قلَّتين من أصغر القلال المعهودة حينئذ داخلٌ في حكم مفهوم الحديث حتمًا، وهو أنه ينجس. فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين، وإنما يبقى الشك في ما بينهما، فيؤخذ فيه بالاحتياط.--------------------------------------------
(1) أي النحيف.

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 15)

وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي"(1): "قد اختُلِف في تفسير القُلَّتين اختلافًا شديدًا كما ترى، ففُسِّرتا بخمس قِرَب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلًا، وباثنين وثلاثين رطلًا، وبالجرَّتين مطلقًا، وبالجرّتين بقيد الكبر، وبالخابيتين، والخابية: الحُبُّ. فظهر بهذا جهالة مقدار القُلّتين، فتعذَّر العملُ بها".
أقول: أما الاختلاف في تفسير القُلة بمقتضى اللغة، فمَنْ تأمَّلَ كلامَ أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدِّثين السابقين ظهر له أن القُلّة هي الجَرَّة، وإنما جاء قيد الكبر من جهتين:
الأولى: تفسير أهل الغريب لما ورد في الحديث(2) في ذكر سدرة المنتهى: "فإذا نَبِقُها مثلُ [2/ 11] قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفِيَلة". وقِلال هَجَر مشهورة بالكبر، وتفخيمُ شأن السدرة يقتضي الكبر.
الثانية: تفسير المحتاطين لحديث القلتين. وفي "سنن البيهقي" (ج 1 ص 264) عن مجاهد تفسيرُ القلَّتين بالجرَّتين. ونحوه عن وكيع، ويحيى بن آدم. وعن ابن إسحاق: "هذه الجِرار التي يُستقى فيها الماء والدواريق". وعن هشيم: "الجرَّتَين الكبار". وعن عاصم بن المنذر: "الخوابي العظام".--------------------------------------------
(1) (1/ 265) بهامش "السنن الكبرى".
(2) أخرجه البخاري (3887) عن مالك بن صعصعة في حديث المعراج. وانظر "أعلام الحديث" للخطابي (3/ 1680) و"معالم السنن" (1/ 57) و"النهاية" لابن الأثير (4/ 104).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 16)

وأكثرُ الآخذين بحديث القلتين أخذوا بالاحتياط، فاشترطوا الكبر. والخابية هي الحُبُّ، والحُبُّ هو الجرة أو الجرة الكبيرة. وعلى كل حال فما بلغ جرَّتين من أكبر ما يُعهد من الجِرار داخلٌ في حكم منطوق الحديث حتمًا، وما لم يبلغ جرتين من أصغر ما يُعهد من الجِرار داخلٌ في حكم مفهومه حتمًا كما سلف.
وأما الاختلاف في مقدار ما تسع، فأكثرُ الأوجه التي ذكرها ابن التركماني جاءت في خبرٍ(1) رواه ابن جريج عن محمد بن يحيى، عن يحيى بن عُقَيل، عن يحيى بن يعمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا". رواه أبو قرة(2) عن ابن جريج وقال فيه: "قال محمد: فرأيت قِلالَ هَجَر، فأظنُّ كلَّ قُلَّة تأخذ قِرْبتَين".
ورواه الدارقطني(3)، عن أبي بكر النيسابوري، عن أبي حميد المِصِّيصي، عن حجاج، عن ابن جريج؛ وقال فيه: "قال: فأظن أن كلَّ قُلَّةٍ تأخذ الفَرَقَيْن".
ورواه البيهقي(4) عن أبي حامد أحمد بن علي الرازي، عن زاهر بن أحمد(5)، عن أبي بكر النيسابوري بإسناده مثله، وزاد: "والفَرَق ستة عشر--------------------------------------------
(1) أخرجه البيهقي (1/ 263).
(2) أخرجه البيهقي (1/ 264) من طريقه.
(3) (1/ 24).
(4) (1/ 263).
(5) في الأصل: "طاهر" وهو خطأ. والتصويب من البيهقي. وهو أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي المترجم في "سير أعلام النبلاء" (16/ 476).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 17)

رطلًا".
ورواه الشافعي(1): "ثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسنادٍ لا يحضرني ذكرُه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا كان الماء قلَّتين لم يحمل خبثًا". وقال في الحديث: بقلال هَجَر. قال ابن جريج: وقد رأيت قِلال هَجر، فالقُلَّة تَسَعُ قِربَتين أو قِربتين وشيئًا". قال الشافعي(2): "كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القِربة أو نصفُ القِربة، فيقول: خمسُ قِرَب هو أكثر ما يَسَعُ قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس قِرَب". قال الشافعي(3): "فالاحتياط أن تكون القُلَّة قِربتين ونصف … وقِرَبُ الحجاز كِبار … ".
ومسلم بن خالد وإن ضعَّفه الأكثرون [2/ 12] ونسبوه إلى كثرة الغلط، فقد وثَّقه ابنُ معين وغيره، وقالوا: كان فقيه أهل مكة، وكانت له حلقة في حياة ابن جريج. وهذا الخبر مما يحتاج إليه الفقيه، فلا يُظَنُّ به الغلط فيه(4).
وقد تابعه في الجملة أبو قُرَّة وهو ثقة. فلفظ "القِربتين" ثابت عن ابن--------------------------------------------
(1) في كتاب "الأم" (2/ 10، 11) و"اختلاف الحديث" (10/ 85).
(2) "الأم" (2/ 23).
(3) "الأم": (2/ 11).
(4) قلت: هذا غير مُسلّم، فإن لازمه قبول أحاديث الأحكام والزيادات التي تفرد بها بعض الفقهاء المتكلم فيهم أمثال أبي حنيفة وابن أبي ليلى وغيرهما؛ وهو مما لا يقوله المؤلف ولا غيره من أهل العلم، ثم لو سلمنا بذلك هنا فإسناد الزيادة من فوق مسلم بن خالد ضعيف لجهالة مَن فوق ابن جريج، فإن حمل على رواية أبي قرة عنه، فهي ضعيفة ايضًا لأن يحيى بن يعمر تابعي، ومحمد بن يحيى مجهول. وأما متابعة أبي قرة له في الجملة، فلا تفيد هنا لأن البحث خاص بزيادة "بِقلال هجر" وهي مما لم يتابعه عليها أبو قرة، وهب أنه قد توبع فهي لا تثبت لما عرفت من الضعف. على أن قوله: "وقال في الحديث: بقلال هجر" ليس صريحًا في الرفع، فكيف وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج بلفظ: "قال ابن جريج زعموا أنها قلال هجر". فهذا صريح في الوقف. فسقط الاستدلال بها جملة.
ثم كيف يمكن أن تكون هذه الزيادة محفوظة، ولم ترد في شيء من طُرق الحديث المحفوظة التي بها ثبت أصل حديث القُلتين لا برواية مسلم بن خالد له، بل القواعد الحديثية تعطي أن هذه الزيادة منكرة لتفرد ابن خالد بها وقد ضعَّفه الأكثرون، ومن شاء الاستزادة من التحقيق فعليه بـ "الإرواء" (1/ 60).

والحق أن حديث القلتين مع صحته، فالاستدلال به على ما ذهب إليه الشافعية صعب إثباته، وعليه اعتراضات كثيرة لا قِبل لهم بردها، ولقد جهد المؤلف رحمه الله لتقرير الاستدلال به وتمكينه من بعض الوجوه من حيث منطوقه ومفهومه، ولم يتعرض للإجابة عن الاعتراضات المشار إليها، فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إلى تحقيق ابن القيم في "تهذيب السنين" (1/ 56 - 74).
والمختار في هذه المسألة إنما هو المذهب الأول الذي قرره المؤلف رحمه الله تعالى، لأن حديثه مع ثبوته فالاستدلال به سالم من أي اعتراض علمي، بل هو الموافق لسماحة الشريعة ويُسرها. [ن].

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 18)

جريج.
فأما لفظ "الفَرَقيْن"، فإن كان بفتح الراء فيدفعه أن قِلال هَجَر معروفة بالكِبَر بحيث يضرب بها المثل كما مرَّ. وقد قال الأزهري(1) بعد أَنْ عاش في هَجَر ونواحيها سنين: "قِلال هَجَر والأحساء ونواحيها معروفة، تأخذ القُلَّةُ منها مزادةً كبيرةً من الماء، وتملأ الراوية قُلتين". والقِربة تكون من جلد واحد، والمزادة من جلدين ونصف أو ثلاثة، والراوية هي البعير الذي يحمل--------------------------------------------
(1) انظر "تهذيب اللغة" (8/ 288).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 19)

مزادتي الماء. فالمراد هنا أن المزادتين اللتين يُستقَى فيهما على البعير تملآن قلتين، فكيف يعقل أن يكون [2/ 13] ما تسعُه القُلتان من قِلال هَجَر من الماء أربعة وستين رطلًا فقط؟ فإما أن يكون لفظ "الفَرقين" تصحيفًا من بعض الرواة، والصواب "القِرْبتين". وإما أن يكون "الفَرْقين" بسكون الراء، والفَرْق بسكون الراء مائة وعشرون رطلًا. وما وقع في رواية البيهقي عن الرازي عن زاهر: "والفرق ستة عشر رطلًا" تقديرٌ من بعض الرواة ظنَّ الفرقين بفتح الراء. وزاهر فيه كلام(1).
وأما ما ذكره ابن التركماني من تفسير القُلَّتين معًا باثنين وثلاثين رطلًا، فإنما أخذه من قوله(2): "وقد جاء ذكر الفرق من طريق آخر أخرجه ابن عدي(3) من جهة المغيرة بن سِقْلاب، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كان الماء قُلتين من قِلال هَجَر لم يُنجِّسه شيء"، وذكر أنهما فرقان"(4). قال ابن التركماني: "وهذا يقتضي أن تكون القلتان اثنين وثلاثين رطلًا. والمغيرة هذا ضعَّفه ابن عدي، وذكر ابن أبي حاتم(5) عن أبيه أنه صالح. وعن أبي زرعة: جَزَري لا--------------------------------------------
(1) هذا إذا كان زاهر بن طاهر [الشحّامي المتوفى سنة 533]، كما أثبته المؤلف. وقد نبَّهنا أنه أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي المتوفى سنة 389، ولم نجد أحدًا تكلم فيه.
(2) "الجوهر النقي" (1/ 264).
(3) "الكامل" (6/ 359).
(4) كذا ذكره ابن التركماني. والذي عند ابن عدي: "وذكر أنهما من قِلال هَجَر"، وليس فيه ذكر "الفرق".
(5) "الجرح والتعديل" (8/ 224).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 20)

بأس به".
أقول: الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعنًا شديدًا لا يزيده ثناءُ بعض الغرباء عليه إلا وهنًا، لأن ذلك يُشعِر بأنه كان يتعمد التخليط، فتزيَّن لبعض الغرباء، واستقبله بأحاديث مستقيمة، فظن أن ذلك شأنه مطلقًا، فأثنى عليه. وعرف أهل بلده حقيقة حاله. وهذه حال المغيرة هذا، فإنه جزري أسقطه محدثو الجزيرة. فقال أبو جعفر النفيلى: لم يكن مؤتمنًا. وقال علي بن ميمون الرقي: كان لا يَسْوَى بَعْرةً. وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان كأنهما لقياه في رحلتهما، فسمعا منه، فتزيَّن لهما ــ كما تقدَّم ــ فأحسنا به الظنَّ. وقد ضعَّفه ممن جاء بعد ذلك: الدارقطني وابن عدي، لأنهما اعتبرا أحاديثه. وحسبك دليلًا على تخليطه هذا الحديث، فإن الناس رَووه عن ابن إسحاق، عن ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه. ولا ذِكر فيه لقِلال هَجَر، ولا للتقدير؛ فخلَّط فيه المغيرة ما شاء.
هذا، والذي في "الميزان"(1) في ترجمة المغيرة هذا: " … عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: إذا كان الماء قُلتين لم ينجِّسه شيء، والقُلة أربعة آصُع". ففي هذا أن القلة الواحدة اثنان وثلاثون رطلًا، لا القُلتان معًا. والصاع عند العراقيين ثمانية أرطال، وقد [2/ 14] يكون المغيرة رأى في بعض الروايات التقدير بالفَرْقين، فظنَّه بفتح الراء كما تقدم. وهو تالف على كل حال.
هذا، والفَرْقان بسكون الراء قريبٌ من قِربتين وشيء من قِرَب الحجاز،--------------------------------------------
(1) (4/ 163)، وكذا في "الكامل" لابن عدي (6/ 359).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 21)

فإنها كِبار كما ذكره الشافعي، فالفرقان مائتان وأربعون رطلًا. ومرَّ عن الشافعي وشيخِه مسلم بن خالد صاحبِ ابن جريج جعلُ الشيء نصفًا، وحرَّر بعض أصحاب الشافعي القِرْبة بمائة رطل، فتكون القلة مائتين وخمسين رطلًا. فتقاربت روايتا الفَرْقين، والقِرْبتين وشيء.
فأما ما روي عن الإمام أحمد أن القُلتين أربع قِرَب(1) فكأنه رجَّح رواية أبي قُرَّة عن ابن جريج، ورأى أن القُلتين في أصل الحديث مطلقتان، وأن قِلالَ هَجَرٍ أكبر من قلال المدينة، فرأى أن الزيادة على أربع قِرَب غلوٌّ في الاحتياط لا حاجة إليه.
وأما قول إسحاق بن راهويه إن القُلتين ستُّ قِرَب، فكأنه أخذه من قول الشافعي: "خمس قِرَب" مع قوله: إن قِرَبَ الحجاز كبار، فاحتاط إسحاق، فجعلها ستَّ قِرَب بقِرَب العراق.
وعلى كل حال، فذاك المقدار ــ أعني خمسَ قِرَب من قِرَب الحجاز ــ داخل هو وما زاد عليه في حكم منطوق الحديث حتمًا، أعني أنه لا ينجَس، لأنه يشتمل على قُلتين أو قلتين وزيادة، على جميع التفاسير؛ فدلالةُ الحديث على أنه لا ينجس حتمية. وكذلك دلالة الحديث على أن الماء القليل الذي لا يبلغ أن يكون قلَّتين في تفسير من التفاسير ينجَس= واضحة. فبطلت دعوى تعذُّر العمل بالحديث، وتحتَّم على مَن يعترف بصحته أن يعمل به فيما ذكر.
وأما الأمر الخامس، وهو الاحتجاج بحديث الماء الدائم، فإنه صح في--------------------------------------------
(1) كما في "المغني" لابن قدامة (1/ 37).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 22)

ذلك حديثان:
الأول في النهي عن البول فيه. ففي "صحيح مسلم"(1) من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى أن يُبال في الماء الراكد، ومن حديث أبي هريرة(2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه". وفي رواية(3): "لا تَبُلْ في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل فيه". وحديث أبي هريرة في "صحيح البخاري"(4)، وفيه: "ثم يغتسل فيه".
فقد يقال من جانب الحنفية: هاهنا ثلاث قضايا:
الأولى: فرَّق الحديثُ بين الراكد وغيره، وهو قولنا.
[2/ 15] الثانية: دلَّ على أنَّ البول في الماء الراكد ينجِّسه، ولم يشترط التغيير، فهو حجة لنا على من يشترطه.
الثالثة: قال في رواية البخاري: "ثم يغتسل فيه". وهو ظاهر في شمول الحكم للماء الذي يُمكِن الإنسانَ أن يغتسل فيه، ولابد أن يكون أكثر من قلتين؛ فهو حجة لنا على مَن يقول بالقُلتين.
أقول: أما القضية الأولى، فدلالة الحديث على التفرقة إنما هي بمفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون بها، فيلزمهم إلحاق الجاري بالراكد قياسًا،--------------------------------------------
(1) رقم (281).
(2) رقم (282).
(3) لمسلم رقم (282/ 96).
(4) رقم (239).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 23)

أو يقيموا على مخالفته له دليلًا آخر. أما نحن فنقول بدلالة مفهوم المخالفة، ولكننا نقول: ليس وجه المخالفة ما توهَّمه الحنفية أو بعضُهم حتى قال بعضُهم(1): "إناءان ماءُ أحدِهما طاهر، والآخر نجس، فصُبَّا من مكان عالٍ، فاختلطا في الهواء، ثم نزلا= طهُرَ كلُّه! ولو أُجريَ ماءُ الإناءين في الأرض صار بمنزلة ماء جار"! وقال بعضهم(2): "لو حفر نهرًا من حوض صغير، أو صبَّ رفيقُه الماءَ في ميزاب وتوضأ فيه، وعند طرفه الآخر إناءٌ يجتمع فيه الماءُ= جاز توضُّؤُه به ثانيًا وثم وثم"! وذكروا أن هذا معتبر حتى على القول بنجاسة الماء المستعمل.
وقضية هذا أنه لو عمد إلى جرَّةٍ يصبُّ الماءَ منها في ميزاب، وقعد آخر على وسط الميزاب يبول فيه ويسيل بوله مع الماء، وعلى طرف الميزاب إناء يجتمع فيه ذاك الماء= كان ذاك الماء الذي خالطه البول واجتمع في ذاك الإناء طاهرًا مطهرًا، مع أنه لو وُضع في الجرة ابتداءً شيء يسير من ذاك البول لصار ماؤها نجسًا!
ولا يخفى أن مثل هذا الفرق لا يُعقَل له وجه. وإنما الماء الجاري الخارج بمفهوم المخالفة في الحديث هو ــ بمقتضى التبادر والنظر ــ ما كان جاريًا بطبعه كالأنهار والعيون، مما ليس مفسدة البول فيه كمفسدة البول في الراكد، فإن الراكد يختلط به البول ويبقى بحاله؛ فإن اغتسل منه البائل وغيره كان مغتسلًا بماءٍ مخالطُه البول من أول اغتساله إلى آخره. وأما الجاري كماء النهر، فإن الدفعة التي وقع فيها البول تذهب فورًا ولا تعود، فلا يمكن--------------------------------------------
(1) كما في "حاشية ابن عابدين" (1/ 187، 326).
(2) كما في "حاشية ابن عابدين" (1/ 188).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 24)

البائلَ أن يعود فيغتسل فيها. وإنما يمكنه أن يعود فيغتسل في تلك البقعة، ولا ضَير؛ فإنَّ الماء الذي يكون فيها ماء جديد لم يخالطه بوله. ومن شأن الماء الجاري أن يتلاحق، فلا تكاد تمرُّ الدفعة التي وقع فيها البول مسافةً لها قدر حتى يتلاحق بها الماء المتجدِّد فيتغلب [2/ 16] عليها. وعلى فرض أنها حفظت بعضَ حالها حتى مرّت بإنسان يغتسل، فسرعانَ ما تُجاوزه ويعقُبها الماء الجديد بل المتجدد، فيذهب بأثرها. فهذا هو المعنى المعقول الذي به خالف الجاري الراكد، فوجب البناء عليه. وبذلك عُلِمَ الجواب.
وأما القضية الثانية، فلو دل حديث جابر على تنجُّس الراكد بالبولة الواحدة لدلَّ على تنجُّس كل ماء راكد قلَّ أو كَثُر حتى البحر الأعظم. فالصواب أن هناك عدة علل إذا خُشيت واحدة منها تحقَّق النهي:
الأولى: التنجيس حالًا. إما بأن يكون الماء قليلًا جدًّا تغيِّره البولة الواحدة، وإما بأن يكون دون المقدار الشرعي، وقد تقدم الكلام فيه.
الثانية: التنجيس مآلًا. وذلك أنه لو لم يُنْهَ عن البول في الماء الراكد لأوشك أن يبول هذا، ثم يعود فيبول ويتكرر ذلك، وكذلك يصنع غيره، فقد يكثر البول حتى يغيِّر الماء، فينجِّسه.
الثالثة: التقذير حالًا. قال الشافعي كما في هامش "الأم" (ج 7 ص 111)(1): "ومن رأى رجلًا يبول في ماء ناقع قذِرَ الشُّربَ منه والوضوءَ به". وقال قبل ذلك: "كما يُنهَى أن يتغوَّط على ظهر الطريق والظل والمواضع التي يأوي الناس إليها، لما يتأذى به الناس من ذلك".--------------------------------------------
(1) "اختلاف الحديث" (10/ 86).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 25)

الرابعة: التقذير مآلًا. قد يكون الغدير أو المصنعة(1) كبيرًا جدًّا لا يقذَره الإنسان لبولةٍ واحدة، لكن إذا علم أن الناس يعتادون البول فيه قذِرَه.
الخامسة: فشوُّ الأمراض. فقد تحقق في الطب أن كثيرًا من الأمراض إذا بال المبتلى بأحدها خرجت جراثيم المرض مع البول. فإن كان البول في ماء راكد بقيت تلك الجراثيم حتى تدخل في أجسام الناس الذين يستعملون ذاك الماء، فيصابون بتلك الأمراض. والإصابةُ بذلك أكثرُ جدًّا من الإصابة بالجُذام للقرب من المجذوم. وقد ثبت في "الصحيح"(2): "فِرَّ من المجذوم كما تفِرُّ من الأسد". وكثيرٌ منها أشدُّ ضررًا من جَرَب الإبل. وقد ثبت في "الصحيح"(3): "لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ".
وبهذا يبقى الحديث على عمومه، ولا يحتاج إلى إخراجه عن ظاهره بمجرد الاستنباط. فأما حال الضرورة فمستثنى من أكثر النواهي. ثم إن تحقَّق بعض [2/ 17] هذه العلل في ماء يصدق عليه أنه ليس براكد وجب أن يشمله الحكم. أما على قول مَن لا يَعتَدُّ بمفهوم المخالفة كالحنفية فواضح، وأما على قول من يعتد به فيُخَصُّ عمومُه بالقياس الواضح.
ولا ريبَ أن الشرع لا يبيح أن يُلْقَى في الماء الجاري ما يضرُّ بالناس أو يؤذيهم. وعلى هذا، فلا حاجة في التخصيص إلى القياس، بل النصوص الزاجرة عن الإضرار والإيذاء كافية.--------------------------------------------
(1) المصنعة: شبه الحوض يُجمع فيه ماء المطر ونحوه.
(2) أخرجه البخاري (5707) من حديث أبي هريرة.
(3) أخرجه البخاري (5771) ومسلم (2221) من حديث أبي هريرة.

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 26)

فإن قيل: لو اعتبرنا العلل المذكورة واعتبرنا القياس لزم شمولُ المنع لكل ماء جارٍ، فيلزم اطِّراحُ المفهوم رأسًا.
قلت: بل تبقى مياه السيول ونحوها التي تمرُّ بنفسها على مواضع النجاسة، فلا يبقى وجهٌ لمنع الإنسان عن البول فيها؛ على أن الذين يعتدّون بمفهوم المخالفة يشترطون ما لعلَّنا لو دقَّقنا للاحَ لنا أنه غير متحقِّق هنا. وفي القرآن عدة آيات لا يأخذون فيها بمفهوم المخالفة، ويعتلّون بوجوهٍ إذا تدبرتَ وجدتَ بعضها واردًا هنا.
وأما حديث أبي هريرة، فإن كان قوله: "ثم يغتسلُ منه" على معنى الخبر ــ كما قرّره القرطبي، قال(1): كحديث: "لا يضرِبْ أحدكم امرأته ثم يضاجعُها"(2) ــ فالكلام فيه كما مرَّ، إلّا أنَّه زاد بقوله: "ثم يغتسل منه" التنبيهَ على بعض العلل. كأنه قال: كيف يبول فيه، ثم لعله يحتاج إليه فيغتسل منه، فيتنجَّس أو يتقذَّر؛ أو يدع الاغتسال مع حاجته إليه؟ وإذا كان هو يستقذره لبوله فيه، فغيرُه أولى بالاستقذار. والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولا يدفع هذا أن تكون هناك علة أخرى، فإنّ النهي عامٌّ، وقد جاء مثله بدون هذا التنبيه، وهو حديث جابر.
وإن كان المعنى على النهي عن الجمع بين البول والاغتسال، انصبَّ النهيُ على الاغتسال بعد البول، كأنه قيل: لا يغتسل في ماء دائم قد بال فيه.--------------------------------------------
(1) في "المفهم" (1/ 542).
(2) ذكره الحافظ في "الفتح" (1/ 347) نقلًا عن القرطبي. ولفظ الحديث كما عند البخاري (4942) ومسلم (2855) من حديث عبد الله بن زمعة: "يَعمِد أحدكم يَجْلد امرأته جَلْدَ العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه".

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 27)

ويحتمل هذا النهي عللًا: إحداها التنجُّس، ثانيتها التقذر، ثالثتها أن يكون عقوبة للبائل؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إن بال في الماء حُظِر عليه الاغتسالُ منه كان مما يمنعه عن البول. وقريب منه حديث المرأة التي لعنت ناقتَها، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتخلية الناقة(1)، كأنه جعل عقوبة المرأة على لعنها الناقةَ أن لا تنتفع بها، لكي تنزجر هي وغيرها عن اللعن. فأي واحدة من هذه العلل وُجِدَت وُجِدَ النهيُ، وبذلك يساوق التعليلُ عمومَ النص. وإن كان المعنى: لا يبُلْ في الماء الدائم، فإن عصى فبال، فلا يغتسلْ منه؛ فآخره كما ذكر، وأوله كما مرَّ في حديث جابر.
[2/ 18] وأما القضية الثالثة، فقد مرَّ ما يُعلم به الجواب عنها، على أن الماء إذا كان دون القُلتين بقليل، وكان في حفرة ضيقة أو حوض بقدر قعدة الإنسان إلا أنه عميق، أمكن الانغماس فيه؛ لأنه إذا قعد ارتفع الماء من الجوانب فيغمره. ومع ذلك فالاغتسال في الماء يصدُق بأن يقعد وسطَه ويغرف على نفسه. وفوق هذا، فكلمةُ "فيه" كأنها شاذة، والغالب في الروايات من ذلك الوجه وغيره كلمة "منه"(2).
الحديث الثاني: النهي عن اغتسال الجنب فيه. وهو في "الصحيحين"(3) عن أبي السائب "أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا".--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (2595) من حديث عمران بن حصين.
(2) انظر "فتح الباري" (1/ 348).
(3) أخرجه مسلم (283). ولم أجده عند البخاري.

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 28)

قد يستدل به على أن الماء يصير باغتسال الجنب فيه نجسًا أو غير مطهِّر. فأما النجاسة، فرويت عن أبي حنيفة، ثم رغب عن ذلك الحنفيةُ أنفسهم. وأما سلب التطهير فوافقهم عليه فيما دون القُلتين الشافعية والحنابلة. ومن يأبى ذلك يقول: إن علة النهي هي التقذير. وقد يحتمل غير ذلك من العلل تظهر بالتأمل، فيساوق التعليل عموم النص. وأما التفرقة بين الدائم والجاري فقد مرَّ ما فيها. وكذا إن قيل: إنَّ الحديث يدل على حصول المفسدة في الماء الذي يمكن أن يغتسل فيه الجنب ولا يكون إلا فوق القُلتين. فقد مرَّ مثله، والجواب عنه.
وأما الأمر السادس، وهو قول الأستاذ: "فدعونا معاشرَ الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نَغْطِس في المستنقعات"، فيأبى الأستاذ إلا التقليد حتى في السخرية(1)!--------------------------------------------
(1) أقول: لقد فات المصنفَ رحمه الله تعالى النظرُ فيما ادعاه الأستاذ من اعتراف ابن دقيق العيد بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم، فإن الواقع خلافه. فهاك نصَّ كلامه في الشرح المذكور (1/ 121 - 125 بحاشية "العدّة"): "وهذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد وإن كان أكثر من قُلتين، فإن الصيغة صيغة عموم. وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم، ويحملون النهي على ما دون القُلتين. فيحمل هذا الحديث العام في النهي على ما دون القُلتين جمعًا بين الحديثين، فإن حديث القُلتين يقتضي عدم تنجيس القُلتين فما فوقهما. وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه. والخاص مقدم على العام".
فليتأمل القارئ في كلام ابن دقيق هذا: أهو اعتراف أم اعتراض! [ن].

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 29)

‌‌المسألة الثانية
رفع اليدين
في "تاريخ بغداد" (13/ 389 [406]) من طريق وكيع: "سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع، فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلًا عاقلًا، فقال: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية! فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئًا".
قال الأستاذ (ص 83): " .... (1) مع ظهور الحجة في حديث ابن مسعود … (2) لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة. (3) بل لم يصح حديث في الرفع غير حديث ابن عمر (4) وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش … (5) ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة. (6) وإنما المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون، وجماعة منهم كانوا يرفعون. (7) فيدل ذلك على التخيير الأصلي، (8) وإنما خلافهم فيما هو الأفضل".
أقول: أما الأمر الأول، فحديث ابن مسعود كما قال الدارقطني(1): "تفرَّد به محمدُ بن جابر ــ وكان ضعيفًا ــ عن حماد، عن إبراهيم. وغيرُ حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد الله من فعله، غيرَ مرفوعٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب".
ومحمد بن جابر ذكره الأستاذ (ص 116) بمناسبة ما جاء عنه أنه قال: "سرق مني أبو حنيفة كتاب حماد" فقال الأستاذ: "الأعمى، قال فيه أحمد: لا يُحدِّث عنه إلا مَن هو شرٌّ منه". وترى ترجمته في قسم التراجم(2)،--------------------------------------------
(1) في "السنن" (1/ 295).
(2) رقم (196).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 30)

والحاصل أنه ليس بعمدة.
وحماد بن أبي سليمان سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: "كان حماد يقول: قال إبراهيم: فقلت له: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو إن إبراهيم ليخطئ". وقال شعبة: "قال لي حماد بن أبي سليمان: يا شعبة لا توقِفْني على إبراهيم، فإن العهد قد طال. وأخاف أن أنسى، أو أكون قد نسيتُ". انظر: "تقدمة الجرح والتعديل" (ص 165). وقوله: "لا توقفني إلخ" معناه: إذا قلتُ: "قال إبراهيم" أو نحوَ ذلك، فلا تسألني: أَسمعْتَه من إبراهيم أم لا؟ فيتبين [2/ 20] بهذا أنه قد كان يقول(1): "قال إبراهيم" ونحوه فيما لا يتحقق أنه سمعه من إبراهيم.
وقد أجاب ابن التركماني(2) عن كلام الدارقطني، فدافع عن محمد بن جابر بما لا يُجدي، وقال: "إذا تعارض الوصل مع الإرسال، والرفع مع الوقف، فالحكم عند أكثرهم للرافع والواصل؛ لأنهما زادا، وزيادة الثقة مقبولة". كذا قال، وقد عُلِمَ أن محمد بن جابر ليس بثقة، وحمادًا سيئ الحفظ. فالحديث ضعيف من أصله، فكيف مع الخلاف؟ وقد قال الأستاذ (ص 153): "من أصوله ــ يعني أبا حنيفة ــ أيضًا: ردُّ الزائد متنًا كان أو سندًا إلى الناقص … ". والذي عليه جهابذة الحديث الترجيح. هذا في اختلاف الثقات، وليس هذا منه، كما مرَّ.
وروى النسائي(3) من طريق ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن--------------------------------------------
(1) في المطبوع: "يقال". والمثبت يقتضيه السياق.
(2) في "الجوهر النقي" (2/ 78).
(3) (2/ 195).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 31)

عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: ألا أخبركم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فقام، فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعُدْ. وقد روى الترمذي(1) عن ابن المبارك قال: "لم يثبت حديثُ ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع يديه إلا أول مرة". وفي "سنن الدارقطني" (ص 110)(2) و"سنن البيهقي" (ج 2 ص 79) عن ابن المبارك قال: "لم يثبت عندي … " نحوه.
قد يقال: لعل ابن المبارك عنى حديث محمد بن جابر. لكن قد دلَّ جزمهُ بعدم الثبوت ومحافظتُه على رفع اليدين على أنه لا يرى فيما رواه عن سفيان ما يشدُّ حديث محمد بن جابر ولو من جهة المعنى. وحديث سفيان رجاله ثقات. وعاصم وإن قال ابن المديني: لا يُحتج به إذا انفرد، فقد وثَّقه جماعة، وأخرج له مسلم في "الصحيح"(3). لكن هناك علل:
الأولى: أن سفيان يدلِّس، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث عنه تصريحه بالسماع.
الثانية: أنه قد اختُلف عليه. قال أبو داود(4) عقب روايته عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع ــ وستأتي ــ: "ثنا الحسن بن علي، ثنا معاوية وخالد بن عمرو وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان بإسناده هذا قال: رفع يديه في أول مرة،--------------------------------------------
(1) عقب الحديث (256).
(2) (1/ 293).
(3) انظر الأرقام (2078، 2725، 2992).
(4) رقم (751).

(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 32)