Arabic source text

📘 সিফাতু রাব্বিল আলামীন - রাসাইল জামিয়্যাহ - নাকিস (ইবনুল মুহিব আস-সামিত - মৃত্যু 789 হিজরী)

📘 صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص (ابن المحب الصامت - ت 789 هـ)

📘 সিফাতু রাব্বিল আলামীন - রাসাইল জামিয়্যাহ - নাকিস (ইবনুল মুহিব আস-সামিত - মৃত্যু 789 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وفي عام 494 هـ ملَكَ الفِرَنجُ مدينة سروج(1) من ديار الجزيرة، فقتلوا أهلها وسبوهم، وملكوا أيضًا أرسوف(2) بساحل عكا(3) وقيسارية(4). ولم تكد تخل سنة من السنين من اعتداءات صليبية على بلاد المسلمين.
وكان من تقدير اللَّه ولطفه -ومنذ ذلك العام وما بعده- أن أقامَ لجهادهم مَلِكَ دمشق الملك ظهير الدين طُغْتِكِين(5) المتوفي سنة 522 هـ فرد كثيرًا من العدوان الصليبي على بلاد الشام.
قال الذهبي: "لولا أن اللَّه أقام طُغْتِكِين للإسلام بإزاء الفرنج، وإلا كانوا غلبوا على دمشق، فقد هزمهم غير مرة"(6).
وكذلك أقام اللَّه تعالى أيضًا القائد كمشتكين بن الدانشمند(7) فقد كان له بطولات ومعارك حاسمة هزم فيها الصليبيين، وردَّ بها عددا من الحملات الصليبية فرجعت خاسرة مهزومة.
قال ابن الأثير في أحداث سنة 493 هـ: "في ذي القعدة من هذه السنة لقي كُمُشْتِكِينُ بن الدانشمند بيمند الفرنجي(8) -وهو من مقدمي الفرنج- قريب مَلَطْيَةُ(9)، وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه إليه، فورد--------------------------------------------
(1) بلدة قريبة من حرّان، من ديار مضر، بينها وبين البيرة مرحلة في الجبال. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (2/ 710).
(2) مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. انظر: معجم البلدان لياقوت (1/ 151).
(3) مدينة كبيرة، من ثغور الشام، وهي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحطَ الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مجمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، أخذها الفرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المائة السادسة فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقس. انظر: الروض المعطار للحميري (ص 410).
(4) قيسارية بلد على ساحل بحر الشام تعدّ في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان لياقوت (4/ 421).
(5) طغتكين، الأمير أبو منصور، المعروف بأتابك، من أمراء تاج الدولة، زوجه بأم ولده دقاق، وكان مع تاج الدولة لما سار إلى الري القتال ابن أخيه، فلما قتل تاج الدولة رجع إلى دمشق، وصار أتابك دقاق، فلما مات دقاق تملك بدمشق، وكان شهما، مهيبا، شديدا على الفرنج والمفسدين. انظر: التاريخ للذهبي (11/ 378).
(6) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (19/ 519).
(7) كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وإنما قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معليا للتركان وتقلبت به الأحوال، حتى ملك، وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما. انظر: الكامل لابن الأثير (8/ 438).
(8) بيمند بن بيمند بن بيمند متملك طرابلس الفرنجي، كان جده نائبا لبنت صنجل الذي تملك طرابلس من ابن عمار في حدود الخمسمائة، فتغلب هذا على البلد لبعدها عنه، ثم استقل بها ولده، ثم حفيده هذا، ولما توفي دفن في كنيسة طرابلس ولما فتحها المسلمون في سنة 688 هـ نبش الناس قبره، وأخرجوه منه، وألقوا عظامه على المزابل للكلاب. انظر: البداية لابن كثير (17/ 518).
(9) بفتح أوله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء، والعامة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء، هي من بناء الإسكندر وجامعها من بناء الصحابة: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام وهي للمسلمين. انظر: معجم البلدان لياقوت (5/ 192).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

عليه في خمسة آلاف، فلقيهم ابن الدانشمند، فانهزم بيمند وأُسِر، ثم وصل من البحر سبعة قيامصة من الفرنج، وأرادوا تخليص بيمند، فأتوا إلى قلعة تُسمى أنكورية(1)، فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين، وساروا إلى قلعة أخرى فيها وحصروها، فجمع ابن الدانشمند جمعًا كثيرًا، ولقي الفرنج، وجُعل له كمينًا، وقاتلهم وخرج الكمين عليهم، فلم يفلت أحد من الفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلاف هربوا ليلًا وأفلتوا مجروحين وسار الدانشمند إلى ملطية، فملكها وأسَرَ صاحبها، ثم خرج إليه عسكر الفرنج من أنطاكية، فلقيهم وكسرهم، وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة"(2).
وكذلك من الأبطال المعدودين -الذين قهروا الفرنج وافتتحوا بلدانًا وحصونًا كان قد احتلها الصليبيون- السلطان عماد الدين زنكي بن آقْسُنْقُرَ التركي.
قال الذهبي: "واستنقذ من الفرنج كفر طاب والمعرة ودوخهم، وشغلهم بأنفسهم، ودانت له البلاد، وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا كأبيه، عظيم الهيبة. . . وكان يضرب بشجاعته المثل، لا يَقِرُّ ولا ينام. . . وافتتح مدائن عدة، ودوخ الفرنج، وكان أعداؤه محيطين به من الجهات، وهو ينتصف منهم ويستولي على بلادهم"(3).
وقام بالأمر بعده خير قيام ابنه الملك العادل السلطان نور الدين محمود، ثم تولى بعده زمامَ ذلك السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وقد مَرَّ معنا سابقًا الإشارة إلى ذلك.
وفي عام 662 هـ نازل السلطان الملك الظاهر بيبرس مدينة قيسارية الشام وأخذها من الفرنج، ثم سار إلى أرسوف وفتحها بالسيف وطرد الفرنج منها(4).
وكان السلطان الملك الظاهر بيبرس، أسدًا ضاريًا عظيم الجهاد والفتوحات، فلقد هزم الفرنج مرات عديدة، واستنقذ منهم حصونًا كثيرة وبُلدانًا عديدة، تزيد على الأربعين حصنًا وبلدًا(5).
وفي عام 688 هـ فُتحت مدينة طرابلس(6)، على يد السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، فنازل طرابلس يوم الجمعة مستهل ربيع الأول، وحاصرها بالمجانيق حصارًا شديدًا، وضيقوا على أهلها تضييقًا--------------------------------------------
(1) أَنْقِرَة اسم للمدينة المسماة أنكورية. انظر: معجم البلدان لياقوت (1/ 271).
(2) انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (8/ 438).
(3) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (20/ 189 - 190).
(4) انظر: الإعلام والتبيين في خروج الفرنج الملاعين على ديار المسلمين. لأحمد بن علي الحريري (ص 101).
(5) انظر: المصدر السابق (ص 106).
(6) مدينة على شاطئ بحر الروم، عامرة كثيرة الخيرات والثمرات. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص 408).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

عظيمًا، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقًا، فلما كان يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر فتحت طرابلس في الساعة الرابعة من النهار عنوة، وشمل القتل والأسر جميع من فيها، وغرق كثير من أهل الميناء ونهبت الأموال، وبيت النساء والأطفال، وأخذت الذخائر واخواصل، وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثلاثٍ وخمسمائة إلى هذا التاريخ(1).
وفي سنة 690 هـ فُتحت عكا وبقية مدن السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مُدد متطاولة على يد السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون(2)، وقد أنشد الرئيس الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان(3) قصيدة بهذه المناسبة يقول فيها:
اللَّه أكبر ذلَّت دولةُ الصُّلُبِ … وعَزَّ بالتركِ دينُ المصطفى العربي
ما بعد عكا وقد هُدَّت قواعدها … في البحر للشرك عند البر من أرَبِ
عقيلةٌ ذهبت أيدي الدهور بها … دهرًا وشدَّت عليها كفُّ مغتربِ
لم يبق من بعدها للكفر مذ خرجت … في البر والبحر ما يُنجي سِوى الهرَبِ(4)
وفي عام 691 هـ افتتح السلطان الملك الأشرف خليل قلعة الروم بالسيف قهرًا في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق وزُينت البلد سبعة أيام، وكان الفتح بعد حصار عظيم جدًا، مدة ثلاثة وثلاثين يومًا، وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقًا.
وقد أنشد أيضًا شهاب الدين محمود بن سليمان بهذه المناسبة قصيدة يمدح فيها الملك الأشرف خليل، على هذا الفتح الجليل، يقول فيها:
كأنَّ مَثَارَ النَّقْعِ لَيلٌ وَخَفْقَهَا … بُرُوقٌ وأَنتَ البَدرُ والفَلَكُ الجَثْرُ
وَفَتحٌ أتَى في إثْرِ فَتحِ كأنَّمَا … سَمَاءٌ بَدَتْ تَتْرَى كَوَاكبُهَا الزُّهْرُ--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 616).
(2) انظر: موجز تاريخ الحروب الصليبية. لمصطفى وهبة (ص 58).
(3) محمود بن سليمان بن فهد، القاضي الأوحد البارع العلامة البليغ شهاب الدين أبو محمد الحلبي، ولد سنة 644 هـ، كتب بخطه المنسوب الكثير للناس، وساد أهل عصره في الترسل والإنشاء، وترقت حاله إلى أن قر بديوان الإنشاء بمصر، ثم جعل صاحب الديوان الشامي، وكان يكتب التقاليد المطولة بديها بلا مسودة مع التواضع والسكون وكثرة الفضائل، توفي سنة 725 هـ. انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (2/ 330).
(4) انظر: الإعلام والتبيين. للحريري (ص 107 - 108).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

فَكَمْ قَطَعَتْ طَوْعًا وَكَرْهًا مَعَاقِلًا … مَضَى الدَّهْرُ عَنْهَا وَهْيَ عَاِنسَةٌ بِكْرُ
بَذَلْتَ لَهَا عَزْمًا فَلَوْلَا مَهَابَةٌ … كَسَاهَا الحَيَا جَاءَتْكَ تَسْعَى وَلَا مَهْرُ
قَصَدتَ حِمًى مِنْ قَلْعَةِ الرُّومِ لَمْ يُبَحْ … لِغَيرِكَ إِذْ غَرَّتْهُمُ المُغْلُ فاغْتَرُّوا
وَوَالُوهُمْ سِرًّا لِيُخْفُوا أَذَاهُمُ … وفي آخِرِ الأمرِ اسْتَوَى السِّرُّ والجَهْرُ
صَرَفْتَ إلَيهِمْ هِمَّةً لو صَرَفَتَها … إلى البَحَر لَاستَولَى عَلَى مَدِّهِ الجَزْرُ
وما قَلعَةُ الرُّومِ الَّتِي حُزْتَ فَتْحَهَا … وإنْ عَظُمَتْ إلَّا إِلَى غَيْرِهَا جِسْرُ
طَلِيعَةُ مَا يَأْتِي مِنَ الفَتْحِ بَعدَهَا … كما لَاح قَبلَ الشَّمسِ في الأُفُقِ الفَجْرُ(1)
وهذه -وللَّه الحمد والمنة- كانت نهاية الوجود الصليبي في بلاد الشام.
وفي عام 702 هـ فُتحت جزيرة أرواد(2) على يد السلطان الملك الناصر محمد قلاوون، وهي جزيرة في بحر الروم قبالة أنطرطوس(3)، قريبًا من الساحل، اجتمع فيها جمع كثير من الفرنج، وبنوا فيها سورًا وتحصنوا في هذه الجزيرة، وكانوا يطلعون منها ويقطعون الطريق على المسلمين، المترددين في ذلك الساحل، فأُرسل أسطول إليها، من الديار المصرية في بحر الروم، ووصلت إليها في المحرم من هذه السنة، وجرى بينهم قتالٌ شديد، ونصر اللَّه المسلمين وملكوا الجزيرة المذكورة، وقتلوا وأسروا جميع أهلها، وخربوا أسوارها، وعادوا إلى الديار المصرية بالأسرى والغنائم(4).
وهكذا انتهت الحروب الصليبية في تلك العصور بعد مدة قرنين من الزمان، حيث أبعدهم اللَّه تعالى وأزالهم، وهيأ لذلك السلاطين والملوك الأفذاذ، والمجاهدين الأبطال، رحمهم اللَّه تعالى ورضي عنهم، فلله الحمد والمنة.--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 650).
(2) اسم جزيرة في البحر قرب قسطنطينية، غزاها المسلمون وفتحوها في سنة 54 مع جنادة بن أبي أمية في أيام معاوية بن أبي سفيان وأسكنها معاوية. انظر: معجم البلدان الياقوت (1/ 162).
(3) انطرسوس وهي على ضفة البحر صغيرة القدر بها أسواق عامرة وتجارات دائرة ومنها إلى حصن المرقب وهو على جبل منحاز من كل ناحية وبين حصن المرقب وانطرسوس ثمانية أميال. انظر: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لمحمد الإدريسي (2/ 644).
(4) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (4/ 47).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

‌‌3 - الفتن الداخلية، والحروب التي تحصل جراء التنافس على الرئاسة والمناصب.
إن الصراع من أجل السلطة سبب من أسباب ضعف الأمة وتشتتها وفشلها، وإذا كان مجرد النزاع من أسباب الضعف فالصراع من أقوى تلك الأسباب، وقد نهانا اللَّه جل وعلا عن ذلك فقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
وكان لتلك الصراعات أضرارٌ عظيمة على بلاد الإسلام والمسلمين، ومن الأمثلة على ذلك:

‌‌أ- فتنة البَسَاسِيري:
" كان أرسلان التركي المعروف بالبَسَاسِيري قد عظم أمره واستفحل؛ لعدم أقرانه من متقدمي الأتراك، واستولى على البلاد وطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على كثير من المنابر العراقية والأهواز ونواحيها، ولم يكن الخليفة القائم بأمر اللَّه يقطع أمرا دونه، ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك عرفهم وهو بواسط عزمه على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفض أكثر من كان مع البَسَاسيري، وعادوا إلى بغداد سريعا، ثم أجمع رأيهم على قصد دار البَسَاسيري وهي في الجانب الغربي فأحرقوها، وهدموا أبنيتها"(1).
وبعد أن قضت الدولة السلجوقية على الدولة البويهية الرافضية الباطنية، وذلك على يد السلطان السلجوقي طغرلبك -كما مر معنا سابقًا- وأزالت مظاهر الرفض والبدع والمحدثات، حصلت فتنة بين السلطان طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال الذي كان واليا على الموصل من قبل أخيه، وكان كل ذلك بسبب البَسَاسيري.
"فخالف عليه أخوه إبراهيم وانصرف بجيش عظيم معه يقصد الري، وكان البَسَاسيري راسل إبراهيم يشير عليه بالعصيان لأخيه، ويطمِعه في الملك والتفرد به، ويعده بمعاضدته ومظافرته عليه"(2).
فهرب إبراهيم ينَّال وترك الموصل، فلحق به أخوه السلطان طغرلبك ليرده إلى الطاعة، فجرت بينهم حروب انتهت بقتله، وأمر السلطان بإبعاد البساسيري، فسار إلى رحبة مالك بالشام، وكاتب العبيدي صاحب مصر بالدخول في طاعته ليمده بالسلاح والمال، فعاد البساسيري واستولى على الموصل، ثم استولى على بغداد--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ بغداد للخطيب (9/ 407).
(2) انظر: نفس المصدر (9/ 408).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

وذلك في سنة 450 هـ، وخلعوا الخليفة العباسي القام بأمر اللَّه، وخطب بجامع المنصور للمستنصر باللَّه العبيدي صاحب مصر، وجعل السكة باسمه، وأمر فَأُذِّنَ بحي على خير العمل، فرجع السلطان طغرلبك إلى بغداد ومعه الجيوش لرد الخليفة العباسي والقضاء على البساسيري وفتنته، فتم ذلك وللَّه الحمد وقُتل البساسيري وصُلب رأسه، وقُضي عليه وعلى فتنته سنة 451 هـ(1).

‌‌ب- صراع السلاجقة فيما بينهم:
•‌‌ أما في العراق:
فبعد وفاة السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان(2) عام 485 هـ عُهد بالسلطة إلى ابنه محمود(3)، وكان ما يزال حينذاك طفلًا صغيرًا ابن خمس سنين(4)، فخرج عليه أخوه بَرْكْيَارُوْقُ(5)، وبدأ بينهما تنافس وصراع على السلطة.
وفي سنة 186 هـ خَطَب تُتُشَ بن ألب أرسلان(6) صاحب دمشق لنفسه بالسلطنة، وطلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق فحصل التوقف عن ذلك، بسبب ابن أخيه بركياروق بن ملكشاه(7).--------------------------------------------
(1) انظر: الكامل لابن الأثير (8/ 129 - 161).
(2) ملكشاه، السلطان جلال الدولة أبو الفتح ابن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود السلجوقي، ملك من الأقاليم ما لم يملكه أحد من السلاطين، من أحسن الملوك سيرة، ولذلك كان يلقب بالسلطان العادل، توفي سنة 485 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (10/ 552).
(3) مغيث الدين السلجوقي أبو القاسم محمود بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، الملقب مغيث الدين، أحد الملوك السلجوقية المشاهير، كان متوقد ذكاء، قوي المعرفة بالعربية، حافظًا للأشعار والأمثال، عارفًا بالتواريخ والسير، شديد الميل إلى أهل العلم والخير، وكانت السلطنة في أواخر أيامه قد ضعفت وقلت أموالها، توفي سنة 525 هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (5/ 183).
(4) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص 303).
(5) بركياروق أبو المظفر بن ملكشاه بن ألب آرسلان السلجوقي السلطان الكبير، ركن الدين، أبو المظفر، ويلقب أيضا: بهاء الدولة، تملك بعد أبيه، وناب عنه على خراسان، أخوه السلطان سنجر، وكان بركيا روق شابا شهرا شجاعا لعابا، فيه كرم وحلم، وكان مدمنا للخمر، تسلطن وهو حدث، له ثلاث عشرة سنة، فكانت دولته ثلاث عشرة سنة في نكد وحروب بينه وبين أخيه محمد، يطول شرحها، توفي سنة 498 هـ. انظر: السير للذهبي (19/ 169).
(6) تتش بن ألب أرسلان أبي شجاع الملك أبو سعيد تاج الدولة السلجوقي، تركي محتشم، شجاع، من بيت ملك وتقدم، كان تتش معظما للشيخ أبي الفرج الحنبلي. وقد جرت في مجلسه بدمشق مناظرة عقدها لأبي الفرج وخصومه في قولهم: إن القرآن يسمع ويقرأ ويكتب، وليس بصوت ولا حرف. فقال الملك: هذا مثل قول من يقول: هذا قباء، وأشار إلى قبائه، على الحقيقة، وليس بحرير، ولا قطن، ولا كتان. وهذا الكلام صدر من تركي أعجمي، توفي سنة 488 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (10/ 593).
(7) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (16/ 136).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

وفي السنة التي تليها سأل بركياروق من الخليفة العباسي أن يعهد إليه بالسلطة، فخُطب له ببغداد وعُهد إليه بها، وذلك في عام 487 هـ(1).
وكذلك امتد الصراع بين بركياروق وبين عمه تُتُشَ بن ألب أرسلان الذي حكم دمشق وحلب وعددًا من بلدان الشام، فحصل بينهما قتال استمر إلى أن تغلب عليه بركياروق وقتله بالقرب من مدينة الري في سنة 488 هـ، حيث هزم شش وقتل في المعركة(2).
وكذلك خرج السلطان محمد بن ملكشاه(3)، وخطب لنفسه ببغداد، وحصل بينه وبين أخيه بركياروق حروب طويله، وصراع على السلطة، استمر مدة اثنتي عشرة سنة(4).
قال ابن كثير: "وكانت له مع بركياروق خمس وقعات هائلة"(5).
وكانا يقتتلان مرات، ويصطلحان مرات، إلى أن تم الصلح بينهما في آخر الأمر(6).
وقال ابن الأثير: "وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما، وعم الفساد، فصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والقرى محرقة، والسلطنة مطموعًا فيها، محكومًا عليها، وأصبح الملوك مقهورين، بعد أن كانوا قاهرين، وكان الأمراء الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم، وانبساطهم، وإدلالهم"(7).
وبعد تلك الحروب والوقائع والخسائر توفي بركياروق.
قال ابن كثير: "جرت له خطوب كثيرة، وحروب هائلة، وأحوال متباينة، خطب له ببغداد ست مرات، وعزل عنها ست مرات، وكان عمره يوم مات أربعًا وعشرين سنة وشهورًا، وقام من بعده ولدُه ملكشاه--------------------------------------------
(1) انظر: السير للذهبي (18/ 323).
(2) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (1/ 212).
(3) السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، أول ما خطب له بغداد في ذي الحجة سنة 492 هـ وقطعت خطبته عدة مرار، ولقي من المشاق والأخطار ما لم يلقه أحد، إلى أن توفي أخوه بركياروق، فحينئذ استقرت له السلطنة وصفت له، ودانت البلاد وأصحاب الأطراف لطاعته، وكان اجتماع الناس عليه بعد موت أخيه اثنتي عشرة سنة وستة أشهر، وكان عادلًا حسن السيرة شجاعًا وأطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد، توفي سنة 511 هـ. انظر: عيون الروضتين لابن خلكان (1/ 107).
(4) انظر: المصدر السابق (1/ 101).
(5) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (16/ 168).
(6) انظر: السير للذهبي (19/ 405).
(7) انظر: الكامل لابن الأثير (7/ 493).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

فلم يتم أمره؛ بسبب منازعة عمه محمد له"(1).
وأدى هذا التنافس والاقتتال إلى ظهور فرق الكفر والضلال، وتسلط التتار والصليبيين على بلاد الإسلام.
قال الذهبي: "وفي هذا الوقت كثرت الباطنية بالعراق والجبل، وزعيمهم الحسن بن الصبَّاح، فملكوا القلاع وقطعوا السبل، وأهمَّ الناسَ شأنُهم واستفحل أمرُهم، لاشتغال أولاد ملكشاه بنفوسهم"(2).

•‌‌ وأما في الشام:
فبعد مقتل تُتُش بن ألب أرسلان تولى حلب ابنه رضوان(3)، وتولى دمشق ابنه الآخر دُقَاق(4)، وبدأ الصراع حين حاول رضوان أن يستولي على دمشق حين غاب عنها أخوه دُقاق، وذلك في سنة 489 هـ، فحاصرها ولم يتمكن من دخولها لحصانتها وشدة مقاومة جندها فرجع إلى حلب(5).
لم ينس دُقاق ما فعله أخوه رضوان من محاولة الاستيلاء على دمشق، وعندما لجا إليه القائد ياغي سيان(6) صاحب أنطاكية مغاضبًا ومفارقًا الرضوان، حسَّن له محاصرة حلب والاستيلاء عليها جزاءً لمحاصرته دمشق، فلقيت تلك الدعوة قبولًا واستحسانًا من دُقاق، فاستعد لمحاصرة حلب فالتقى الفريقان واقتتلا فانتصر رضوان وهرب دُقاق ورجع لدمشق، ثم تصالحا بعد ذلك(7).--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (16/ 189).
(2) انظر: العبر للذهبي (2/ 396).
(3) رضوان بن تتش بن ألب رسلان، قدم دمشق بعد موت أخيه دقاق فحاصرها وقرر له الخطبة والسكة فلم يستتب أمره وعاد إلى حلب وأقام بها وجرت منه أمور غير محدودة في قتال الفرنج، وظهر منه الميل إلى الباطنية، واستعان بهم بحلب، وكان لما ملك حلب قد قتل أخويه: أبا طالب و بهرام ابني تتش، ومات في 28 من جمادى الآخرة سنة 507 هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (18/ 153).
(4) شمس الملوك أبو نصر دقاق بن السلطان تاج الدولة تتش بن السلطان ألب آرسلان السلجوقي التركي، تملك بعد مقتل أبيه سنة 487 هـ، فكان في حلب، فطلبه خادم أبيه ونائب قلعة دمشق سرا من أخيه رضوان صاحب حلب، فبادر دقاق وجاء، فتملك، ثم أشار عليه زوج أمه طغتكين الأتابك بقتل خادمه المذكور ساوتكين لتمكنه، فقتله، ثم أقبل رضوان أخوه محاصرا لدمشق، فلم يقدر عليها، فترحل، ثم استقل دقاق، ثم عرض له مرض تطاول به إلى أن مات سنة 497 هـ. انظر: السير للذهبي (19/ 210).
(5) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص 215).
(6) كان حاكمًا لأنطاكية، وتقدمت منه في حق بعض أتباعه إساءة، فتواطأوا مع الإفرنج لدخول انطاكية، ووجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد مما يلي الجبل باعوه للأفرنج واطلعوهم إلى البلد منه في الليل وصاحوا عند الفجر فانهزم باغي سيان وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص، وسقط عن فرسه على الأرض فحمله بعض أصحابه وأركبه فلم يثبت على ظهر الفرس وعاود سقط فمات. سنة 491 هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص 220).
(7) انظر: الكامل لابن الأثير (8/ 412) باختصار وتصرف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

لكن رضوان لم يقنع بهذا الصلح، على رغم قبوله به، فهو يريد أن يكون مَلِكَ الشام الوحيد، فقبل بالدعوة الباطنية من رسول الدولة العبيدية بأن يقطع الدعوة للخليفة العباسي ويدعوا للمستنصر باللَّه العبيدي(1) حاكم مصر ويدخل في طاعته، على أن يُمدوه بالمال والسلاح لكي يستولي على دمشق(2).
وكان ذلك سببًا لانتشار الباطنية في حلب واشتداد شوكتهم، وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب في أيامه، وتابعهم خلق كثير على مذهبهم طلبًا لجاههم، وصار كل من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ إليهم(3).
وفي هذا الوقت بسبب التناحر والاقتتال والتنافس على السلطة تمكن الفرنج(4) الصليبيون ولأول مرة من احتلال أنطاكية.
قال أبو شامة: "وفي مدة تلك الحروب ظهرت الفرنج بالساحل وملكوا أنطاكية أولًا ثم غيرها من البلاد"(5).
وقال ابن الوردي: "مَلَكَ الفرنج عكا بالسيف بعد قتال شديد، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة. . . هذا وملوك الشام مشتغلون بقتال بعضهم بعضا"(6).
وقال ابن الأثير: "استطال الفرنج -خذلهم اللَّه تعالى- بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه بقتال بعضهم بعضًا، تفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال"(7).--------------------------------------------
(1) المستنصر باللَّه، أبو تميم معدّ بن الظاهر علي العبيدي الرافضي، صاحب مصر، وكانت أيامه 60 سنة وأربعة أشهر، وقد خطب له ببغداد، في سنة 451 هـ، ومات في ذي الحجة، عن 68 سنة. عام 487 هـ العبر للذهبي (2/ 356).
(2) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص 217).
(3) انظر: زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم (ص 259).
(4) انظر: العبر للذهبي (2/ 396).
(5) انظر: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية لأبي شامة (1/ 101).
(6) انظر: تاريخ ابن الوردي (2/ 14) باختصار.
(7) انظر: الكامل لابن الأثير (8/ 497).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

‌‌ج- التحالف مع الصليبيين:
كان من نتيجة الصراع والتنافس على السلطة، أن تحالف بعض ولاة المسلمين مع الصليبيين ضد المسلمين، بل بلغ ببعضهم الحال أن حَرَّضَ الصليبيين على محاصرة المسلمين وقتالهم والاستيلاء على بلادهم، ومن الأمثلة على ذلك:
1 - في سنة 491 هـ عصى عمر والي عزاز(1) على الملك رضوان، فخرج عسكر حلب وحصره، فاستنجد بالفرنج، فوصل صنجيل(2) بعسكر كبير، فعاد عسكر حلب، فنَهب صنجيل ما قدر عليه وعاد إلى أنطاكية، وأَخذ ابن عمر رهينة فمات عنده، فوقع الملك رضوان على عمر إلى أن أخذه من تل هَرَّاق(3)، فسلم إليه عِزاز وأقام عنده بحلب مدة، ثم قتله(4).
2 - في سنة 518 هـ تعاون بعض حكام المسلمين مع الصليبيين لاحتلال حلب.
فقد "اجتمع على باب حلب ثلاثة ألوية: لواء الملك ابراهيم بن رضوان، ولواء الأمير دُبيس بن صدقه، ولواء الملك بغدوين(5)، وكان الجوسلين ودبيس قد برزا من تل باشر، وقصدوا ناحية الوادي، وأفسدا كل ما فيه ما قيمته مائة ألف دينار. . . ونزل الفرنج غربي البلد، وغربي قويق(6) ومعهم علي بن سالم بن مالك، وصاحب بالس(7) أخو بدر الدولة فقطعوا الشجر، وأخربوا المشاهد الظاهرة، وكان عدد الخيام ثلاثمائة خيمة،--------------------------------------------
(1) بليدة فيها قلعة ولها رستاق شمالي حلب بينهما يوم. انظر: معجم البلدان لياقوت (4/ 118).
(2) الطاغية صَنْجيل الّذي حاصر طرابلس، وبنى بقربها قلعة وكان من شياطين الفرنج ورؤوسهم، ووصل إلى الشام ليحج القدس، فأخذ بأرض صيدا وذهبت حينئذٍ عينه، ودار في بلاد الشام بزيّ التُّجّار؛ فلمّا تُوُفّي السلطان ملكشاه واختلفت الكلمة دخل إلى بلاده، وجمع الفرنج للحج، وقدم أنطاكيّة، وحارب المسلمين مرّات، وتمكّن، ثمّ شنّ الغارة من حصنه، فبرز لَهُ ابن عمّار من طرابُلُس، وكبس الحصن بغتة، فقتل من فيه، ورمي النيران في جوانبه، ورجع صَنْجيل، فدخل الحصن، فانخسف به سقف، ثم مرض وغُلِب، فصالح صاحب طرابُلُس، ثمّ مات في سنة 498 هـ. انظر: التاريخ للذهبي (10/ 689).
(3) من حصون حلب الغربية. معجم البلدان لياقوت (2/ 45).
(4) انظر: زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم (ص 243 - 244).
(5) بغدوين الرويس ملك الافرنج صاحب بيت المقدس بعكا في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان منها وكان شيخًا قد عركه الزمان بحوادثه وعانى الشدائد من نوائبه وكوارثه ووقع في أيدي المسلمين عدة دفعات أسيرا في محارباته، ومصافاته وهو يتخلص منهم بحيله المشهورة وخدعه المخبورة ولم يخلف بعده فيهم صاحب رأي صائب ولا تدبير صالح. هلك سنة 516 هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص 369 - 270).
(6) نهر مدينة حلب. انظر: معجم البلدان لياقوت (4/ 417).
(7) بلدة بالشام بين حلب والرّقة. المصدر السابق (1/ 328).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

مائة للمسلمين، ونبش الفرنج القبور وأخربوا الموتى بأكفانهم، وعمدوا إلى من كان طريا فشدوا الحبال في أرجلهم وسحبوهم مقابل المسلمين"(1).
وكان دُبيس بن صَدقة المار ذكره رافضيًا صاحب شر وفتن وقلاقل، فقد جَرَّ الويلات على دار الخلافة العباسية ببغداد، وبلدان الشام.
قال الذهبي: "وكانت الفرنج لما ملكوا صور طمِعوا، وقويت نُفُوسهم، ثمّ وصل إليهم دُبَيْس بن صَدَقة قبّحه اللَّه، فطمَّعهم أيضًا في المسلمين، وقال: إنّ أهل حلب شيعة ويميلون إلي، ومتى رأوني سلّموها إلي فأكون نائبًا لكم. فساروا معه وحاصروا حلب حصارًا شديدًا"(2).
3 - نتيجة لتلك التحالفات صار الصليبيون يحتلون بلاد المسلمين دون أن يجدوا أي مقاومة من أحد من ولاة المسلمين ففي عام 603 هـ تمكنت قوات الكُرْج(3) الصليبية من احتلال حِصْنَ قُرْسِ بمدينة خلاط(4) بالشام، ورغم استغاثة ولاتها وندائهم المتعدد للمسلمين بنصرتهم والذود عنهم، إلا أن دعوتهم تلك لم تُجب ولم يُوجد لها مُلبٍّ، فاحتلها الصليبيون وأصبحت بلد شرك بعد أن كانت بلد إسلام.
قال ابن الأثير: "في هذه السنة مَلَكَ الْكُرْجُ حِصْنَ قُرْسَ، من أعمال خِلَاطَ، وكانوا قد حصروه مدة طويلة، وضيقوا على من فيه، وأخذوا دَخْلَ الْوِلَايَةِ عدة سنين، وكل من يتولى خِلاط لا ينجدهم، ولا يسعى في راحة تصل إليهم، وكان الوالي بها يواصل رسله في طلب النجدة، وإزاحة من عليه من الْكُرْجِ، فَلَا يُجَابُ لَهُ دُعَاءٌ، فلما طال الأمر عليه، ورأى أن لا ناصر له، صالح الْكُرْجِ على تسليم القلعة على مال كثير وإقطاع يأخذه منهم، وصارت دار شرك بعد أن كانت دار توحيد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ونسأل اللَّه أن يسهل للإسلام وأهله نصرًا من عنده، فإن ملوك زماننا قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم وظلمهم عن سد الثغور وحفظ البلاد"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (7/ 3483 - 3482).
(2) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (11/ 163).
(3) الْكُرْجِ: جيل من الناس نصاري كانوا يسكنون في جبال القبق وبلد السرير فقويت شوكتهم حتى ملكوا مدينة تفليس، ولهم ولاية تنسب إليهم وملك ولغة برأسها وشوكة وقوّة وكثرة عدد. انظر: معجم البلدان لياقوت (4/ 446).
(4) مدينة كبيرة مشهورة قصبة بلاد أرمينية، ذات خيرات واسعة وثمرات يانعة، بها المياه الغزيرة والأشجار الكثيرة. وأهلها مسلمون ونصارى. وكلام أهلها العجمية والأرمنية والتركية. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص 524).
(5) انظر: الكامل لابن الأثير (10/ 249).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

‌‌د- التحالف مع التتار:
كان من نتائج الصراع والتنافس على السلطة أيضًا، أن تحالفَ بعضُ ولاةِ المسلمين مع التتار ضد المسلمين، وبلغ الحال ببعضهم كذلك إلى مراسلة التتار وترغيبهم وحثهم على الاستيلاء على بلاد المسلمين واحتلالها، ومن الأمثلة على ذلك:
1 - ما قام به الأمير سليمان بن المؤيد بن عامر المقدسي العقربائي الطبيب، الزين الحافظي(1)، حيث أطمع هولاكوا باحتلال بلاد الشام، وذلك أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد الأيوبي عام 660 هـ.
قال ابن شاكر الكتبي: "لما جاءت رسل التتار يطلبون البلاد، ويشترطون ما يحمل إليهم من المال فبعث الملك الناصر زين الدين رسولًا إلى هولاكو، فأحسن إليه واستماله، فصار من جهته، ومازج التتار، وتردد في المراسلات مرات، وأطمع التتار في البلاد، وهول على الملك الناصر أمرهم وعظَّم شأنهم، ووصف عساكرهم وصغر شأن الناصر ومن معه من العساكر حتى أوقفه على الحرب؛ فلما جاءت التتار إلى حلب ونازلها هولاكو، هرب الناصر من دمشق إلى مصر، وخرجت عساكر مصر وملكها قطز، فانكسر الناصر وملكت التتار دمشق، وصار زين الدين يأمر بها وينهى، وبقي معه جماعة، حتى كانوا يدعونه الملك زين الدين، ولما كُسر التتارُ على عين جالوت، وانهزم ملك التتار ومن معه من دمشق، توجه زين الحافظي معهم خوفًا على نفسه من المسلمين، وبعد مُدة أحضره هولاكو بين يديه وقال له: ثبتِ عندي خيانتك وتلاعبك بالدول: خدمت صاحب بعلبك(2)، ثم خدمت صاحب جَعْبَرٍ(3)، وصاحب دمشق، وخُنتَ الجميع، وانتقلتَ إليَّ--------------------------------------------
(1) سليمان بن المؤيد بن عامر العقرباني المعروف بالزين الحافظي، وقال له: قد ثبت عندي خيانتك. وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار مع هولاكو دمشق وغيرها مالأ على المسلمين وآذاهم، ودل على عوراتهم، حتى سلطهم اللَّه عليه بأنواع العقوبات والمثلات، وفي الجملة من أعان ظالما سلط عليه، فإن اللَّه ينتقم من الظالم بالظالم، ثم ينتقم من الظالمين جميعا. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 458).
(2) مدينة بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، بها أبنية عجيبة وآثار عظيمة، وقصور على أساطين الرّخام، لا نظير لها في الدنيا. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (ص 208).
(3) قلعة جعبر على الفرات بين بالس والرّقّة قرب صفّين، وكانت قديما تسمّي دوسر فملكها رجل من بني قشير أعمى يقال له جعبر بن مالك. انظر: معجم البلدان لياقوت (2/ 142).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

فأحسنتُ إليك، فشرعت تكاتبُ صاحبَ مصر، وعدد ذنوبه ثم قتله، وقتل أولاده وأقاربه وكانوا نحوًا من خمسين نفرًا"(1).
2 - في عهد الملك السلطان المنصور قلاوون سنة 679 هـ، خرج عليه نائيه بالشام الأمير سنقر الأشقر(2)، وجمَعَ الأمراء وأوهمهم أن السلطان قد قُتل، ودعاهم إلى طاعته وحلَّفهم على موافقته، وتلقب بالملك الكامل وركب بشعار السلطنة، وخُطب له على منبر الجامع بدمشق، فكتب السلطان إلى الأشقر يقبح فعله، وكتب أمراء مصر إليه بذلك ويحثونه على الإذعان وترك الفتنة، فلم يستجب لذلك، فأرسل السلطان إليه جيشًا لمحاريته، فأنزلوا به الهزيمة، وتفرق عنه جيشه، وأُسر عدد من قواده، فهرب سنقر الأشقر، وكتب إلى الملك أبغا بن هولاكو(3) يحثه على الحضور لأخذ البلاد الشامية وكتب معه أيضا الأمير عيسي(4) بمثل ذلك، وهجمت طوائف التتار على أعمال حلب فدخلوها وقد خلت من العسكر فقتلوا ونهبوا وسبوا وأحرقوا الجامع والمدارس ودار السلطنة ودور الأمراء، وأقاموا بها يومين يكثرون الفساد بحيث لم يسلم منهم إلا من اختفي في المغائر والأسرية، ثم رحلوا عنها عائدين إلى بلادهم بما أخذوه وتفرقوا في مشاتيهم(5).
وبهذا يتبين أن الصراع والتنافس على السلطة من الأسباب التي أدت إلى وهن المسلمين وضعفهم وتفرقهم وتسلط الأعداء عليهم.--------------------------------------------
(1) انظر: فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (2/ 77 - 78).
(2) شُنْقُر الأشقر، الأمير الكبير، الملك الكامل، شمس الدِّين الصّالحيّ، من أعيان البحريّة، حبسه الملك الناصر بحلب أو غيرها، فَلَمّا استولى هولاكو على الشَّام وجده محبوسًا فأخرجه وأنعم عليه وأخذه معه، فبقي عند التَّتَار مُكَرَّمًا وتأهَّل وجاءته الأولاد، وخُلّص وقِدم، فأكرمه الملك الظاهر وسُرّ بقدومه وأعطاه مائة فارس، ثُمَّ وُلّي نيابة دمشق سنة ثمان وسبعين، ثُمَّ تسلطن بدمشق فِي آخر السَّنَة، وآخر أمرة أنّ الملك الأشرف صلاح الدِّين فِي آخر العام خنقه. انظر: التاريخ للذهبي (15/ 728).
(3) أبْغا بُن هولاكو، ملك التّتار، وصاحب العراق والجزيرة وخُراسان وغير ذلك، ويقال فيه: أباقا. مات بنواحي همذان بين العيدين، وله نحوٌ من 50 سنة، كان كافر النّفس، سفّاكًا للدماء، قتل فِي الروم خلْقًا كثيرًا؛ لكونهم دخلوا في طاعة الملك الظاهر، وفرحوا بمجيئه إليهم، مات سنة 680 هـ، فكانت أيامه 17 سنة وثمانية أشهر. انظر: المصدر السابق (15/ 387).
(4) عيسي بْن مُهَنًا، أمير عرب الشّام وشيخ آل فضل، الأمير شَرَف الدّين. كَانَ ذا منزلة عظيمة عند السّلطان الملك المنصور، وقد ملّكه السلطان مدينة تدْمُر بحكم البيع وأورد عَنْه ثمنها، وكان كريم الأخلاق، حَسَن الجوار، مكفوف الشّرّ، يرجع إلى خير وعقل ورياسة، ولم يكن أحدٌ يضاهيه من ملوك العرب، وله أثر صالح فِي يوم المصافّ بحمص مَعَ مَنْكُوتمُر. توفي سنة 683 هـ. نفس المصدر (15/ 502).
(5) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (2/ 127 - 136).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

‌‌الحالة العلمية
كانت الحالة العلمية في بلاد الشام في هذا القرن تتسم بالنشاط وغزارة التأليف، والموسوعية في التصنيف، وقد كان لذلك أسباب عدة وهي:

‌‌أولًا: هجرة العلماء إلى بلاد الشام:
فقد أدى الغزو المغولي للعراق في منتصف القرن السابع إلى هجرة كثير من العلماء إلى الشام ومصر والحجاز.
وكانت بغداد مليئة بالعلم والعلماء والقضاة من المذاهب الأربعة إلى أن هجم التتار عليها وأفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل.
قال عنها الإمام الذهبي: "هي أعظم بلاد العراق بُنيت في آخر أيام التابعين، وأولُ من بثّ فيها الحديث هشام بن عروة، وبعده شعبة، وهشيمٌ، وكثر بها هذا الشأن، فلم تزل معمورةً بالأثر والخبر إلى زمن الإمام أحمد بن حنبل، ثم أصحابه، وهي دار الإسناد العالي والحفظ، ومنزل الخلافة والعلم، إلى أن استؤصِلت في كائنة التتار الكفرة، فبقيت على نحو الربع"(1).
قال الحافظ السخاوي معلقا على ذلك: "ثم تزايد خرابها حتى لم يبق فيها من يعرف شيئًا من العلم، والأمر للَّه تعالى"(2).
وهناك من العلماء من هاجر إلى الشام لغير ذلك، إما بحثا عن العلم وأهله، أو تنقلًا من بلد إلى بلد طلبًا للرزق، ونحو ذلك.
وهذه أمثلة لبعض العلماء الذين هاجروا من العراق ومن غيرها من البلدان إلى الشام:

‌‌1 - الإمام تاج الدين أبو اليُمن الكندي المتوفى سنة 613 هـ:
زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن، تاج الدين أبو اليُمن الكندي البغدادي ثم الدمشقي النحوي اللغوي المقرئ الحافظ المحدث الجامع لأسباب الفضائل، محط الركبان، حسنة الزمان، كان أعلى أهل الأرض إسنادا في القراءات، سمع الحديث على الكبار، وبقي مسند الزمان في القراءات والحديث، ولد ببغداد في شعبان سنة عشرين وخمسمائة، وتوفي بدمشق سنة ثلاث عشرة وستمائة، فانقطع بموته إسناد عظيم وكتب كثيرة(3).--------------------------------------------
(1) انظر: الأمصار ذوات الآثار للذهبي (ص 33 - 34).
(2) انظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي (281).
(3) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (13/ 364) ومعجم الأدباء لياقوت الحموي (3/ 1330 - 1331).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

‌‌2 - الإمام الأصولي المتكلم سيف الدين الآمدي المتوفي سنة 631 هـ:
العلامة المصنف فارس الكلام سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي الحنبلي، ثم الشافعي، ولد سنة نيف وخمسين، وقرأ القراءات، وتفنن في حكمة الأوائل، فرَقَّ دِينه وأظلم، وكان يتوقد ذكاء وألف في الأصلين، والحكمة المشؤومة، والمنطق، والخلاف، وله كتاب "أبكار الأفكار" في الكلام، و"منتهى السول في الأصول"، وطريقة في الخلاف، وله نحو من عشرين تصنيفا، ثم تحول إلى دمشق، ودرس بالعزيزية مدة، ثم عزل عنها لسبب اتهم فيه، وأقام بطالًا في بيته، ومات في رابع صفر، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وله ثمانون سنة، قال ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف حتى إنه أورد على نفسه سؤالا في تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جوابا، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه إثبات الصانع، ولا حدوث العالم، ولا وحدانية اللَّه، ولا النبوات، ولا شيئًا من الأصول الكبار(1).

‌‌3 - الإمام الحافظ سبط ابن الجوزي المتوفي سنة 654 هـ:
أبو المظفر شمس الدين يوسف بن قزاوغلي بن عبد اللَّه البغدادي ثم الدمشقي، الواعظ المشهور سبط الإمام أبي الفرج ابن الجوزي، محدث، حافظ، فقيه، مفسر، مؤرخ، واعظ، ولد ببغداد سنة 581 هـ، وقدم دمشق فوعظ بها وحصل له القبول العظيم للطف شمائله وعذوبة وعظه، وكان وافر الحرمة عند الملوك، كانت وفاته بالشام حيث توفى بمنزله في سفح قاسيون بدمشق، في شهر ذي الحجة سنة 654 هـ(2).

‌‌4 - الإمام المفتي جمال الدين الأنباري المتوفي سنة 661 هـ:
عبد الرحمن بن سالم بن يحيى بن خميس بن يحيى بن هبة اللَّه، الإمام المفتي جمال الدين أبو محمد الأنصاري الأنباري الأصل البغدادي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي، نسخ بخطه كثيرًا من كتب العلم، وكان صحيح النقل، جيد الشعر، دينا، صالحا، ومات في سلخ ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، وكان يسكن بالجامع، بالمنارة الغربية(3).

‌‌5 - الإمام شيخ العربية والنحاة ابن مالك الجياني المتوفى سنة 672 هـ:
محمد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن مالك، العلامة الأوحد، جمال الدين، أبو عبد اللَّه الطائي، الجياني، الشافعي، النحوي، نزيل دمشق، ولد سنة ستمائة أو سنة إحدى وستمائة، وسمع بدمشق وأخذ العربية عن غير--------------------------------------------
(1) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (22/ 364).
(2) انظر: ذيل مرآة الزمان لقطب الدين اليونيني (1/ 39) ومعجم المؤلفين لعمر بن رضا كحالة (13/ 342).
(3) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (15/ 39).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

واحد، وتصدر بحلب لإقراء العربية وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق، وأربى على المتقدمين، وكان إماما في القراءات وعللها؛ صنف فيها قصيدة دالية مرموزة في مقدار "الشاطبية"، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها والإطلاع على وحشيها، وأما النحو والتصريف فكان فيه بحرًا لا يجاري وحَبرًا لا يبارى، وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيه ويتعجبون من أين يأتي بها، وكان نظم الشعر سهلا عليه، رجزه وطويله وبسيطة وغير ذلك، هذا مع ما هو عليه من الدين المتين وصدق اللهجة وكثرة النوافل، وحسن السمت، ورقة القلب وكمال العقل والوقار والتؤدة، أقام بدمشق مدة يصنف ويشغل. وتصدر بالتربة العادلية وبالجامع المعمور وتخرج به جماعة كثيرة.
وصنف كتاب "تسهيل الفوائد في النحو" وكتاب "سبك المنظوم وفك المختوم"، وكتاب "الشافية الكافية"، وكتاب "الخلاصة" وشرحها، وكتاب "إكمال الإعلام بتثليث الكلام"، و"المقصور والممدود"، و"فعل وأفعل"، و"النظم الأوجز فيما يهمز"، و"الاعتقاد في الطاء والضاد" وتصانيف أخر مشهورة، توفي رحمه الله في ثاني عشر شعبان، وقد نيف على السبعين(1).

‌‌6 - الإمام الفقيه المؤرخ أبو بكر أحمد بن خلكان المتوفى سنة 681 هـ:
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان، قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وستمائة، وسمع بها "صحيح البخاري" وكان إمامًا فاضلًا بارعًا متفننًا عارف بالمذهب، حسن الفتاوى جيد القريحة بصيرًا بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة، وافر الحرمة، من سروات الناس، قدم دمشق في شبيبته، وقد تفقه بالموصل، ودخل الديار المصرية، وسكنها مدة وتأهل بها، ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفردًا بالأمر، ثم أقيم معه القضاة الثلاثة في سنة أربع وستين، وقدم من الديار المصرية، فدخل دخولًا لم يبلغنا أن قاضي دخل مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغلات والشهود، وكان يومًا مشهودًا. وجلس في منصب حكمه وتكلمت الشعراء، وكان كريمًا جوادًا مدحًا، وقد جمع كتابًا نفيسًا في "وفيات الأعيان" وتوفي عشية نهار السبت 26 من رجب، وشيعة خلائق(2).--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق للذهبي (15/ 249 - 251).
(2) انظر: نفس المصدر للذهبي (15/ 445).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

‌‌7 - أسرة الأئمة آل تيمية:
وهي من الأسر العلمية المشهورة، وقد هاجرت من حران إلى الشام.
قال الحافظ ابن عبد الهادي في ترجمة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولد شيخنا أبو العباس بحران يوم الاثنين عَاشر -وقيل ثاني عشر- شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وسافر والداه بِهِ وبإخوته إلى الشام عند جور التتار، فساروا بالليل وَمَعَهُمْ الْكتب على عجلة لعدم الدَّوَابّ، فكاد الْعَدو يلحقهم ووقفت العجلة، فابتهلوا إلى اللَّه واستغاثوا به فنجوا وسَلِموا، وقدموا دمشق في أثنَاء سنة سبع وستين وستمائة"(1).

‌‌8 - الإمام المحدث الحافظ سعد الدين الحارثي الحنبلي المتوفى سنة 711 هـ:
مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد بن عياش الحارثي البغدادي، ثم المصري الفقيه، المحدث الحافظ، قاضي القضاة سعد الدين أبو محمد، وأبو عبد الرحمن: ولد سنة اثنين -أو ثلاث- وخمسين وستمائة عني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير. وخرج لجماعة من الشيوخ معاجم، وكان يكتب خطا حسنا حلوا متقنا. وخطه معروف، وحج غير مرة. ودرس بعدة أماكن، كالمنصورية، جامع الحاكم، وولي القضاء سنتين ونصفا. وكان سُنيًا أثريًا، متمسكًا بالحديث.
قال الذهبي في معجمه: "كان فقيهًا مناظرًا مفتيًا، عالمًا بالحديث وفنونه، حسن الكلام عليه وعلى الأسماء، ذا حظ من عربية وأصول، خرج لغير واحد، وأقرأ المذهب ودرس، ورأس الحنابلة".
وقال في المعجم المختص: "كان عارفا بمذهبه، بصيرا بكثير من الحديث وعلله ورجاله. مليح التخريج، من كبار أهل الفن، وتوفي في سحر يوم الأربعاء رابع عشر في الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة، ودفن من يومه بالقرافة"(2).

‌‌9 - الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هـ:
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين بن محمد بن مسعود، الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة، زين الدين أبو الفرج بن الشيخ الإمام المقرئ المحدث شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي قدم مع والده وهو صغير وأجازه ابن النقيب وأجاز له النووي وسمع بنفسه بمكة على الفخر عثمان بن يوسف واشتغل بسماع الحديث باعتناء والده. . . وله مصنفات مفيدة شرح الترمذي وشرح أربعين النواوي وشرح في شرح البخاري سماه فتح الباري في شرح البخاري ونقل فيه كثيرا من كلام المتقدمين وكتاب اللطائف في الوعظ--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص 18 - 19).
(2) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (4/ 398).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

وأهوال القبور والقواعد الفقهية تدل على معرفة تامة بالمذهب وله طبقات الحنابلة وغير ذلك درس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية وكان لا يعرف شيئًا من أمور الناس ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات وكان يسكن المدرسة السكرية بالقصاعين توفي ليلة الاثنين رابع رمضان سنة خمس وتسعين وسبعمائة"(1).

‌‌ثانيًا: جهود العلماء في نشر العلم:
لقد اجتهد كثير من العلماء في تلك القرون في نشر العلم والتأليف فيه، وتميزت دمشق من بين بلدان الشام بأنها منارة للعلم والعلماء، جمعت المحدثين والمقرئين والفقهاء، وهاجر إليها أثناء وقعت التتار كثير من العلماء.
قال الذهبي: "نزلها عدّةٌ من الصحابة منهم بلال الصحابيّ والمؤذن لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم له وغيرُه، وكثر بها العلم في زمن معاوية، ثم في زمن عبد الملك وأولاده، وما زال بها الفقهاء، والمقرئون، والمحدّثون في زمن التابعين وتابعيهم. . . وهي دار قرآنٍ وحديثٍ وفقهٍ، وتناقص العلم بها في المائة الرابعة، والخامسة، وكثر بعد ذلك، ولا سيّما في دولة نور الدين، وأيام محدّثها ابن عساكرٍ، والمقادسة النازلين بسفحها، ثم تكاثر بعد ذلك بابن تيميّة، والمزّيّ، وأصحابها، وللَّه الحمد"(2).

‌‌ثالثًا: اعتناء الملوك والسلاطين بالعلم والعلماء:
ظهر في تلك القرون اعتناء الملوك والسلاطين بالعلم والعلماء، فبنوا الجوامع والمدارس، وأوقفوا الأوقاف عليها، وجالسوا العلماء وتعلموا منهم ورووا عنهم، ومن الأمثلة لذلك:
1 - لما استقر الإمام أبو اليُمْن الكندي بالشام أصبح ملك الشام الملك المعظم بن الملك العادل يحضر دروسه، وكذلك حضرها عدد من القادة والرؤساء.
قال الإمام ياقوت الحموي: "رأيت الملك المعظم بن الملك العادل، وهو صاحب الشام والمتملك عليها، وهو يقصد منزله راجلًا ليقرأ عليه النحو، ولا يكلّفه مشقة المجيء إلى خدمته، ورأيت على بابه من المماليك الأتراك وغيرهم ما لا يكون إلا على باب ملك"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لابن مفلح (2/ 81 - 82).
(2) انظر: الأمصار ذوات الآثار للذهبي (ص 23 - 27).
(3) انظر: معجم الأدباء لياقوت الحموي (3/ 1333).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

2 - عندما أقام سيف الدين الآمدي بدمشق واجه مصاعب، بسبب ميله للكلام والفلسفة، ومع إجلال ملوك الشام للعلماء إلا أنهم أبغضوه لذلك.
كان أولاد الملك العادل كلهم يكرهونه لما اشتهر عنه من الاشتغال بالمنطق وعلم الأوائل، وكان يدخل على المعظم -والمجلس غاص بأهله- فلم يتحرك له، فقلت له: قم له عوضا عني، فقال: ما يقبله قلبي. ومع ذلك ولاه تدريس العزيزية، فلما مات المعظم، أخرجه منها الأشرف، ونادي في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته، فأقام السيف خاملًا في بيته قد طفئ أمره إلى أن مات، ودفن بقاسيون بتربته(1).
3 - ما اشتهر به الملك العادل السلطان نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله من تعظيم للعلم والعلماء، وإنشاء دار للحديث بدمشق، وهو أول من فعل ذلك رحمه الله.
قال ابن الأثير عنه: "كان يفعل بالعلماء من التعظيم والتوقير والاحترام، ويجمعهم عنده للبحث والنظر، فقصدوه من البلاد الشاسعة من خراسان وغيرها، وبنى بدمشق أيضًا دارًا للحديث، ووقف عليها وعلى من بها من المشتغلين بعلم الحديث وقوفًا كثيرة، وهو أول من بنى دارًا للحديث فيما علمناه، وكان مجلسه كما روي في صفة مجلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مجلس حلم وحياء لا تؤبن فيه الحُرُم، وهكذا كان مجلسه لا يُذكر فيه إلا العلم والدين وأحوال الصالحين، والمشورة في أمر الجهاد وقصد بلاد العدو، ولا يتعدى هذا"(2).
4 - عناية السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بالعلم والرواية، وخاصة القرآن الكريم والحديث الشريف، فكان يحضر مجالس الرواية، ويعتني بها، ويحرص على الأسانيد العالية.
قال ابن شداد عنه: "وكان رحمه اللَّه تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه ويشترط أن يكون عالمًا بعلم القرآن العظيم متقنًا لحفظه، وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع، وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك، وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده وماليكه المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالًا له. وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (14/ 50).
(2) انظر: التاريخ الباهر لابن الأثير (ص 171 - 173).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني(1) بالإسكندرية حرسها اللَّه تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة، وكان رحمه اللَّه تعالى يحب أن يقرأ الحديث بنفسه وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئًا من كتب الحديث ويقرأها هو فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه"(2).
5 - ما تميز به السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي المتوفي عام 741 هـ من صفات جليلة، واهتمام بالعلم والعلماء، وعنايته بمجالس العلم والرواية، واختيار من هو أهلٌ للمناصب الشرعية.
قال الحافظ ابن حجر: "ولم ير أحدٌ مثل سَعَادَةِ مُلْكِهِ وعَدم حَرَكةِ الأعادي عليه برًا وبحرًا مع طول المدة، فمنذ وقعة شَقْحَب إلى أن مات لم يخرج عليه أحد، ووجدت له إجازة بخط البرزالي من ابن مُشرق وعيسى المغاري وجماعة، وسمع من ست الوزراء، وابن الشحنة، وخرج له بعض المحدثين جزءًا، وكان مطاعًا مهيبًا عارفًا بالأمور، يُعظِّمُ أهلَ العلم، والمناصب الشرعية لا يقرر فيها إلا من يكون أهلًا لها ويتحرى لذلك ويبحث عنه ويبالغ"(3).
بهذا كانت الأمة منصورة، ودول الكفر مقهورة، فالعلم هو خير ما سَعى له المرء وبه عَمِل، والعلماء هم ورثة الأنبياء والرسل.

‌‌رابعًا: بناء دور الحديث والمدارس:
لقد اهتم العلماء والسلاطين ببناء دور الحديث والمدارس، وعينوا علماء شيوخًا يتولونها، ورتبوا أوقافًا للشيوخ والطلاب، لتقوم بكفايتهم في ما يحتاجونه من المأكل والملبس والمسكن، وكان لتلك المدارس ودور الحديث وللشيوخ والعلماء أكبر الدور في نشر العلم وحفظه.
ومن أمثلة ذلك:

‌‌أ- دار الحديث الضيائية:
تقع في جبل قاسيون ظاهر دمشق، وهي منسوبة للإمام الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل، أبو عبد اللَّه السعدي المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي المتوفى سنة 643 هـ.--------------------------------------------
(1) هو الإمام المشهور أبو طاهر السِّلفي الأصبهاني.
(2) انظر: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد (ص 36 - 37).
(3) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (5/ 408).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)