وأبو داود والعجلي. وقال أبو حاتم: "شيخ صالحٌ يكتب حديثه، وهو عندي خير من أبي بكر الهذلي". والهذلي ضعيف جدًّا. وقال ابن سعد في النهشلي: "كان مرجئًا، وكان عابدًا ناسكًا، وله أحاديث، ومنهم من يستضعفه".
وأما ابن أبي الزناد، فلم يحتجَّ به صاحبا "الصحيح"، وإنما علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم في المقدمة. ووثَّقه جماعة، وضعَّفه بعضهم، وفصَّل الأكثرون. وههنا أمران:
الأول: أن أئمة الحديث قد يتبيَّن لهم في حديثٍ من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديثٍ من رواية مَن هو ضعيف عندهم أنه صحيح. والواجب على مَن دونهم التسليمُ لهم، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطًا كالنهشلي وابن أبي الزناد. وقد صحح الأئمة حديث ابن أبي الزناد المذكور، وليَّن البخاري والدارمي أثر النهشلي، كما مرَّ.
الأمر الثاني: إذا اختلفوا في راوٍ فوثَّقه بعضُهم، وليَّنه بعضهم، ولم يأت في حقِّه تفصيلٌ [2/ 33] فالظاهر أنه وسطٌ فيه لِينٌ مطلقًا، وهذه حال النهشلي. وإذا فصَّلوا أو أكثرُهم الكلامَ في راوٍ، فثبَّتوه في حال، وضعَّفوه في أخرى؛ فالواجب أن لا يؤخذ حكم ذاك الراوي إجمالًا، إلا في حديث لم يتبين من أي الضربين هو. فأما إذا تبيَّن، فالواجب معاملته بحسب حاله. فمن كان ثقةً ثبتًا ثم اختلط كسعيد بن أبي عروبة، إذا نظرنا في حديثٍ من روايته، فإن تبيَّن أنه رواه قبل الاختلاط فهو غاية في الصحة، أو بعده فضعيف. وابن أبي الزناد من هذا القبيل، فإن أكثر الأئمة فصَّلوا الكلام فيه. قال موسى بن سلمة: "قدمتُ المدينة، فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قدِمتُ إليك
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 53)
لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به. فقال: عليك بابن أبي الزناد". ومالك مشهور بالتحري لا يرضى هذا الرضا إلا عن ثقة لا شكَّ فيه. ولذلك عدَّ الذهبي هذا توثيقًا، بل قال في "الميزان"(1): "وثَّقه مالك. قال سعيد بن أبي مريم: قال لي خالي موسى بن سلمة: قلتُ لمالك: دُلَّني على رجل ثقة. قال: عليك بعبد الرحمن بن أبي الزناد".
وقال صالح بن محمد: "تكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة ــ يعني الفقهاء ــ وقال: أين كنا عن هذا! ". وإنما روى هذا بعد أن انتقل إلى العراق، كما يأتي عن ابن المديني. وقال عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه: "ما حدَّث بالمدينة فهو صحيح، وما حدَّث ببغداد أفسده البغداديون. ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول: في حديثه عن مشيختهم فلان وفلان وفلان. قال: "ولقَّنه البغداديون عن فقهائهم". يعني الرواية عن أبيه عن المشيخة بالمدينة أو الفقهاء بها، وهذا هو الذي حكى صالح بن محمد أن مالكًا أنكره. تبين أن ابن أبي الزناد إنما وقع منه ذلك بالعراق، وابن مهدي إنما كان عنده عن ابن أبي الزناد مما حدَّث به بالعراق، كما يدل عليه كلام ابن المديني، ويأتي نحوه عن عمرو بن علي.
وقال يعقوب بن شيبة: "ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف. سمعت علي ابن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدَّث به بالعراق فهو مضطرب. قال علي: وقد نظرتُ فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة". وقال عمرو بن علي: "فيه ضعف، فما حدَّث بالمدينة أصحُّ مما حدَّث ببغداد. كان عبد الرحمن يخطُّ على حديثه". وقال الساجي: "فيه--------------------------------------------
(1) (2/ 575). وانظر "تهذيب التهذيب" (6/ 171 - 173) لأقوال النقَّاد فيه.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 54)
ضعف، وما حدَّث بالمدينة أصحُّ مما حدَّث ببغداد".
وقال أبو داود عن ابن معين: "أثبتُ الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد". [2/ 34] هذا مع أنه قد روى عن هشام مالك والكبار. وفيما حكاه الساجي عن ابن معين: "عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة". وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: "ضعيف". وفيما حكاه الساجي عن أحمد: "أحاديثه صحاح". وقال أبو طالب عن أحمد: "يُروَى عنه". قال أبو طالب: "قلت: يُحتمل؟ قال: نعم". وقال صالح بن أحمد عن أبيه: "مضطرب الحديث". وقال العجلي: "ثقة".
وقال الترمذي في "اللباس" من "جامعه"(1): "ثقة حافظ"، وصحّح عدة من أحاديثه. وأخرج له في "المسح على الخفين"(2) حديثه عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما(3). ثم قال: "حديث المغيرة حديث حسن صحيح(4)، وهو--------------------------------------------
(1) عقب الحديث رقم (1755). وقد سقط من أكثر الطبعات كلمة: "حافظ". وهي ثابتة في نسخة الكروخي (ق 122 أ)، وفي طبعة الرسالة بتحقيق شعيب الأرناؤوط ورفاقه (3/ 540).
(2) رقم (98).
(3) في المطبوع: "ظاهرها".
(4) في المطبوعة: "حسن" قال أحمد شاكر في تعليقه بعدما أشار إلى أن في نسخة (ب) "حسن صحيح": زيادة "صحيح" مخالفة لسائر الأصول الصحيحة. ويؤيد ذلك أن النووي في "المجموع" (1/ 517) وابن العربي في "شرح الترمذي" (1/ 146) والمنذري فيما حكاه في "عون المعبود" (1/ 63) والمجد ابن تيمية في "المنتقى" (1/ 232 من "نيل الأوطار") نقلوا عن الترمذي أنه قال: "حديث حسن".
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 55)
حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد … ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة "على ظاهرِهما" غيرُه … قال محمد ــ يعني البخاري ــ: وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد".
فإذا تدبرنا ما تقدم تبين لنا أن لابن أبي الزناد أحوالًا:
الأولى: حاله فيما يرويه عن هشام بن عروة. قال ابن معين: إنه أثبت الناس فيه، فهو في هذه الحال في الدرجة العليا من الثقة.
الحال الثانية: حاله فيما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة. ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة. وهذا قريب من الأول. وظاهر الإطلاق أنه سواء في هاتين الحالين ما حدَّث به بالمدينة وما حدَّث به ببغداد. وهذا ممكن بأن يكون أتقنَ ما يرويه من هذين الوجهين حفظًا فلم يوثِّر فيه تلقين البغداديين، وإنما أثَّر فيه فيما لم يكن يُتقِن حفظَه، فاضطرب فيه، واشتبه عليه.
الثالثة: حاله فيما رواه من غير الوجهين المذكورين بالمدينة، فهو في قول عمرو بن علي والساجي أصحُّ مما حدَّث به ببغداد. ونحو ذلك قول علي ابن المديني على ما حكاه يعقوب، وصرَّح ابن المديني في حكاية ابنه أنه صحيح. ويوافقه ما روي عن مالك من توثيقه إذ كان بالمدينة والإرشادِ إلى السماع منه مخصِّصًا له من بين محدثي المدينة. ويلتحق بذلك ما رواه بالعراق قبل أن يلقِّنوه ويشبِّهوا عليه، أو بعد ذلك ولكن من أصل كتابه. وعلى ذلك تُحمل أحاديث [2/ 35] الهاشمي عنه لثناء ابن المديني عليها، بل الأقرب أن سماع الهاشمي منه من أصل كتابه، فعلى هذا تكون أحاديثه عنه أصحَّ مما حدَّث به بالمدينة من حفظه.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 56)
الرابعة: بقية حديثه ببغداد، ففيه ضعف، إلا أن يُعلم في حديث مِن ذلك أنه كان يتقن حفظَه مثل إتقانه لما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، فإنه يكون صحيحًا. وعلى هذا يدل صنيعُ الترمذي في انتقائه من حديثه وتصحيحه لعدة أحاديث منه. وقد دلَّ كلامُ الإمام أحمد أن التلقين إنما أوقعه في الاضطراب. فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجه عنه على وتيرة واحدة دل ذلك على أنه من صحيح حديثه.
فابن أبي الزناد في الحالين الأوليَيْن وما يلتحق بهما أثبَتُ من النهشلي بكثير، وفي الحال الثالثة إن لم يكن فوقه فليس بدونه، وفي الرابعة دونه.
وهذا الحديث مما حدَّث به بالمدينة، فإن ممن رواه عنه عبد الله بن وهب، كما في "سنن البيهقي" (ج 2 ص 33) بسند صحيح. وهو من أحاديث الهاشمي عنه، كما في "سنن أبي داود"(1) و"الترمذي"(2) وغيرهما. وجاء من غير وجه [عنه] على وتيرة واحدة، وصحَّحه من تقدَّم من الأئمة، فحاله فيه فوق حال النهشلي. وتأكد ذلك برجحان سنده على سند النهشلي كما مرَّ، وبموافقته للأحاديث الثابتة عن جماعة من الصحابة، ومخالفةِ أثر النهشلي لمقتضى تلك الأحاديث ومقتضى الآثار المتواترة عن الصحابة.
على أني أقول: لا مانع من صحة أثر النهشلي في الجملة. وبيان ذلك: أننا إذا علمنا الاختلاف في مسألة الرفع، ثم رأينا عالمًا لم نعرف مذهبه في ذلك، وأردنا أن نعرفه، فرقبناه في بعض صلاته، فلم نره رفع، فإنه يقع في--------------------------------------------
(1) رقم (744).
(2) رقم (3423).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 57)
ظننا أن مذهبه عدمُ الرفع وأنَّ ذلك شأنه. فإذا مضت على ذلك مدة، ومات ذاك العالم، ثم بدا لنا أن نذكر حاله في الرفع، فقد نبني على ما تقدَّم، فنقول: لم يكن يرفع. فمن الجائز أن يكون اتفق لكليب أنه رَقَب عليًّا في بعض صلاته ليرى أمن مذهبه الرفع أم لا؟ فاتفق أن رفع عليّ عند الافتتاح رفعًا تامًّا رآه كليب، ثم تجوّز عليّ في الرفع عند الركوع فما بعده، فلم يره كليب، فظن أنه لم يرفع، وأن مذهبه عدم الرفع، فذهب يحكي عنه بحسب ذلك.
فإن قيل: لكن هذا الاحتمال لا يخلو عن بُعدٍ.
قلت: لكنه أقرب الاحتمالات.
[2/ 36] فإن قيل: قد روي عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال: "كان أصحاب عبد الله وأصحاب عليّ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة"(1).
قلت: إنما أراد الذين صحبوا عبد الله، ثم صحبوا عليًّا، ولذلك قدَّم ذكر عبد الله، مع أن عليًّا أفضل. وكان أبو إسحاق يتشيَّع، وأصحاب عبد الله هم كانوا بعده المقتدى بهم مِن أصحاب عليّ. وفي مقدمة "صحيح مسلم"(2) عن المغيرة بن مِقْسَم قال: "لم يكن يصدق على عليّ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود". وكان أصحاب عبد الله يلزمون ما أخذوه عنه، وإن رأوا عليًّا يخالفه، كما لزموا التطبيق وغيره. وقد تقدم الكلام على أخذهم عن عبد الله تركَ الرفع، فلا تغفلْ.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 236).
(2) (1/ 14).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 58)
فإن قيل: ولماذا لم ينكر عليهم عليّ؟
قلت: لعله لم يقف على ذلك من حالهم، أو أنكر عليهم فلم يَقْنَعوا، كما يحتمل ذلك في قضية التطبيق.
بقي قول ابن التركماني: "لخصمه أن يعكسه فيجعل فعل عليّ بعد النبي عليه السلام دليلًا على نسخ ما تقدم".
فأقول: ليس هذا بشيء، فقد تقرر في الأصول أن الحكم إذا ثبت، فادعى بعض الصحابة نسخَه، وخالفه غيره منهم= لم يثبت النسخ بتلك الدعوى، إذ قد يكون استند صاحبها إلى ما لا يوافقه غيرُه على أنه دليل يوجب النسخ. وقد اختلف الصحابة في عدة أحكام ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وخالفه غيره، ولم يرَ المخالف في قول صاحبه: "هذا منسوخ" حجةً، ولا رأى القائلُ قوله ذلك كافيًا في إثبات النسخ. فكيف يُظَنّ بعليّ أن يكون يرى أن الرفع منسوخ، ثم يخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع، ويعلم أن غيره من الصحابة يخبرون بذلك ويعملون به عملًا شائعًا ذائعًا، ثم لا يتبع عليٌّ إخباره بذلك ببيان الحجة على نسخه ويعلن ذلك؟ بل يقتصر على ما ليس بدليل على النسخ، ولا صريح في دعواه، ولا ظاهرٍ فيها، وهو الترك. إذ قد لا يرقبه الناس في صلاته، فإن رَقَبه بعضهم فقد يقول: لعله ترك لبيان الجواز، أو لعذر، أو سها، أو ترخَّص كما ترخَّص عثمان وغيره في ترك التكبيرات أو الجهر بها كما تقدم. هذا ما لا يكون.
[2/ 37] فالحق ما تقدَّم من وهم أثر النهشلي أو وهم كليب، وتحقق ما قاله البخاري إنه لا يثبت عن أحدٍ من الصحابة تركُ الرفع، إلّا أن يكون
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 59)
بعضهم تركَه في وقتٍ ما لبيان الجواز أو غيره مما تقدم. والله أعلم.
وأما الأمر السابع ــ وهو قول الكوثري: "فيدل ذلك على التخيير الأصلي" ــ فإن أراد بالتخيير الأصلي أن أحد الأمرين مندوب والآخر جائز، فهذا وجيه. ويتعين أن يكون المندوب هو الرفع، فيكون تركه تركًا لمندوب، وهو جائز في الجملة، ولا يصح عكسه. فإن مَنْ يرفع إنما يرفع على وجه التعبد كما لا يخفى، ولو كان الرفع غير مشروع لكان(1) فعله على وجه التعبد بدعة وكذبًا على الله تعالى وتكذيبًا بآياته، فكيف يقال: إنه جائز؟
وإن أُريد أن كلا الأمرين مندوب، فندبُ الرفع حق ثابت معقول، ولا دليل على ندب الترك مطلقًا. ولا هو مع ندب الفعل بمعقول، فإن ترك المندوب حيث نُدِب إنما يكون مكروهًا أو خلاف الأولى، والتخيير بين مندوبَيْن إنما يكون بين فعلين كالأذكار المأثورة في افتتاح الصلاة، إذا ثبت منها اثنان مثلًا، فيقال: أيهما أتى به المصلي فقد أحسن. وإذا أتى بأحدهما لم يكن تركه للآخر مكروهًا ولا خلافَ الأولى، لأنه إنما تركه إلى آخر يقوم مقامه.
فإن قيل: فهاهنا أيضًا أمران: الرفع والسكون، فمن ترك الرفع فقد أتى بالسكون وهو مندوب.
قلت: السكون ترك، وإنما شُرع السكون في الصلاة عن الحركات التي لم تُشرع فيها، كما في "صحيح مسلم"(2) وغيره من حديث جابر بن سمرة--------------------------------------------
(1) في المطبوع: "فكان". والمثبت يقتضيه السياق.
(2) رقم (431). وأخرجه أيضًا النسائي (3/ 64) والبيهقي في "الكبرى" (2/ 181).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 60)
قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذنابُ خَيل شُمُسٍ! إذا سلَّم أحدكم فَلْيلتفتْ إلى صاحبه ولا يومئْ بيده". وفي رواية(1): فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذنابُ خَيلٍ شُمُس! اسكنوا في الصلاة". فأَمَرهم بالسكون عن تلك الحركة، وهي رفع الأيدي عند السلام، والإشارة بها يمنةً ويسرةً. وأمَرهم بالالتفات وهو حركة أيضًا، وإنما الفرق أن الحركة الأولى غير مشروعة، والثانية مشروعة. فعلى هذا يجري الأمر في سائر الحركات في الصلاة. فما كان واجبًا لم [2/ 38] يُعقل أن يكون السكون عنه جائزًا، وما كان مندوبًا لم يُعقل أن يكون السكون عنه إلّا مكروهًا أو خلاف الأولى، وما كان مباحًا فالسكون عنه مباح. والله الموفق.
وأما الأمر الثامن ــ وهو قول الكوثري: "وإنما خلافهم فيما هو الأفضل" ــ فوجيهٌ في الجملة، فإن منهم من عرف أن الرفع سنة باقية، وفِعل السنة أفضل من تركها. ومن التابعين فمَن بعدهم مَن لم تبلغه هذه السنة من وجه يثبت، أو بلغته ولكن غلبت عليه شبهةٌ ترجَّح بها عنده أنها منسوخة، فيكون عنده أنَّ الرفع بدعة، وتركُ البدعة أفضل من فعلها. وكذلك من التبس عليه الحال، فإن ما يحتمل أن يكون سنةً وأن يكون بدعة، فتركُه أفضل. فأما من أعرض عن الحجج واسترسل مع الشبهات إيثارًا لهواه، فله حكم آخر. والله المستعان.--------------------------------------------
(1) عند مسلم برقم (430).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 61)
[2/ 39] المسألة الثالثة
أفطر الحاجم والمحجوم
في "تاريخ بغداد" (13/ 388 [403]) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه قال: "ذُكِر لأبي حنيفة قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "أفطر الحاجم والمحجوم". فقال: هذا سجع".
قال الأستاذ (ص 81): "حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" لم يُثبته كثير من أهل الحديث منهم ابن معين … ومَن أثبته يرى الحديث إما منسوخًا باحتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، وإمّا مؤولًا بمعنى أنهما عرضة للإفطار … ".
قلت: ممن صحح الحديث من وجه أو أكثر: الإمامُ أحمد، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو زرعة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم. فأما ابن معين ففي "الفتح"(1): "قال المرُّوذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت. فقال: هذا مجازفة".
وزعمُ الأستاذ أن مَن أثبته يراه منسوخًا أو مؤولًا، ليس كما قال، فإنه ترك القسم الثالث. قال ابن حجر في "فتح الباري"(2): "وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يُفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء. وشذَّ عطاء، فأوجب الكفارة أيضًا. وقال بقول أحمد من الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان …--------------------------------------------
(1) (4/ 177).
(2) (4/ 174).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 62)
وبذلك قال الداودي من المالكية".
فأما دعوى النسخ بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، فالحديث رواه عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم"(1). ورواه وهيب عن أيوب بسنده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو مُحرِم، واحتجم وهو صائم"(2). وفي "الفتح"(3): "ورواه ابن علية ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله". وجاء عن مِقْسَم عن ابن عباس(4): "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، وهو صائم محرم". وذكر البيهقي (ج 4 ص 263) وقال: "ورواه أيضًا ميمون بن مهران عن ابن عباس"(5). وكذلك في رواية لابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، كما في "الفتح"(6). [2/ 40] وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد (ج 1 ص 305)(7) ذكر قصةَ اليهودية التي وضعت السمَّ في طعام النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئًا احتجم، قال: فسافر مرة، فلما أحرم وجد من ذلك شيئًا، فاحتجم".--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1939، 5694).
(2) أخرجه البخاري (1938).
(3) (4/ 177).
(4) أخرجه بهذا الطريق أبو داود (2373) والترمذي (777) وابن ماجه (1682، 3081) والبيهقي (4/ 263) وغيرهم.
(5) أخرجه بهذا الطريق الترمذي (776) والطحاوي في "معاني الآثار" (2/ 101).
(6) لم أجد الإشارة إليها في "الفتح". وهي في "مسند البزار" (11/ 214).
(7) رقم (2784).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 63)
وقد أجاب ابن خزيمة(1) عن هذا الحديث بأن للمسافر إذا أصبح صائمًا ثم بدا له أثناء النهار أن يفطر. وحاصل الجواب أنه صلى الله عليه وسلم أصبح في سفره صائمًا، ثم لما هاج به الوجع احتجم فأفطر. وكأن ابن عباس لم يكن قد بلغه أن الحجامة تُفطِّر الصائم، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائمًا ثم رآه احتجم، ولم يبحث عمّا كان بعد الحجامة. فوقع في ظنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استمَّر على الصيام. ثم لما بلغه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أنّ بعض الناس يرى أن الحجامة تفطِّر الصائم احتج بالقصة على حسب ظنه.
وهذا كما سَمع(2) أسامةَ يُحدّث بحديث: "لا ربا إلا في النسيئة"(3)، ولم يثبت عنده حديث: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، يدًا بيد"(4)، فكان يفتي بحِلِّ الذهب بالذهب مع التفاضل نقدًا، وكذا الفضة بالفضة. ثم جاء أن بعض الصحابة أخبره بالحديث الآخر، فرجع(5).
وكما أخبره أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فلم يصلِّ فيها، فكان يفتي بذلك(6). وقد صح عن بلال أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، وأنه صلى الله عليه وسلم صلَّى بين العمودين المقدمين(7).
وكما كان يرى أن لا قراءة في السِّريَّة، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ--------------------------------------------
(1) في "صحيحه" (3/ 228).
(2) أي ابن عباس.
(3) أخرجه البخاري (2178، 2179) ومسلم (1596).
(4) أخرجه مسلم (1584).
(5) كما في "صحيح مسلم" (1594/ 100).
(6) أخرجه مسلم (1330).
(7) أخرجه البخاري (1598) ومسلم (1329).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 64)
فيها. فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؛ فغضب(1). وقد أثبت غيره القراءة بما لا تبقى معه شبهة(2).
وأمثال هذا كثير مما يحتج به الصحابي على حسب ظنه، ويتبين أن ظنَّه كان خطأ. وقد روى عطاء ذاك الحديث عن ابن عباس(3) ثم ذهب إلى الإفطار كما مرَّ(4).
فإن قيل: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بالحجامة لكان الظاهر أن يبِّين ذلك للناس.
قلت: يجاب أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بما سبق منه من بيان أنه يفطر الحاجم والمحجوم، ومن بيان أن الصائم في السفر يحل له الإفطار.
فإن قيل: فقد جاء عن أبي سعيد الخدري(5) وعن أنس(6) أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص في الحجامة للصائم.--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في "الكبير" (12005). وانظر "فتح الباري" (2/ 254).
(2) انظر "صحيح البخاري" (759 - 762) و"صحيح مسلم" (451 - 454).
(3) أخرجه البخاري (5695).
(4) انظر "الفتح" (4/ 174). وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 52) عنه: لا بأس بالحجامة للصائم ما لم يَخَفْ ضعفًا.
(5) أخرجه النسائي في "الكبرى" (3224، 3228) وابن خزيمة (3/ 230) والدارقطني (2/ 182)، قال الحافظ في "الفتح" (4/ 178): رجاله ثقات، ولكن اختُلف في رفعه ووقفه.
(6) أخرجه الدارقطني (2/ 182). وقال: كلهم ثقات، ولا أعلم له علة. وقال الحافظ في "الفتح" (40/ 178): رواته كلهم من رجال البخاري، إلّا أن في المتن ما يُنكَر، لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 65)
[2/ 41] قلت: في صحة ذلك عنهما كلام، كما ترى في "فتح الباري"(1). ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس من احتجامه صلى الله عليه وسلم وهو صائم في سفره، وقد مرَّ ما فيه.
وأما التأويل بصرف النص عن ظاهره، فلا مسوِّغ له. والله أعلم(2).--------------------------------------------
(1) (4/ 178).
(2) قلت: لا شك أن التأويل المذكور لا مسوغ له، ولكني أرى أن الجواب الصحيح هو أن الحديث منسوخ بنص حديثي أبي سعيد وأنس المذكورين، فإنهما حديثان صحيحان، له عن أبي سعيد طريقان، أحدهما صحيح، وعن أنس ثلاث طرق أحدها صحيح أيضًا، وأما الكلام الذي أحال المصنف فيه على "الفتح" فليس فيه ما يمكن أن يكون علة في الحديث لاسيما إذا نظر إليه من جميع طرقه، فإن كثرة الطرق للحديث تدل على أن له أصلًا، فكيف إذا كان بعض مفرداتها صحيحًا في نفسه، وليس هذا مجال شرح ذلك، ومحله في "إرواء الغليل" (931)، ولكن لا بأس من الإشارة إلى شيء من كلام الحافظ رحمه الله مع التعليق الموجز عليه، قال في بعض طرق أنس: "ورواته كلهم من رجال البخاري، إلا أن في المتن ما ينكر لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك".
قلت: وهذا سهو من الحافظ رحمه الله، فإنه ليس في الحديث ذكر للفتح أصلًا، وعليه فالحديث صحيح لا نكارة فيه، والعجيب أن الحافظ ادعى ما سبق بعد أن ذكر الحديث بدون ذكر الفتح، وهذا لفظه: "أخرجه الدارقطني ولفظه: "أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أفطر هذان، ثم رخصَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. رواته كلهم ثقات … ". وهكذا هو عند الدارقطني في "سننه" (ص 239).
وإذا عرفت هذا اللفظ الصريح في النسخ يتبين لك أن قول المؤلف رحمه الله: "ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس … " أنه غير ممكن، فتأمل. [ن].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 66)
[2/ 42] المسألة الرابعة
إشعار الهدي
في "تاريخ بغداد" (13/ 390 [407]) عن يوسف بن أسباط: " … وأشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقال أبو حنيفة: الإشعار مُثْلَة".
قال الأستاذ (ص 87): "ليس من قوله فقط، بل هو أثر يرويه عن حماد عن إبراهيم النخعي، كما يشير إلى ذلك الترمذي … ، يريدان: إشعار أهل زمانهما المبالَغ فيه، ولام التعريف تُحمل على المعهود في زمانهما … على أن الأعمش يقول: لم نسمع إبراهيم النخعي يقول شيئًا إلا وهو مروي، كما تجد ما بمعناه في "الحلية" لأبي نعيم. فيكون قول النخعي هذا أثرًا يحتج به، وأنت عرفت قيمة مراسيل النخعي عند ابن عبد البر وغيره".
أقول: أما الترمذي(1)، فروى من طريق وكيع حديث إشعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: "سمعت يوسف بن عيسى (وهو ثقة) يقول: سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا الحديث قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا، فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة".
قال الترمذي: "سمعت أبا السائب (سَلْم بن جُنادة، وهو ثقة) يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أَشْعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أبو حنيفة: هو مُثْلَة! قال الرجل: فإنه قد رُوِي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: قال إبراهيم! ما أحقَّك بأن تُحبَس، ثم لا تخرج--------------------------------------------
(1) رقم (906) من حديث ابن عباس.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 67)
حتى تَنزِعَ عن قولك هذا! ".
القائل: "فإنه قد رُوي عن إبراهيم" لا يُدرى من هو؟ وممن سمعه؟ وكيف إسناده؟ ولكن الأستاذ بنى على دعاوى:
الأولى: أن ذاك الرجل ثقة.
الثانية: أن قوله: "فإنه قد رُوِي" معناه فإن أبا حنيفة روى.
الثالثة: أنه سمع ذلك من أبي حنيفة.
[2/ 43] الرابعة: أن أبا حنيفة روى ذلك عن حماد، مع أنه لا ذِكر لحماد في الحكاية.
الخامسة: أن ذلك أثر، مع أن الأستاذ نقَمَ نحو ذلك في "الترحيب" (ص 28) فقال: "وإطلاق الأثر على ما لم يُؤثَر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في دين الله شيء مبتكر في سبيل تقوية الخبر الزائف من هذا الناقد الصالح! ".
السادسة: أن إبراهيم النخعي لم يكن يستنبط ولا يقيس، وإنما كان يقول ما يرويه بنصه. والأستاذ يعلم أن المتواتر عن إبراهيم خلاف ذلك. غاية الأمر أنه يسوغ أن يقال: إنه لم يكن يفتي برأيه المحض، وإنما كان يستنبط من المرويات ويقيس عليها، فيكون عرضة للخطأ كغيره.
السابعة: أن تلك المرويات التي كان إبراهيم لا يتعدَّى منصوصَها لا تشمل أقوالَ مَن قبله من التابعين ولا الصحابة، وإنما هي النصوص النبوية، فتكون أقوال إبراهيم وفتاواه كلُّها مراسيل أرسلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 68)
الثامنة: أن ذلك حجة.
ولا أطيل بمناقشة الأستاذ في هذه المزاعم، وقد رجع هو عن الثلاث الأخيرة بقوله: "يريدان: إشعار أهل زمانهما المبالَغ فيه … " ومع ذلك فهذه دعوى جديدة، والظاهر الواضح من قول القائل: "الإشعار مُثلة" الحكم على الإشعار مطلقًا. ولو أراد ما زعمه الأستاذ لقال: "المبالغة في الإشعار مُثلة" أو نحو ذلك.
فأما إبراهيم، فلم يثبت ذاك القول عنه، فلا ضرورة إلى الاعتذار عنه بعذر، إنْ دَفعَ الملامة من جهة، أوقَعَ فيها من جهتين:
الأولى: الإطلاق الموهم للباطل.
الثانية: اتهامه جميعَ أهل زمانه ــ وفيهم بقايا الصحابة والتابعون ــ بالإطباق على ما لا يجوز، حتى استساغ أن يُطلِق ولا يفصِّل.
وأما أبو حنيفة، فقد اعتذر عنه الطحاوي(1) بقوله: "إنما كره ما يُفعل على وجه يُخاف منه هلاك البُدْن … فأراد سدَّ هذا الباب عن العامة، لأنهم لا يراعون الحدّ في ذلك. وأما مَن كان عارفًا بالسنة في ذلك، فلا".
والمقصود هنا إثبات أن الإشعار سنة، وذلك حاصل على كل حال.--------------------------------------------
(1) كما نقل عنه السرخسي في "المبسوط" (4/ 138) والحافظ في "الفتح" (3/ 544)، وعزاه الحافظ إلى كتابه "المعاني"، ولم أجده في "معاني الآثار" المطبوع.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 69)
[2/ 44] المسألة الخامسة
المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخفَّ
ولا فديةَ عليه
في "تاريخ بغداد" (13/ 392 [409]) من طريق حماد بن زيد قال: "شهدتُ أبا حنيفة، وسُئل عن محرمٍ لم يجد إزارًا، فلبس سراويل. قال: عليه الفدية. قلت: سبحان الله! … ".
قال الأستاذ (ص 94): " … فهذان إنما أُبيحا لعذر كمن به أذى في رأسه، فلا تحول هذه الإباحة دون وجوب الفدية، كمن في رأسه أذًى فلَبِس، على ما في القرآن الكريم. وليس في الأحاديث ما يصرِّح بسقوط الفدية عن المعذور".
أقول: الذي في القرآن هو قول الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
فالذي في الآية الحلق. فقول الأستاذ: "فلبِسَ، على ما في القرآن الكريم" لا وجه له، اللهم إلا أن يريد: قياسًا على ما في القرآن؛ ففي عبارته تلبيس.
ومع ذلك، ففي صحة القياس نظر، لتوقُّفها على عدم فارق، والفارقُ هنا قائم؛ فإن الحلق شديد المنافاة للإحرام، بدليل أنه جُعل عَلَمًا للخروج من الإحرام ــ أعني التحلل ــ كما جُعل السلامُ عَلَمًا على الخروج من الصلاة. والسلامُ من خطاب الناس، وهو أشدُّ منافاةً للصلاة من غيره، بدليل أنه لا يجوز منه في الصلاة قليل ولا كثير حتى في حال القتال، وإن احتاج إليه
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 70)
لاستغاثة مثلًا، بخلاف الحركة مثلًا، فإنها وإن كانت منافيةً للصلاة أيضًا إلا أنه يجوز القليل منها مطلقًا، ويجوز الكثير في صلاة الخوف. فالتشديدُ في الحلق لا يستلزم التشديد فيما هو أخفُّ منه.
فإن كان هناك إجماع على وجوب الفدية على من احتاج إلى لُبْسِ عمامة لمرض مثلًا، فلا يقاس عليه لُبْسُ فاقدِ الإزار للسراويل، وفاقدِ النعلين للخفين، لأن ستر الرأس غير مطلوب شرعًا كطلب سترة العورة ووقاية الرجلين مما قد يمنع من استطاعة المشي إلى الحج وأداء أعماله، والتشديد في الأول لا يستلزم التشديد في الثاني. فأما قياسُ لبس السراويل والخفين على الحلق المنصوص في القرآن، فأبعَدُ عن الصحة، لاجتماع الفارقينِ معًا.
فإن قيل: أرأيت إذا تمكَّن فاقدُ الإزار من فَتْق السراويل وتلفيقه بالخياطة حتى يكون [2/ 45] إزارًا كافيًا له، وتمكَّنَ فاقدُ النعلين من تقطيع الخفين حتى يصيرا نعلين؟
قلت: لا يتجه إلزامه ذلك، لأنه يكثر أن لا يتمكن الإنسان من ذلك، وإذا تمكن ففيه إفسادٌ للمال ينقص قيمته ومنفعته.
هذا، وقد صحَّ في الباب حديثان(1):
الأول: حديث ابن عمر في "الصحيحين"(2) وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عما يلبس المحرم، فقال: "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا--------------------------------------------
(1) وحديث ثالث عن جابر عند مسلم (1179) بنحو حديث ابن عباس الآتي.
(2) البخاري (1542) ومسلم (1177).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 71)
السراويلات ولا البرانس ولا الخِفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فَلْيلبسِ الخفَّين وَلْيقطَعْهما أسفلَ من الكعبين … ". ويؤخذ منه من بابِ أولى الإذنُ في السراويل لمن لم يجد إزارًا، لأن الحاجة إلى ستر أسفل البدن أشد، وكونه مطلوبًا شرعًا أظهر. ويبقى النظر في القطع، فقد يقال: كما أمر بقطع أعلى الخفين، فكذلك ينبغي قطع ما تحت الركبتين من السراويل. وقد يقال: إنما يقطع ما تحت أنصاف الساقين، لأن ما فوق ذلك إلى الركبة مشروع سترُه أيضًا وإنْ لم يجب، بخلاف ستر الكعبين وما فوقهما. وقد يقال: لا يتعين القطع، بل الأولى العطفُ والتثبيتُ بالخياطة، لأن ذلك محصِّل للمقصود بدون إفساد. ولو كان يتأتَّى نحو ذلك في الخفَّين لقلنا به فيهما أيضًا. فأما فَتْق السراويل ثم تلفيقه بالخياطة حتى يكون إزارًا، فقد دلَّ على عدم لزومه اكتفاءُ الحديث بما اكتفى به في الخفين، ولم يشترط تقطيعهما حتى يصيرا نعلين.
الحديث الثاني: حديث ابن عباس في "الصحيحين"(1) وغيرهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: "مَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومَن لم يجد نعلين فليلبس خفين". ففي هذا الحديث النصُّ على السراويل والخفين معًا، ولم يذكر القطع. فمن أهل العلم مَن أخذ به على إطلاقه، وقال: إنه ناسخٌ للأمر بقطع الخفين، لأن حديث ابن عباس متأخر. ومنهم من حمل المطلق على المقيد، فقال بقطع الخفين. فعلى الأول يكون عدم وجوب قطع السراويل أولى. أما على الثاني، فقد يتمسك فيه بالإطلاق، وقد يقال: بل يكون حكمه ما تقدم في الكلام على الحديث الأول.--------------------------------------------
(1) البخاري (1841، 1843) ومسلم (1178).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 72)