قال الذهبي: "بنى مدرسة على باب الجامع المظفري، وأعانه عليها بعض أهل الخير، وجعلها دار حديث، وأن يسمع فيها جماعة من الصبيان، ووقف بها كتبه وأجزاءه، ووقف بها كتبه وأجزاءه، وفيها من وقف الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ عبد الغني، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل، والشيخ علي الموصلي"(1).
وكان الإمام ضياء الدين المقدسي قد رحل في طلب الحديث والعلم إلى أقطار شتى، وحصل الكثير من الكتب والأصول النفيسة هبةً وشراءً ونسخًا، وجعل كل ذلك مع كتبه القيمة التي ألفها وقفًا في دار الحديث الضيائية.
قال ابن كثير: "سمع الحديث الكثير، وكتب كثيرًا، ورحل وطاف وجمع وصنف وألف كتبًا مفيدة حسنة كثيرة الفوائد، من ذلك كتاب "الأحكام" ولم يتمه، وكتاب "المختارة" وفيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من "مستدرك الحاكم" لو كمل، وله "فضائل الأعمال"، وغير ذلك من الكتب الحسنة الدالة على حفظه واطلاعه وتضلعه من علم الحديث متنًا وإسنادًا، وكان رحمه الله في غاية العبادة والزهادة والورع والخير، وقد وقف كتبًا كثيرة عظيمة بخطه خزانة المدرسة الضيائية التي وقفها على أصحابهم من أهل الحديث والفقهاء، وقد وقفت عليها أوقافٌ أُخَر كثيرة بعد ذلك"(2).
وقال الصفدي: "وقدم دمشق بعد خمسة أعوام بعلم كثير وحصل أصولا نفيسة فتح اللَّه بها عليه هبةً وشراءً ونسخًا"(3).
وقال يوسف بن عبد الهادي: "وكان بهذه المدرسة كتب الدنيا والأجزاء الحديثية، حتى يُقال إنه كان فيها خط الأئمة الأربعة، حتى يُقال: إنه كان فيها التوراة والإنجيل"(4).
وكان من أشهر القيّمين عليها الأثمة آل المحب الصامت رحمهم الله.
ومن أشهرهم المؤلف الإمام شمس الدّين أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي رحمه الله.--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (14/ 476).
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 285).
(3) انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (4/ 88).
(4) انظر: القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون (1/ 138).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
قال يوسف بن عبد الهادي في ترجمته: "وكانت معهم خزانة الضيائية، فمن ثمَّ كثر سماعهم واتسعت معارفهم بذلك. . . وقلَّ جزء من أجزاء الضيائية أو من كتب الحديث إلا وعليه خطّه. . . وسمعنا قديمًا وشاهدنا من صورة الحال: قَلَّ كتاب من كتب الدنيا لا سند فيه لابن المحب"(1).
ب- دار الحديث السُّكَّرِيَّةِ:
كانت بيتًا لأحد الرؤساء العدول يقال له: شرف الدين بن السُّكَّري، فجعلها دارًا للحديث وأوقفها على العلماء وطلبة العلم من أهل الحديث توفي عام 761 هـ.
قال الذهبي: "شرف الدين ابن السكري، عدلٌ رئيسٌ مشهورٌ، وقف داره بالقصاعين لأهل العلم والحديث، وهي التي يسكنها شيخنا ابن تيمية"(2).
وأول من تولى مشيخة هذه الدار الإمام عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، وبعد وفاته تولاها ابنه شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية.
قال ابن كثير: "الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم بن تيمية الحراني -والد شيخنا العلامة العلم تقي الدين ابن تيمية- مفتي الفرق، الفارق بين الفرق، كانت له فضيلة حسنة ولديه فوائد كثيرة، وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصَّاعين، وبها كان مسكنه، ثم درَّس ولده الشيخ تقي الدين بها بعده في السنة الآتية"(3).
وكان هذا الدرس الذي ألقاه شيخ الإسلام ابن تيمية درسا هائلًا، عظيم النفع والفوائد، حتى إن شيخه تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية كتبه بخطه لكثرة فوائده.
قال الذهبي عن الشيخ تاج الدين الفزاري: "وكان يبالغ في تعظيم الشيخ تقي الدين ابن تيمية بحيث أنه علق بخطه درسه بالسكرية"(4).
وقال ابن كثير: "في يوم الاثنين ثاني المحرم منها درس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين، وحضر--------------------------------------------
(1) انظر: الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد ليوسف بن عبد الهادي (ص 120 - 121).
(2) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (14/ 476).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 592).
(4) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
عنده قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي الشافعي، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين ابن المرحل، وزين الدين بن المنجا الحنبلي، وكان درسًا هائلًا حافلًا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون، وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين"(1).
ج - دار الحديث الأشرفية الجوانية:
بناها الملك الأشرف أبو الفتح مظفَّر الدين موسى بن الملك العادل محمد الأيوبي، حيث أُسست بدمشق سنة 628 هـ(2)، وتم افتتاحها سنة 630 هـ ليلة النصف من شعبان من تلك السنة، وقُرئ بها أولًا صحيح البخاري. قال الذهبي في أحداث سنة 630 هـ: "وفيها فراغُ دار الحديث الأشرفية، وفتحت ليلة نصف شعبان، وقرئ بها "البخاري" على ابن الزبيدي(3)، وسمعه خلائق"(4).
وكان شرطُ واقِفها فيمن يتولى مشيختها: أن يكون على مذهب الشافعي وأن تجتمع فيه الرواية والثاني الدراية، فإذا انفرد اثنان أحدهما مختص بالرواية والآخر بالدراية قُدِّمَ من اختص بالرواية(5).
وهناك عدد من العلماء الكبار الذين تولوا مشيخة هذه الدار، وألفوا مؤلفات قيمة قُرئت فيها على مدى الأيام، واشتهرت بين الأنام، ومنهم:
1 - الشيخ تقي الدين بن الصلاح الكردي الشهرزوري الشافعي المتوفى سنة 643 هـ:
وهو أول من تولى التدريس بها. قال ابن خلكان: "ولما بنى الملك الأشرف بن الملك العادل بن أيوب رحمه اللَّه تعالى دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 593).
(2) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (16/ 372).
(3) الشيخ الإمام الفقيه الكبير مسند الشام، سراج الدين، أبو عبد اللَّه الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم الربعي الزبيدي الأصل البغدادي البابصري الحنبلي، ولد سنة 545 هـ وروى ببغداد، ودمشق، وحلب. وكان إماما دينا، خيرا، متواضعا، صادقا فرح الأشرف صاحب دمشق بقدومه، وأخذه إلى عنده في أثناء رمضان من العام، وسمع منه "الصحيح" في أيام معدودة، وأنزله إلى دار الحديث، وقد فتحت من نحو شهر، فحشد الناس وازدحموا، وسمعوا الكتاب، ثم أخذه أهل الجبل، وسمعوا منه الكتاب ومسند الشافعي، واشتهر اسمه، ورد إلى بلده، فقدم متعللا، وتوفي سنة 631 هـ. انظر: المصدر السابق (22/ 359).
(4) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (13/ 660).
(5) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (5/ 648 - 650) وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 75).
(6) انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (3/ 244).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وقال الذهبي: "كان حسن الاعتقاد على مذهب السلف، يرى الكف عن التأويل، ويؤمن بما جاء عن اللَّه ورسوله على مرادهما، ولا يخوض ولا يتعمق"(1).
2 - الإمام عماد الدين ابن الحرستاني عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الشافعي المتوفي سنة 662 هـ:
قال عنه الذهبي: "ولي قضاء القضاة بعد والده من جهة السلطان الملك العادل، وقد ناب عن والده في القضاء ثم عُزل. . . وولي الخطابة مدة، وكان من كبار الأئمة وشيوخ العلم، مع التواضع والديانة وحسن السمت والتجمل، وولي مشيخة الأشرفية بعد ابن الصلاح"(2).
3 - الإمام شهاب الدين أبو شامة المقدسي الشافعي المتوفى سنة 665 هـ:
قال ابن كثير: "في جمادى الآخرة منها درس الشيخ شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي بدار الحديث الأشرفية، بعد وفاة القاضي عماد الدين بن الحرستاني، وحضر عنده القاضي شمس الدين ابن خلكان وجماعة من الفضلاء والأعيان، وذكر خطبة كتابه "المبعث" وأورد الحديث بسنده ومتنه، وذكر فوائد كثيرة مستحسنة، ويقال: إنه لم يراجع شيئًا حتى أورد درسه، ومثله لا يستكثر عليه ذلك"(3).
وقال الذهبي: "ولي مشيخة القراءة بتربة الملك الأشرف، ومشيخة دار الحديث، وكان مع فرط ذكائه وكثرة علمه، متواضعا مطرحا للتكلف"(4).
4 - الإمام النووي يحيى بن شرف الحزامي الشافعي المتوفى سنة 676 هـ:
قال الذهبي: "الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الحوراني الشافعي، صاحب التصانيف النافعة: مولده في المحرم سنة 631 هـ. . . سمع الكتب الستة والمسند والموطأ وشرح السنة للبغوي وسنن الدارقطني وأشياء كثيرة. . . لازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والأوراد والصيام والذكر والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها. . مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (14/ 475).
(2) انظر: نفس المصدر للذهبي (15/ 56).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 454).
(4) انظر: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للذهبي (1/ 362).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
من الشوائب ومحقها من أغراضها كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله رأسًا في معرفة المذهب. . . ولي مشيخة دار الحديث. . . سنة خمس وستين بعد أبي شامة إلى أن مات"(1).
وقال تلميذه ابن العطار: "قرئ عليه "البخاري" و"مسلم" بدار الحديث الأشرفية بحثًا وسماعًا، وحَضَرْتُ مسلمًا وأكثر البخاري، وقطعة من سنن أبي داود"(2).
5 - الإمام شيخ الشافعية زين الدين الفارقي المتوفى سنة 703 هـ:
قال ابن كثير: "زين الدين الفارقي عبد اللَّه بن مروان بن عبد اللَّه بن فهر بن الحسن، أبو محمد الفارقي شيخ الشافعية، ولد سنة 633 هـ، وسمع الحديث الكثير، واشتغل ودرس في عدة مدارس، وأفتى مدة طويلة، وكانت له همة، وشهامة، وصرامة، وكان يباشر الأوقاف جيدا، وهو الذي عمر دار الحديث بعد خرابها زمن قازان، وقد باشرها سبعا وعشرين سنة من بعد النووي إلى حين وفاته"(3).
6 - الإمام شيخ الشافعية صدر الدين بن الوكيل الشافعي المتوفى سنة 716 هـ:
وقد ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سبع سنين(4).
قال ابن كثير: "صدر الدين بن الوكيل، هو العلامة أبو عبد اللَّه محمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد، المعروف بابن المرحل وبابن الوكيل، شيخ الشافعية في زمانه، وأشهرهم في وقته بالفضيلة، وكثرة الاشتغال، والمطالعة، والتحصيل، والافتنان في العلوم العديدة، وقد أجاد معرفة المذهب والأصلين، ولم يكن في النحو بذاك القوي، فكان يقع منه اللحن الكثير، مع أنه قرأ فيه "المفصل" للزمخشري، وكانت له محفوظات كثيرة، ولد في شوال سنة خمس وستين وستمائة، وسمع الحديث على المشايخ، من ذلك "مسند الإمام أحمد" على ابن علان، و"الكتب الستة"، وقرئ عليه قطعة كبيرة من "صحيح مسلم" بدار الحديث. . . وكان يتكلم على الحديث بكلام مجموع من علوم كثيرة من الطب والفلسفة وعلم الكلام -وليس ذلك بعلم- وعلوم الأوائل، وكان يكثر من ذلك، وكان يقول الشعر جيدًا، وله ديوان مجموع مشتمل على أشياء لطيفة، وكان له أصحاب يحسدونه ويحبونه، وآخرون يحسدونه ويبغضونه، وكانوا يتكلمون فيه بأشياء، ويرمونه بالعظائم، وقد كان مسرفا على نفسه، قد ألقى جلباب الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات--------------------------------------------
(1) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 174 - 176).
(2) انظر: تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين لعلاء الدين علي بن إبراهيم بن العطار (ص 61).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 38).
(4) انظر: فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (4/ 14).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
والفواحش، وكان ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية، ويناظره في كثير من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافح عن طائفته، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يثني عليه، وعلى علومه، وفضائله، ويشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة، وكان يقول: كان مخلطًا على نفسه، متبعًا مراد الشيطان منه، يميل إلى الشهوة والمحاضرة، ولم يكن كما يقول فيه بعض أصحابه ممن يحسده ويتكلم فيه، هذا أو ما هو في معناه، وقد درس بعدة مدارس بمصر والشام. . .ودار الحديث الأشرفية، وولي في وقت الخطابة أياما يسيرة كما تقدم، ثم قام الخلق عليه وأخرجوها من يده، ولم يرق منبرها"(1).
7 - الإمام كمال الدين الزَّملكاني الشافعي المتوفي سنة 727 هـ:
قال الذهبي: "محمد بن علي بن عبد الواحد، ابن خطيب زملكا، شيخنا قاضي القضاة عالم العصر كمال الدين أبو المعالي الأنصاري السِّمَاكِي الزَّمَلْكَانِيُّ، طلب بنفسه وقتا، وقرأ على الشيوخ، ونظر في الرجال والعلل شيئًا، وكان عذب القراءة سريعها، وكان من بقايا المجتهدين ومن أذكياء أهل زمانه، درس وأفتى وصنف وتخرج به الأصحاب، توفي سنة 727 هـ"(2).
وقال ابن كثير: "وفي يوم الخميس سادس عشر شعبان باشر الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مشيخة دار الحديث الأشرفية، عوضًا عن ابن الوكيل، وأخذ في التفسير، والحديث، والفقه، فذكر من ذلك دروسًا حسنة، ثم لم يستمر بها سوى خمسة عشر يوما حتى انتزعها منه كمال الدين بن الشريشي، فباشرها يوم الأحد ثالث شهر رمضان"(3).
8 - الإمام كمال الدين بن الشريشي المتوفي سنة 718 هـ:
قال ابن كثير: "الشيخ كمال الدين بن الشريشي أحمد بن الإمام العلامة جمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن سحمان البكري الوائلي الشريشي، كان أبوه مالكيا كما تقدم، واشتغل هو في مذهب الشافعي، فبرع، وحصل علوما كثيرة، وكان خبيرا بالكتابة مع ذلك، وسمع الحديث، وكتب الطباق وقرأه بنفسه، وأفتى، ودرس، وناظر، وباشر عدة مدارس ومناصب كبار. . .ومشيخة دار الحديث الأشرفية ثمان سنين، وكان مشكور السيرة فيما تولاه من الجهات كلها، وقد عزم في هذه السنة على الحج، فخرج بأهله،--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 160 - 162).
(2) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص 246 - 247).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 105).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
فأدركته منيته. . .في سلخ شوال من هذه السنة رحمه الله، وتولى بعده دار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المزي"(1). قال الصفدي: "وكان ابن الشريشي قد وليها بعد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني"(2).
وقال ابن كثير: "وذلك بإشارة الشيخ تقي الدين ابن تيمية"(3).
9 - الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي المتوفي سنة 742 هـ:
قال الذهبي: "هو حَافظ الْعَصْر ومحدث الشَّام ومصر، وحامل لِوَاء الْأَثر، وعالم أنواع نعوت الخبر، صاحب معضلاتنا وموضح مشكلاتنا، الشيخ جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف ابن علي بن عبد الملك ابن أبي الزهر القضاعي الكلبي المزي، الحلبي المولد، خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ، مولده بظاهر حلب في عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة وطلب الحديث في أول سنة خمس وسبعين وهلم جرا وإلى الآن لا فتر ولا قصر، ولا عن العلم والرواية تأخر. . .وسمع الكتب الأمهات المسند والكتب الستة، والمعجم الكبير، والسيرة، والموطأ من طرق، والزهد، والمستخرج على مسلم، والحلية، والسنن للبيهقي، ودلائل النبوة، وتاريخ الخطيب، والنسب للزبير، وأشياء يطول ذكرها، ومن الأجزاء ألوفًا ومشيخته نحو الألف. . .ولقد كان بين المزي وابن تيمية صحبة أكيدة، ومرافقة في السماع، ومباحثة واجتماع، وود وصفاء، والشيخ هو الذي سعى للمزي في توليته دار الحديث"(4).
قال ابن قاضي شهبة: "برع في فنون الحديث، وأقر له الحفاظ من مشايخه وغيرهم بالتقديم، وحدث بالكثير نحو خمسين سنة، فسمع منه الكبار والحفاظ، وولي دار الحديث الأشرفية ثلاثًا وعشرين سنة ونصفًا"(5).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما باشر المزي دار الحديث الأشرفية: "لم يلِ هذه المدرسة من حين بنائها الى الآن أحق بشرط الواقف منه"(6). تقول الواقف: "فإن اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية"(7).--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 187 - 188).
(2) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (4/ 684).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 32).
(4) انظر: ثلاث تراجم نفيسة للمزي وابن تيمية والبرزالي للذهبي (ص 50 - 56).
(5) انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 75).
(6) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (5/ 648 - 650).
(7) انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
قال ابن كثير: "وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشر الشيخ الإمام العلامة الحافظ الحجة، شيخنا ومفيدنا، أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضًا عن كمال الدين بن الشريشي، ولم يحضر عنده كبير أحد لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، ولا أحفظ منه، وما عليه منهم إذ لم يحضروا عنده، فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم عنه أُنْس"(1).
د - دار الحديث الأشرفية البرانية:
ويقال لها أيضًا المقدسية، وقد أنشأها كذلك الملك الأشرف أبو الفتح مظفَّر الدين موسى بن الملك العادل محمد الأيوبي، وجعلها خاصة بالحنابلة، وكان ابتداء بنائها سنة 629 هـ، وجُعل شيخها الإمام جمال الدين عبد اللَّه بن تقي الدين عبد الغني بن علي بن سرور المقدسي، فتوفي قبل أن يليها.
قال ابن مفلح: "عبد اللَّه بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ثم الدمشقي الحافظ بن الحافظ جمال الدين. . .كتب بخطه الكثير وجمع وصنف وأفاد وقرأ القرآت. . .قال الحافظ الضياء: كان علامة وقته، وقال ابن الحاجب: لم يكن في عصره مثله في الحفظ والمعرفة والأمانة، وكان كثير الفضل وافر العقل متواضعًا مهيبًا جوادًا سخيًا له القبول التام مع العبادة والورع والمجاهدة، قال الذهبي: بنى له الملك الأشرف دار الحديث بالسفح وجعله شيخها وقرر له معلوما فمات قبل فراغها، توفي يوم الجمعة خامس رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة ودفن بالسفح"(2).
وأول من تولى مشيختها:
1 - الإمام شيخ الإسلام شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي الحنبلي المتوفي سنة 682 هـ.
قال ابن كثير: "شيخ الجبل الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق -ثم تركه وتولاه ابنه نجم الدين- وتدريس الأشرفية بالجبل، وقد سمع الحديث الكثير، وكان من علماء الناس وأكثرهم ديانة في عصره وأمانة، مع هدي صالح وسمت حسن وخشوع ووقار"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 181).
(2) انظر: القلائد الجوهرية لابن طولون (1/ 156) والمقصد الأرشد لابن مفلح (3/ 40 - 41).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 591).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وقال ابن مفلح: "عُني بالحديث وكتب بخطه الأجزاء والطباق وتفقه على عمه، فقَرأ عليه المقنع وأذن له في إقرائه وإصلاح ما يراه فيه، وشرحه في عشر مجلدات مستمدًا من المغني، وأخذ الأصول عن السيف الآمدي، درس وأفتى وأقرأ العلم زمانًا طويلًا، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رئاسة المذهب في عصره بل رئاسة العلم في زمانه، وكان معظمًا عند الخاص والعام، ولقد أثنى عليه الأئمة. . .وكان الشيخ محيى الدين النووي يقول: هو أجل شيوخي، وهو أول من ولى قضاء الحنابلة بالشام، فوليه مدة تزيد على اثنتي عشرة سنة على كره منه، ولم يتناول عليه معلومًا، ثم عزل نفسه في آخر عمره، وبقي قضاء الحنابلة شاغرًا مدة حتى وليه ولده نجم الدين، وكان رحمة للمسلمين، ولولاه لراحت أملاك الناس لمَّا تعرض إليها السلطان، فقام فيها قيام المؤمنين وأثبتها لهم، وعاداه جماعة الحكام، وعملوا في حقه المجهود، وتحدثوا فيه بما لا يليق، ونصره اللَّه عليهم بحسن نيته، ويكفيه هذا عند اللَّه تعالى"(1). وتولى مشيختها بعده عدد من العلماء منهم على سبيل المثال:
2 - ابنه قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس بن شمس الدين بن أبي عمر المتوفى سنة 689 هـ.
قال ابن رجب: "أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة الشيخ الإمام قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس بن شيخ الإسلام شمس الدين ابن أبي عمر، كان شابًا سليمًا مهيبًا تام الشكل، ليس له من اللحية إلا شعيرات يسيرة، وكان له مع القضاء خطابة الجامع بالجبل والإمامة بحلقة الحنابلة، وكان حسن السيرة في أحكامه مليح الدرس، له قدرة على الحفظ، وله مشاركة جيدة في العلوم، تولى القضاء في أيام والده لما عزل نفسه، توفى ثالث عشر جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة، ودفن بمقبرة جده من الغد وشيعه خلق وعاش ثمان وثلاثين سنة"(2).
3 - قاضي القضاة الحسن بن عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدسي المتوفى سنة 695 هـ.
قال ابن كثير: "قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسن بن الشيخ الإمام الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدسي، سمع الحديث وتفقه، وبرع في الفروع واللغة، وفيه أدب وحسن محاضرة، مليح الشكل، تولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة تسع وثمانين، ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وكانت وفاته ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال، وقد قارب الستين"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (3/ 107 - 109).
(2) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (4/ 127 - 128).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 689).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وقال ابن رجب: "تفقه وبرع في المذهب. وشارك في الفضائل. وولي القضاء بعد نجم الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين. واستمر إلى حين وفاته. قال البرزالي: كان قاضيا بالشام على مذهب الإمام أحمد، ومدرسا بدار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، ومدرسة جده، وكان مليح الشكل، حسن المناظرة، كثير المحفوظ، عنده فقه ونحو ولغة، وقال الذهبي: كان من أئمة المذهب، بقي في القضاء ست سنين، ومات في ليلة الخميس ثاني عشر شوال سنة خمس وتسعين وستمائة"(1).
وقال ابن كثير: "سمع الحديث وتفقه، وبرع في الفروع واللغة، وفيه أدب وحسن محاضرة، مليح الشكل، تولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة تسع وثمانين، ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وكانت وفاته ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال، وقد قارب الستين"(2).
4 - قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة قدامة المقدسي المتوفى سنة 715 هـ.
قال ابن رجب: "سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي. ثم الصالحي. قاضي القضاة، تقي الدين أبو الفضل: ولد في منتصف رجب، سنة ثمان وعشرين وستمائة، وحضر على ابن الزبيدي صحيح البخاري، والحافظ ضياء الدين وغيرهم، وأكثر عن الحافظ ضياء الدين حتى قال: سمعت منه نحو ألف جزء. وقرأ بنفسه على ابن عبد الدايم وغيره كثيرًا من الكتب الكبار والأجزاء، وأجاز له خلق من البغداديين، ومن المصريين، ومن الأصبهانيين، وطائفة وجماعة من الشاميين وغيرهم، ولازم الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وأخذ عنه الفقه والفرائض، وغير ذلك، قال البرزالي: شيوخه بالسماع نحو مائة شيخ، وبالإجازة: أكثر من سبعمائة، وخُرِّجتْ له المشيخات، والعوالي والمصافحات، والموافقات، ولم يزل يقرأ عليه إلى قبيل وفاته بيوم، قال: وكان شيخًا جليلًا فقيهًا كبيرًا، بهي المنظر، وضيء الشيبة، حسن الشكل، مواظبًا على حضور الجماعات، وعلى قيام الليل والتلاوة والصيام، له أوراد وعبادة، وكان عارفًا بالفقه، خصوصًا كتاب "المقنع" قرأه وأقرأه مرات كثيرة، وكان يذكر الدرس ذكرًا حسنًا متقنًا، ويحفظه من ثلاث مرات ونحوها، وكان قوي النفس، لين الجانب، حسن الخلق، متوددًا إلى الناس، حريصًا على قضاء الحوائج، وحدث بثلاثيات البخاري سنة ست وخمسين وستمائة، وحدث بجميع الصحيح سنة ستين، وولي القضاء سنة خمس--------------------------------------------
(1) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (4/ 275 - 276).
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 689).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وتسعين، قال الذهبي: كان فقيهًا إمامًا محدثًا، أفتى نيفًا وخمسين سنة، وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة وسبعمائة"(1).
وقال ابن كثير: "القاضي المسند المعمر الرحلة، تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، الحاكم بدمشق، ولد في نصف رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وقرأ بنفسه وتفقه وبرع، وولي الحكم، وحدث، وكان من خيار الناس، وأحسنهم خلقا، وأكثرهم مروءة، توفي فجأة عقيب صلاة المغرب ليلة الاثنين حادي عشرين ذي القعدة، ودفن من الغد بتربة جده، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير، رحمه الله"(2).
5 - شهاب الدين العابر أحمد بن عبد الرحمن المقدسي النابلسي المتوفى سنة 697 هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور، الشيخ الإمام الكبير شهاب الدين المقدسي، النابلسي، الحنبلي، مفسر المنامات، ولد بنابلس في ثالث عشر شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة، وروى الكثير بدمشق والقاهرة، وكان إليه المنتهى في تعبير الأحلام، قد اشتهر عنه في ذلك عجائب وغرائب، ويخبر صاحب المنام بمغيبات لا يقتضيها المنام أصلا، وبعض الناس يعتقدون فيه الكشف والكرامات، وبعضهم يقول: ذلك مستنبط من المنامات، وبعضهم يقول: ذلك كهانات أو إلهامات، ولكل منهم في دعواه شُبه وعلامات، حدثني الشيخ تقي الدين ابن تيمية أن الشهاب العابر كان له رئي من الجن يخبره المغيبات، والرجل فكان صاحب أوراد وصلوات، وما برح على ذلك حتى مات، وله الباع الطويل في التعبير، صنف في ذلك مقدمة سماها "البدر المنير" قرأها عليه علم الدين البرزالي، وسمعنا منه أجزاء، وكان عارفًا بالمذهب، وكان شيخًا حسن البشر، وافر الحرمة، معظما في النفوس"(3).
وقال ابن رجب: "الشيخ الإمام الزاهد العالم شهاب الدين بن الشيخ جمال الدين، كان علامة في تعبير الرؤيا وحكى الناس عنه فيها الغرائب قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية وقد ذكر مرة الرجل: إذا فتح عليه في علم قال فيه ما أراد، مات في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وستمائة"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (4/ 389 - 403).
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 148).
(3) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (15/ 850 - 851).
(4) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (4/ 126 - 127).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
هـ- دار الحديث النورية:
بناها الملك السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، وهو أول من بنى دارًا للحديث.
قال أبو شامة عنه: "وبنى بدمشق أيضًا دار الحديث، ووقف عليها وعلى من بها من المشتغلين بعلم الحديث وقوفًا كثيرة، وهو أول من بنى دارًا للحديث فيما علمناه"(1).
وقد تولى مشيخة هذه الدار عدد من العلماء الكبار منهم:
1 - الإمام الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر المتوفى سنة 571 هـ.
قال ابن كثير: "الحافظ أبو القاسم بن عساكر علي بن الحسن بن هبة اللَّه بن عساكر أبو القاسم الدمشقي، أحد أكابر حفاظ الحديث ومن عني به سماعا وجمعا وتصنيفا واطلاعا وحفظا لأسانيده ومتونه وإتقانا لأساليبه وفنونه صنف "تاريخ الشام" في ثمانين مجلدة فهي باقية بعده مخلدة، وقد برز على من تقدمه من المؤرخين وأتعب من يجيء بعده من المتأخرين فحاز فيه قصب السباق وجاز حدا يأمن فيه اللحاق، ومن نظر فيه وتأمله ورأى ما وصفه فيه وأصله، حكم بأنه فريد في التواريخ، وأنه في الذروة العليا من الشماريخ هذا مع ما له في علوم الحديث من كتب مفيدة، وما كان مشتملا عليه من العبادة والطرائق الحميدة، فلهُ "أطراف الكتب الستة" و"الشيوخ النبل" و"تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار والأجزاء والأسفار، وقد أكثر في طلب الحديث من الترحال والأسفار، وجاب المدن والأقاليم والأمصار وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الحفاظ نسخا واستنساخا ومقابلة وتصحيحًا للألفاظ، وكان من أكابر بيوتات الدماشقة، ورياسته فيهم عالية باسقة، من ذوي الأقدار والهيئات والأموال الجزيلة والصلات"(2).
وقال ابن الجوزي: "سمع الحديث الكثير وكانت له معرفة وصنف تاريخا لدمشق عظيمًا جدًا يدخل في ثمانين مجلدة كبارًا، وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة (1/ 107).
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 514 - 515).
(3) انظر: المنتظم لابن الجوزي (18/ 224 - 225).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وقال الذهبي: "وهو مع جلالته وحفظه يروي الأحاديث الواهية والموضوعة ولا يبينها، وكذا كان عامة الحفاظ الذين بعد القرون الثلاثة، إلا من شاء ربك فليسألنهم اللَّه تعالى عن ذلك، وأي فائدة بمعرفة الرجال ومصنفات التاريخ والجرح والتعديل إلا كشف الحديث المكذوب وهتكه؟ "(1).
2 - الحافظ المحدث القاسم بن أبي القاسم بن عساكر المتوفى سنة 600 هـ:
وهو ابن الحافظ الكبير السابق أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي.
قال الذهبي: "القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه الحافظ المحدث الفاضل بهاء الدين أبو محمد ابن عساكر الدمشقي، مصنف "فضائل القدس"، وكان محدثًا صدوقًا متوسط المعرفة مكرمًا للغرباء له أنسة بالحديث وخطه ضعيف رديء، وصنف كتابًا في الجهاد، وأملى مجالس وخرج لنفسه الأبدال العالية نقاها من مصنف والده، وكان يبالغ في التعصب لمقالة أبي الحسن الأشعري من غير أن يحققها، ولي مشيخة الدار النورية بعد أبيه، وإلى أن مات فيها أخذ من الجامكية شيئًا، بل جعله مرصدًا لمن يقدم عليه من الطلبة"(2).
3 - الإمام زين الدين خالد بن يوسف بن سعد النابلسي المتوفى سنة 663 هـ:
قال ابن جماعة: "خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن بن بدر بن المفرج بن بكار النابلسي الشافعي أبو البقاء، أحد المحدثين المشهورين والحفاظ المعروفين، كان خيرا صالحا، حسن الأخلاق، ملازما بقراءة الحديث والنظر في الأسانيد، حافظا لكثير من اللغة والأسماء المشتبهة، والنسب المختلفة، كثير المذاكرة بذلك والسؤال عنه والامتحان به للطلاب، خبيرًا بالكتب ومصنفيها، عارفًا بخطوط الفضلاء، انقضى عمره في خدمة الحديث قراءة، ومطالعة، وسماعًا وإسماعًا بدمشق، وضبطًا وتحريرًا، أكثر من المسموعات والشيوخ وحدث قديما في سنة ست وعشرين وست مائة. . .مولده في سنة ست وثمانين وخمس مائة، وولي في آخر عمره مشيخة دار الحديث النورية"(3).
وقال ابن كثير: "الشيخ زين الدين الحافظ، شيخ دار الحديث النورية بدمشق، كان عالمًا بصناعة الحديث، حافظًا لأسماء الرجال، اشتغل عليه في ذلك الشيخ محيي الدين النواوي وغيره، وتولى بعده مشيخة--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (12/ 502).
(2) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 108 - 109).
(3) انظر: مشيخة بدر الدين بن جماعة (4/ 251 - 253).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
النورية الشيخ تاج الدين الفزاري، وكان الشيخ زين الدين حسن الأخلاق، فَكِهَ النفس، كثير المزاح على طريقة المحدثين، وكان قد رحل إلى بغداد، فاشتغل بها، وسمع الحديث، وكان فيه خير وصلاح وعبادة"(1).
4 - الإمام عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي المتوفى سنة 688 هـ:
قال الذهبي: "عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر بن أبي القاسم بن عبد الرحمن، المفتي، القدوة، فخر الدين، أبو محمد البعلبكي الحنبلي، ولي تدريس الحلقة بالجامع، ومشيخة النورية، وروى الكثير وأفتى واشتغل وتخرج به جماعة من الفضلاء، وكان عديم المثل كبير القدر، سألت أبا الحجاج الكلبي عنه فقال: هو أحد عباد اللَّه الصالحين، وأحد من كان يُظن به أنه لا يحسن يعصي اللَّه"(2).
وقال ابن كثير: "الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي، شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة، وشيخ الصدرية، كان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وزهادة وعبادة"(3).
5 - الإمام شيخ الشافعية تاج الدين الفزاري المتوفى سنة 690 هـ.
قال الذهبي: "عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء، العلامة الإمام، مفتي الإسلام، فقيه الشام، تاج الدين أبو محمد الفزاري البدري، المصري الأصل، الدمشقي الشافعي الفركاح، وخرج من تحت يده جماعة من القضاة والمدرسين والمفتين، ودرس وناظر وصنف، وانتهت إليه رياسة المذهب كما انتهت إلى ولده وكان من أذكياء العالم ومن بلغ رتبة الاجتهاد، و محاسنه كثيرة، وهو أجل من أن ينبه عليه مثلي. . .وكان رحمه الله عنده من الكرم المفرط وحسن العشرة وكثره الصبر والاحتمال، وعدم الرغبة في التكثر من الدنيا والقناعة والإيثار والمبالغة في اللطف ولين الكلمة والأدب ما لا مزيد عليه، مع الدين المتين وملازمة قيام الليل والورع وشرف النفس وحسن الخلق والتواضع والعقيدة الحسنة في الفقراء والصلحاء وزيارتهم، وله تصانيف مفيدة تدل على محله من العلم وتبحره فيه، وكانت له يد في النظم والنثر. . .في المذهب وهو شاب وجلس للإشغال وله بضع وعشرون. ودرس في سنة ثمان وأربعين. وكتب في الفتاوى وقد كمل ثلاثين سنة. . .وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار، وكان إذا سافر إلى زيارة بيت المقدس يتنافس أهل البر في الترامي عليه، وإقامة الضيافات له، وكان أكبر من النواوي -رحمهما اللَّه- بسبع سنين، وكان أفقه نفسا وأذكى قريحة وأقوى مناظرة من الشيخ محيي الدين--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 459).
(2) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (15/ 608).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 622).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
بكثير، لكن كان محيي الدين أنقل للمذهب وأكثر محفوظا منه، وهؤلاء الأئمة اليوم هم خواص تلامذته. . . وكان قليل المعلوم، كثير البركة، مع الكرم والإيثار والمروءة والتجمل. . .وهو والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر أجل من روي "صحيح البخاري" عن ابن الزبيدي"(1).
وقال ابن كثير: "وقد تخرج به جماعة كثيرون، وأمم لا يحصون من قضاة، وقضاة قضاة، وعلماء، وفقهاء، وسادة، وقادة رؤوس، ورؤساء، وأئمة وكبراء، وكان له فنون في الشرعيات من فقه وحديث وتفسير وعلوم الإسلام"(2).
6 - الإمام الخطيب شرف الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن نعمة المقدسي الشافعي المتوفى سنة 694 هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن أحمد بن نعمة بن أحمد، الإمام العلامة، أقضي القضاة خطيب الشام، شرف الدين أبو العباس النابلسي، المقدسي، الشافعي، بقية الأعلام، كان إماما، فقيها، محققا، متقنا للمذهب والأصول والعربية والنظر، حاد الذهن، سريع الفهم، بديع الكتابة، إمامًا في تحرير الخط المنسوب، ولي دار الحديث النورية، ثم ولي الخطابة. ثم مات حميدًا، فقيدًا، سعيدًا، تخرج به جماعة من الأئمة، وانتهت إليه رياسة المذهب بعد الشيخ تاج الدين، وأذن لجماعة في الفتوى، وكان متواضعًا متنسكًا كيسًا، حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، طويل الروح على التعليم، وكان ينشئ الخطب ويخطب بها، وكان متين الديانة، حسن الاعتقاد، سلفي النحلة، ذكر لنا الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه قال قبل موته بثلاثة أيام: "اشهدوا أني على عقيدة أحمد بن حنبل"(3).
وقال ابن كثير: "الشيخ الإمام الخطيب المدرس المفتي شرف الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسي الشافعي، ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة، وسمع الكثير، وكَتَبَ حَسَنًا، وصنف فأجاد وأفاد، وولي القضاء نيابة بدمشق والتدريس والخطابة بدمشق، وكان مدرس دار الحديث النورية مع الخطابة، وأذن في الإفتاء لجماعة من الفضلاء منهم: الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويفرح به ويقول: "أنا أذنت لابن تيمية بالإفتاء" وكان--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (15/ 660 - 662).
(2) انظر: طبقات الشافعيين لابن كثير (ص 922).
(3) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (15/ 781).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
يُتقن فنونًا كثيرة من العلوم، وله شعر حسن، وصنف كتابًا في أصول الفقه جمع فيه شيئًا كثيرًا، وهو عندي بخطه الحسن"(1).
7 - الإمام العالم علاء الدين علي بن إبراهيم العطار المتوفى سنة 724 هـ:
قال الذهبي: "علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان المفتي الصالح المحدث علاء الدين أبو الحسن الدمشقي ابن العطار الشافعي، ولد سنة 654 هـ، خرَّجتُ له معجمًا، واشتغل مدة على النواوي وصَحِبَهُ، وكتب وجمع ودرس وأفتى، واشتهر ذكره"(2).
وقال ابن كثير: "الشيخ الإمام العالم علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان بن العطار، شيخ دار الحديث النورية، ولد يوم عيد الفطر سنة 654 هـ، وسمع الحديث، واشتغل على الشيخ الإمام العالم العلامة محيي الدين النواوي، ولازمه حتى كان يقال له: مختصر النواوي، وله مصنفات، وفوائد ومجاميع، وتخاريج، وباشر مشيخة النورية من سنة أربع وتسعين إلى هذه السنة، مدة ثلاثين سنة، توفي يوم الاثنين منها مستهل ذي الحجة، فولي بعده النورية علم الدين البرزالي"(3).
8 - الإمام العلامة المحدث المؤرخ علم الدين البرزالي المتوفى سنة 739 هـ:
قال الذهبي: "القاسم ابن شيخنا الإمام العدل الكبير الورع بهاء الدين أبي الفضل محمد بن يوسف بن محمد، الإمام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر، علم الدين أبو محمد البرزالي الإشبيلي الأصل الدمشقي الشافعي. . .فمشيخته بالإجازة والسماع فوق الثلاثة آلاف، وكتبه وأجزاؤه الصحيحة في عدة أماكن، وهي مبذولة للطلبة، وقراءته المليحة الفصيحة مبذولة لمن قصده، وتواضعه وبِشْرُه مبذول لكل غني وفقير"(4).
وقال ابن ناصر الدين: "الشيخ الإمام الحافظ الثقة الحجة مؤرخ الشام وأحد محدثي الإسلام. . .صاحب التاريخ الخطير والمعجم الكبير، كان بأسماء الرجال بصيرًا، وناقلا لأحوالهم نحريرًا. . . وسمعت بعض مشايخنا يذكر أن الحفاظ الثلاثة المزي والذهبي والبرزالي اقتسموا معرفة الرجال: فالمزي احكم--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (17/ 678 - 679).
(2) انظر: معجم الشيوخ للذهبي (2/ 7).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 251 - 252).
(4) انظر: معجم الشيوخ للذهبي (2/ 115 - 116).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
الطبقة الأولى، والذهبي الوسطى، والبرزالي الأخيرة، يعني كمشايخ عصره ومن فوقهم بقليل ومن بعدهم، ومن اطلع على معجم البرزالي حقق ذلك، وفيه يقول الذهبي فيما أنبؤنا عنه:
إن رُمْتَ تَفتيشَ الخزائنِ كُلِّها … وظهورَ أجزاءٍ حَوتْ وعَوالي
ونُعوتَ أشياخِ الوجودِ وما رَووا … طَالعْ أو اسمعْ مُعجم البِرزالي(1)
وقال الذهبي: "كان رأسًا في صدق اللهجة والأمانة، صاحب سنة واتباع ولزوم للفرائض، خيرًا متواضعًا، حسن البشر عديم الشر، فصيح القراءة قوي الدرية، عالمًا بالأسماء والألفاظ، سريع السرد مع عدم اللحن والدمج، قرأ ما لا يوصف كثرة وروى من ذلك جملة وافرة، وكان حليمًا صبورًا مترددًا، لا يتكثر بفضائله ولا ينتقص بفاضل، بل يوفيه فوق حقه، ويلاطف النَّاس، وله ود في القلوب وحب في الصدور، وله إجازات عالية، وكان حلو المحاضرة قوي المذاكرة، عارفًا بالرجال والكبار لا سيما أهل زمانه وشيوخهم يتقن ما يقوله، ولم يخلف في معناه مثله ولا عمل أحد في الطلب عمله، وفي عام وفاته توفي بين الحرمين محرما وغبطه النَّاس بذلك، وكان باذلًا لكتبه وأجزائه، سمحًا في أموره مؤثرًا متصدقًا رحومًا مشهورًا في الآفاق، مقصدًا لمن يلتمس ساعه، وكان هو الذي حَبَّبَ إلي طلب الحديث؛ فإنه رأى خطي فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثَّرَ قوله فيَّ، وسمعتُ وتخرجتُ به في أشياء، وما أظن الزمان يسمح بوجود مثله، فعند ذلك نحتسب مصابنا بمثله، ولقد حزن الجماعة خصوصًا رفيقه أبو الحجاج شيخنا، وبكى عليه غير مرة، وكان كل منها يعظم الآخر ويعرف له فضله، وولي بعده مشيخة الثورية شيخنا المزي"(2).
وقال ابن كثير: "كان له خط حسن وخلق حسن، وهو مشكور عند القضاة ومشايخ أهل العلم، سمعت العلامة ابن تيمية يقول: نَقْلُ البرزاني نَقرٌ في حَجر. وكان أصحابه من كل الطوائف يحبونه ويكرمونه، وكان شيخ الحديث بالنورية، فيها وقف كتبه، وكان قارئ الحديث بدار الحديث الأشرفية على المزي، ومن قبله كابن الشريشي، وكان يعيد في الجامع وغيره، وعلى كراسي الحديث، وكان متواضعًا محببًا إلى النَّاس، متوددًا إليهم، توفي عن أربع وسبعين سنة، رحمه الله"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي (ص 119 - 120).
(2) انظر: ثلاث تراجم للذهبي (ص 37 - 41).
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 413).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
و- دار الحديث التُّنْكُزِيَّة:
بناها نائب الشام الأمير سيف الدين تُنْكزْ الناصري المتوفى سنة 748 هـ.
قال الصفدي: "الأمير الكبير المهيب سيف الدين أبو سعيد نائب السلطنة بالشام جلب إلى مصر وهو حدث فنشأ بها وكان أبيض إلى السمرة رشيق القد مليح الشعر خفيف اللحية قليل الشيب حسنُ الشكل طريفُهُ"(1).
وقال النُّعيمي: "كانت هذه الدار حمامًا فهدمه نائب السلطنة تنكز الملكي الناصري وجعله دار قرآن وحديث وجاءت في غاية الحسن ورتب فيها الطلبة والمشايخ"(2). وقد كَمُل بناؤها في سنة 739 هـ.
وقال ابن كثير: "وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الإمام الحافظ مؤرخ الإسلام محمد بن أحمد الذهبي، وقُرِّر فيها ثلاثون محدثًا لكل منهم جراية وجامكية، كل شهر سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقُرِّر للشيخ ثلاثون ورطل خبز، وقُرِّر فيها ثلاثون نفرة يقرءون القرآن، لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام وقارئُ حديث ونوابٌ، ولقارئ الحديث عشرون درهمًا وثمان أواق خبز، وجاءت في غاية الحسن في شكالتها وبنائها"(3).
قال ابن حجر: "ولَّي تُنْكُزُ المزيَّ والذهبيَّ بغير سؤال منهما ولا ببذل؛ لأنه أعلم بحالها واستحقاقهما، ثم ولَّى الذهبي دار الحديث التنكزية التي أنشأها"(4).
ز - دار الحديث الظاهرية:
سُمِّيتْ بالظاهرية نسبة إلى الملك السلطان ركن الدين أبو الفتوح الظاهر بيبرس البندقداري التركي، ملك مصر والشام المتوفي سنة 676 هـ، أشهر سلاطين المماليك البحرية، وأول من وطَّد ملكهم في بلاد الشام بعد زوال الدولة الأيوبية.
وقد اشترى الملك الظاهر دارًا وحمَّمًا لرجل يقال له العقيقي سنة 670 هـ وجعلها دارًا للحديث.--------------------------------------------
(1) انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (10/ 206).
(2) انظر: الدارس في تاريخ المدارس للنُّعيمي (1/ 91). الطبعة الأولى 1410 هـ باختصار وتصرف.
(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (18/ 410).
(4) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (2/ 74).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
قال ابن كثير: "وقد اشترى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس داره، وبناها مدرسة ودار حديث وتربة، وبها قبره، وذلك في حدود سنة سبعين وستمائة"(1).
وبعد وفاة الملك الظاهر بيبرس رحمه الله، أُكمل بناؤها وذلك في يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة 676 هـ، ونُقل إلى تربتها جثمانه(2).
وقد درَّس في هذه الدار كثير من الأئمة والعلماء، منهم الإمام الذهبي، والإمام ابن كثير، وغيرهم.
وقد بقيت هذه الدار إلى العصور المتأخرة، بعد أن توقفت الدروس فيها، وجعلت دارًا للكتب ليستفيد منها العلماء وطلبة العلم والباحثون.
قال عبد القادر بن بدران: "هذه المدرسة باقية إلى الآن وهي مشهورة معروفة، وبابها بناؤه من العجائب، يدخل منه إلى ساحتها فيكون عن يمين الداخل التربة الظاهرية، وهي في قبة شاهقة في الهواء، وجدرانها من الرخام الأبيض والأسود، مزخرفة بالفسيفساء، وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف غيرت بلاطتها وبركتها الكبيرة، وأبدل ذلك بطراز لطيف، وبالجملة فلم يبق في داخلها من البناء الأول إِلا الجهة القبلية وأما الباقي فقد غير وجعل مدرسة لصغار الطالبة سُميت باسم "نموذج الترقي" وفي سنة ست وتسعين ومائتين وألف كان المرحوم مدحت باشا واليا على سورية، فاهتم بإنشاء المكاتب ثم علم أن دمشق كان بها ما لا يعد من خزائن الكتب الموقوفة على المشتغلين بالعلم فمدت إليها أيدي المختلسين بالنهب والبيع، حتى لم يبق منها إِلا النزر القليل؛ فخاف على الباقي من الضياع، فكتب إلى مقر السلطنة بذلك كتابًا يقول فيه: "لما كانت الكتب الموقوفة والمشروطة لاستفادة العموم قد حصرت بأيدي المتولين وحرمت الناس من مطالعتها كان من اللازم جمعها وجعلها في مكان مخصوص ليكون الانتفاع بها عامًا" فصدر له الأمر بذلك في اليوم الخامس عشر من شباط سنة خمس وتسعين ومائتين وألف رومية الموافقة للتاريخ المذكور، وأعطي القرار من طرف مجلس الإدارة على ذلك، وجمعت الكتب الموجودة من عشر خزائن. . . ثم جُعل مقرُّ تلك الكتب كلها في تربة الملك الظاهر في المدرسة المذكورة، لمتانتها ولياقتها لتلك الغاية، وطبع دفتر بأسماء الكتب، وعَيَّن الوالي لها محافظين، لكل واحد منهما مائتي قرش في الشهر، وبوابًا بخمسين قرشًا، والمكتبة المذكورة مفتوحة الباب للمطالعين، وزاد أهل الخير في كتبها ما هو قريب من الأصل"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (15/ 393).
(2) انظر: نفس المصدر لابن كثير (17/ 536).
(3) انظر: منادمة الأطلال ومسامرة الخيال لابن بدران (ص 119 - 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
وهناك دور للحديث ومدارس كثيرة جدًا غير هذه، وإنما كان الاقتصار على ذكر بعضها لبيان أهمية تلك المدارس في نهضة البلاد الإسلامية نهضة علمية مباركة، ولكي لا تطول الرسالة بسرد كثير منها، واللَّه الموفق.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)