نفسه، وفيه: «وولد ثابت على الإسلام» .. وجَدُّ أبي حنيفة النعمان بن قيس المرزبان بن زُوطى بن ماه كان حامل راية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوم النهروان ــ كما ذكره … السمناني في كتاب «روضة القضاة(1)» … ودعاء علي كرم الله وجهه لوالد أبي حنيفة في عهد جدِّه مما ساقه الخطيب بسنده … بل لم يكن بين أجداده نصراني أصلًا؛ لأنه منحدر النسب من دم فارسي».
أقول: أما التغفيل والاختلاط فمن مفتريات الكوثري. وأما دفن كتبه فصحيح، وكذلك فعل آخرون من أهل الورع، كانوا يرون أن حفظ الحديث وروايته فرض كفاية، وأن في غيرهم من أهل العلم من يقوم بالكفاية وزيادة، ويرون أن التصدِّي للرواية مع قيام الكفاية بغيرهم لا يخلو من حظ النفس بطلب المنزلة بين الناس. ثم لم يتصدّ يوسف للرواية بعد أن دفن كتبه، ولكن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرغِّب في الطاعة، ويحذِّر من المعصية، ويحضُّ على اتباع السنة، وينفِّر عن البدعة. فربما احتاج في أثناء ذلك لرواية الحديث، فيذكره من حفظه، فقد يقع له الخطأ في مظانه، وإلى أيِّ حدٍّ كان ذلك؟ قال ابن معين: «ثقة».
وقال ابن حبان في «الثقات»(2): «كان من عُبَّاد أهل الشام وقُرَّائهم، سكن أنطاكية، وكان لا يأكل إلا الحلال، فإن لم يجده استفَّ التراب. وكان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ. مات سنة 195». فعبارة ابن حبان تعطي أن خطأه [1/ 509] كان يسيرًا لا يمنع من الاحتجاج بخبره حيث لم يتبين خطاؤه، ويشهد لذلك إطلاق ابن معين أنه ثقة.--------------------------------------------
(1) (ط): «الفضلاء» خطأ، والتصويب من «التأنيب».
(2) (7/ 638).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 849)
وقال البخاري(1): «كان قد دَفن كتبه، فصار لا يجيء بالحديث كما ينبغي». وهذا يُشعر بأنه كان يكثر منه الخطأ في مظانه، وقريب من ذلك قول ابن عدي(2): «من أهل الصدق، إلا أنه لما عدم كتبه صار يحمل على حفظه، فيغلط ويشتبه عليه، ولا يتعمّد الكذب». وبالغ الخطيب فقال: «يغلط في الحديث كثيرًا»(3).
فأما قول الأستاذ: «وأين هذا من سند الخبر الذي يليه»، فذاك الخبر من طريق عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال: «أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، فأما زوطى فإنه من أهل كابل، ووُلِد ثابت على الإسلام، وكان زوطى مملوكًا لبني تيم الله ثعلبة، فأعتق … ». فهذا الخبر وإن خالف ما مر عن يوسف بن أسباط، فهو مخالف لما زاده السمناني عصري الخطيب كما يقوله الأستاذ، ولم يذكر السمناني سندًا فيما يظهر، وبينه وبين النهروان نحو أربعمائة سنة، ومخالف أيضًا لما يروى عن إسماعيل بن حماد من إنكار أن يكونوا مولى عتاقة».
وما ذكر من دعاء علي رضي الله عنه لا يصح سنده إلى إسماعيل بن حماد كما أشار إليه في «تهذيب التهذيب»(4)، وإسماعيل إسماعيل! وفي الحكاية ما ينكره الأستاذ وهو قوله: «ولد جدي النعمان سنة ثمانين». وإن--------------------------------------------
(1) في «التاريخ الكبير»: (8/ 385).
(2) (7/ 158).
(3) في «المتفق والمفترق»: (3/ 2090).
(4) (10/ 449 - 452).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 850)
صح أنه من أبناء فارس لم يمنع ذلك أن يكون تنصَّر أحد آبائه، وقد كان سلمان الفارسي نصرانيًّا، وفي قصته أنه كان في بلاد فارس دعاةٌ إلى النصرانية. وأيًّا ما كان فالحرص على إثبات شيء مما يتعلق بذاك الاختلاف لا يليق بأهل العلم، وقد قال الله تبارك وتعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 36 - 39].
269 - أبو الأخنس الكناني:
في «تاريخ بغداد» (13/ 375 [381 - 382]) من طريق «أحمد بن علي الأ بَّار، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثني أبو الأخنس الكناني قال: رأيت أبا حنيفة ــ أو حدثني الثقة أنه رأى أبا حنيفة ــ آخذًا بزمام بعير مولاة للجهم قدمت [من] خراسان يقود جملها بظهر الكوفة».
قال الأستاذ (ص 50): «الراوي عن أبي حنيفة في هذه الحكاية مغفَّل لا يدري هل رأى أبا حنيفة أو سمع من رآه».
[1/ 510] أقول: الظاهر أن الشك ممن بعده، وأبو الأخنس هذا اسمه بكير كما ذكره الدولابي الحنفي في «الكنى» (ج 1 ص 117) وساق إلى «معاوية بن صالح قال: ثنا منصور ابن أبي مزاحم قال: ثنا أبو الأخنس بكير الكناني … ». وقد تعدّدت الحكايات في شأن أبي حنيفة وامرأة جهمية، واختلفت في نسبتها إلى جهم، ففي بعضها أنها امرأة جهم، وفي بعضها أنها مولاته، وفي بعضها أنها امرأة كانت تجالسه. والله أعلم.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 851)
270 - أبو جزي بن عمرو بن سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 375 [380 - 381]) من طريق يعقوب بن سفيان: «حدثنا أبو جزي [بن] عمرو بن سعيد بن سالم (صوابه سلم) قال: سمعت جدي قال: قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئًا؟ قال: نعم. قلت: أكان جهميًّا؟ قال: نعم. [قلت]: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرسًا فما كان من قوله حسنًا قبلناه وما كان قبيحًا تركناه».
ذكر الأستاذ (ص 46) أن في الطبعة الهندية والنسخة الخطية من «التاريخ»: «أبو جزي بن عمرو»، وهو الصواب. ثم شكك في سعيد بن سالم ومال إلى أنه سعيد بن سلم، ثم قال: «على أنه لا يعرف له ابنٌ يسمى عمرًا ولا ابنُ ابنٍ يكنى أبا جزي».
أقول: بل ذلك معروف، ففي الباب (41) من الجزء الرابع من «خصائص ابن جني»(1): «أنشد الأصمعي أبا توبة ميمون بن حفص مؤدب عمرو بن سعيد بن سلم بحضرة سعيد … ». وفي «الكامل» للمبرد (ص 716)(2): «حدثني علي بن القاسم قال: حدثني أبو قِلابة الجرمي قال: حججنا مرة مع أبي جزء بن عمرو بن سعيد. قال: وكنا في ذَراه، وهو إذْ ذاك بهيّ وضيّ، فجلسنا في المسجد الحرام … : هذا أبو جزء أمير، ابن عمرو وكان أميرًا، ابن سعيد وكان أميرًا، ابن سلم وكان أميرًا، ابن قتيبة وكان--------------------------------------------
(1) (3/ 311). أقول: وورد ذكره في مواضع أخرى من الخصائص (3/ 144، 309).
(2) (3/ 9 ــ ت أبو الفضل).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 852)
أميرًا». وراجع ترجمة أحمد بن الخليل(1).
271 - [1/ 511] أبو جعفر:
تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة زكريا بن يحيى الساجي(2).
قال الأستاذ (ص 18): «مجهول».
أقول: لم يتبيَّنْ لي من هو؟(3).
272 - أبو محمد:
في «تاريخ بغداد» (13/ 379 [386]) من طريق «العباس بن عبد العظيم حدثنا أحمد بن يونس … ». ومن طريق «محمد بن العباس ــ يعني المؤدب ــ حدثنا أبو محمد ــ شيخ له ــ أخبرني أحمد بن يونس … ».
قال الأستاذ (ص 57): «شيخ مجهول».
أقول: إنما هي متابعة.
273 - ابن سختويه بن مازيار:
في «تاريخ بغداد» (13/ 375 [381]) من طريق أبي حامد بن بلال: «حدثنا ابن سختويه(4) بن مازيار، حدثنا علي بن عثمان … ».--------------------------------------------
(1) رقم (17).
(2) رقم (94).
(3) أبو عاصم. راجع «الطليعة» (ص 29 - 30 [20 - 21]) ولا تلتفت إلى حركة المذبوح. [المؤلف]
(4) كذا في الطبعة القديمة، وفي المحققة: «سختويه» بدون «ابن» وله ترجمة في «تاريخ الإسلام» للذهبي (6/ 87).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 853)
قال الأستاذ (ص 48): «ليس محمدَ بن عمرو الشيرازي لتقدم وفاته، ولا هو إبراهيم بن محمد المزكِّي النيسابوري لتأخر وفاته عن وفاة أبي حامد بن بلال بدهر، ولا هو أحد أجداد المزكِّي لأن جدَّ هذا البيت سختويه [بن عبد الله، لا سختويه] بن مازيار كما هنا، وعلى فرض أنه أقيم عبد الله مقام مازيار يكون غير معلوم الصفة».
أقول: ينبغي أن يراجع «تاريخ نيسابور» للحاكم، ولم أقف عليه.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 854)
مستدرك (1)
- ص 427: هو حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنين يخرج ميتًا، فقال: «إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه». ادّعى الجصاص في «أحكام القرآن» (1/ 139) أن هذه الزيادة «يخرج ميتا» يشبه أن تكون زادها الساجي من عنده فإنه غير مأمون. وهذا باطل؛ فإنه قد تابعه في روايتها عن بندار محمد بن عبد الله بن ياسين ــ وهو ثقة ــ عند الدارقطني (4/ 273).
- ص 526: هذا وهم من الكوثري، أحمد بن القاسم هذا لم يكن قاضيًا، ولم يوصف بأنه حنفي، وإنما المذكور في الحكاية هو أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر البِرتي، القاضي الحنفي (ت 280).
- ص 540: الظاهر أنَّ المرادَ بأبي العباس الجمَّال في رواية أبي الشيخ هو: أحمد بن جعفر بن نصر الرازي. ذكره الذهبي في «تاريخ الإسلام» في موضعين (7/ 278 و 381)، وذكر أنه يروي عن أحمد بن أبي سريج، ونقل عن الخليلي أنه قال عنه: «ثقة». وذكره المزّي في «التهذيب» في الرواة عن ابن أبي سريج. وهو من شيوخ أبي الشيخ، روى عنه في مواضع من «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم».
وقد ظن المعلمي رحمه الله أن أبا العباس الجمال هو أحمد بن محمد ابن عبد الله بن مصعب الجمَّال، فهو الذي وصفه أبو الشيخ وأبو نعيم بالعلم ولم يوثّقاه. وهذا الجمَّال، وإن كان أبو الشيخ قد روى عنه في--------------------------------------------
(1) أشرنا إلى موضع الاستدراك في الكتاب بـ (*).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 855)
مواضع من «طبقات المحدثين»، ولكن لم يذكروا له روايةً عن ابن أبي سريج في كتب التراجم.
فاحتمال كون أبي العباس الجمال هو أحمد بن جعفر بن نصر الرازي الموثَّق أقوى من كونه هو أحمد بن محمد بن عبد الله. والله أعلم.
- ص 711: هذا من أوهام ابن التركماني، فأبو رزين هو: مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، تابعي كبير، يروي عن ابن مسعود وعلي وابن عباس وغيرهم، وروى عنه هذا الأثر عاصم بن أبي النجود، وتفرد به أبو حنيفة عن عاصم. فلعلّ ابن التركماني ظنّه أبا رزين العقيلي، وظنّ أن عاصمًا هو عاصم بن أبي رزين العقيلي ولكن يردُّ هذا أن الكلام الذي نقله عن الأئمة إنما هو في عاصم بن أبي النجود.
- ص 712: نعم وفيه أيضًا (3/ 200): «عن سفيان وأبي حنيفة عن عاصم … » على ما ادَّعاه ابن التركماني. ولكن الروايات التي أوردها الدارقطني عقبه توضّح أن الثوري إنما أخذه عن أبي حنيفة، فكان أحيانًا يصرّح بذكره، وأحيانًا يدلّس عنه.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 856)
التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني)القسم: الفرق والردود
الكتاب: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (10) و (11)]
المؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (1313 - 1386 هـ)
جـ 10: حققه (علي بن محمد العمران - محمد أجمل الإصلاحي)، راجعه: (عادل بن عبد الشكور الزرقي)
جـ 11: حققه (محمد عزير شمس - محمد أجمل الإصلاحي)، راجعه: (جديع بن محمد الجديع)
الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1434 هـ
قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 10 شوّال 1442
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 909)
التَّنْكِيلُ
بِما في تَأنِيبِ الكَوْثَرِيِّ مِنَ الأباطِيل
تأليف
العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني
رحمه الله تعالى
1313 - 1386
[القسم الثالث والرابع]
تحقيق
محمد عزير شمس و محمد أجمل الإصلاحي
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 1)
راجع هذا الجزء
جديع بن محمد الجديع
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 3)
البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية
وهو القسم الثالث من كتاب
"التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 4)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الذي من يُرِدْ به خيرًا يفقِّهْه في الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد، فهذه بضع عشرة مسألةً وردت فيها أحاديثُ ذكر الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" إنكارَ بعض المتقدمين على أبي حنيفة ردَّها، فتعرض لها الأستاذ محمد زاهد الكوثري في كتابه "تأنيب الخطيب"، فتعقَّبه في ذلك كما تعقَّبه في غيره. وسأذكر في كل مسألة كلامه، وما له، وما عليه. وأسأل الله تعالى التوفيق.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 5)
المسألة الأولى
إذا بلغ الماءُ قُلَّتَين لم ينجَسْ
في "تاريخ بغداد" (13/ 389 [405]) من طريق "الفضل بن موسى السِّيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: مِن أصحابي مَنْ يبول قلَّتين. يردُّ على النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان الماء قُلَّتين لم ينجَسْ".
قال الأستاذ (ص 83): "وحديث القلَّتين (1) لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين، (2) لأن في ذلك اضطرابًا عظيمًا، (3) ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون، (4) ولم ينفع تصحيحُ من صحَّحه في الأخذ به، لعدم تعيُّن المراد بالقلتين؛ (5) حتى إن ابن دقيق العيد يعترف في شرح "عمدة الأحكام" بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم في "الصحيح". (6) فدَعُونا معاشرَ الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نغطِس في المستنقعات".
أقول: في هذه العبارة ستة أمور، كما أشرت إليه بالأرقام.
فأما الأمر الأول: فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصره مذهبان:
الأول: أن الماء سواء أكان قليلًا أم كثيرًا لا ينجَس إلا أن تخالطه النجاسة فتُغيِّر لونَه أو ريحَه أو طعمَه. وإليه ذهب مالك، وكذلك أحمد في روايةٍ، وهو أيسر المذاهب علمًا وعملًا. وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث أن الماء طَهورٌ لا يُنجِّسه شيء(1). وجاء في رواياتٍ--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (66) والترمذي (66) والنسائي (1/ 174) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسَّنه الترمذي. قال الحافظ في "التلخيص" (1/ 13): صححه أحمد ويحيى بن معين وابن حزم. وأخرجه أبو داود (68) والترمذي (65) وابن ماجه (370) من حديث ابن عباس، وصححه ابن خزيمة (91) وابن حبان (1241، 1242) والحاكم في "المستدرك" (1/ 159).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 6)
استثناءُ ما غيَّرت النجاسة أحدَ أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الإسناد(1)، لكن حكوا الإجماع على ذلك(2).
المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه. فأما القليل، فينجَس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم تُغيِّر أحدَ أوصافه. والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات كالتي [2/ 6] لا يدركها الطرف، والتي تعمُّ بها البلوى، وميتة ما لا دم له سائل؛ وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ثم المشهور في التقدير أن ما بلغ قلَّتين فهو كثير، وما دون ذلك فهو قليل. جاء في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثُ القلَّتين(3)، وروي من قول عبد الله بن--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن ماجه (521) والدارقطني (1/ 28) والبيهقي (1/ 259) من حديث أبي أمامة الباهلي، وفي إسناده رشدين بن سعد وهو متروك.
وأخرجه الدارقطني (1/ 28) من طريق راشد بن سعد عن ثوبان مرفوعًا. وفي إسناده أيضًا رشدين. ورواه الدارقطني (1/ 28) من طريق الأحوص عن راشد بن سعد مرسلًا. قال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه.
وانظر "علل" الدارقطني (12/ 434 - 436) و"التلخيص الحبير" (1/ 26).
(2) قال الشافعي في "اختلاف الحديث" من "الأم" (10/ 87، 88): وما قلتُ من أنه إذا تغيَّر طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهٍ لا يُثبت مثلَه أهلُ الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا. وانظر "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (2/ 82).
(3) سيأتي كلام المؤلف عليه.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 7)
عمر، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، ومن قول مجاهد(1) وغيره من التابعين، وأخذ به نصًّا عبيدُ الله بن عبد الله بن عمر وبعضُ فقهاء مكة. والظاهر أنَّ كلَّ مَن روى الحديث من الصحابة فمَنْ بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافه. ولم يصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير آخر، فأما من بعده فرويت أقوال:
أولها: عن ابن عباس، ذكر ذَنوبَين(2)، وفي سنده ضعف. ولو صحَّ لما تحتَّمت مخالفته للقلتين، فإن ابن عباس معروف بالميل إلى التيسير والتوسعة، فلعله حمل القلَّتين على الإطلاق، فرأى أنه يصدُق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كلٌّ منهما ذَنوبًا فقط.
ثانيها: عن سعيد بن جبير، ذكر ثلاثَ قِلال(3). وسعيد كان بالعراق، فكأنه رأى قلال العراق صغيرةً، كما أشار الشافعي إلى ذلك في القِرَب، فحزَرَ سعيد أنَّ ثلاثًا من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يُحْمَلُ عليهما الحديث.
ثالثها: عن مسروق قال: "إذا بلغ الماءُ كذا لم ينجِّسه شيء". ونحوه عن ابن سيرين، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود(4). وهؤلاء عراقيون، فإما أن--------------------------------------------
(1) انظر لهذه الآثار "مصنف" ابن أبي شيبة (1/ 144) و"سنن" الدارقطني (1/ 24، 25).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 144).
(3) أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (1/ 144).
(4) أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة (1/ 144). وفيها جميعًا: "كُرًّا" بدل "كذا". والكُرُّ كَيْل يُقدَّر باثني عشر وَسَقًا، والوسق ستون صاعًا.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 8)
يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق، فأجملوا. وإما أن يكون كلٌّ منهم أشار إلى ماء معيَّن، فأراد بقوله: "كذا" أي بمقدار هذا الماء المشار إليه. وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولَأَنْ يُحْمَل ذلك على التقدير المنقول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى من أن يُحمَل على تقديرٍ لا يُعلَم له مستند من الشرع.
رابعها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ذكر أربعين قلة(1). ورُوِيَ مثله من وجه ضعيف عن أبي هريرة(2). وقيل عنه: أربعين غَرْبًا(3). وقيل: أربعين دلوًا(4). وهذا القول يحتمل معنيين: الأول المعنى المعروف لحديث القلتين. المعنى الثاني أن ما بلغ الأربعين لا ينجَس البتة، لا(5) بمخالطةِ نجاسةٍ لا تُغَيِّر أحد أوصافه لأنه قلتان وأكثر، ولا بمخالطةِ نجاسةٍ تغيِّر أحد أوصافه لأن ذلك لا يقع عادة؛ إذ لا يُعرف في ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ أربعين أو [2/ 7] أزيد تقع فيه نجاسةٌ تغيِّره.
والمعنى الأول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه، فيقال: إلا أن يتغير؛ ومن مفهومه فيقال: إلا بعضَ النجاسات كميتة ما لا دم له سائل. ومع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع، بل المنقول عن الشرع خلافه،--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو عبيد في كتاب "الطهور" (160) وابن أبي شيبة (1/ 144) والدارقطني (1/ 27).
(2) أخرجه أبو عبيد في كتاب "الطهور" (161) والدارقطني (1/ 27).
(3) أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (مسند ابن عباس) رقم (1091).
(4) أخرجه أبو عبيد في كتاب "الطهور" (162) والطبري برقم (1092).
(5) في المطبوع: "إلا". والمثبت يقتضيه السياق.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 9)
وأيضًا فلم يذهب إليه أحد من الفقهاء.
فإما أن يترجح المعنى الثاني، وتكون فائدة ذاك القول أن مَن ورد ماءً فوجده متغيرًا، فإن كان من الكثرة بحيث لا يُعرف في العادة أن تقع فيه نجاسة تُغَيِّره، فله استعماله بدون بحث. وإن كان دون ذلك فعليه أن يَتروَّى ويبحث. وإما أن يُحمَل على المعنى الأول، ويُطرَح مفهومه، ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدار وقعت فيه نجاسة ولم تغيِّره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقييد.
هذا، ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء وغيرهم حرفًا واحدًا فيه التفاتٌ إلى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره. وكأنَّ الأستاذ شعر بهذا، فحاول عبثًا أن يُشرك مع مذهبه في ذلك مذهبَ القلتين، إذ قال: "لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين". وقد عَلِمتَ أنَّ القول بالقلَّتين مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم.
فأما الحنفية، فذهبوا في الجملة إلى الفرق بين القليل والكثير، لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وإنما نظروا إلى مساحة وجهه، وعندهم في ذلك روايات:
الأولى: أن الماء الراكد الذي تقع فيه نجاسة لا تُغَيِّر أحد أوصافه، إذا كانت مساحة وجهه بحيث يظن المحتاجُ خلوصَ النجاسة من أحد طرفيه إلى الآخر= تنجَّس(1)، وإلا فلا.--------------------------------------------
(1) في الأصل: "بنجس"، ولعل الصواب ما أثبتُّه كما سيأتي في السطر التالي. ويمكن أن يكون "ينْجَسُ".
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 10)
الثانية: أنه إذا كانت بحيث إذا حُرِّك أدناه اضطرب أقصاه تنجَّس، وإلَّا فلا.
ولهم في الترجيح والتفريع اختلافٌ واضطرابٌ شديدٌ جدًّا، كما تراه في كتبهم المطولة(1). واستبعد بعضهم عدمَ اعتبار العمق، فاشترطوا عمقًا واختلفوا في قدره. فقيل: أن يكون بحيث لا ينحسر بالاغتراف. وقيل: أربع أصابع، وقيل: ما بلغ الكعبين، وقيل: شِبْر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان!
واختلفوا على الرواية الثانية في الحركة، فقيل: حركة المغتسل، وقيل: المتوضئ، وقيل: [2/ 8] اليد. ولم يعتبروا وقوع الحركة، وإنما ذكروها لمعرفة قدر المساحة. وسواءٌ في الحكم عندهم أكان الماء عند وقوع النجاسة وبعدها ساكنًا أم تحرَّك، وقالوا: إذا كان بالمساحة المشروطة فللمحتاج أن يستعمل من موضع النجاسة وإن لم يكن قد تحرَّك! وقالوا: إذا كانت مساحة وجه الماء تساوي القدر المشروط كفى، وإن كان دقيقًا كأن يكون طولُه مائة ذراع، وعرضُه ذراعًا! وقال محققهم ابن الهمام(2) في ترجيح الرواية الأولى: "هو الأليق بأصل أبي حنيفة، أعني عدم التحكم بتقدير فيما لم يرِدْ فيه تقدير شرعي".
أقول: والرواية الأولى فيها تحكُّم. والبول مثلًا إذا وقع في الماء ثم حُرِّك الماء خلصتْ ذرَّات البول إلى جميع الماء، كما تشاهده إذا صببتَ قارورة مداد في حوض، فقد يظهر لون المداد في الماء واضحًا، وقد يظهر--------------------------------------------
(1) انظر "فتح القدير" (1/ 77 وما بعدها)، و"حاشية ابن عابدين" (1/ 191 وما بعدها).
(2) في "فتح القدير" (1/ 77).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 11)
بتأمل، وقد لا يظهر. وذلك بحسب اختلاف قدر الماء، وقدر المداد، وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقَّق، وإنما لا يظهر اللون لتفرُّق الذرات. وظنونُ الناس لا ترجع غالبًا إلى دلالة، وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزِّز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنسانًا واحدًا بال فيه. وآخر لا ينفر، ولكن لو رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر. وثالث لا ينفر، ولو رأى عشرةً بالوا فيه! وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم لم يكد يتحصل منها إلا أنَّ قائلها وَكَل الناس إلى طباعهم، وفي عدِّ هذا قولًا ومذهبًا نظر.
وقد حكى الحنفية أن محمد بن الحسن كان يقول بعشرٍ في عشر، ثم رجع وقال: "لا أوقِّت شيئًا"(1). وعقد الشافعي لهذه المسألة بابًا طويلًا تراه في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (ج 7 ص 105 - 125)(2)، وذكر أنه ناظر بعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن، وفي المناظرة(3): "قال: قد سمعتُ قولك في الماء، فلو قلتَ: لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفتَ أن الماء يزيل الأنجاس، كان قولًا لا يستطيع أحدٌ ردَّه … قلت: ولا يجوز إلا أن لا ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير … أو ينجس كلُّه بكلِّ ما خالطه. قال: ما يستقيم في القياس إلّا هذا، ولكن لا قياسَ مع خلافِ خبرٍ لازم. قلتُ: فقد خالفتَ الخبرَ اللازم، ولم تقل معقولًا، ولم تقِسْ". وقال في موضع آخر(4): "فقال: لقد سمعتُ أبا يوسف يقول: قول--------------------------------------------
(1) انظر "حاشية ابن عابدين" (1/ 191).
(2) (10/ 82 - 95) ط. دار الوفاء.
(3) المصدر السابق (10/ 89، 90).
(4) المصدر السابق (10/ 93).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 12)