فوائد الرحلة
وهي فوائد عامة نضيفها إلى ما سبق من أغراض الرحلة عند المحدثين نستشير بها عزائم الشباب حتى يتخطوا الصعاب، وتخف عليهم أعباؤها المالية ومشقاتها:
من هذه الفوائد:
1 - التمكن من الجوانب العلمية:
وذلك أن الانسان يتأثر ببيئته ومحيطه، وقد تتحكم فيه المألوفات التي عاش بينها، فإذا رحل إلى بيئة أخرى ألقى مشاكل جديدة تبحث، أو آراء جديدة في مسائل سبق له أن درسها، فيتسع أفقه واجتهاده بدراسة الجديد من المسائل أو الجديد من الآراء، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى تغيير في آرائه واجتهاداته بعد أن كان سار عليها زمنا لا يجيد عنها، وهذا الفقه الشافعي برهان ساطع على ذلك، فإن من المعروف المشهور أن للامام الشافعي مذهبان: المذهب القديم، والمذهب الجديد، والمذهب الجديد يختلف في مسائل جوهرية كثيرة عن القديم، وقد صار إليه الشافعي بعد رحلته إلى العراق، حيث لقي الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، ولقي تلامذة أبي حنيفة، وغيرهم من العلماء.
وقد أبان العلامة ابن خلدون هذه المزية في فصل خاص مختصر(1) نسوقه بنصه. وهو: أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم.--------------------------------------------
(1) هو الفصل الرابع والثلاثون - من مقدمة ابن خلدون - (من أقسام الفصل السادس من الكتاب الأول) في أن الرحلة في طلب العلوم … " … إلى آخره ص 478.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
والسبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علما وتعليما والقاء، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقي أشد استحكاما وأقوى رسوخا، فعلي قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها. والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلطة على المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم، ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين، فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها، ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات وتصح معارفه وتميزها عن سواها، مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم.
وهذا لمن يسر الله عليه طرق العلم والهداية، فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ". انتهى.
2 - نشر العلم الذي حصله العالم:
وذلك أن العالم كثيرا ما ينبغ في بلد يضيق عن حمل نبوغه، لعدم توفر الكفاءات أو لقلة اهتمام أهل البلد بهذا الفن أو الاختصاص، فيرحل إلى مدينة تكون أوسع مجالا للآراء الخطيرة، أو أشد حاجة، فتعظم مكانته ويكثر الانتفاع بحكمته، ولولا الرحلة لما عظم شأنه ولما كثرت ثمرات نبوغه، وهذا الشيخ عز الدين بن عبد السلام مر عند خروجه من الشام بالكرك فتلقاه صاحباه وسأله الإقامة عنده، فقال له الشيخ: "بلدك صغير عن علمي". وتوجه إلى القاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وقد تكون رحلة العالم أو الأديب من أسباب ظهور علمه أو أدبه وانتشاره في الآفاق.
قال الأديب أبو بكر المعروف بابن بقي:
ولي همم ستقذف بي بلادا … نأت إما العراقَ أو الشآما
لكيما تحمل الركبان شعري … بوادي الطلح أو وادي الخزاما
وكيما تعلم الفصحاء أنَّي … خطيب علَّم السجعَ الحماما
وقد أطلعتُهُن بكل أرضٍ … بدورا لا يفارقْنَ التماما
3 - اتساع الثقافة العامة:
وذلك لكثرة احتكاك الانسان بالجديد عليه من الناس وما لديهم من عادات وثقافة وحكم وأمثال ونوادر، فيتأثر بذلك وينطبع في نفسه حتى تتكون لديه من كل رحلة ولقاء فائدة أو يحفظ حكمة أو نكتة، أو تقع له حادثة طريفة، فيحفظ ذلك كله ويصبح له زادا يجتذب إليه الناس بالحديث عنه، وفي الناس حب التطلع لأخبار غيرهم ومعرفة ما لم يألفوه من أحوالهم، لذلك احتل الرحالون مراكز الصدارة في المجالس واجتذبوا الناس إليهم بما يحكمون من أنباء رحلاتهم العلمية، وما يذكرون من أحوال مشايخهم وأخبار أساتذتهم. ومن مشاهداتهم الاجتماعية، ولطائف الحكم وطرائف النكت التي سمعوها، والوقائع العجيبة التي صادفوها.
4 - تنمية الفضائل والكمالات في النفس:
وقد كان هذا غرضا يرحل إليه الراحلون، يقصدون أهل الفضل للتأسي بأحوالهم وصفاتهم.
قال الامام العالم الحافظ الزاهد أحمد بن فرح الإشبيلي(1) في الامام النووي:--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي ص 1486.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
" الامام محيي الدين قد صار إلى ثلاث مراتب، كل مرتبة لو كانت لشخص لشدت إليه الرحال: العلم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "(1).
ورحل الإمام الكبير الحافظ يحيى بن يحيى بن بكير التميمي(2) إلى الامام مالك بن أنس للسماع منه، وبعد أن أتم ذلك بقي عند مالك، وقال: " أقمت لأستفيد من شمائله ".
كما أن الانسان في الرحلة تتغير مألوفاته وعاداته، فيكتسب بمواجهة ذلك أخلاقا طيبة تغرسها الرحلة في النفس، مثل خلق الصبر لكثرة ما يلاقيه الراحل من متاعب بدنية وآلام نفسية لفراق الأحبة، ومثل أدب المداراة، فإن البعيد عن وطنه أشد شعورا بالحاجة إلى هذا الأدب ممن يعيش بين قوم يعرفون من حسبه ومكانة بيته ما يجعل صراحته خفيفة على أسماعهم.
وهذا التلقي الفضائل من الأكابر يفتح رحاب الصدر للاختلاف، حيث يعذر كل واحد الآخر في خطته أو في اجتهاداته وآرائه، ولا يتسرع للحط من مخالفه أو الطعن عليه بالابتداع أو الضلال … !!
5 - كسب صداقات جديدة خالصة:
والصداقة الخالصة من ألذ ما يتمتع به الانسان في الدنيا، وقد ذكر الله تعالى من نعيم أهل الجنة أن متعهم بمحبة بعضهم لبعض " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا … ".--------------------------------------------
(1) انظر المرجع السابق ص 1470 - 1486، وانظر دراسة عن النووي في كتابنا " دراسات تطبيقية في الحديث النبوي " ص 376 وما بعد.
(2) انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ص 415.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
والرحلة وسيلة نافعة في كسب أصدقاء جدد يتعرف عليهم، ويعرف بهم أهل بلده، ويتحدث عن فضائلهم ومحاسنهم في مجالسه، فيؤدي ذلك إلى تعارف الشعوب وتحاببها، وقد كان المسلمون على غاية التحابب، والتعاون حيث كانت البلاد الاسلامية كلها مفتوحة للمسلم، لا تضيق به الدنيا، ولا تعسر عليه المعيشة، ولا ينتهى مدى جناحه على الأرض. وهذه مصادر الأدب فيها الكثير من مراسلات الأصدقاء النثرية وقصائدهم الشعرية(1).
وغير ذلك من فوائد يستزيد من تعدادها المجرب ويذوق حلاوتها لما فيها من تجديد في الشخصية، وفي رؤية الحياة:
إن السفر
كنز العبر
فارحل ترى الآفاق أبهج منظرا
وترى الربيع البكر يرتاد القُرى
وسنا الشباب بنبض روحك قد سرى(2)
وما أحسن قول الشاعر الحكيم أبي تمام:
وطول مقام المرء في الحيِّ مخْلِقٌ … لديباجَتَيْه فاغتربْ تتجددِ
فاني رأيتُ الشمس زيدت محبة … إلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ--------------------------------------------
(1) انظر رسائل الاصطلاح لفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر الأسبق الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله ج 2 ص 190 وما بعد. وانظر مناظرة حول الرحلة في كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي ص 216 وما بعد.
(2) عن قصيدة " شيخ الغجر" (ص 61) من ديوان " عودة الغائب " للشاعر الأستاذ محمد الحسناوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
آداب الرحلة
وهي أصول ينبغي مراعاتها حتى تؤتي الرحلة ثمارها وتتحقق أهدافها أيا كان العلم الذي يرحل فيه الطالب، ونجمل لك أهمها فيما يلي:
1 - أن يقدّم السماع من علماء بلده على الرحلة للآفاق، فهو أيسر وأقل كافة، وأمكن له في التثبت مما يسمع وتدوينه وضبطه ومراجعة ما يشكل منه، ولا يستخفن طالب العلم بأساتذة بلده، شأن بعض الغافلين يرى أحدهم الدرهم في بيت جاره خيرا من الدينار في بيته. فإذا فرغ من التلقي عن علماء بلده عزم على الرحلة وسلك سبيلها(1).
2 - حسن اختيار أماكن الرحلة، بأن تكون عامرة ببعض العلماء أو الفضلاء ممن يفاد منهم. وكان العلماء يعتنون بذلك ويستشيرون فيه، كما ستراه في تقديمنا هذا من استشارة الخطيب شيخه أبا بكر البرقاني في الرحلة، ويأتي في كتاب الرحلة(2) عن أحمد بن حنبل وقال له رجل: عمن ترى أن يُكْتَبَ الحديثُ؟ فقال له: " أخرج إلى أحمد بن يوسف فإنه شيخ الإسلام ".
وعن معمر قال: قال لي أيوب: " إن كنت راحلا إلى أحد فارحل إلى ابن طاوس وإلا فالزم تجارتك "(3).
3 - أن يهتم بكثرة المادة العلمية المتلقاة، وكثرة المسموع مما ليس عنده من الأسانيد والمتون، ويقدم ذلك على الاستكثار من الأساتذة،--------------------------------------------
(1) كما صرح المحدثون بذلك، انظر علوم الحديث ص 222، وشرح النخبة ص 154 بحاشية لقط الدرر وشرح الشرح ص 266.
(2) برقم 18.
(3) كما في الرحلة أيضا رقم 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة(1): " ثم يرحل فيحصل في الرحلة ما ليس عنده، ويكون اعتناؤه بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ ".
وفي شرح الشرح(2): " ويكون اعتناؤه أي وينبغي أن يكون اهتمام الطالب بتكثير المسموع أي في الحديث أكثر من اعتنائه بتكثير الشيوخ، أي والأسانيد، لأن المقصود الأصلي أولى هو الدراية لا مجرد الرواية، نعم قد يحتاج إلى تكثير الرواية لتصحيح الدراية ".
4 - أن يعتني بالمذاكرة مع المحققين لتمكين التعمق في العلم، وذلك بأن يحضر ما توصل إليه من آراه أو علاج لمشكلات العلم، فيلقيه على أهل التحقيق والدقة، ويعرض عليهم ما وقع له من استشكال، فيكسب بذلك آراءا جديدة تزيده تمكنا وتعمقا، أو تزيح ما وقع له من إشكال، وهي فائدة هامة يكمل بها العالم ويسمو. وينبغي عدم التساهل في ذلك، وأن يستكثر من الأساتذة الذين يعرض عليهم هذه الأمور إن اقتضى الأمر، كما يستكثر الباحث من الرجوع إلى المصادر المكتوبة في المسائل العويصة حتى يحلها، والمصادر الحية (الأساتذة) أهم من الكتب لعلاج المشاكل فيما لمسناه، لأنها تقدر على تتبع الخواطر ومناقشاتها إلى النهاية.
5 - مراعاة الآداب العامة في السفر: وهي مطلوبة من كل مسافر خصوصا صاحب الرحلة لطلب العلم، أو لتحصيل شئ من خصال--------------------------------------------
(1) ص 154 نسخة لقط الدرر.
(2) للشيخ علي القاري ص 266، ونحوه في لقط الدرر نفس المكان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الخير، فهو أحرى بمراعاتها وأجدر. ومن أهمها المداومة على الطاعات والعبادات وذكر الله تعالى، والسخاء بالمال، ثم تحمل متاعب السفر والطريق والصبر على الرفاق، وغير ذلك من آداب وسنن لا نطل بذكرها هنا(1) لكنا نذكر بتأكيدها لما لها من أثر كبير في النفس يهذبها ويكسبها فضائل تسمو بها، حتى كان كثير من الأكابر يرحلون لمجاهدة أنفسهم على تلك الخصال.
تاريخ الرحلة في طلب الحديث
سلك المسلمون سنن الرحلة في طلب العلم والحديث من وقت مبكر جدا، بدأ منذ بمصر النبوة، وكتاب الرحلة هذا وثيقة هامة تثبت ذلك بما أخرج فيه الخطيب البغدادي من الأحاديث الصحيحة في ذلك ثم بما خرجناه في المستدرك عليه. الأمر الذي يدل على الأهمية البالغة للرحلة في طلب العلم، وطلب الحديث خاصة، ويدل على تلك القوة الدينية الإيمانية العظيمة التي دفعت المسلم إلى أن يزعج نفسه ويجشمها أعظم المشقات في سبيل الحديث ابتغاء رضوان الله تعالى.
لكن بعض المستشرقين مثل (جولد تسهير) وتابعه (ليون بورشيه) يؤرخ الرحلة تأريخا مختلفا تماما عما أثبتته الوثائق والدلائل العلمية.
يقول بورشيه في تلخيص لكلام جولد تسهير(2).--------------------------------------------
(1) ذكرنا مهمات منها في كتابنا " الحج والعمرة في الفقه الاسلامي "، في موضوع " مستحبات السفر وأدعيته " من فصل " كيفية الحج والعمرة … " ص 187 - 191.
(2) في كتاب " دراسات في السنة الاسلامية " تاريخ العصر الأموي الفقرة رقم 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
" الطابع الدنيوي الخالص للسيطرة الأموية:
يسمى هذا الطابع " الملك " وقد اعتبره الأتقياء موقفا سيئا، وبما أن الأشخاص الأتقياء كانوا قد عزلوا عن الحياة العامة من قبل القادة فإنهم قد أعطوا كل ما عندهم للدراسة المتعمقة للشريعة الإسلامية، وفتشوا عن سنة النبي في أي مكان يمكن أن توجد فيه، وهذه بداية الرحلات في طلب الحديث " انتهي.
والواقع أن دلائل كثيرة جدا تثبت بطلان هذا الزعم، نذكر منها:
1 - ما أشرنا إليه من رحلة الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ضمام ابن ثعلبة، فان التحقيق في خبره يدل على أن الاسلام دخل قلبه قبل لقائه للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه جاء ليسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بلغه عنه.
2 - ما هو ثابت من رحلات التابعين في عصر صدر الخلافة الراشدة، كما سبق(1) أن ذكرنا من " أن علقمة والأسود كانا يبلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنه فلا يقنعها حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه " وهو أثر صحيح ظاهر الدلالة على أن الرحلة في طلب الحديث الواحد وجدت قبل عصر الأمويين بزمن بعيد، فكيف بطلب مجموعات من الحديث، وقد احتج بهذا الأثر الإمام المحدث الحافظ الجليل أبو عمرو بن الصلاح على سنية الرحلة وأهميتها في طلب الحديث(2).--------------------------------------------
(1) في صفحة 21 وانظر آثارا أخرى تأتي في الرحلة برقم 20 و 21
(2) أذكر أنني التقيت في مطلع الربيع 1973 في المجمع العلمي في دمشق بالمستشرق الدكتور " يوسف وان إس " رئيس قسم اللغة العربية بجامعة نوبتجن بألمانيا، وهو من كبار المستشرقين العصريين، وله إشراف على عدد من رسائل الدكتوراه لطلاب عرب!! وأفادني بعض الأصدقاء أنه يعتبر الآن عميد المستشرقين.
وقد قلت للدكتور يوسف وان إس: إنني أرى من اللازم أن لا يقلد المستشرقون الآن ما كتبه أسلافهم عن الإسلام وخصوصا " جولد تسيهر " الذي لحظنا له أثرا كبيرا بين المستشرقين وذلك لأن الدراسات العلمية تثبت وقوعه في أخطاء كثيرة واضحة …
فتساءل عن ذلك؟
قلت له: " أذكر على سبيل المثال بمناسبة هذا اللقاء أن جولد تسيهر أرخ الرحلة في طلب الحديث بوقت متأخر في عصر الأمويين لظروف سياسية … " مع أن ثمة دلائل صحيحة ثابتة تبرهن على خلاف ذلك وتثبت أن الرحلة في طلب الحديث كانت قبل ذلك بكثير ".
وألقيت عليه هذا الاستدلال برحلة علقمة والأسود للسماع من عمر رضي الله عنه، فحملق في الدكتور يوسف، وقال: أهذا صحيح؟!
قلت: نعم، وهو ثابت في كتاب علوم الحديث للإمام ابن الصلاح.
فلم يجب.
وأسجل بهذه المناسبة أمنيتي هذه تأكيدا لما ذكرت به الدكتور وان إس بضرورة تحرر المستشرقين من تقليد سابقيهم إذا أرادوا الحقيقة العلمية. فهل تتحقق هذه الأمنية؟!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
3 - ان وقوع الرحلة منذ عهد سابق على الأمويين (على زعم أن الأتقياء عزلوا عن القيادة في عصر الأمويين وهو زعم غير مسلم به) يدل على أنه لا صلة لهذه القضية بانتزاع القيادة من الأتقياء كما زعم، وإنما هو الدافع العلمي الديني لخدمة الاسلام والتورع في استخراج أحكامه ورواية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
4 - أن جولد تسيهر ومن تبعه في هذا الزعم الفاسد قد خلط في فهم الانتقاد للحكام الذي يبلغ أحيانا درجة من الشدة، والذي كان أئمة المسلمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
يقومون به، فجعل ذلك سعيا للوصول إلى السلطة ومنافسة على المنصب، من أناس عزلوا عن المناصب، وإنما كان العلماء العاملون يفعلون ذلك قياما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فرضه الله على المسلمين، وبلغوا به رتبة الأفضلية على الأمم، كما قال تبارك وتعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ".
لكن جولد تسيهر تجاهل مجموعة النصوص الضخمة في القرآن والسنة حول هذه الفريضة ليجعل هذا النقد ذا صبغة دنيوية سياسية، وكأنه في ذلك يخضع لقيمه الشخصية المادية أو بيئته.
5 - أن أعلام الرحلة في طلب الحديث منذ عصر الصحابة وما بعده من العصور كانوا بعيدين أشد البعد عن المطامح السياسية أو محاولة انتزاع السلطة، بل كانوا أبعد الناس عن التطلع إلى الدنيا ومتاعها أو مناصبها وهذه أسماؤهم في أخبار الرحلة لطلب الحديث الواحد قد عرفنا بهم في تعليقنا على الكتاب تدل أبلغ دلالة على أنه لاصله لمسألة الرحلة في طلب الحديث بشئ من مؤثرات الدنيا، وإنما هو وهم نسجه خيال أوروبي لا يؤمن بشئ غير النفع الدنيوي، … !! أولا يصبر على ثبوت فضيلة للمسلمين!!
6 - أن طلب العلم الشرعي عامة وطلب الحديث خاصة عبادة عظيمة، وقربة إلى الله سبحانه وتعالى. وقد حض الله عز وجل وحض النبي صلى الله عليه وسلم علي طلب العلم وعلى الرحلة من أجله، ورغب بجزيل الأجر ورفيع المنازل والدرجات عند الله، ومعلوم ما كان المسلمون عليه من الحرص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الشديد على مصلحة دينهم والتقرب إلى ربهم عز وجل فكيف يكون طلبهم للحديث مشوبا بنزعات النفس، وأطماعها الدنيوية؟!، خصوصا وقد وردت النصوص الكثيرة جدا في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية(1) في التحذير من الرياء والتخويف الشديد منه، وأنه يحبط الأعمال، بل يعرض صاحبه لشديد العذاب عند الله:
قال تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ".
وقال يصف المنافقين: " وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ".
وقال أيضا: " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت! ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت! ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت--------------------------------------------
(1) انظر تفصيل البحث في خطورة الرياء في كتاب احياء علوم الدين للامام الغزالي ج 3 ص 285 - 326.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت! ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ". أخرجه مسلم(1).
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار ". أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم(2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من تعلم عالما مما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعني ريحها. أخرجه أبو داود وابن ماجة(3).--------------------------------------------
(1) في الإمارة (باب من قائل للرياء والسمعة استحق النار) ج 6 ص 47.
(2) ابن ماجة برقم 254، وموارد الظمآن ص 51، والمستدرك ج 1 ص 81 وقد اختلف في إرساله ووصله، والراجح وصله لثقة راويه يحيى بن أيوب، وقد أخرج الحاكم وابن ماجة ما يشهد لوصله. وانظر المغني في الضعفاء رقم 6931، وكتابنا منهج النقد في علوم الحديث رقم عام 68 ص 375، فقد تكلمنا فيهما على سنده.
(3) أبو داود في العلم (باب طلب العلم لغير الله تعالى) ج 3 ص 361، وسكت عليه وما سكت عليه أبو داود فهو صالح. وابن ماجة (باب الانتفاع بالعلم والعمل به) ص 92 - رقم 252 ونحوه قريبا منه عند الترمذي عن ابن عمر ج 5 ص 33، وابن ماجة. وغير ذلك أحاديث كثيرة جدا في مصادر السنة اكتفينا منها بما وقع لنا سريعا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب
هو الإمام المحدث الحافظ الحجة الثبت المؤرخ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي.
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة هجرية في بيت علم ودعوة، فقد كان والده أحد حفاظ القرآن، تولى الإمامة والخطابة على المنبر بقرية " درزيجان " قرب بغداد(1). وقد حرص على ولده وتعهده وبث فيه روح العلم والتقى فعلمه القراءة والكتابة وحفظ القرآن والقراءات، ثم أخذه ليسمع الحديث سنة 403 هـ في جامع بغداد.
لكن الخطيب انصرف بعد هذا إلى الفقه، فتفقه بكبار الفقهاء الشافعية، كأبي حامد الأسفرائيني، وأبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وأحمد بن محمد المحاملي. ثم لم يلبث أن عاود مجالس الحديث، وهو في الثامنة عشرة من عمره.
وأكب على شيوخ الحديث ببغداد يكتب عنهم، لا يدع منهم أحدا، ثم أخذ في الرحلة، فرحل إلى البصرة عام 412 وسمع مشايخها، وأخذ عن أهل الكوفة ما عندهم من الحديث. وعاد إلى بغداد وقد ظهر نبله وفضله، وأصبح محل ثقة علمائها وثنائهم، لكنه لم يرض إلا أن يستمر في التزود من العلم، فعزم على الرحلة إلى البلدان القاصية.
وكان في بغداد شيخه الإمام المحدث أبو بكر البرقاني فاستشاره في أمره. قال الخطيب:--------------------------------------------
(1) وهي قرية كبيرة جنوب غربي بغداد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
" أول ما سمعت في المحرم سنة ثلاث، واستشرت البرقاني في الرحلة إلى عبد الرحمن بن النحاس بمصر، أو أخرج إلى نيسابور؟ فقال: إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، إن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة إن فاتك واحد أدركت من بقي، فخرجت إلى نيسابور … وكنت كثيرا أذاكر البرقاني بالأحاديث فيكتبها عني ويضمنها جموعه، وحدث عني وأنا أسمع ".
ولم تحدد لنا المراجع التي بين أيدينا مدة هذه الرحلة، لكنا نقدر أنها استمرت أربع سنوات إلى سنة 419. لأنهم ذكروا أنه في هذه السنة ذاكر ببغداد شيخه الكبير الامام البرقاني بعض ما يرويه، وكانت رحلته رحلة واسعة غزيرة الفوائد طوف فيها على العلماء في نيسابور وغيرها من بلدان ذلك الإقليم، فدخل الري وخراسان ورحل إلى أصبهان وهمذان والجبال والدينور. وحصل في رحلته هذه علما كثيرا بذكائه وحافظته الفذة وجده ودأبه، حتى رجع وقد أصبح إماما كبيرا في العلم بالحديث.
وأقام ببغداد يسمع الناس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويأخذ عنه العلماء والكبار حتى أن شيوخه قد أخذوا عنه كالبرقاني وغيره.
قال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ(1) يعدد أشهر شيوخه:
"سمع أبا الحسن بن الصلت الأهوازي وأبا عمر بن مهدي وأبا الحسين ابن المتيم والحسين بن الحسين الجواليقي وابن رزقويه وابن أبي الفوارس وهلال الحفار وإبراهيم بن مخلد الباخرجي والموجودين ببغداد.
وارتحل سنة اثنتي عشرة إلى البصرة فسمع أبا عمر القاسم بن جعفر--------------------------------------------
(1) ص 1136.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الهاشمي رواية السنن، وعلي بن القاسم الشاهد، والحسن بن علي النيسابوري، وسمع بنيسابور أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج والقاضي أبا بكر الحيري وطبقتهما. وسمع بأصبهان أبا الحسن بن عبد كويه ومحمد بن عبد الله ابن شهريار وأبا نعيم الحافظ وطبقتهم.
وسمع بالدينور أبا نصر الكسار وطائفة. وبهمذان محمد بن عيسى وطائفة. وبالكوفة، والري، والحرمين، ودمشق، والقدس وصور وغير ذلك ".
ثم قال الذهبي يذكر أعلاما من تلامذة الخطيب:
"روى عنه البرقاني شيخه، وأبو الفضل بن خيرون والفقيه نصر المقدسي، وأبو عبد الله الحميدي وعبد العزيز الكتاني وأبو نصر بن ماكولا وعبد الله بن أحمد السمرقندي والمبارك بن الطيوري، ومحمد بن مرزوق الزعفراني وأبو بكر بن الخاضبة وأبي النرسي وأبو القاسم النسيب وهبة الله ابن الأكفاني وعلي بن أحمد بن قيس الغساني ومحمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي، وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي وعبد الكريم بن حمزة وطاهر بن سهل الأسفرائيني وهبة الله بن عبد الله الشروطي وأبو السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، وعبد الرحمن بن محمد الشيباني القزاز وأبو منصور ابن خيرون المقرئ ويوسف بن أيوب الهمذاني نزيل مصر … وخلق يطول عددهم … ". انتهى.
وعلى الرغم مما حصل للخطيب من العلم الغزير ظل حريصا على الازدياد من فوائده، فكان يسعى السعي الحثيث لعلو الاسناد.
وفي سنة 444 خرج من بغداد إلى الحج فعرف الناس منه في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
طريقه غاية التعبد والحرص على نشر العلم، قال أبو الفرج الأسفرائيني: " كان الخطيب معنا في طريق الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون حدثنا فيحدثهم ".
وغلبته في طريقه غريزة المحدثين في السماع، فدخل دمشق سنة 445 وسمع بها، ثم دخل صور فسمع بها أيضا على بعض الشيوخ(1).
وفي مكة سمع من القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزية، وكان سماعها لهذا الكتاب أقدم سماع في عصرها. وذكر الخطيب عن نفسه أنه لما حج شرب ما ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله ثلاث حاجات أخذا بالحديث: " ماء زمزم لما شرب له "(2) فالحاجة الأولى: أن يحدث بكتابه تاريخ بغداد في نفس مدينة بغداد، الثانية: أن يملي الحديث بجامع المنصور، الثالثة: أن يدفن عند بشر الحافي. وقد قضى الله له ذلك وأجاب دعاءه.
إمامته وتصدره مجالس الحديث:
في إثر عودة الخطيب إلى بغداد أذن له الخليفة أن يملي الحديث بجامع--------------------------------------------
(1) كتاب الخطيب البغدادي ص 127 نقلا عن ابن قاضي شهبة في المنتخل من تاريخ بغداد 138/ 1 و 136/ 2 و 137/ 1.
(2) الحديث أخرجه ابن ماجة عن جابر ص 1018 رقم 3062، والحاكم في المستدرك: 1: 473 عن ابن عباس بأطول من هذا، وأخرجه غيرهما أيضا. وقد روى الحديث من طرق كثيرة لم يخل شئ منها من القدح. لكن الحفاظ حسنوه لتعدد طرقه. منهم الحافظ ابن حجر، وصححه بعضهم: كالمنذري والدمياطي والسيوطي، انظر نيل الأوطار ج 5 ص 87، وتدريب الراوي ص 80 وشرح الجامع الصغير للمناوي ج 5 ص 404.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
المنصور، فاجتمع عليه في المسجد خلق عظيم يكتبون عنه ويسمعون منه، وقرأ تاريخ بغداد في مدينة بغداد كما طلب من ربه ودعاه.
وانقطع الخطيب وقد اكتمل في العلم، وبلغ سن الحكمة، انقطع للتصنيف يعمل بجد متواصل، ورغبة شديدة، يستكمل ما بدأ تصنيفه من قبل، أو يراجع ما صنفه، أو يصنف كتبا جديدة حتى أنهي القسم الأعظم من تآليفه وأعدها للنشر والاملاء في مجالس التحديث. وقد جاوزت تآليفه عشرة آلاف ورقة، وقدرت بسبعين مجلد من المجلدات الكبار.
وبينا كان الخطيب على ذلك إذا بالاحداث تتغير فجأة لتضطره إلى الرحلة من بغداد والفرار منها.
حدثت في بغداد آنذاك فتنة الباسيري ومحاولته قلب الخلافة العباسية، وتشوش حال الناس وأمنهم، واستولى على الأمور من لا يؤمن على الأنفس والأموال، مما أتاح لبعض خصومه إيذاءه والكيد له بشتى الوسائل، فخشي أبو بكر الخطيب على نفسه وخرج من بغداد مصطحبا تصانيفه وكتبه وسماعاته، حتى أتى دمشق فاستوطنها، وظل مقيما فيها رغم علمه بهدوء الحال في بغداد وعودة الأمور إلى نصابها.
وقد اتخذ لنفسه في دمشق حلقة كبيرة في المسجد الأموي تغص بالناس، وكان ذا صوت جهوري يدوي في أرجاء المسجد حتى يسمعه آخر من في المسجد.
ولهذه الرحلة الفضل فيما ظفرت به دمشق من كتب الخطيب القيمة التي لا يزال قسم كبير منها في دار الكتب الظاهرية حرسها الله تعالى.
وفي سنة 459 قلبت له الأيام ظهر المجن - شأنها مع أولي الفضل -،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
بسبب سعاية الوشاة الخبثاء حتى أمر الوالي بقتله، وكاد ينفذ فيه ذلك لولا أن الشريف العلوي أبا القاسم علي بن إبراهيم وهو من أهل العلم عرف للخطيب فضله، فاحتال له وشفع فيه حتى انتهت الحادثة دون أن يمس الخطيب بأذى، لكن أمر بمغادرة دمشق، وألا يقيم فيها، فخرج وأقام في مدينة صور حتى سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
ثم لم يلبث بعد ذلك أن اشتد به الحنين إلى بلدته بغداد، فشد رحله إليها، وخرج من صور عن طريق الساحل السوري إلى طرابلس، ثم إلى حلب وهكذا حتى بلغ بغداد، وكان كلما مر ببلدة أقام أياما، وعقد مجلسا للعلم، وباحث العلماء وناظرهم. وما إن وصل بغداد حتى اجتمع حوله العلماء، يسمعون منه كتابه الذي تمنى على الله قراءته في هذه البلدة " تاريخ بغداد " ويسمعون غيره من الكتب حتى وافته منيته ضحى يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وحقق الله أمنيته الأخيرة التي دعا بها عند زمزم فتخلى له الشيخ الصوفي أبو بكر أحمد ابن علي الطريثيثي عن قبر أعده لنفسه بجوار بشر الحافي، وكان الطريثيثي يتردد على القبر وينام فيه ويختم فيه القرآن كل أسبوع، ثم تخلى عنه للخطيب كي يدفن فيه إيثارا لعلم الخطيب وفضله رحمه الله ورضي عنه.
ولعل من المكافأة الإلهية للطريثيثي أن أطال الله حياته، فعمر بعد ذلك ثلاثين سنة رحمه الله تعالى.
شخصية الخطيب البغدادي:
يتمتع الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب بشخصية قوية، جمعت أطرافا من من كمال الإيمان، والعلم، والتقي، وحسن الخلق، ودقة النظام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
كان في درجة الكمال خلقا وهيئة ومنظرا، وكان إلى جانب عنايته بمظهره " حسن الخط كثير الضبط، وهذا مما يعني به المحدثون أكثر من غيرهم، كما كان يراعي آداب المحدث في القراءة المفصحة فكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته من كان في آخر الجامع، وكان يقرأ مع هذا معربا صحيحا ".
وكان حريصا على العلم لا يفارق المطالعة لحظة، قال ابن الآبنوسي: " كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه " وكان كثير التعبد تاليا للقرآن، حتى ذكر من رافقه في السفر " أنه كان يختم كل يوم ختمة إلى قرب المغيب قراءة ترتيل ".
وكان على عفة وترفع عن الدنيا، ابتعد عن الدخول إلى السلطان والتقرب إليه، كما ابتعد عن السياسة، وهذا أمر حسن يتيح للعالم التفرغ لنشر العلم، وينفع الناس به نفعا كثيرا.
عرف الدنيا وزخرفها الباطل وغرورها الخادع، فترفع عنها، ومن قوله في ذلك هذه الأبيات من الشعر:
لا تغبطن أخا الدنيا بزخرفها … ولا بلذة وقت عجلت فرحا
فالدهر أسرع شئ في تقلبه … وفعله بين للخلق قد وضحا
كم شارب عسلا فيه منيته … وكم تقلد سيفا من به ذبحا
ومن كان على هذه المعرفة بالدنيا كان واثقا بالآخرة عاملا لها متورعا تقيا، يتجنب ما فيه شبهة ويجتهد في القربات بالعبادة والدعاء، والذكر والقرآن، والصدقات.
ثم إن التواضع من شيم العلماء البارزة التي تدل على علو كعبهم في العلم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)