والقواد لملاقاة التتار وقتالهم، فالتقوا في عين جالوت(1)، فهزم اللَّهُ التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا وذلك في سنة 658 هـ.
قال ابن كثير: "واتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام حتى جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت وللَّه الحمد، وذلك أن الملك المظفر قطز صاحب الديار المصرية لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة(2)، وقد عزموا على الدخول إلى الديار المصرية، وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل، وكان في صحبته الملك المنصور(3) صاحب حماة، وخلق من الأمراء وأبناء الملوك، وقد وصل إلى قَطْيَة(4)، وتهيأ الملك المظفر للقائه وأرسل إليه وإلى المنصور مستحثين، وأرسل إليه يقول: تقدم حتى نكون كتفًا واحدًا على التتار. . . والمقصود أن المظفر لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى الديار المصرية بعد تمهيد مملكتهم بالشام بادرهم هو قبل أن يبادروه، وبرز إليهم، أيده اللَّه تعالى، وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج بالعساكر المصرية، وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى بمن معه من العساكر المنصورة إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا شديدًا، فكانت النصرة وللَّه الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة. . . واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع وفي كل مأزق. . . وهرب من بدمشق منهم، وكان هربهم منها يوم الأحد 27 من رمضان صبيحة النصر الذي جاءت فيه البشارة بالنصرة على عين جالوت، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون ويأسرون وينهبون الأموال فيهم، ويفكون الأسارى من أيديهم قهرًا، وللَّه الحمد والمنن على جبره الإسلام، ومعاملته إياهم بلطفه الحسن، وجاءت بذلك البشارة السارة، فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر اللَّه فرحًا شديدًا، وأيد اللَّه الإسلام--------------------------------------------
(1) بليدة بين بيسان ونابلس من فلسطين. انظر: نهر الذهب في تاريخ حلب لكامل بن حسين الغزي (3/ 135).
(2) مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، وهي من نواحي فلسطين غربي عسقلان. معجم البلدان الياقوت (4/ 202).
(3) الملك المنصور، ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي صاحب حماة، وأبو ملوكها، كانت دولته ثلاثين سنة، وقد هزم الفرنج مرتين، جمع في خزانته من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي معمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمنجمين والفلاسفة والكتبة، وكان كثير المطالعة والبحث، بنى سورا لحماة ولقلعتها. توفي سنة 683 هـ. انظر: السير للذهبي (22/ 146).
(4) قرية في طريق مصر في وسط الرمل قرب الفرما. معجم البلدان لياقوت (4/ 378).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
وأهله تأييدًا، وكُبِتَ أعداءُ اللَّه النصارى واليهودُ والمنافقون، وظهر دين اللَّه وهم كارهون، ونصر اللَّه دينه ونبيه ولو كره الكافرون"(1).
عاد التتار بعد ذلك لغزو بلاد الشام في شهر رجب عام 680 هـ، وأفسدوا في طريقهم ودخلوا حماة فقتلوا وأحرقوا، وكان المسلمون بقيادة السلطان المنصور سيف الدين قلاوون، فعسكروا بظاهر حمص(2)، فلما كان يوم الخميس رابع عشره التقى الجمعان عند طلوع الشمس، وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف فارس أو يزيدون، وعسكر المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل، وتواقعوا من ضحوة النهار إلى آخره، وكانت وقعة عظيمة لم يشهد مثلها في هذه الأزمان، ولا من سنين كثيرة. . واضطربت ميمنة المسلمين، وحمل التتار على ميسرة المسلمين، فكسروها وانهزم من بها، وكذلك جناح القلب الأيسر، وثبت الملك المنصور سيف الدين قلاوون في جمع قليل بالقلب ثباتًا عظيمًا، ووصل جماعة كثيرة من التتر خلف المنكسرين من المسلمين إلى بحيرة حمص، وأحدق جماعة من التتر بحمص، وهي مغلقة الأبواب، وبذلوا نفوسهم وسيوفهم في من وجدوه من العوام، والسوقة، والغلمان، والرجالة المجاهدين ظاهرها، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأشرف الإسلام على خطة صعبة، ثم أن أعيان الأمراء ومشاهيرهم وشجعانهم. . . لما رأوا ثبات السلطان ردوا على التتار وحملوا فيهم عدة حملات فكسروهم كسرة عظيمة، فتمت هزيمتهم، وقتلوا مقتلة عظيمة تجاوز الوصف. . . فضربت البشائر على قلعة دمشق وسر الناس، وزينت القلعة والمدنية، وأوقدت الشموع"(3).
وفي عام 699 هـ تواترت الأخبار بقصد التتر إلى بلاد الشام، وقد خاف الناس من ذلك خوفًا شديدًا، وجفل الناس من بلاد حلب وحماة، وخرج السلطان من الديار المصرية قاصدًا الشام، ولما وصل السلطان إلى وادي الخزندار(4) عند وادي سَلَمْيَة(5)، التقى التتار هناك يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول، فالتقوا معهم، فكَسَروا المسلمين، وولى السلطان هاربًا، وقد هرب جماعة من أعيان البلد وغيرهم إلى الديار المصرية، وكان سلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين ابن تيمية--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 399 - 402).
(2) بلد مشهور قديم كبير مسوّر، وهي بين دمشق وحلب في نصف الطريق. انظر: نفس المصدر لياقوت (2/ 302).
(3) انظر: ذيل مرآة الزمان لقطب الدين اليونيني (4/ 91 - 95) والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (4/ 14).
(4) وادي يقع على بعد ثلاثة فراسخ من حمص. انظر: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل اللَّه العمري (27/ 484).
(5) بلد من أعمال قنسرين بثغور الشام على طرف البادية، بينه وبين حمص مرحلة. انظر: الروض المعطار لمحمد الحِميري (1/ 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
واتفقوا على المسير إلى قازان(1) لتلقيه، وأخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر، فاجتمعوا به وكلمه الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلامًا قويًا شديدًا، فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، وفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى توجه السلطان قازان إلى بلاده نحو بلاد العراق، وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل، وجاء كتابه: إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل، ومن عزمنا العود إليها في زمن الخريف، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها(2).
وفي عام 702 هـ عاد التتار لغزو بلاد الشام بقيادة قازان، وفي الثاني من شهر رمضان حصلت معركة عظيمة بِمَرْجِ الصُّفَّرِ(3) في وادي شَقْحَبٍ(4) بين المسلمين والتتار، انتهت بانتصار الإسلام وأهله انتصارًا عظيمًا(5).
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ممن جاهد ونصح وشجع، وكان قبل ذلك قد ذهب لمصر ودخل على السلطان الملك الناصر فاجتمع بأركان الدولة واستصرخ بهم وحضهم على الجهاد وتلا عليهم الآيات والأحاديث وأخبرهم بما أعد اللَّه للمجاهدين من الثواب فاستفاقوا وقويت هممهم(6)، فكان له رحمه الله ورضي عنه دورٌ عظيمٌ في تشجيع الناس وحثهم على القتال، وأقسم لهم بأنهم منصورون، وأفتاهم بجواز الفطر في نهار رمضان ليتقووا على الجهاد، ولم ينصرف عنهم بل جاهد بنفسه وقاتل قتالًا يفوق الوصف.
قال ابن كثير: "وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون على التتار، فيقول له الأمراء: قل إن شاء اللَّه، فيقول: إن شاء اللَّه تحقيقًا لا تعليقًا، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب اللَّه"(7).--------------------------------------------
(1) قازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، هلك بنواحي الري، في أواخر سنة 703 هـ، وكان قد ملك في أواخر سنة 694 هـ، فيكون مدة مملكته ثمان سنين وعشرة أشهر، وكان قد اشتد همه بسبب هزيمة عسكره وكسرتهم على مرج الصفر سنة 703 هـ، فلحقه حمى حادة ومات مكمودًا. انظر: المختصر لأبي الفداء الأيوبي (4/ 50).
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 718 - 725).
(3) صحراء بين دمشق والجولان، وهو مرج الصّفّر، بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديده، وبعده راء مهملة. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (2/ 844).
(4) قرية شقحب من عمل دمشق. خطط الشام لمحمد بن عبد الرزاق بن محمد، كُرْد علي (1/ 276).
(5) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (4/ 48)، والبداية والنهاية لابن كثير (14/ 29).
(6) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص 135).
(7) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وقال ابن عبد الهادي: "وفي أول شهر رمضان من سنة 702 هـ كانت وقعة شَقحَب المشهورة وحصل للناس شدة عظيمة وظهر فيها من كرامات الشيخ وإجابة دعائه وعظيم جهاده وقوة إيمانه وشدة نصحه للإسلام وفرط شجاعته ونهاية كرمه وغير ذلك من صفاته ما يفوق النعت ويتجاوز الوصف"(1).
وكانت هذه آخر غزوة للتتار على بلاد الإسلام حيث هزمهم اللَّه شر هزيمة، ولم يقم لهم بعد ذلك قائمة، وللَّه الحمد والمنة.
ب - وأما استقلال كثير من البلدان الإسلامية عن الخلافة العباسية:
فمنذ ضَعْفِ الدولةِ العباسيةِ -كما مر معنا سابقًا- أخذتِ الدُّولُ المستقلةُ تنتشر في العالم الإسلامي، وهذا أدى في بعض الأحيان إلى مزيد من الضعف والتشرذم والتناحر على المُلك والسلطة، بل أصبح بعضهم يتسمى باسم "أمير المؤمنين".
وغلبت على الدنيا الطوائف، فصارت واسط(2) والبصرة(3) والاهواز(4) في يدي البريدي(5)، وفارس(6) في يد--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص 191).
(2) مدينة بين الكوفة والبصرة من الجانب الغربي، كثيرة الخيرات وافرة الغلات. تشقها دجلة. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص 478).
(3) البصرة بالعراق، وهي كانت قبة الإسلام، ومقر أهله، بنيت في خلافة عمر رضي الله عنه سنة أربع عشرة واختط عتبة بن غزوان المنازل بها وبنى مسجدًا من قصب. انظر: الروض المعطار لمحمد الحِميري (ص 105).
(4) الأهواز جمع هوز، وأصله حوز، فلما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيّرتها حتى أذهبت أصلها جملة لأنه ليس في كلام الفرس حاء مهملة، وإذا تكلّموا بكلمة فيها حاء قلبوها هاء فقالوا في حسن هسن، وفي محمّد مهمّد، ثم تلقّفها منهم العرب فقلبت بحكم الكثرة في الاستعمال، وعلى هذا يكون الأهواز اسما عربيًا سمّي به في الإسلام، وكان اسمها في أيام الفرس خوزستان. معجم البلدان (4/ 284) وقال القزويني: ناحية بين البصرة وفارس، ويقال لها خوزستان، بها عمارات ومياه وأودية كثيرة، وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير. انظر: آثار البلاد (ص 152).
(5) أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد البريدي كان وزيرا للمقتفي العباسي، ثم خلعه واستولى على الأهواز والبصرة، وكان قد قتل أخاه لكونه يذكر عيوبه فلم يمتع بعده وأخذته الحمى أسبوعا فهلك في سنة 333 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (7/ 630).
(6) ولاية واسعة وإقليم فسيح، أول حدودها من جهة العراق أرّجان ومن جهة كرمان السّيرجان ومن جهة ساحل بحر الهند سيراف ومن جهة السند مكران، قال أبو علي في القصريات: فارس اسم البلد وليس باسم الرجل ولا ينصرف لأنه غلب عليه التأنيث كنعمان وليس أصله بعربي بل هو فارسيّ معرب أصله بارس وهو غير مرتضى فعرّب فقيل فارس. المعجم لياقوت (4/ 226).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
علي بن بويه(1)، وكرمان(2) في يد أبي على بن إلياس(3)، والري(4) وأصبهان(5) والجبل في يد ركن الدولة أبي علي بن بويه ووشمكير(6)، والموصل وديار ربيعه(7) وديار بكر(8) في يد بني حمدان(9)، ومصر والشام في يد محمد بن طغج(10)، والمغرب وإفريقية في يد أبي تميم(11)، والأندلس في يدي الأموي(12)، وخراسان وما وراء النهر في يد--------------------------------------------
(1) كان علي بن بويه أحد قواد مرداويج الديلمي، فانفرد عنه وحارب أمير فارس محمد بن ياقوت فهزمه واستولى على مملكة فارس، وهذا أول ظهور بني بويه، وكان أبوه بويه من أوساط الناس. انظر: العبر للذهبي (2/ 13).
(2) ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان. المصدر السابق (4/ 454).
(3) انظر: الكامل لابن الأثير (7/ 16 و 38).
(4) كورة معروفة تنسب إلى الجبل وليست منه بل هي أقرب إلى خراسان، انظر: الروض المعطار للحميري (ص 278).
(5) منهم من يفتح الهمزة، وهم الأكثر، وكسرها آخرون، منهم: السمعاني وأبو عبيد البكري الأندلسي: وهي مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، ويسرفون في وصف عظمها حتى يتجاوزوا حدّ الاقتصاد إلى غاية الإسراف، وأصبهان: اسم للإقليم بأسره، انظر: معجم البلدان لياقوت (1/ 206).
(6) وشمكير بن زيار ملك الديلم بعد أخيه مرداويج، وحكم على مدائن الجبل وغيرها، وكان بنو بويه من أمراء أخيه مرداويج، ثم استقلوا عنهم، وقتل وشمكير سنة 356 هـ. انظر: المختصر لأبي الفداء الأيوبي (2/ 107).
(7) ديار ربيعة بين الموصل إلى رأس عين، نحو بقعاء الموصل ونصّيبين ورأس عين ودنيسر والخابور جميعه، وما بين ذلك من المدن والقرى وربما جمع ذلك بين ديار بكر وديار ربيعة وسمّيت كلّها ديار ربيعة لأنهم كلهم ربيعة. مراصد الاطلاع للقطيعي (2/ 548).
(8) ديار بكر ناحية ذات قرى ومدن كثيرة بين الشام والعراق قصبتها الموصل وحران وبها دجلة والفرات. انظر: آثار البلاد للقزويني (1/ 368).
(9) أسرة عربية تغلبية، ينتسبون إلى حمدان بن حمدون التغلبي، كانوا شيعة رافضة، وكانت ابتداء دولتهم في أوائل القرن الرابع الهجري، وحكموا الموصل وحلب وغيرها، ونشروا البدع الرافضية وأخفوا معالم السنة الحنيفية، وانقرضت دولتهم في أواخر ذلك القرن. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (3/ 405) وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون الإشبيلي (4/ 290).
(10) الإخشيد، أبو بكر محمد بن طغج بن جفّ التركي الفرغاني، صاحب مصر والشام، ولي ديار مصر سنة إحدى وعشرين، ثم أضيف إليه دمشق وغيرها في سنة ثلاث وعشرين. والإخشيد بالتركي: ملك الملوك؛ وطغج عبد الرحمن، وهو من أولاد ملوك فرغانة، وكان جدّه جفّ من الترك الذين حملوا إلى المعتصم، فأكرمه وقرّبه. توفي سنة 334 هـ. العبر للذهبي (2/ 45).
(11) أبو تميم المعز لدين اللَّه مَعَد العبيدي أحد ملوك العبيديين الذين حكموا مصر، توفي سنة 365 هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص 27).
(12) أمير المؤمنين الناصر لدين اللَّه عبد الرحمن بن محمد الأموي، دامت دولته خمسين سنة، صاحب الفتوحات الكثيرة، والغزوات المشهورة، وهو أول من تلقب بألقاب الخلافة، وذلك لما بلغه قتل المقتدر، ووهن الخلافة العباسية، فقال: أنا أولى بالاسم والنعت. توفي سنة 350 هـ. انظر: السير للذهبي (15/ 563).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
نصر بن أحمد(1)، وطبرستان(2) وجرجان(3) في يد الديلم(4)، واليمامة(5) والبحرين(6) في يد أبي طاهر(7) الجنابي"(8).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حين تولى المقتدر ولم يكن بلغ بعد وهو مبدأ انحلال الدولة العباسية؛ ولهذا سُمِّي حينئذ بأمير المؤمنين الأموي الذي كان بالأندلس، وكان قبل ذلك لا يسمى بهذا الاسم ويقول: لا يكون للمسلمين خليفتان. فلما ولي المقتدر قال: هذا صبي لا تصح ولايته، فسُمي بهذا الاسم، وكان بنو عبيد اللَّه القداح الملاحدة يُسمون بهذا الاسم"(9).--------------------------------------------
(1) نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقد مرض قبل موته بالسل سنة وشهرا، واتخذ في داره بيتا سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا، ويمشي إليه حافيا، ويصلي فيه، ويتضرع ويكثر الصلاة، وكان يجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات رحمه الله. توفي سنة 331 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (15/ 151).
(2) بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم والأدب والفقه، والغالب على هذه النواحي الجبال، فمن أعيان بلدانها دهستان وجرجان واستراباذ وآمل، وهي قصبتها، وسارية، وهي مثلها، وشالوس، وهي مقاربة لها، وربما عدّت جرجان من خراسان إلى غير ذلك من البلدان. معجم البلدان لياقوت (4/ 13).
(3) مدينة جرجان على نهر الديلم. افتتح بلد جرجان سعيد بن عثمان في ولاية معاوية، ثم انغلقت وارتدّ أهلها عن الإسلام حتى افتتحها يزيد بن المهلّب في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان. البلدان لليعقوبي (ص 92).
(4) المقصود بهم بنو بويه الرافضة. انظر: السير للذهبي (8/ 76).
(5) بين اليمامة والبحرين عشرة أيام، وهي معدودة من نجد وقاعدتها حجر، وتسمى اليمامة جوّا والعروض، بفتح العين، وكان اسمها قديما جوّا فسميت اليمامة باليمامة بنت سهم بن طسم. معجم البلدان لياقوت (5/ 442).
(6) اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، قيل هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين وقد عدّها قوم من اليمن وجعلها آخرون قصبة برأسها، وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة، وربما عدّ بعضهم اليمامة من أعمالها والصحيح أن اليمامة عمل برأسه في وسط الطريق بين مكة والبحرين. معجم البلدان لياقوت (1/ 347).
(7) عدو اللَّه، ملك البحرين، أبو طاهر سليمان بن حسن القرمطي الجنابي الأعرابي، الزنديق، الذي سار إلى مكة في سبع مائة فارس، فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفا، وسبى الذرية، وأقام بالحرم ستة أيام، بذل السيف في سابع ذي الحجة، وعرى البيت، وأخذ بابه، ورجع إلى بلاد هجر، وبقي الحجر الأسود عندهم نيفا وعشرين سنة ثم هلك بالجدري -لا رحمه الله في رمضان سنة 302 هـ بهجر كهلا. السير للذهبي (15/ 320).
(8) انظر: صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي (11/ 307).
(9) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
لقد ظهرت دول كثيرة واستقلت عن الخلافة العباسية وإن كان بعضها يتبع لها اسميًا فقط، وقد مرَّ بنا سابقًا ذكرُ عدد من تلك الدول كالبويهيين الرافضة والسلاجقة السنية، ونذكر هنا -على سبيل المثال لا الحصر- بعضًا آخر من تلك الدول التي استقلت عن الخلافة العباسية:
- الدولة الطولونية:
ومؤسسها بمصر أحمد بن طولون التركي(1) كان مملوكًا تركيًّا، وقد استمرت من سنة 254 هـ حتى سنة 292 هـ(2).
- الدولة العبيدية:
دولة باطنية أسسها عبيد اللَّه بن محمد المهدي(3)، أُسست في سجلماسة(4) في بلاد المغرب العربي سنة 297 هـ، وقد أسقطت كثيرًا من الدول القائمة ببلاد المغرب(5)، سموا أنفسهم بالفاطميين نسبة إلى فاطمة رضي الله عنها، ودخل قائدهم ومقدم جيوشهم جوهر الصقلي(6) مصر سنة 358 هـ(7)، ثم انتقل حاكمهم المتسمي--------------------------------------------
(1) أمير الديار المصرية والشامية أبو العباس أحمد بن طولون، كان له أربعة عشر ألف مملوك، وكان كريمًا شجاعًا مهيبًا حازمًا لبيبًا، كان طائش السيف. فأحصي من قتله صرًا، أو مات في سجنه. فكانوا ثمانية عشر ألفًا، وكان يحفظ القرآن، وأوتي حسن الصوت به. وكان كثير التلاوة. وكان أبوه أحمد من مماليك المأمون مات سنة 240 هـ، وملك أحمد الديار المصرية ست عشر سنة، توفي سنة 270 هـ. انظر: العبر للذهبي (1/ 389).
(2) انظر: المنتظم لابن الجوزي (12/ 231) والكامل لابن الأثير (6/ 543).
(3) أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا بالرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية (2)، وبثوا الدعاة، يستغوون الجبلية والجهلة. وادعى هذا المدبر، أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق. انظر: السير للذهبي (15/ 148).
(4) مدينة في جنوبي المغرب في طرف بلاد السودان، بينها وبين فاس عشرة أيّام تلقاء الجنوب، وهي في منقطع جبل درن، وهي في وسط رمال كرمال زرود ويتصل بها من شماليها جدد من الأرض. انظر: معجم البلدان لياقوت (3/ 192).
(5) انظر: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي (1/ 66).
(6) جوهر أبو الحسن الرومي المُعزي قدم من جهة مولاه المعز في جيش عظيم في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، فاستولى على إقليم مصر وأكثر الشام، واختط القاهرة، وبنى بها دار الملك، وكان عالي الهمة نافذ الأمر، وتهيأ له أخذ البلاد بمكاتبة من أمراء مصر، قلت عليهم الأموال، وكان جوهر هذا حسن السيرة في الرعايا عاقلا أدبيا شجاعا مهيبا، لكنه على نحلة بني عبيد التي ظاهرها الرفض، وباطنها الانحلال، وعموم جيوشهم بربر وأهل زعارة وشر لا سيما من تزندق منهم، فكانوا في معنى الكفرة، فيا ما ذاق المسلمون منهم من القتل والنهب وسبي الحريم ولا سيما في أوائل دولتهم، مات سنة 381 هـ. انظر: السير للذهبي (16/ 468).
(7) انظر: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي (1/ 114).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
بالمعز لدين اللَّه إلى مصر سنة 362 هـ(1)، وأصبحت مصر دار حكمهم، واستقر بهم المقام فيها، وقد استمر حكمهم أكثر من قرنين من الزمان، وانتهى بالمتسمي بالعاضد لدين اللَّه عبد اللَّه بن يوسف(2) عام 567 هـ(3)، حيث أسقط حكمهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ورضي عنه، وكانوا أهل ضلال وإلحاد، باطنية قرامطة، انتسبوا زورًا إلى فاطمة رضي الله عنها وهي منهم براء.
قال أبو شامة: "يدَّعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى أشتهر لهم ذلك بين العوام فصاروا يقولون: الدولة الفاطمية والدولة العلوية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية الباطنية الملحدة"(4).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهم ملاحدة في الباطن، خارجون عن جميع الملل، أكفر من الغالية كالنصيرية، ومذهبهم مركب من مذهب المجوس والصابئة والفلاسفة، مع إظهار التشيع، وجدهم رجل يهودي كان ربيبة لرجل مجوسي، وقد كانت لهم دولة وأتباع"(5).
- الدولة السامانية:
ومؤسسها هو السلطان إسماعيل بن أحمد الساماني في سنة تسع وسبعين ومائتين(6)، ولم يُر مثله في ضبطه وسياسته فإنه نزل في هذه النواحي وكان نزوله في أيام الحصاد في دخل رجل من أصحابه بيدرا ولا كرما ولا أخذ قفين شعير إلا بالثمن ومع ذلك استحل من أرباب الضياع وأجازهم بال وانصرف إلى خراسان--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (1/ 27).
(2) عبد اللَّه العاضد لدين اللَّه، أبو محمد بن يوسف العبيدي المصري الرافضي الذي يزعم هو وبيته أنهم فاطميون وهو آخر خلفاء مصر، كان رافضيا سبابا خبيثا، إذا رأى سنيا استحل دمه، وأزال اللَّه تلك الدولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا، توفي العاضد سنة 567 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (12/ 397).
(3) انظر: السير للذهبي (15/ 207).
(4) انظر: الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة (2/ 216).
(5) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (8/ 258).
(6) انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (6/ 424).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
والناس يدعون له، وكان إسماعيل أول ملوك السامانية، توفي ببخاري(1) سنة 295 هـ، منعوتا بالعدل والرافة موسوما بطاعة الخلافة رحمه الله(2)، واستمرت حتى سنة 395 هـ(3).
- الدولة الغَزنوية:
ومن أشهر سلاطينها السلطان يمين الدولة محمود بن سُبُكتكين الغزنوي(4) حيث بلغت الدولة الغزنوية في عهده ذروة ازدهارها، فألغى الدعوة للسامانيين في الخطبة بمملكته، وخطب للخليفة العباسي القادر باللَّه(5)، "وكان الخليفة قد بعث إليه الخلع ولقبه بيمين الدولة وأمين الملة ثم أضيف إلى ذلك نظام الدين ناصر الحق"(6) وهو "أول من لُقب بالسلطان لم يلقب به أحد قبله"(7) وقد استمرت من سنة 369 هـ حتى سنة 578 هـ.
و"كان ابتداء دولتهم سنة 366 هـ، وملكوا مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبًا، فيكون انقراض دولتهم في سنة 578 هـ، وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة"(8).--------------------------------------------
(1) أعظم مدن ما وراء النهر وأجلّها، يعبر إليها من آمل الشّطّ، وبينها وبين جيحون يومان من هذا الوجه، وكانت قاعدة ملك السامانية. انظر: معجم البلدان لياقوت (5/ 442).
(2) انظر: التدوين في أخبار قزوين لعبد الكريم بن محمد القزويني (2/ 289).
(3) انظر: تاريخ بيهق لعلي بن زيد البيهقي الشهير بابن فندمه (ص 177 - 179).
(4) الملك العادل الكبير المرابط المؤيد، المنصور المجاهد، يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سُبكتكين، صاحب بلاد غزنة وتلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهرا، وكاسر بدودهم وأوثانهم كسرا، وقاهر هنودهم وسلطانهم الأعظم قهرا، وقد تمرض نحوا من سنتين لم يضطجع فيها على فراش ولا توسد وسادا، بل كان ينام قاعدا حتى مات كذلك، وذلك لشهامته وصرامته وقوة عزمه، وله من العمر ستون سنة، رحمه الله، سنة 421 هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (15/ 928).
(5) القادر باللَّه أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر الخليفة، أبو العباس أحمد ابن الأمير إسحاق ابن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي، البغدادي. مولده: سنة 336 هـ، كان أبيض كث اللحية يخضب دينا عالما متعبدا وقورا من جلة الخلفاء وأمثلهم، عده ابن الصلاح في الشافعية، قال الخطيب: كان من الدين وإدامة التهجد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه، وصنف كتابا في الأصول، ذكر فيه فضل الصحابة، وإكفار من قال: بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث، ويحضره الناس مدة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر، توفي سنة 622 هـ. انظر: السير للذهبي (15/ 127 - 137).
(6) انظر: المنتظم لابن الجوزي (15/ 211).
(7) انظر: الكامل لابن الأثير (7/ 489).
(8) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي صاحب حماة (3/ 25).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
- الدولة الغورية:
وقد بدأت أيام الدولة الغزنوية وكان أول ظهورهم سنة 543(1) وانقرضت الدولة الغزنوية على أيديهم سنة 579 هـ(2) ومن ملوكهم غياث الدين محمود.
وهو آخر ملوك الغورية، ولقد كانت دولتهم من أحسن الدول سيرة، وأعدلها وأكثرها جهادًا، وكان محمودُ هذا عادلًا حليمًا كريمًا، من أحسن الملوك سيرة وأكرمهم أخلاقا، رحمه اللَّه تعالى"(3) وانتهت دولتهم بقتله وذلك في سنة 605 هـ(4).
- الدولة الزنكية:
وتنتسب إلى قسيم الدولة عماد الدين زنكي بن آقسنقر التركي. وقد ولاه السلطان محمود بن ملكشاه البصرة في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ثم ملك الموصل في سنة 521 هـ، وملك كثيرًا من البلدان الشامية، واشتغل بمحاربة الصليبيين، ففتح من أيديهم عدة مدن وحصون(5).
"وكان له أثرٌ عظيم في نصرة الإسلام، وكف عادية الفرنج ومهد لمن بعده فتح البلاد، بعد أن كان الفرنج قد ضايقوا مدينة حلب واستولوا على حصونها، وأخذوا المناصفة من المسلمين إلى بابها، فأغاثهم اللَّه بزنكي وبولده من بعده، وكان زنكي ملكًا عظيمًا وشجاعًا جبارًا، كثير العظمة والتجبر، وهو مع ذلك يراعي أحوال الشرع وينقاد إليه، ويكرم أهل العلم، وبلغني أنه كان إذا قيل له: أما تخاف اللَّه؟ خاف من ذلك، وتصاغر في نفسه، فأظهر اللَّه تعالى سره المحمود في ولده محمود"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (11/ 754).
(2) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي صاحب حماة (3/ 25).
(3) انظر: الكامل لابن الأثير (10/ 258).
(4) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي صاحب حماة (3/ 110).
(5) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (20/ 189 - 190).
(6) انظر: بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (8/ 3849).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وبعد موت زنكي سنة 540 هـ انقسمت مملكته إلى قسمين، قسم بالموصل ويحكمه ابنه سيف الدين غازي(1)، وقسم بحلب ويحكمه ابنه الآخر نور الدين محمود(2).
وكان لها رحمها اللَّه تعالى دور عظيم في الجهاد في سبيل اللَّه ضد الصليبيين، ولكن للملك العادل نور الدين محمود في ذلك دورٌ عظيمٌ، إضافة إلى إقامة السُّنة والدين ونشر العدل، والقضاء على بدع الرافضة وغيرهم، "فلما انقضى أجله رحمه الله قام ابنه نور الدين محمود مقامه في ولاية الإسلام ثم قصد حلب ودخل قلعتها المحروسة على أسعد طائر وأيمن بركة يوم الاثنين سابع ربيع الآخر ورتب في القلعة والمدينة النواب وأنعم على الأمراء وخلع عليهم وأظهر بحلب السنة حتى أقام شعار الدين وغير البدعة التي كانت لهم في التأذين وقمع بها الرافضة المبتدعة ونشر فيها مذاهب أهل السنة الأربعة وأسقط عنهم جميع المؤن، ومنعهم من التوثب في الفتن، وبنى بها المدارس، ووقف الأوقاف، وأظهر فيها العدل والإنصاف"(3).
وقد ضم الملك العادل نور الدين محمود إلى مملكته دمشق، فاستم له حكم الشام، وضم بعد ذلك مصر، وأنهى حكم الدولة الباطنية العبيدية بها(4).
وكان من قواد الملك نور الدين محمود، الأمير أسد الدين شيركوه(5) وابن أخيه السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وكان لصلاح الدين الأيوبي بعد ذلك عظيم الدور في قتال الصليبيين وفتح بيت المقدس وتطهيره من رجس الصليبيين.--------------------------------------------
(1) غازي بن زنكي بن آقسنقر التركي، السلطان سيف الدين ابن الأتابك عماد الدين صاحب الموصل، كان منطويا على خير وديانة، يحب العلم وأهله، وفيه كرم، وشجاعة وإقدام، وبنى بالموصل مدرسة، ولم تطل مدته حتى توفي في جمادى الآخرة، وقد جاوز الأربعين، توفي سنة 544 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (11/ 863).
(2) انظر: الكامل لابن الأثير (9/ 144).
(3) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (57/ 118 - 121).
(4) انظر: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد (ص 78).
(5) شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني، الملك المنصور، فاتح الديار المصرية، أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني، الكردي، أخو الأمير نجم الدين أيوب، قدم الأخوان الشام، وخدما، وتنقلت بها الأحوال إلى أن صار شيركوه من أكبر أمراء نور الدين، وصار مقدم جيوشه، وكان أحد الأبطال المذكورين، والشجعان الموصوفين، ترعب الفرنج من ذكره، ثم جهزه نور الدين في جيش إلى مصر لاختلال أمرها، وطمع الفرنج فيها، وتوفي فيها سنة 564 هـ. انظر: السير للذهبي (20/ 587).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
وتوفي الملك العادل نور الدين في عام 569 هـ، وتولى بعده ابنه الملك الصالح إسماعيل(1)، وعمره إحدى عشرة سنة، وحلف له العسكر بدمشق، وأقام بها، وأطاعه صلاح الدين بمصر، ثم قدم صلاح الدين بعد ذلك إلى الشام، فملكها بعد محاولات متعددة، وسقط بذلك حكم آل زنكي بها(2).
- الدولة الأيوبية:
تأسست الدولة الأيوبية على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي الأيوبي، وذلك في سنة 567 هـ عندما مات آخر حكام الدولة العبيدية الباطنية العاضد لدين اللَّه، "كان موته في يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة سبع وستين واستقر الملك للسلطان وكان خَطَبَ لبني العباس في أواخر أمر العاضد وهو حي وكانت الخطبة ابتداؤها للمستضيء بأمر اللَّه واستمرت القواعد على الاستقامة"(3).
فأول الأعمال العظيمة التي قام بها الملك الناصر صلاح الدين هي إسقاطه للدولة الباطنية العبيدية، وقطع الخطبة باسمهم، والخطبة باسم الخليفة العباسي.
وأرسل أخاه توران شاه إلى بلاد اليمن عام 569 هـ فدخلها وتملكها(4).
وذُكر فيما سبق أنه بعد موت نور الدين دخلت منطقة الشام تحت حكم الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، فكان أن ضرب أروع الأمثلة في الجهاد وقتال الصليبيين.
وانتصر عليهم انتصارات عديدة وكان من تلك الانتصارات الكبيرة معركة حطين التي وقعت في يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ.
وكذلك في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب من نفس العام فتح بيت المقدس وخلصه من الصليبيين ومن دَنَسِهم، والذي دام تحت احتلالهم إحدى وتسعين سنة(5).--------------------------------------------
(1) الملك الصالح إسماعيل بن الملك نور الدين صاحب حلب، شاب حسن الصورة، وهي المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة، وكان من أعف الملوك، ومن أشبه أباه فما ظلم، وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر، فاستفتى بعض الفقهاء في شربها تداويا، فأفتاه بذلك، فقال له: أيزيد شربها في أجلي، أو ينقص منه شيئًا؟ قال: لا. قال: فواللَّه لا أشربها فألقى اللَّه وقد شربت ما حرمه علي. توفي سنة 577 هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (16/ 551 - 552).
(2) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (3/ 56).
(3) انظر: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد (ص 86).
(4) انظر: نفس المصدر (ص 87).
(5) انظر: الفتح القسي في الفتح القدسي لعماد الدين الكاتب الأصفهاني (ص 69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
قال ابن الأثير: "وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير صلاح الدين رحمه الله، وكفاه ذلك فخرًا وشرفًا"(1).
لم تدم الدولة الأيوبية طويلا فلقد انتهت بعد مقتل الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 648 هـ(2)، وابتدأت دولة المماليك منذ ذلك الحين.
- دولة المماليك: ينقسم المماليك إلى قسمين:
1 - المماليك البحرية، وقد حكموا مصر والشام من عام (648 هـ - 784 هـ).
وسبب نشأتهم أن الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراهم وأحضرهم إلى مصر واتخذهم جندًا له لكي يحمونه ويدافعون عنه، وأيضًا ليتقوى بهم في أي قتال قد يطرأ ضده.
قال المقريزي: "والملك الصَّالح هو الذي أنشأ المماليك البحرية بديار مصر؛ وذلك أنه لما مر بِهِ مَا تقدم ذكره في الليلة التي زَالَ عنهُ مُلكه بتفرُّق الأكراد وغيرهم من العَسكَر عَنهُ حتى لم يثبت مَعَه سوى مماليكه رعي لَهُم ذَلِك، فَلَمَّا استولى على مملكة مصر أَكثر من شِرَاء المماليك وجعلهم مُعظم عسكره وقبض على الْأُمَرَاء الذين كَانُوا عِنْد أَبِيه وأخيه واعتقلهم وَقطع أخبازهم وَأعْطي مماليكه الإمريات فصاروا بطانته والمحيطين بدهليزه وَسَمَّاهُمْ بالبحرية لسكناه مَعَه فِي قلعة الرَّوْضَة على بَحر النّيل"(3).
وكان لهم دورٌ عظيم في رد الغزو المغولي التتري على بلاد الشام، وكذلك رد الحملات الصليبية. وأول مَن حكم منهم هو الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحي التركماني(4). وآخرهم الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان، حيث توفي في عام 814 هـ(5).--------------------------------------------
(1) انظر: الكامل لابن الأثير (10/ 38).
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 307).
(3) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (1/ 441).
(4) الملك المعز التركماني أيبك بن عبد اللَّه الصالحي الملك المعز عز الدين المعروف بالتركماني كان مملوك الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراه في حياة أبيه الكامل وتنقلت به الأحوال عنده ولازمه في الشرق وغيره وجعله جاشنكيره وكان عز الدين أيبك معروفا بالسداد وملازمة الصلاة ولا يشرب خمرا وعنده كرم وسعة صدر ولين جانب وهو من أوسط الأمراء فاتفقوا وسلطنوه سنة 648 هـ، توفي مقتولًا سنة 655 هـ. انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (9/ 293 - 265) والمختصر لأبي الفداء الأيوبي (3/ 183).
(5) السلطان الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسن بن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، تسلطن بعد وفاة أخيه سنة 783 هـ، تسلطن مرتين وخلع مرتين، وتوفي سنة 814 هـ. انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (11/ 380).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
2 - المماليك البُرجية: وقد حكموا من عام (784 هـ - 923 هـ).
وسبب تسميتهم بالبرجية هو أن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي قد استكثر منهم حتى بلغوا سبعة آلاف، وأنزلهم معه، وجعلهم في أبراج القلعة وسماهم البرجية(1).
وأول من تسلطن منهم السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق بن آنص الجركسي(2) "وكان ابتداؤها يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة، فكان أول ملوك الجراكسة بمصر الظاهر برقوق بن آنص العثماني"(3).
وقال ابن العماد: "فيها كان ابتداء دولة الجراكسة، فإنه خُلع الصالح القلاووني، وتسلطن برقوق، ولقّب الظّاهر، وهو أول من تسلطن من الجراكسة"(4).
وآخرهم السلطان الأشرف طومان باي(5) آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر، فقد توفي مشنوقًا بعد أن قبض عليه السلطان العثماني سليم خان(6) عام 923 هـ(7).--------------------------------------------
(1) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (2/ 218).
(2) برقوق بن آنص بن عبد اللَّه الجركسي العثماني، انفرد برقوق بتدبير أمور المملكة إلى أن دخل شهر رمضان سنة أربع وثمانين وهو في غضون ذلك يدبر أمر الاستقلال بالسلطنة إلى أن تم له ذلك، فجلس على تخت الملك في ثامن عشر الشهر المذكور ولقب بالملك الظاهر، وخلع من السلطة وبعد حروب عاد إليها متمكنًا، استقرت قدمه في المملكة إلى أن مات على فراشه في ليلة النصف من شعبان سنة 801 هـ، وكان شهمًا شجاعًا ذكيًا خبيرًا بالأمور إلا أنه كان طماعًا جدًا لا يقدم على جمع المال شيئًا ولقد أفسد أحوال المملكة بأخذ البذل على الولايات حتى وظيفة القضاء والأمور الدينية، وكان جهوري الصوت كث اللحية واسع العينين عارفًا بالفروسية خصوصًا اللعب بالرمح، وكان يحب الفقراء ويتواضع لهم ويتصدق كثيرًا ولا سيما إذا مرض، وأبطل في ولاياته كثيرًا من المكوس. انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (2/ 66 - 69).
(3) انظر: بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس (1/ 312).
(4) انظر: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (8/ 678).
(5) الملك الأشرف طومان باي الجركسي ابن أخي الغوري، وقع بينه وبين السلطان سليم حروب يطول ذكرها، ثم سلّم نفسه طائعا فقتل بباب زويلة، وأمر السلطان سليم بدفنه بجانب مدفن الغوري المشهور، وبه انقرضت دولة الجراكسة. المصدر السابق (10/ 161).
(6) السلطان الأعظم سليم، فاتح مصر والشام وسائر ممالك العرب في سنة 917 هـ، فأقام تسع سنين وثمانية أشهر، وتوفي سنة 926 هـ، وكان سلطانًا قهارًا، وملكًا جبارًا، كثير السفك قوي البطش، كثير الفحص عن أخبار الناس، ولما فرغ من دفن والده، خرج لقتال أخيه أحمد، فهزم عسكره وأسره، ثم أمر بخنقه، ثم قتل إخوته جميعًا وأولادهم، حتى تم أمره. انظر: نزهة الناظرين في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء السلاطين لمرعي بن يوسف الكرمي (ص 245 - 246).
(7) انظر: بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس (5/ 179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وقد عاش الإمام أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن المحب الصامت في القرن الثامن الهجري كما سبق بيانه، وحينما ولد كانت الشام في ذلك الوقت تحت الحكم المملوكي، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون رحمه الله.
وعاش إلى عهد السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق بن آنص الجركسي حيث توفي في عام 789 هـ رحمه اللَّه تعالى.
وكان عصر المماليك من العصور القوية التي استطاع المسلمون فيها دحر القوات المغولية، وكذلك الحملات الصليبية، بالإضافة إلى إرجاعهم للخلافة العباسية التي سقطت في العراق، وتنصيبهم للخليفة العباسي في مصر(1).
وظهرت كذلك جهود العلماء في الدفاع عن الإسلام وأهله ونشر العلم الشرعي وبذله.
ومع هذا كله فقد تخلل ذلك عدد من الفتن الداخلية بسبب التنافس على السلطة بين حكام المماليك، كما سيأتي بيان شيء من ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
ج - وأما ظهور النفاق والزندقة:
فإن النفاق والزندقة والبدع والشركيات، والانحرافات العلمية والعملية، إذا ظهرت وانتشرت، وضعفت مقاومتها والرد عليها، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف الأمة وتناحرها وتشتتها وتسلط الأعداء عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان بعض المشايخ يقول: هولاكو ملك الترك التتار الذي قهر الخليفة بالعراق وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جدًا يقال: قتل منهم ألف ألف وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذ، كان بعض الشيوخ يقول: هو للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبني إسرائيل. وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع، حتى أنه صنف الرازي(2) كتابًا في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم" ويقال: إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن--------------------------------------------
(1) انظر: الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر لمحيي الدين بن عبد الظاهر (ص 99).
(2) الفخر الرازي المتكلم، صاحب التفسير والتصانيف: محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي التيمي البكري الإمام، أبو عبد اللَّه وأبو المعالي، المعروف بالفخر الرازي، ويقال له: ابن خطيب الري الفقيه الشافعي أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مائتي مصنف، وكان مع غزارة علمه في فن الكلام يقول: من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز. وقد ذكرت وصيته عند موته، وأنه رجع فيها إلى طريقة السلف، وتسليم ما ورد على الوجه المراد اللائق بجلال اللَّه تعالى، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة 606 هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 11 - 12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
تِكش بن جلال الدين خوارزم شاه(1) وكان من أعظم ملوك الأرض، وكان للرازي به اتصال قوي، حتى أنه وصى إليه على أولاده، وصنف له كتابًا سماه "الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية" وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين. . . فلما ظهر بأرض المشرق بسبب مثل هذا المَلِكِ ونحوِهِ ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الإلحاد والبدع سلط اللَّه عليهم الترك المشركين الكفار فأبادوا هذا المَلِكَ وجرت له أمور فيها عبرة لمن يعتبر"(2).
وكانت دولة البويهيين من أكبر أسباب انتشار الشرك والرفض والتجهم، وتعظيم القبور وبناء المشاهد عليها، وإظهار شعار الرافضة من الحزن والضرب في يوم عاشوراء، وفي زمنهم كُتبت رسائل إخوان الصفا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا نزاع بين العقلاء أن رسائل إخوان الصفا إنها صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبًا من بناء القاهرة"(3).
وقال أيضًا: "فلما كان بعد زمن البخاري من عهد بني بويه الديلم فشا في الرافضة التجهم وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورًا كثيرًا وجرى حوادث عظيمة"(4).
وقال الذهبي: "منعت الديلم -يعني بني بويه- الناس عن ذكر فضائل الصحابة وكتبوا سب السلف على أبواب المساجد"(5).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حدثت هذه المشاهدُ بعدَ القرونِ المفضلة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم القرنِ الذي بُعِث فيهم ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونهم، وإنما انتشرتْ في دولة بني بُوَيْه ونحوهم من أهل البدع والجهل"(6).--------------------------------------------
(1) مُحَمَّد بن تِكش بن ألب أرسلان بن آتْسِز بن مُحَمَّد بن نوشتِكين، السُّلْطَان علاء الدين خُوَارِزْم شاه، أَبَاد مُلوك العالم، ودانت لَهُ الممالك، واستولى عَلَى الْأقاليم، كَانَ صبُورًا عَلَى التّعب وإدمان السَّيْر، غير مُتَنَعم ولا مُقْبل عَلَى اللذّات؛ إنها تَهْمته في المُلك وتدبيره وحِفْظِه وحفظ رعيته، وَكَانَ فاضلًا، عالمًا بالفقه والْأصول وغيرهما، وَكانَ مُكرِمًا للعلماء محبًا لهم، محسنًا إليهم، يحبّ مناظرتهم بين يديه، ويُعظِّم أهل الدين ويتبرك بهم. توفي سنة 617 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (13/ 515 - 525).
(2) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوي لابن تيمية (13/ 187 - 182).
(3) انظر: بغية المرتاد لابن تيمية (ص 329).
(4) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 369).
(5) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (8/ 76).
(6) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (4/ 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وهؤلاء الرافضة البويهيون المشركون هم أول من أظهر تلك المشاهد، حينها حكموا العراق، وأظهروا كثيرًا من البدع والمحدثات، حتى عمَّ الرفض، وكاد الإسلام أن ينمحي وينتقض.
قال الذهبي: "عضد الدولة فناخسرو بن حسن بن بويه الديلمي، كان شيعيًا جلدًا أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال، فنحمد اللَّه على العافية، فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة، فالأمر للَّه تعالى"(1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ظهر بنو بويه الأعاجم وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية وفي دولتهم قَويَ بنوا عبيد القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أُظهر المشهد المنسوب إلى علي رضي الله عنه بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك، وإنها دفن علي رضي الله عنه بقصر الإمارة بالكوفة. . . حتى إنهم كانوا يظهرون في دولتهم ببغداد يوم عاشوراء من شعار الرافضة ما لم يظهر مثله، مثل تعليق المسوح على الأبواب، وإخراج النوائح بالأسواق، وكان الأمر يفضي إلى قتال تعجز الملوك عن دفعه"(2).
وقال ابن كثير في أحداث سنة 358 هـ: "استقرت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين، كما سيأتي، وأُذِّنَ فيها: حي على خير العمل، أكثر من سبعين سنة، وكتبت لعنة الشيخين رضي الله عنهما، ولعن من لعنهما- على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون"(3).
ولم يكن في دول الإسلام من الشر والضلال والبدع والشرك مثل ما كان في الدولة البويهية، فقد كانت على العكس تمامًا من جميع الدول الإسلامية، وفيها من أصناف البدع والمحدثات والشركيات ما كان له أكبر الأثر على الخلافة العباسية والأمة الإسلامية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يُعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (16/ 250 - 252).
(2) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (27/ 466 - 467).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (15/ 318 - 319).
(4) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/ 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وتسلُّطُ الأعداءِ لم يكن من الشرق فحسب، بل من جهة الغرب أيضًا من النصارى الحاقدين، فبدأت الحروب الصليبية، واحتلوا بلدانًا إسلامية في الشام وفي مصر، حتى احتلوا بيت المقدس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية شيئًا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة، إلى أن تولى نور الدين الشهيد وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة إلى أن أُخذت مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين"(1).
2 - الصليبيون الحاقدون من جهة المغرب.
استمرت الفتوحات الإسلامية، واعتنى الخلفاء الراشدون بالجهاد في سبيل اللَّه، وكذلك خلفاء الدولة الأموية، والدولة العباسية، وانتشر الإسلام انتشارًا واسعًا في الشرق والغرب، وسقطت في وقت مبكر أكبر امبراطوريتين: الأكاسرة المجوس والقياصرة الرومان، وكان لذلك أكبر الأثر على الصليبيين، فخافوا منه خوفًا عظيمًا، ولم يستطيعوا أن يبدؤا المسلمين بأي غزو أو قتال.
لكن لما ضعفت الدولة العباسية، وكثرت الدول المستقلة عنها، وتسلط عليها الرافضة والقرامطة والباطنية، وأصبحت لهم دول كالدولة البويهية، والدولة العبيدية في المغرب ثم في مصر، ويتبع لها بعض دول الشام.
حينذاك بدأ الصليبيون بالعزيمة على غزو العالم الإسلامي.
فتزعمت البابويةُ الدعوةَ لتوحيد صفوف النصارى في الشرق والغرب وشنَّ حرب شاملة ضد المسلمين، وكسرَ شوكتهم، واستردادَ القدسَ من أيديهم.
والذي تولى كبرها والدعوة إليها هو البابا أوربان الثاني(2)، فقد دعا للحملة الصليبية في عدة مدن أوربية، حيث كان يتنقل من مدينة إلى مدينة، وألقى عدة خطابات بهذا الشأن(3).--------------------------------------------
(1) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوي لابن تيمية (13/ 178).
(2) أوربان الثاني فرنسي الأصل، وقد كان راهبًا ربيطًا بمدينة كلوني الفرنسية. انظر: الحروب الصليبية لمحمد العروسي (ص 46).
(3) انظر: الحملة الصليبية الأولى وفكرة الحروب الصليبية. جوناثان سميث (ص 34) ترجمة محمد الشاعر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
"وعقد لذلك عدة مجامع، من آخرها مجمعًا في مدينة كلارمون(1) الفرنسية في عام 488 هـ، ولبى الدعوة كثير من الأمراء ورؤساء الكنائس والفرسان ووفود الملوك، زيادة على العامة والطغاة، وعُقد فيه عدة جلسات، لتأكيد ذلك الأمر وشحذ هممهم لقبولها والبدء بها"(2). وقد تم بالفعل الإعداد لهذه الحملة وجمع العدة والعتاد.
وبدأت الحروب الصليبية في عام 490 هـ، فكانت بلدة "نيقية"(3) هي أول بلدة يحتلونها.
"وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرةً وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. . . وقد كان الافرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوه فلم يفوا له بذلك ولا سلموها إليه على الشرط، وافتتحوا في طريقهم بعض الثغور والدروب"(4).
قال الذهبي: "ووصلوا إلى فامية(5)، وكَفِرْطَاب(6)، واستباحوا تلك النّواحي، فكان هذا أوّل مظهر الفرنْج بالشّام، قدِموا في بحر القُسطنطينيّة في جَمْعٍ عظيمٍ، وانزعجت الملوك والرّعيّة، وعظُم الخَطْب"(7).
وفي عام 491 هـ احتل الصليبيون أنطاكية(8)، وحاصروا معرة النعمان(9)، فدخلوها وقتلوا ونهبوا(10)، حتى قيل: إنهم قتلوا من أهلها مائة ألف إنسان(11).
وفي عام 492 هـ سقط بيت المقدس في يد الصليبيين وذلك في يوم الجمعة 13 شعبان.--------------------------------------------
(1) مدينة فرنسية بأعلى نهر لالور. انظر: الحروب الصليبية في المشرق والمغرب لمحمد العروسي المطوي (ص 47).
(2) انظر: نفس المصدر (ص 46 - 47).
(3) من أعمال استنبول. وهي المدينة التي اجتمع بها آباء الملة المسيحية، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. آباء يزعمون أن المسيح كان معهم في هذا المجمع، وهو أول المجامع لهذه الملة. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص 608).
(4) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (1/ 218 - 219).
(5) مدينة كبيرة وكورة من سواحل حمص، وقد يقال لها أفامية، بالهمزة في أوله. انظر: معجم البلدان لياقوت (4/ 233).
(6) بلدة بين المعرّة ومدينة حلب في بريّة معطشة. المصدر السابق (4/ 470).
(7) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (10/ 485).
(8) مدينة عظيمة بالشام على ساحل البحر حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها داخلًا وخارجًا. انظر: الروض المعطار للحميري (ص 38).
(9) بليدة بين حلب وحماة، كثيرة التين والزيتون. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص 272).
(10) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (17/ 43).
(11) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (5/ 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
قال ابن الجوزي: "أخذ الإفرنج بيت المقدس في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، وقتلوا فيه زائدًا على سبعين ألف مسلم، وأخذوا من عند الصخرة نيفًا وأربعين قنديلا فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلًا بالشامي، وأخذوا نيفًا وعشرين قنديلا من ذهب، ومن الثياب وغيره ما لا يحصى، وورد المستنفرون من بلاد الشام، وأخبروا بما جرى على المسلمين، وقام القاضي أبو سعد الهروي(1) قاضي دمشق، وأورد كلامًا أبكى الحاضرين، وندب من الديوان من يمضي إلى العسكر ويعرفهم حال هذه المصيبة، ثم وقع التقاعد فقال أبو المظفر الأبيوردي(2) قصيدة في هذه الحالة فيها:
وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونها … على هَفَواتٍ أيقَظَتْ كُلَّ نائِمِ
وإخوانكم بالشَّامِ يُضحي مقيلهمْ … ظهورَ المذاكي أو بطونَ القشاعمِ
تَسُومُهُمُ الرُّومُ الهَوانَ وأنتُمُ … تجرُّونَ ذيلَ اخفضِ فعلَ المسالمِ
إلى أن قال:
وتلكَ حروبٌ من يَغبْ عن غِمارها … لِيَسْلَمَ يَقْرَعْ بَعْدَها سِنَّ نادِمِ
يَكادُ لَهُنَّ المُسْتَجِنُّ بِطَيْبَةَ … يُنادِي بِأَعْلَى الصَّوْت: يا آلَ هاشِمِ
أرى أمَّتي لا يُشرعونَ إلى العدا … رِماحَهُمُ، وَالدِّينَ واهِي الدَّعائِمِ
ويجتنبونَ النَّارَ خوفًا منَ الرَّدى … ولا يحسبونَ العارَ ضربةَ لازمِ
أترضى صناديدُ الأعاريبِ بالأذى … ويُغضي على ذلٍّ كماةُ الأعاجمِ
فليتهمُ إذْ لم يذودوا حميَّةً … عنِ الدِّينِ ضنُّوا غيرةً بالمحارمِ
وإنْ زهدوا في الأجرِ إذْ حميَ الوغى … فهلَّا أتوهُ رغبةً في الغنائمِ"(3)--------------------------------------------
(1) محمد بن نصر بن منصور، القاضي أبو سعد الهروي الحنفي قدم دمشق ووعظ بها، ثم توجه إلى بغداد فولي قضاء الشام، وعاد قاضيا فأقام مدة، ثم رجع إلى العراق، وقد ولي القضاء في مدن كثيرة بالعجم، وكان في صباه يؤدب الصبيان، ثم ترقت حاله وبلغ ما بلغ، وكان من دهاة العالم، قتلته الباطنية لعنهم اللَّه بجامع همدان في هذه السنة 518 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (11/ 297).
(2) العلامة أبو المظفر محمد بن أحمد الأموي، العنبسي، المعاوي الأبيوردي، اللغوي شاعر وقته وصاحب التصانيف، قال يحيى بن منده: سئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات؟ فقال: تُقَرُّ وتُمَرُّ. توفي سنة 512 هـ. انظر: السير للذهبي (19/ 284).
(3) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (17/ 48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)