المطلب الرابع: الرد على شبه المعطلة في استدلالهم بالأدلة العقلية لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة.
الرد على الدليل الأول وهو دليل الموانع:
1 - قال الرازي: لا نسلم أن عند حصول الشرائط الثمانية يجب حصول الإبصار، ويدل على أنه غير واجب عقلًا وجهان:
أولا: أنا نرى الجسم الكبير من البعد صغيرًا وإن رأينا جميع أجزائه، وجب أن لا نراه صغيرًا، بل كبيرًا، وإن لم نر شيئًا من أجزائه وجب ألا نراه البتة. وإن رأينا بعض أجزائه دون البعض مع أن جميع الأجزاء بالنسبة إلى "القرب والبعد واللطافة والكثافة وعدم الحجاب وسلامة الحاسة وصحة الرؤية" متساوية لزم أن لا يكون الإدراك مع حصول هذه الشروط متساويًا.
ولا يقال: إنا إذا أبصرنا شيئًا اتصل بطرفيه من العين خطان شعاعيان كساقي المثلث، وصار عرض المرئي كمالخط الثالث، فحصل هناك مثلث، ثم يخرج من نقطة الناظر خط آخر إلى وسط المرئي قائم عليه، يقسم ذلك المثلث الأول إلى مثلثين، وكل واحد منهما مثلث قائم الزاوية، وهذا يصلح أن يكون وترا لكل واحد من الزاويتين الحادتين الواقعتين على طرفي المثلث الأول الكبير، والخطان الطرفيان كل واحد منهما وتر للزاويتين القائمتين، ولا شك أن وتر القائمة أعظم من وتر الحادة، فالخطان الطرفيان كل واحد منهما أطول من الخط الوسطي، وإذا كان ذلك كذلك لم تكن أجزاء المرئي بالنسبة إلى الرائي متساوية في القرب والبعد، لأنا نقول: لنفرض أن هذا التفاوت واقع بمقدار شبر، فلو كان المانع من الرؤية هذا القدر من التفاوت في البعد لكنا إذا جعلنا المرئي أبعد مما كان قبل ذلك بمقدار شبر وجب أن لا نراه البتة، لكنا نراه، فعلمنا أنه ليس السبب في عدم رؤية بعض الأجزاء ذلك القدر من التفاوت في البعد"(1).
فإن قيل: لا يلزم من رؤيتنا جميع أجزائه أن نراه كبيرا، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت رؤيته صغيرا وكبيرا بحسب رؤية الأجزاء وعدمها وهو ممنوع.
قلنا: وضعفه ظاهر بناء على تركب الأجزاء التي لا تتجزأ، إذ على هذا التقدير إن رأى الأجزاء كلها وجب أن يرى الجسم كما هو في الواقع سواء كان قريبا أو بعيدا، وذلك لأن الرؤية لكلٍّ منها أو بعضها أصغر مما هو عليه توجب الانقسام فيما لا يتجزأ لثبوت ما هو أصغر منه، ورؤية كل من الأجزاء أكبر مما هو عليه--------------------------------------------
(1) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 301 - 302).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
بمثل أو بأزيد منه توجب ألا يرى إلا ضعفا أو أكبر من ذلك، وهو باطل قطعا، ورؤيته أكبر بأقل من مثل توجب الانقسام، ورؤية بعضها على ما هو عليه بعضها أكبر بمثل توجب ترجيحا بلا مرجح، فوجب أن يرى الكل على حاله، فلا تفاوت حينئذ بالصغر والكبر، فتعين أن يكون التفاوت بحسب رؤية بعض دون بعض(1).
ثانيا: إذا نظرنا إلى مجموع كفٍّ من التراب، رأيناه وذلك الكيف من التراب عبارة عن مجموع تلك الذوات وتلك الأجزاء الصغيرة، فإما أن يكون إدراك كل واحد من تلك الذوات مشروطا بإدراك الآخر فيلزم الدور؟ وإما أن لا يكون إدراك شيء منها مشروطا بإدراك الآخر وحينئذ يكون إدراك كل واحد من تلك الذوات حالتي الاجتماع والانفراد على السوية؟ مع أنا نراها حال الاجتماع ولا نراها حال الانفراد، وحينئذ لا يكون الإدراك واجب الحصولِ عند حصول تلك الشرائط، وإما أن يكون إدراك البعض مشروطا بإدراك الباقي ولا ينعكس، وهذا محال، ومع أنه محال فالمقصود حاصل.
أما أنه محال: فلأن الأجزاء متساوية فيكون هذا مفتقرا إلى ذلك، مع أن ذلك غني عن هذا، وهذا ترجيح من غير مرجح وهو محال، وأما أن المقصود حاصل، فلأن إدراك أحد تلك الأجزاء إذا كان غنيا عن إدراك الآخر كان حاله عند الاجتماع وعند الانفراد في صحة الإدراك على السوية، وحينئذ يعود المحذور، فهذان برهانان قويان في بيان أنه عند حصول هذه الشرائط فالإدراك غير واجب الحصول.
وقولهم: لو لم يجب الإدراك لجاز أن يكون بحضرتنا جبال وبوقات ونحن لا نراها ولا نسمعها(2).
قلنا: هذا معارض بجملة العاديات، فإن الأمور العاديَّة تجوز نفائضها مع جزمنا بعدم وقوعها، ولا سفسطة هاهنا، فكذا الحال في الجبال الشاهقة التي لا نراها، فإنا نجوز وجودها وتجزم بعدمها؛ وذلك لأن الجواز لا يستلزم الوقوع ولا ينافي الجزم بعدمه، فمجرد تجويزها لا يكون سفسطة.
ثم نقول: إن كان مأخذ الجزم بعدم الجبل المذكور ما ذكرتم من وجوب الرؤية عند اجتماع شرائطها لوجب أن لا نجزم به إلا بعد العلم بهذا، واللازم باطل؛ لأنه لا يجزم به من لا يخطر بباله هذه المسألة؛ ولأنه ينجر إلى أن يكون ذلك الجزم نظريا مع اتفاق الكل على كونه ضروريا(3).--------------------------------------------
(1) انظر: شرح المواقف للجرجاني (8/ 152 - 153) باختصار.
(2) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 303).
(3) انظر: شرح المواقف للجرجاني (8/ 152 - 153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
سلمنا أنه عند حضور هذه الشرائط في الشاهد يكون الإدراك واجب الحصول، فلم قلتم: أن في حق اللَّه تعالى يجب أن يكون كذلك؟ وتحقيقه هو: أن ذات اللَّه تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث، والمختلفان في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم، فلم يلزم من كون الإدراك واجبا في الشاهد عند حضور هذه الشرائط كونه واجبا في الغائب عند حضورها، ومما يدل عليه: أن الإدراك في الشاهد مشروط بشرائط ثمانية، وفي الغائب نقطع بأنه لا يمكن اعتباره، فكذلك لا يمتنع أن يكون الإدراك في الشاهد واجب الحصول، وفي الغائب لا يكون واجبًا"(1).
2 - أن قولكم: إثبات الرؤية يستلزم إثبات الجسمية، وهذا منتف عن اللَّه تعالى، غير صحيح، فلا يلزم من إثبات الرؤية إثبات الجسمية، ثم إن لفظ الجسم لم يرد في الشرع لا نفيًا ولا إثباتًا.
قال ابن تيمية: "نفاة الرؤية -من الجهمية والمعتزلة وغيرهم- إذا قالوا: إثباتها يستلزم أن يكون اللَّه جسمًا، وذلك مُنتفٍ، وادَّعوا أن العقل دَلَّ على المقدمتين، احتيج حينئذ إلى بيان بطلان المقدمتين، أو إحداهما، فإما أن يبطل نفس التلازم، أو نفي اللازم، أو المقدمتان جميعًا.
وهنا افترقت طرق مثبتة الرؤية: فطائفة نازعت في الأولى، كالأشعري وأمثاله -وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث وأصحاب السنة- وقالوا: لا نسلم أن كل مرئي يجب أن يكون جسمًا.
فقالت النفاة: لأن كل مرئي في جهة، وما كان في جهة فهو جسم. فافترقت نفاة الجسم على قولين: طائفة قالت: لا نسلم أن كل مرئي يكون في جهة، وطائفة قالت: لا نسلم أن كل ما كان في جهة فهو جسم. فادعت نفاة الرؤية أن العلم الضروري حاصل بالمقدمتين، وأن المنازع فيهما مكابر.
وهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية، فلهذا صار الحُذَّاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسَّروها بما تُفسِّرُها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي.
وطائفة نازعت في المقدمة الثانية -وهي انتفاء اللازم- وهي كالهشامية والكرامية وغيرهم، فأخذت المعتزلة وموافقوهم يشنعون على هؤلاء، وهؤلاء وإن كان في قولهم بدعة وخطأ، ففي قول المعتزلة من البدعة والخطأ أكثر مما في قولهم.--------------------------------------------
(1) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 303).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
ومن أراد أن يناظر مناظرة شرعية بالعقل الصريح فلا يلتزم لفظًا بدعيًا، ولا يخالف دليلًا عقليًا ولا شرعيًا، فإنه يسلك طريق أهل السنة والحديث والأئمة الذين لا يوافقون على إطلاق الإثبات ولا النفي بل يقولون: ما تعنون بقولكم: إن كل مرئي جسم؟
فإن فسروا ذلك: بأن كل مرئي يجب أن يكون قد ركَّبَه مُرَكِّبٌ، أو أن يكون كان متفرقًا فاجتمع، أو أنه يمكن تفريقه، ونحو ذلك، منعوا هم المقدمة الأولى، وقالوا: هذه السموات مرئية مشهودة، ونحن لا نعلم أنها كانت متفرقة مجتمعة، وإذا جاز أن يُرى ما يقبل التفريق فيما لا يقبله أولى بإمكان رؤيته، فاللَّه تعالى أحق بأن تُمكنَ رؤيته من السموات ومن كل قائم بنفسه، فإن المقتضي للرؤية لا يجوز أن يكون أمرًا عدميًا، بل لا يكون إلا وجوديًا، وكلما كان الوجود أكمل كانت الرؤية أجوز.
وإن قالوا: "مرادنا بالجسم المركَّبِ أنه مُركَّبٌ من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة"، نازعوهم في هذا، وقالوا: دعوى كون السموات مركبة من جواهر منفردة، أو من مادة وصورة دعوى ممنوعة أو باطلة، وبيَّنوا فساد قول من يدعي هذا، وقول من يثبت الجوهر الفرد أو يثبت المادة والصورة، وقالوا: إن اللَّه خلق هذا الجسم المشهود هكذا، وإن ركَّبه ركَّبه من أجسام أخرى، وهو سبحانه يخلق الجسم من الجسم، كما يخلق الإنسان من الماء المهين، وقد رب العظام في مواضعها من بدن ابن آدم، وركَّب الكواكب في السماء، فهذا معروف.
وأما أن يقال: "إنه خلق أجزاء لطيفة لا تقبل الانقسام ثم ركب منها العالم"، فهذا لا يُعلمُ بعقل ولا سمع، بل هو باطل؛ لأن كل جزء لا بد أن يتميز منه جانب عن جانب، والأجزاء المتصاغرة كأجزاء الماء تستحيل عند تصغرها، كما يستحيل الماء إلى الهواء، مع أن المستحيل يتميز بعضه عن بعض.
والأدلة العقلية بينت جواز الرؤية وإمكانها، وليست العمدة على دليل الأشعري ومن وافقه في الاستدلال؛ لأن المصحح للرؤية مطلق الوجود.
وإن قالوا: "مرادنا أن المرئي لا بد أن يكون معاينا تجاه الرائي، وما كان كذلك فهو جسم"، ونحو هذا الكلام، قالوا لهم: الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر"، وقال: "هل تضامون في رؤية الشمس صحوة ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر".
وهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي بالمرئي، وفي لفظ في الصحيح: "إنكم ترون ربكم عيانًا" فإذن قد أخبرنا أنا نراه عيانًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
وقد أخبرنا أيضًا أنه قد: "استوى على العرش" فهذه النصوص يصدق بعضها بعضًا، والعقل أيضًا يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم ولا محايث له محال في بديهة العقل، فإذا كانت الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق، وإذا سميتم انتم هذا قولًا بالجهة وقولًا بالتجسيم لم يكن هذا القول نافية لما علم بالشرع والعقل، إذ كان معنى هذا القول -والحال هذه- ليس منتفيًا لا بشرع ولا عقل"(1).
الرد على الدليل الثاني وهو دليل المقابلة:
قال الرازي: الجواب عنها من وجهين:
الأول: أن ذكر الدلائل لا بد أن يكون مسبوقًا بتعيين محل النزاع، فنقول: محل النزاع: أن الموجود المنزه عن المكان والجهة هل تجوز رؤيته أم لا؟ فإن ادعيتم أن العلم بامتناع رؤيته ضروري(2) فذلك باطل من وجوه:
الأول: أن البديهي متفق عليه بين العقلاء، وهذا غير متفق عليه فلا يكون بديهيًا.
الثاني: أنا إذا عرضنا على عقولنا رؤية هذا الموجود، بالتفسير الذي لخصناه، وعرضنا على عقولنا: أن الواحد نصف الإثنين لم نجد القضية الأولى في قوة هذه الثانية.
الثالث: أن حكم الوهم والخيال في معرفة اللَّه تعالى: إما أن يكون مقبولًا أو لا يكون مقبولًا، فإن كان مقبولًا لا يمتنع إثبات ذات منزهة عن الكمية والكيفية والجهة، والمعتزلي يسلم أن ذلك باطل، وإن لم يكن مقبولًا لم يكن حكم الوهم بأن ما كان منزهًا عن الجهة، كان غير مرئي واجب القبول؛ لأن الوهم والخيال لمَّا صار كل واحد منها مردود الحكم في بعض الأحكام لم يبق الاعتماد عليها في شيء من المواضع.
وبالجملة: فإن كان حكم الوهم حقا كان الحق مع المجسم، وإن كان مردودًا كان الحق معنا، أما المعتزلي: فإنه يُرَدُّ حكمه في إثبات الجسم والجهة، ويُقبلُ حكمه في مسألة الرؤية، فكان كلامه متناقضًا.
فثبت بما ذكرنا: أن من نفى الرؤية بالوجه الذي ذكرناه لا بد وأن يعول في نفيها على الدليل لا على ادعاء الضرورة(3).--------------------------------------------
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/ 250 - 235) بتصرف يسير.
(2) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 303).
(3) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 267 - 268).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
وإن ادعيتم أن هذا العلم استدلالي فلا بد فيه من الدليل، وقولكم: "إن كل مرئي لا بد وأن يكون مقابلًا" يقرب من أنه إعادة للدعوى؛ لأن المقابل هو الذي يكون مختصًا بجهة قدام الرائي، فكأنكم قلتم: "الدليل على أن ما لا يكون في الجهة لا يكون مرئية هو أن كل ما كان مرئية يكون في الجهة". والمنطقيون يسمون هذه القضية الثانية عكس نقيض القضية الأولى، وفي الحقيقة لا فرق بين القضيتين في الظهور والخفاء، فلم يجز جعل أحدهما حجة في صحة الأخرى، بل يقرب هذا من أن يكون إعادة المطلوب بعبارة أخرى.
والوجه الثاني في الجواب: ثبت أن المقابلة شرط للرؤية في الشاهد، فلم قلتم: إنه في الغائب كذلك؟ وتقريره: ما ذكرناه في الجواب عن الشبهة الأولى(1)، هو أن ذات اللَّه تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث، والمختلفان في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم، فلم يلزم من كون الإدراك واجبًا في الشاهد عند حضور هذه الشرائط كونه واجبًا في الغالب عند حضورها، ومما يدل عليه: أن الإدراك في الشاهد مشروط بشرائط ثمانية هي: سلامة الحاسة، وكون الشيء بحيث أن يكون جائز الرؤية، وأن لا يكون في غاية البعد، وأن لا يكون في غاية القرب، وأن يكون مقابلًا للرائي أو في حكم المقابل، وأن لا يكون في غاية اللطافة، وأن لا يكون بين الرائي والمرئي حجاب، وأن لا يكون في غاية الصغر، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته(2).
وفي الغالب نقطع بأنه لا يمكن اعتباره، فكذلك لا يمتنع أن يكون الإدراك في الشاهد واجب الحصول، وفي الغائب لا يكون واجبًا(3).
وتمام الكشف والتحقيق: أنا ذكرنا في المقدمات: أن المراد من الرؤية أن يحصل لنا انكشاف بالنسبة إلى ذاته المخصوصة، وهو يجري مجرى الانكشاف الحاصل عند إبصار الألوان والأضواء، وإذا كان الأمر كذلك فإذا الانكشاف يجب أن يكون على وفق المكشوف، فإن كان المكشوف مخصوصًا بالجهة والحيز: وجب أن يكون الانكشاف كذلك، وإن كان المكشوف منزهًا عن الجهة: وجب أن يكون انكشافه منزهًا عن الحيز والجهة"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: نفس المصدر (1/ 303 - 304).
(2) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 303).
(3) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 303).
(4) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 303 - 304)، وشرح المواقف للجرجاني (8/ 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
وهذا الجواب السابق مع ما فيه من حق إلا أنه اشتمل على باطل وهو: أن الجواب عن دليل المعتزلة بتسليم نفي الجهة والمقابلة عن اللَّه تعالى باطل؛ لأن إثبات رؤية حقيقية بالأبصار عيانًا من غير مقابلة أو جهة مكابرة عقلية، لأن الجهة من لوازم الرؤية وإثبات الملزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة.
قال ابن تيمية: "يقال: هذا المنكر للرؤية المستدل على نفيها بانتفاء لازمها وهو الجهة: قولك ليس في جهة، وكل ما ليس في جهة لا يرى، فهو لا يرى، وهكذا جميع نفاة الحق ينفونه لانتفاء لازمه في ظنهم، فيقولون لو رئي للزم كذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم.
والجواب العام لمثل هذه الحجج الفاسدة: بمنع إحدى المقدمتين: إما معينة وإما غير معينة، فإنه لا بد أن تكون إحداهما باطلة أو كلتاهما باطلة، وكثيرًا ما يكون اللفظ فيها مجملًا يصح باعتبار ويفسد باعتبار، وقد جعلوا الدليل هو ذلك اللفظ المجمل، ويسميه المنطقيون الحد الأوسط، فيصح في مقدمة بمعنى، ويصح في الأخرى بمعنى آخر، ولكن اللفظ مجمل، فيظن الظان لما في اللفظ من الإجمال وفي المعنى من الاشتباه أن المعنى المذكور في هذه المقدمة هو المعنى المذكور في المقدمة الأخرى، ولا يكون الأمر كذلك.
مثال ذلك في مسألة الرؤية أن يقال له: أتريد بالجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا؟
فإذا أردت به أمرا وجوديا كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى. وهذه المقدمة ممنوعة ولا دليل على إثباتها بل هي باطلة فإن سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر.
وإن أردت بالجهة أمرًا عدميًا كمانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير.
وهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه اللَّه به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل، فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة، تبين أن الذي ثبت عن الرسول هو الحق المقبول"(1).
وقال أيضًا: "يقال لهم: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة والجهة ممتنعة؟ أتعنون بالجهة أمرًا وجوديًا أو أمرًا عدميًا؟--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (2/ 348 - 349).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
فإن أردتم أمرًا وجوديًا. وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، واللَّه فوق سماواته بائن من مخلوقاته، لم يكن. والحالة هذه في جهة موجودة، فقولكم: إن المرئي لا بد أن يكون في جهة موجودة قول باطل، فإن سطح العالم مرئي، وليس هو في عالم آخر.
وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: إن الجسم في حيز، ولا حيز تقدير مكان، وتجعلون ما وراء العالم حيزًا.
فيقال لكم: الجهة. والحيز. إذا كان أمرًا عدميًا فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء وبين قوله: هو في العدم أو أمر عدمي فإذا كان الخالق تعالى مباينًا للمخلوقات عاليًا عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلًا عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به.
فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، ومن تكلم بما فيه معني باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حق وباطلا نسبوه إلى البدعة أيضًا، وقالوا: إنما قابل بدعة ببدعة، وردة باطلًا بباطل"(1).
الرد على الدليل الثاني والثالث:
أن نمنع كون الرؤية بالانطباع إما مطلقًا أو في الغائب لاختلاف الرؤيتين(2).
ونقول أيضًا: أن الرؤية عبارة عن الانكشاف التام، فإن كان الشيء له صورة كان انكشافه بانكشاف صورته ولونه، وإن كان منزهًا عن الصورة واللون كان انكشافه كذلك أيضًا؛ لأنَّ شرط الانكشاف أن يحصل على وفق ماهية المكشوف(3).
والحكم بأن المرئي لابد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، وأنه لا بد وأن يكون ذا لون وشكل مبني على أن هذه الأشياء المشاهدة المحسوسة لا تُرى إلا كذلك، ثم قالوا: "لو صح أن يُرى اللَّه فلا يُرى إلا كذلك" وهو ممنوع في حقه تعالى، والحق أنه تحكمٌ محض وقياس للخالق على المخلوق، وهو باطل قطعًا؛ لأنه قياس مع--------------------------------------------
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/ 253 - 254) ومنهاج السنة النبوية له أيضًا (2/ 348 - 349).
(2) انظر: شرح للمواقف للجرجاني (8/ 155).
(3) انظر: الأربعين في أصول الدين الرازي (1/ 304).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
الفارق، فاللَّه تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، فلا يصح قياسه عليه. قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 1 - 4]، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11](1).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: رؤية اللَّه تعالى وتحقيق الكلام فيها لأحمد بن ناصر آل حمد (ص 72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
الفصل الثالث: الأدلة العقلية والنقلية للفريق الثاني وهم الأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة، والرد عليها.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الأدلة العقلية للأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة.
المطلب الثاني: الرد على أدلة الأشاعرة العقلية القائلين بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة.
المطلب الثالث: الأدلة الشرعية للأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة.
المطلب الرابع: الرد على الأشاعرة في تحريفهم للأدلة النقلية.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
المطلب الأول: الأدلة العقلية للأشاعرة القائلين بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة.
استدل الأشاعرة على جواز رؤية اللَّه تعالى بأدلة عقلية، وهي:
1 - دليل الوجود: وهو أن كل موجود مرئي سواءً أمكن مشاهدته أم لم يمكن.
قال الجويني: "الدليل على جواز الرؤية عقلًا أن الرب سبحانه وتعالى موجود، وكل موجود مرئي"(1). ويدخل في ذلك جميع الموجودات كالأصوات والروائح والملموسات والطعوم(2).
2 - معنى الرؤية ومفهوما والمراد بها. وجميع ذلك هو حقيقة الرؤية.
قال الغزالي: "لا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو كمال ومزيد كشف بالاضافة إلى التخيل، إلا أن هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم، والنفس في شغل البدن وكدورة صفائه، فهو محجوب عنه. وكما لا يبعد أن يكون الجفن أو الستر أو سواد ما في العين سببًا بحكم اطراد العادة الامتناع الإبصار للمتخيلات فلا يبعد أن تكون كدورة النفس وتراكم حجب الأشغال بحكم اطراد العادة مانعًا من إبصار المعلومات. فإذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، وزكيت القلوب بالشراب الطهور، وصفيت بأنوع التصفية والتنقية، لم يمتنع أن تشتغل بسببها لمزيد استكمال واستيضاح في ذات اللَّه سبحانه أو في سائر المعلومات، يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل، يعبر عن ذلك بلقاء اللَّه تعالى ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات. فلا مشاحة فيها وبعد إيضاح المعاني. وإذا كان ذلك ممكنًا بأن خلقت هذه الحالة في العين، كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق وخلقه في العين غير مستحيل. كما أن خلقها في القلب غير مستحيل فإذا فهم المراد بها أطلقه أهل الحق من الرؤية، علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه، وأن الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحنة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها"(3).
3 - أن كل مرئي فهو في جهة، وهذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم الغائب، وهذا الموضع ليس من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى الغائب، وإنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة، إذا كان جائزًا أن يرى الإنسان بالقوة المبصرة نفسها دون عين(4).--------------------------------------------
(1) انظر: لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة للجويني (ص 115).
(2) انظر: شرح المواقف للجرجاني (ص 139).
(3) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص 45 - 46) باختصار.
(4) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 439).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
4 - أنه يمكن رؤية ما ليس في جهة، ومن أنكر ذلك فلا يقدر على انكار رؤية الإنسان نفسه في المرآة، ومعلوم أنه ليس في مقابلة نفسه(1).
5 - أن رؤية غير الأجسام ممكنة وذلك لما يلي:
الأول: أن الشيء لا يخلو أن يُرى من جهة ما هو ملوَّن، أو من جهة أنه جسم، أو من جهة أنه لون، أو من جهة أنه موجود، وربما من جهات أخر غير هذه الموجودة، وباطل أن يُرى من قِبَل أنه جسم؛ إذ لو كان ذلك كذلك لما رُئي ما هو غير جسم، وباطل أن يُرى من قبل أنه ملوَّن؛ إذ لو كان كذلك لمارئي اللون، وباطل أن يُرى لمكان أنه لون؛ إذ لو كان ذلك كذلك لمارئي الجسم، وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي تُتوهم في هذا الباب فلم يبق أن يُرى الشيء إِلا من قبل أنه موجود.
الثاني: أن الحواس إنما تُدركُ ذوات الأشياء وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض، وهي أحوال ليست بذوات، فالحواس لا تدركها وإنما تدرك الذات، والذات هي نفس الوجود المشترك لجميع الموجودات، فإذًا: الحواس إنما تُدرِكُ الشيء من حيث هو موجود(2).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص 43).
(2) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص 187 - 189) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 442 و 445) ودرء تعارض العقل والنقل له (6/ 230 - 233).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
المطلب الثاني: الرد على أدلة الأشاعرة العقلية القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة.
الرد على الدليل العقلي الأول:
أن قولهم: "أن كل موجود يُري" غير صحيح، حيث جعلوا ذلك عامًا لكل موجود كالأصوات والروائح والطعوم وغيرها، وهذه مكابرة للعقل، ومناقضة للواقع.
فإن المعاني ونحوها لا يمكن رؤيتها، ومن زعم ذلك فقد قال بالمحال، والتخبط في المقال، وقد اعترف كبار الأشاعرة المخالفين للأشعري نفسه بعدم صحة هذا الدليل، وعدم سلامته من الاعتراضات والإشكالات.
قال الرازي: "اعلم أن جمهور الأصحاب عولوا في إثبات أنه تعالى يصح أن يُرى على دليل الوجود، وأما نحن فعاجزون عن تمشيه، ونحن نذكر ذلك الدليل، ثم نوجه عليه ما عندنا من الاعتراضات"(1).
وقد اعترف الرازي بعد إيراده للاستشكالات والاعتراضات على دليل الوجود بعجزه عن الجواب عنها فقال: "فهذا ما عندي من الأسئلة في هذا الدليل، وأنا غير قادر على الأجوبة عنها. . . اعلم أن الدليل العقلي المعول عليه في هذه المسألة هذا الذي أوردناه وأوردنا عليه هذه الاسئلة واعترفنا بالعجز عن الجواب عنها"(2).
وقال أيضًا: "ثبت أن صحة الرؤية حكم مشترك فيه بين الجواهر والأعراض والحكم المشترك فيه لا بد له من علة مشتركة فيها والمشترك بين الجوهر والعرض إما الحدوث أو الوجود والحدوث لا يصلح للعلية لأن الحدوث عبارة عن وجود بعد عدم والقيد العلمي لا يصلح للعلية فوجب أن تكون العلة هي الوجود واللَّه تعالى موجود فوجب القول بصحة رؤيته، وهذا عندي ضعيف"(3).
ولذلك توقف الرازي في القول بالدليل العقلي لعدم صحته عنده وعدم سلامته من الاعتراضات والإشكالات.
قال في كتابه المطالب العالية: "الدلائل التي تمسك بها نفاة الرؤية في غاية الضعف والسقوط، وأما مثبتوا الرؤية فقد عولوا على أن قالوا: "اللَّه تعالى موجود، وكل موجود فإنه تصح رؤيته" ودليلهم في الإثبات: أن كل موجود تصح رؤيته، قد ذكرناه في أحكام الموجودات، وأوردنا عليه اعتراضات قوية لا يمكن دفعها البتة، وإذا عرفت ضعف دلائل الفريقين فنقول: بقي هذا البحث في محل التوقف"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 268).
(2) انظر: نفس المصدر (1/ 277).
(3) انظر: معالم أصول الدين للرازي (ص 268).
(4) انظر: المطالب العالية للرازي (2/ 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
وقال الشهرستاني: "وأما جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه وقد وردت عليه تلك الإشكالات ولم تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت الأفكار العقلية الى التفصي عنها كل الحركة"(1).
وقال الآمدي: "والواجب البداية بتقديم النظر في طرف الجواز العقلي أولًا ثم في وقوعه شرعًا ثانيًا، وقد سلك المتكلمون في ذلك ومن أهل الحق مسالك لا تقوى: المسلك الأول: وهو ما اشتهر من قولهم: الرؤية تتعلق بالموجودات المختلفة كالجواهر والأعراض. . . " ثم قال عن هذا الدليل: "ومن نظر بعين التحقيق علم أن المتعلِّق به منحرف عن سواء الطريق"(2).
وقال أيضًا: "ولما تخيل بعض الأصحاب زيغ هذه الطريقة عن الصواب انتهج منهجا آخر فقال: إن الجواهر والأعراض متعلق الرؤية، ولا محالة أن بينهما اتفاقًا وافتراقًا. . . وهذا الإسهاب أيضًا مما لا يشفي غليلًا"(3).
وقال أيضًا: "لو سلم أن ما وقع به الافتراق لا يصلح أن يكون مصححًا فإن المصحح لا بد وأن يكون أمرًا مشتركًا فلا بد من بيان أنه لا مشترك إِلا "الوجود" والا فمع جواز القول باشتراكها في معنى آخر غير الوجود فيجوز أن يكون هو المصحح أو داخلًا في المصحح، وعند ذلك فلا يلزم جواز تعلق الرؤية بواجب الوجود؛ لجواز أن يكون المصحح غير شامل له كما في الوجود، وذلك لا دليل عليه غير البحث والسبر وهو ما لا يرقى إلى ذروة اليقين بل لعله مما يقصر عن إفادة الظن والتخمين. . . ثم إنه لو قدر أنه لا مشترك إِلا الوجود فلا بد من بيان أن وجود واجب الوجود مجانس للوجود الذي هو متعلق الرؤية شاهدا حتى يلزم تعلق الرؤية به وذلك مما يعز ويشق جدًا"(4).
وقال في ختام إيراده للاستشكالات والاعتراضات: "وعلى الجملة فلسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي الذي أوضحناه؛ إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية والاستبصارات العقلية، وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يُذكر إِلا على سبيل التقريب واستدراج قانع بها إلى الإعتقاد الحقيقي، إذ--------------------------------------------
(1) انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني (ص 329) وغاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 162).
(2) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 142 - 143).
(3) انظر: نفس المصدر (ص 144 - 145).
(4) انظر: نفس المصدر (ص 147).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
رب شخص يكون انقياده إلى ظواهر الكتاب والسنة واتفاق الأمة اتم من انقياده إلى المسالك العقلية والطرق اليقينية خشونة معركها وقصوره عن مدركها"(1).
الرد على الدليل العقلي الثاني:
1 - أن قولهم: "بأن الرؤية هي زيادة علم وكشف". هو نفس قول المعتزلة المنكرين للرؤية، فلا فرق بينهم في ذلك.
قال ابن تيمية: "أئمة أصحاب الأشعري المتأخرين لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة أو قريب منه وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها بذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية الثابتة بالنصوص والإجماع والمعلوم جوازها بدلائل المعقول بل المعلوم بدلائل العقول امتناع وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن تعلقها به"(2).
وقال أيضًا: "نفاة الرؤية من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة يتأولون النصوص فيها تارة برؤية أفعال اللَّه، وتارة برؤية القلب الذي هو زيادة العلم"(3).
وقد اعترف بهذا كبار حذاق المتكلمين الأشعرية، وأن قولهم هو نفس قول المعتزلة.
قال ابن تيمية: "وهذا صار حذاقهم إلى إنكار الرؤية وقالوا: قولنا هو قول المعتزلة في الباطن؛ فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف ونحو ذلك مما لا ننازع فيه المعتزلة"(4).
وقال أيضًا: "فلهذا صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي"(5).
2 - أن تحريفكم لمعنى الرؤية بالكشف وزيادة العلم قول مبتدع لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، وهو خلاف ما نُقل عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حينما أخبرنا عن رؤية اللَّه تعالى فقال: "إنكم سترون ربكم عيانا"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: نفس المصدر (ص 154).
(2) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 434 - 435) باختصار.
(3) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (5/ 73).
(4) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/ 85).
(5) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/ 250).
(6) أخرجه البخاري (رقم 7435).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
قال ابن تيمية: "وأما دعواه ودعوى غيره من الجهمية من المعتزلة ونحوهم أن الرؤية التي أخبر بها الرسول مزيد علم فمن سمع النصوص علم بالاضطرار أن الرسول إنما أخبر برؤية المعاينة، وأيضًا فإن أدلة المعقول الصريحة تجوز هذه الرؤية"(1).
وقال أيضًا: "أما إثبات رؤية اللَّه تعالى بالأبصار في الآخرة فهو قول سلف الأمة وأئمتها، وجماهير المسلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرها، وقد تواترت فيه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عند علماء الحديث، وجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يرى عيانا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل"(2).
الرد على الدليل العقلي الثالث:
1 - نقول لهم: تفريقكم في نقل حكم الشاهد إلى الغائب بين الرؤية وبين غيرها من الصفات تفريق بين متماثلين، فكما نقلتم حكم الشاهد إلى الغائب في صفة الحياة والعلم، فكذلك يلزمكم في الرؤية.
وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر، فإن العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة -أعني في مكان- وأما إدراك البصر فظاهر من أمره أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة -أعني في مكان- ولا في كل جهة فقط بل في جهة ما مخصوصة، ولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي، بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضًا، وهي ثلاثة أشياء: "حضور الضوء، والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر، وكون المبصر ذا ألوان ضرورة"، والرد هذه الأمور المعروفة بنفسها في الأبصار هو رَدٌّ للأوائل المعلومة بالطبع للجميع، وإبطال لجميع علوم المناظر والهندسة، وقد قال القوم -أعني الأشعرية-: "إن أحد المواضع التي يجب أن ينقل فيها حكم الشاهد إلى الغائب هو الشرط، مثل: حكمنا أن كل عالم حي؛ لكون الحياة تظهر من الشاهد شرطا في وجود العالم"، وإن كان كذلك قلنا لهم: وكذلك يظهر في الشاهد أن هذه الأشياء هي شروط في الرؤية فألحقوا الغائب منها بالشاهد على أصلكم(3).
2 - أن قولكم: "جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة" هذا إنما يكون متصورًا في العقول، أما في الخارج فلا يوجد مرئيٌ إِلا وهو في جهة.--------------------------------------------
(1) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 452).
(2) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (3/ 341).
(3) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص 186) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 439 - 440) والدرء له أيضًا (6/ 229).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
3 - يقال لهم: قولكم: "ما ليس في جهة" هذا اللفظ قول مبتدع لم يرد به الشرع إثباتًا ولا نفيًا، ثم ماذا تقصدون به؟ إن قصدتم أنه لا داخل العالم ولا خارجه فقد قلتم الباطل والمحال، وإن قصدتم أنه ليس فوق العرش إله فقد جحدتم رب العالمين، وإن قصدتم أنه بذاته في كل مكان فقد قلتم قولا أعظم من قول النصاري في عيسى عليه السلام، وإن قصدتم أنه تعالى لا تحيط به المخلوقات، بل هو بائن عن المخلوقات، فقد أصابتم المعنى وأخطأتم في استعمال اللفظ؛ لأنه.
قال ابن تيمية: "من قال: إن اللَّه ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رَبٌّ يُعبَد، ولا على العرش إلهٌ، ومحمد لم يُعرج به إلى اللَّه تعالى، والأيدي لا تُرفع إلى اللَّه تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب إليه، فهذا فرعوني معطل جاحد لرب العالمين.
وإن كان مُعتقدًا أنه مُقِرٌّ به، فهو جاهل متناقض في كلامه. ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد كابن عربي، وقالوا: إن اللَّه بذاته في كل مكان، وأن وجود المخلوقات هو وجود الخالق.
وإن قال: مرادي بقولي: "ليس في جهة" أنه لا تحيط به المخلوقات، بل هو بائن عن المخلوقات، فقد أصاب في هذا المعنى.
وكذلك من قال: إن اللَّه متحيز، أو قال: ليس بمتحيز، إن أراد بقوله: "متحيز" أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ. وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات لا تحويه فقد أصاب. وإن أراد: ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل فيها ولا خارج عنها فقد أخطأ.
والناس في ذلك ثلاثة أصناف: أهل الحلول والاتحاد، وأهل النفي والجحود، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة.
فأهل الحلول يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والوحدة، فيقولون: وجود المخلوقات وجود الخالق، كما هو مذهب ابن عربي صاحب "الفصوص" وابن سبعين ونحوهما.
وأما أهل النفي والجحود فيقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج عنه، ولا مباين له ولا حال فيه، ولا فوق العالم ولا فيه، ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يدنو منه شيء، ولا يتجلى الشيء ولا يراه أحد، ونحو ذلك.
وهذا قول متكلمة الجهمية، كما أن الأول قول عباد الجهمية. فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء، وكلاهما مرجعهم إلى التعطيل والجحود الذي هو قول فرعون"(1).--------------------------------------------
(1) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (3/ 203 - 204).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
4 - أن استلزام الرؤية لأن يكون اللَّه بجهة من الرائي ثابت لا محذور فيه، فقد دل العقل الصريح والنقل الصحيح والقياس الصحيح وهو قياس التنبية وقياس الأولى على إثبات ذلك.
قال ابن تيمية: "الوجه الثالث: أن كون الرؤية مستلزمة لأن يكون اللَّه بجهة من الرائي أمر ثبت بالنصوص المتواترة وفيه مع إخباره أنهم يرونه إخبارهم أنه يرونه في جهة منهم من وجوه:
أحدها: أن الرؤية في لغتهم لا تُعرف إلا لرؤية ما يكونُ بجهةٍ منهم، فأما رؤية ما ليس في الجهة فهذا لم يكونوا يتصورونه ولا يعرفونه فضلًا عن أن يكون اللفظ يدل عليه.
ولست تجد أحدًا من الناس يتصور وجود موجود في غير جهة، فضلا عن أن يتصور أنه يُرى، فضلًا عن أن يكون اسم الرؤية المشهورة في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة.
الثاني: أنه شبه لهم رؤيتَه برؤية الشمس والقمر، وليس ذلك تشبيها للمرئي بالمرئي، ومن المعلوم أنه إذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس والقمر وجب أن يُرى في جهة من الرائي، كما أن رؤية الشمس والقمر كذلك، فإنه لو لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول من يقول بالرؤية في غير جهة، أما بعد أن يستفسرهم عن رؤية الشمس صحوة ورؤية البدر صحوة ويقول: "إنكم ترون ربكم كذلك" فهذا لا يمكن أن يتأول على الرؤية التي يزعمونها، فإن هذا اللفظ لا يحتملها لا حقيقةً ولا مجازًا.
الثالث: أنه شبه رؤيتَه برؤية أظهر المرئيات إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي، ومن يقول: "إنه يُرى في غير جهة" يمتنع عنده أن يكون بينه وبين العباد حجابٌ منفصلٌ عنهم، إذ الحجاب لا يكون إلا لجسم، ولمَّا يكون في جهة، وهم يقولون: "الحجاب عدم خلق الإدراك في العين"، والنبي صلى الله عليه وسلم مثل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين إذا لم يكن دونها حجاب.
الرابع: أنه أخبر أنهم: "لا يضارُّون في رؤيته" وفي حديث آخر: "لا يضامون" ونَفيُ الضَّيرِ والضَّيم إنما يكون لإمكان لحوقه للرائي، ومعلوم أنا يُسمُّونَه رؤية وهو "رؤية ما ليس بجهة" من الرائي لا فوقه ولا في شيء من جهاته لا يتصور فيها ضَيرٌ ولا ضَيمٌ حتى يُنفي ذلك، بخلاف رؤية ما يواجه الرائي ويكون فوقه، فإنه قد يلحقه فيه ضَيمٌ وضَيرٌ إما بالازدحام عليه أو كلال البصر لخفائه: كالهلال، وإما لجلائه: كالشمس والقمر.
الوجه الرابع: أن كون اللَّه يُرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة"(1).--------------------------------------------
(1) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (4/ 432 - 449) باختصار وتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
الرد على الدليل العقلي الرابع:
أن قولهم ذلك مغالطة للواقع، فالمرآة في جهة الناظر إليها، وهو إنما ينظر إلى صورته فيها. فإن الذي يُبصَرُ هو خيال ذاته فقط، والخيال منه هو في جهة إذا كان الخيال في المرآة، والمرآة في جهة(1).
قال ابن القيم: "قال العقلاء هذا تلبيس فإنه إنما يرى خيال صورته وهو عرض منطبع في الجسم الصقيل وهو في جهة منه ولا يرى حقيقة صورته القائمة به"(2).
الرد على الدليل العقلي الخامس:
قولكم: أن رؤية غير الأجسام ممكنة، قول باطل مخالف للعقل الصريح والواقع، ومكابرة للمعقول والمحسوس.
فأما الوجه الأول في استدلالكم: فالمغالطة في هذا القول بيِّنة؛ فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته ومنه ما هو مرئي من قبل المرئي بذاته، وهذه هي حال اللون والجسم، فإن اللون مرئي بذاته، والجسم مرئي من قبل اللون، ولذلك ما لم يكن له لون لم يُبصَر، ولو كان الشيء إنما يُرى من حيث هو موجود فقط لوجب أن تُبصر الأصواتُ وسائرُ المحسوسات الخمس، فكان يكون البصر والسمع وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة، وهذا كله خلاف ما يُعقل، وقد اضطر المتكلمون لمكان هذه المسألة وما أشبهها أن يُسلِّموا أن الألوان ممكنة أن تسمع، والأصوات ممكنة أن تُرى، وهذا كله خروج عن الطبع وعما يمكن أن يعقله الإنسان، فإنه من الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع، وأن محسوس هذه غير محسوس تلك، وأن آلة هذه غير آلة تلك، وأنه ليس يمكن أن ينقلب البصر سمعًا، كما ليس يمكن أن يعود اللون صوتًا، وعلى هذا فتكون الأشياء كلها شيئًا واحدًا حتى المتضادات، وهذا شيء فيها أحسب يُسلِّمه المتكلمون من أهل ملتنا، أو يلزمهم تسليمه -يعني هؤلاء الأشعرية- وهو رأي سوفسطائي لأقوام قدماء مشهورين بالسفسطة.
وأما الوجه الثاني في استدلالكم: ففي غاية الفساد، ومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء لوجودها لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود؛ لأن الأشياء لا تفترق بالشيء الذي تشترك فيه، ولكان بالجملة لا يمكن في الحواس: لا في البصر أن يُدرِكَ فصول الألوان، ولا في السمع أن يُدرِكَ فصول الأصوات، ولا في الطعم أن يُدرِكَ فصول المطعومات، وللزم أن تكون مدارك المحسوسات بالحس واحدًا، فلا يكون فرق بين مدرك السمع وبين مدرك البصر، وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان،--------------------------------------------
(1) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص 187) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 441) والدرء له أيضًا (6/ 230).
(2) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (4/ 1333).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائمين بنصرتها في زعمهم إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة التي هي ضُحكةٌ عند من عني بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية، هو التصريح في الشرع بها لم يأذن اللَّه ورسوله به، فإذا متى أخذ الشرع في أوصاف اللَّه تعالى على ظاهره لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها لأنه إذا قيل إنه نور وإن له حجابا من نور كما جاء في القرآن والسنن الثابتة ثم قيل إن المؤمنين يرونه في الدار الآخرة كما ترى الشمس لم يعرض في هذا شك ولا شبهة في حق الجمهور ولا في حق العلماء وذلك أنه قد تبرهن عند العلماء أن تلك الحال مزيد علم لكن متى صرح به للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلُّها أو كفَّروا المُصرِّح لهم بها، فمن خرج عن منهاج الشريعة في هذه الأشياء فقد ضل عن سواء السبيل"(1).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص 187 - 190) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (6/ 230 - 236).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)