وعلى القول بكونها قاصرة على الأكل فإنّه يجوز استعمال الجلد في الأواني إذا دبغ على القول بأن الدبغ مطهر للجلد، كما أن الماء طهارة الأواني من غير الجلد كالنحاس وغيره.
قال الطوفي: «قوله سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ظاهرة في تحريم جلدها دبغ أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالًا مترددًا له، من جهة أن إضافة التّحريم إلى الميتة يقتضي تحريم الأكل، والجلد غير مأكول فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي متناول لجميع أجزائها يقتضي تناول الجلد في نظرنا في قوله صلى الله عليه وسلم: (أيّما إهاب دبغ قد طهر)(1) فهو عموم، وظاهره يتناول إهاب الميتة، فكان هذا الظّاهر مقويًا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة من الآية المذكورة في التّحريم»(2).
تنبيه: من العلماء من قال بأن إضافة الحكم للعين يصيره مجملاً، والجمهور على أنّه لا إجمال في الآية؛ لأنّ المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره، والعرب فهمت المراد من ظاهر ما ورد في القرآن بهذا الأسلوب.
قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]
استدل المالكية بالآية على عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب.
وبيان ذلك: أن الآية تتحدث عما يباح من صيد الجوارح، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، برقم (1728)، والنسائي كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، برقم (4241)، وابن ماجه كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، برقم (3609) قال الشيخ الألباني: صحيح ..
(2) شرح مختصر الروضة (1/ 566).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} والضّمير في قوله: {أَمْسَكْنَ} عامّ في جملة الجوارح، فيندرج فيه الكلب، فيجوز أكل موضع فمه عملًا بالظّاهر، ولم يرد أمرٌ بغسل ما مسه لعاب الكلب، وبنى عليه المالكية طهارة لعاب الكلب؛ إذ لو كان نجسًا لحرم الأكل حتى يغسل. ولهذا تكلم العلماء عن حكم غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب.
ومأخذ الحكم من الآية: لمّا لم يرد أمر بغسل ما مسّه لعاب الكلب فيما إذا صاد صيداً، فإنه يدل على طهارة لعابه؛ إذ لو كان نجسًا لبينّه الشّارع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
تنبيه: للمالكية أجوبة على حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، منها: ما ذكره ابن العربي حيث قال: «إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشّرع، هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز العمل به، وتردد مالك في المسألة»، ثم قال: «ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه»، ثم ذكر مسألة مالك في ولوغ الكلب، قال: «لأنّ الحديث عارض أصلين عظيمين، أحدهما: قول الله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]، قال مالك: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه!
الثاني: أن علَّة الطّهارة هي الحياة، وهي قائمة في الكلب»(1).
قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]
استنبط العلماء من الآية: جواز استعمال آنية الكفار بالأكل والشّرب والطّبخ.
قال القرطبي: «ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما--------------------------------------------
(1) القبس في شرح موطأ مالك (1/ 812).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
لم تكن ذهبًا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتُغلى؛ لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست، وربما سرت النجاسات في أجزاء قُدور الفخَّار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النّجسة للمطبوخ في القدر ثانية، فاقتضى الورع الكف عنها»(1).
ومأخذ الحكم: هو أن جواز أكل طعامهم يستلزم جواز استعمال آنيتهم الّتي طبخوا بها.
والحِل المقصود به في الآية الإباحة، وهو من أسماء المباح.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]
والأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم.
فقد أذن سبحانه وتعالى في هذه الآية باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، وفي الآية حكمان مستنبطان منها:
• الحكم الأول: مشروعية الانتفاع بجلود الأنعام، ولم يقيِّده سبحانه وتعالى بالذكاة قبل الموت، ولا بالدّباغ بعد الموت، فأخذ منها بعض العلماء جواز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ.
مأخذ الحكم: ورد الإذن باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، في سياق الامتنان، ومقام الامتنان يعم الانتفاع بها، سواء كان لميتة أو مذكاة إلا أن يمنع منه دليل.--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن (6/ 78).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
وقيَّدها عامّة أهل العلم بجلود الأنعام المذكاة، أو بما بعد الدباغ بما ورد من أحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم (أيّما إهاب دبغ قد طهر)(1) ودفعًا للتعارض بينها وبين قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وقد سبق أن البعض قدَّر محذوفاً يعم مقدرات ذلك المحذوف ك (استعمال أو انتفاع).
• الحكم الثاني: مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال.
مأخذ الحكم: الامتنان الوارد في الآية، كما سبق.
مأخذ ثان: دليل الاستلزام، فإن مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار يستلزم طهارتها، وإنّما يغسل مخافة أن يكون علِقَ به وسخٌ، وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام: (لَا بَأْس بمسك الْميتَة(2) إِذا دبغ وصوفها وشعرها إِذا غسل)(3).
واستدل بعضهم بقياس العكس. قال القرطبي: «ولأنّه كان طاهرًا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت، إلا أنّ اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالاً بالعكس»(4).
تنبيه: طهارة صوف مأكول اللحم ووبره وشعره حال حياته إذا جز، لا خلاف فيه بين العلماء وكذا إذا جز بعد ذكاته، والخلاف فيما إذا كان ميتة، أو كان غير مأكول اللحم.
ومأخذ الخلاف هل الصوف والوبر والشعر في حكم المتصل أو المنفصل؟ ومحل ذلك كتب الفقه.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) أي جلدها. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (8/ 3940).
(3) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 18) وضعفه الألباني رحمه الله في صفة الفتوى لابن حمدان (91).
(4) الجامع لأحكام القرآن (2/ 219).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
تنبيه ثان: الصوف والوبر والشعر قد تستعمل كأوان وهذا قليل، وغالب الاستعمال فيها إنّما هو في اللباس والفرش، وقد يستعمل كخيوط في معالجة الكسر في الإناء أو خَرْج سواء في داخل البيوت لحفظ الأغراض أو على الدّواب لحمل الأغراض وحفظها.
باب إزالة النّجاسة وبيانها
النجاسة عين مستقذرة شرعاً، يجب على المسلم مجانبتها، والبعد عنها، ولها تقسيمات عدّة عند العلماء، يرجع لها في كتب الفقه.
قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وكذا آية [الفرقان: 48].
استدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:
• الحكم الأول: تزول النجاسة بالماء بلا خلاف.
قال ابن عبد البر: «وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنّجاسات، وأنّه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات»(1).
وقال أيضا: «وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنّه مطهر لها»(2).
ومن العلماء من يفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء(3).--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/ 330).
(2) المصدر السابق.
(3) قال ابن القيم في إعلام الموقعين (1/ 295): «إنّ القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذ لاقاها حال الإزالة لا ينجس، فهذا القياس أصح من ذلك القياس؛ لأنّ النجاسة تزول بالماء حِسًّا وشرعا، وذلك معلوم بالضرورة من الدّبن بالنّص والإجماع».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
ومأخذ الحكم: ما سبق وهو أن لفظ (ماء) نكرة في سياق امتنان، فيعم كما أن (اللام) في قوله: {لِيُطَهِّرَكُمْ} للتعليل، والباء في قوله (به) سببية.
وهذا يدل على أن الماء طهور، وهذا الوصف يختص به، ولا يتعدى إلى سائر المائعات.
• الحكم الثاني: استدل بها من قال بعدم إزالة النجاسة بالبخار.
مأخذ الحكم: أن الامتنان بالماء يقتضي اختصاصه بالتّطهر، فلو جعل التطهير بغيره لفات الامتنان به(1). والبخار لا يسمى ماء على الإطلاق بل بخاراً أو رشحاً(2).
نوقش: بعدم التسليم بأن الامتنان يفوت بمشاركة غير الماء للماء في التطهر؛ لأنّ الشّارع إنّما ذكر الماء وامتنّ به على عباده - هنا - لكونه أنفع المطهرات؛ ولكونه الغالب المتيسر في ذلك الوقت، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.
كما نوقش بعدم تسمية البخار ماء.
وفي ذلك يقول الروياني: «وهذا غير صحيح عندي؛ لأن رشح الماء ماء حقيقة، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به»(3).
أو يقال: إن البخار ماء باعتبار ما سيؤول إليه بعد جمعه فما جمع من البخار يسمى ماءً، ويسمى بخاراً حال تبخره.--------------------------------------------
(1) ينظر: المجموع (1/ 96)، الشرح الممتع (1/ 423).
(2) نقله الرافعي عن بعض الشافعية. ينظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب لابن زكريا الأنصاري (1/ 6).
(3) المجموع شرح المهذب للنووي (1/ 34).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
تنبيه: يرى الحنفية جواز إزالة النجاسة بغير الماء، وهو رواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة(1)، والشيخ ابن عثيمين(2).
وهؤلاء يرون أن إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّراً لها، سواء بالماء أو البنزين، أو أي مزيل يكون(3).
قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]
من إزالة النجاسة الاستنجاء، والاستنجاء هو: غسل أثر النّجاسة بالماء.
وفي الآية مشروعية الاستنجاء بالماء، وقد حُكي الإجماع على ذلك، وفي الحديث المتفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء)(4).
وفي الآية مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء، فيشرع للمسلم أن يستجمر ثم يتبعه بالاستنجاء، وقد حُكي الاجماع على ذلك أيضًا، مع وجود المخالف فيها(5).--------------------------------------------
(1) ينظر: مجموع الفتاوى (21/ 476).
(2) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (11/ 86)، الشرح الممتع (1/ 424).
(3) ينظر: الفقه الميسر (9/ 16)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (11/ 86)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (16).
(4) أخرجه مسلم كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز، برقم (271) ..
(5) نقل الإجماع الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 21)، وانظر للخلاف قيه موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (1/ 165).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
ومأخذ المسألتين أن الآية سيقت مساق المدح، وأن الفعل محبوب للمولى سبحانه وتعالى، وذلك للحض على مثل فعلهم، وهو الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة، ويدل عليه سبب نزول هذه الآية، حيث نزلت في أهل قباء، ولما سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنهم قالوا: (إنَّا نُتبع الحجارة الماء)(1).
قال ابن القيم: «وكل فعل عظمه الله ورسوله … أو أحبه … فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب»(2).
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} يدل على أن الاستنجاء مستحب يحبه الله، لا أنّه واجب»(3).
قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]
استدل بالآية على وجوب غسل النجاسة وإزالتها من الثوب، وقد أجمع العلماء على ذلك.
قال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثّياب والبدن، وألَّا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب»(4). وسيأتي في باب شروط الصّلاة.
ومأخذ الحكم ظاهر حيث ورد بذلك الأمر في قوله {فَطَهِّرْ} والأمر يقتضي الوجوب.--------------------------------------------
(1) أخرجه البزار في كشف الاستار برقم (247)، وذكره الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام برقم (104) في باب آداب قضاء الحاجة، وضعف سنده، وانظر: إرواء الغليل للألباني (1/ 83).
(2) بدائع الفوائد (4/ 4).
(3) مجموع الفتاوى (21/ 406).
(4) الاستذكار (1/ 331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
واستدل الحنفية بالآية على عموم ما يطهر به، الماء وغير الماء، فقالوا: كل ما يقع به التطهير مندرج تحت مقتضى الأمر، وهو مطهر إذا كان طاهرًا.
وأجيب: بأن الغرض من الآية التعرض لأصل التطهير، لا التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير، وهي الماء أو غيره، فلا عموم فيها في ذلك.
قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]
استدل بالآية على نجاسة دم الحيض، ونجاسته مجمع عليها.
ومأخذ الحكم: أولًا: كونه دمًا.
ثانيًا: أمرت بالاغتسال والطهارة منه بالآية، وقد ورد في حديث أسماء أنها قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلى فيه)(1).
وأمر المستحاضة بقوله: (فاغسلي عنك الدّم وصلي)(2). هذا في دم الاستحاضة ودم الحيض أشد، ولا يؤمر بالغسل إلّا من النجس.
قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]
استدل العلماء بهذه الآية في هذا الباب على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: اتفق العلماء على نجاسة بعض الميتات.
قال ابن رشد: «وأمّا أنواع النجاسات، فإنّ العلماء اتفقوا من أعيانها على--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم كتاب الطهارة، باب نجاسة الدم وكيفية غسله، برقم (291).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب الاستحاضة، برقم (300)، وكتاب الحيض، باب إذا رأت المستحاضة الطهر، برقم (324)، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم (333).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
أربعة: ميتة الحيوان ذي الدّم الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدّم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت، إذا كان مسفوحا أعني: كثيرا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه … »(1).
ويدخل في الميتة المنخنقة والموقوذة والمترديّة والنّطيحة، وما أكل السّبع، كما سبق من أن الميتة تطلق على ما فارقته الروح من غير ذكاة شرعية مما يذبح، وذكرها من باب عطف الخاص على العامّ.
ويدخل فيها حكمًا: ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النّصب، كما سيأتي في كتاب الأطعمة.
ويبقى الاستقسام بالأزلام، وهي القداح، وقد وقع الإجماع على طهارتها كما سيأتي في الآية التي تلي هذه
ومأخذ الحكم هنا: يظهر بما بعده من آيات(2)، أمّا في هذه الآية فلا يكون إلّا على القول بأنّ كل محرم نجس، وقد علل بذلك بعض الفقهاء.
والصّواب أن كل نجس محرم، وليس كل محرم نجساً؛ إذ إنّ الذهب والحرير محرمان على الرّجال وليستا بنجسين.
• الحكم الثاني: استدل بالآية من حرّم استعمال المنظفات التي تستخدم فيها النجاسات ولم تستهلك(3). أي: المنظفات التي يكون في تركيبها شيء من--------------------------------------------
(1) بداية المجتهد (1/ 83).
(2) كما سيأتي في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، وقوله: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145].
(3) قال ابن رجب في القاعدة الثانية والعشرين من قواعده: «أن العين التي تنغمر في غيرها وتستهلك لا حكم لها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
النجاسات؛ كدهن الخنزير، أو الكحول، كالصابون ونحوه(1).
ومأخذ الحكم: أن ما حرم لعينه؛ فإنّه نجس، والميتة والدّم والخنزير حرمت لعينها فهي نجسة، وقد نصّ الشّارع على تحريمها بقوله: {حُرِّمَتْ} وهي صيغة إخبار عن الحكم ثم أتى بصيغة العموم (أل) غير العهدية؛ ليشمل التحريم جميع وجوه الانتفاع من أكل وبيع واستعمال للتنظيف، وغير ذلك، فلا يجوز الانتفاع بالنّجاسة مطلقًا.
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [المائدة: 6]
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة.
مأخذ الحكم: لأنّه سبحانه وتعالى لم يذكر النجاسة في الآية وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أوّل مبدوء به.
قال ابن الفرس: «وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعاً على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية، فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب، ولم يكن السكوت عنهما مانعاً من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل»(2) ..
والصّحيح: وجوب إزالة النجاسة استدلالًا بقصة صاحبي القبرين حيث قال صلى الله عليه وسلم: (إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول--------------------------------------------
(1) ينظر: مجموع الفتاوى (24/ 270)، وفتاوى المنار (1631)، وفتاوى ابن عثيمين (1/ 254)، الفقه الميسر (9/ 15)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (66).
(2) أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 388 - 389)، وبمثله قال ابن العربي في أحكام القرآن (2/ 581).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وأما الآخر فكان يمشي بالنّميمة)(1).
قال القرطبي: «ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة في ظاهر القرآن، لأن الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصّة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها»(2).
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]
استدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:
• الحكم الأول: استدل العلماء بالآية على نجاسة الخمر، وحكي الإجماع على ذلك، واستدل آخرون بالآية على طهارتها.
ومأخذ من قال بنجاستها: قوله تعالى: {رِجْسٌ}
قال الجصاص: «اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين: أحدهما: قوله: {رِجْسٌ} لأنّ الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه; ويقع اسم الرجس على الشيء المستقذر النّجس، وهذا أيضا يلزم اجتنابه، فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم اجتنابها»(3).
وأما من قال بطهارة الخمر فإنه يرى أن نجاستها نجاسة معنوية وليست حسية.
ومأخذ الحكم: اقتران الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذه الثلاثة ليست نجسة فكذلك الخمر، ليست نجاستها نجاسة حسيّة حقيقية؛ لأنّها اقترنت--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب الجريدة على القبر، برقم (1361)، ومسلم في كتاب الطهارة باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه برقم (292)
(2) الجامع لأحكام القرآن (6/ 100).
(3) أحكام القرآن (4/ 122).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
بالميسر والأنصاب والأزلام، وليست أعيانها نجسة.
والميسر: هو القمار.
والأنصاب: هي الأصنام، وقيل: النرد والشطرنج.
والأزلام: القداح.
قال النووي: «واحتج أصحابنا بالآية الكريمة، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام بها، مع أن هذه الأشياء طاهرة؛ لأنّ هذه الثّلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام»(1).
وقد قوى الشّيخ العثيمين كون الخمر نجاستها نجاسة معنويّة، وليست حسيّة بقوله: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}. حيث اعتبره رجسًا عمليًا وليس عينيًا، فلا تكن هذه الأشياء بذلك نجسة(2).
واستدل ابن جزم على نجاسة الميسر والأنصاب والأزلام، وقال: هي نجسة، ومن صلى وهو حامل لها بطلت صلاته(3).
ومأخذه: الأخذ بظاهر الآية.
• الحكم الثاني: استدل بالآية على عدم جواز الصّلاة فيما إذا وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا.
قال محمّد الأمين الشّنقيطي: « … وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي ب (الكولانيا) نجس لا تجوز الصلاة به»(4).--------------------------------------------
(1) المجموع (2/ 564).
(2) انظر: الشرح الممتع (1/ 431).
(3) انظر: المحلى (1/ 188).
(4) أضواء البيان (2/ 154)، الجامع الأحكام القرآن (6/ 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ومأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ} يقتضي الاجتناب المطلق الذّي لا ينتفع معه بشيء من المسكر. وهو أمرٌ بمعنى النهي، فيقتضي تحريمه، وفساد الصلاة به؛ لأنّ النّهي يقتضي التحريم والفساد.
وقد دلت الآية على نجاسته بقوله: {رِجْسٌ}، والرجس هو: النّجس.
نوقش: بأن النجاسة هنا حكمية لا حسية. ويؤيد ذلك قوله: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}.
قال الشيخ العثيمين: «أنّ المراد بقوله: {فَاجْتَنِبُوهُ} هو الخمر، وهو الشراب المسكر الذي أعدّ لذلك الذي يؤدّي شربه إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحكم في التحريم، وقد بيّن ذلك في الآية التي بعدها بقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة 91]، فإذا كان لهذه الكحول منافع خالية من هذه المفاسد فإنه ليس لنا القول بتحريمها إلا بدليلٍ ناهضٍ، ولا دليل، وغاية ما يمكن أن يقال فيها: أنها من الأمور المشتبهة، والمشتبه إذا احتيج إليه فإنه يزول عنه حكم الاشتباه كما هو مقرّرٌ في القواعد الفقهية»(1).
والجواب: بل النجاسة حقيقية وليست حكمية؛ لأنّ التّحريم كان لذات الخمر، وما كان لذاته وعينه؛ فإنّه يدلّ على نجاسته. وهذا من القواعد التي يُخرَّج عليها هذا الحكم.
قال ابن قدامة: «الخمر نجسة في قول عامة أهل العلم؛ لأن الله حرمها لعينها، فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام، نجس، لما ذكرنا»(2).--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ابن عثيمين (11/ 254 - 256)، وينظر: مجموع فتاوى ابن باز (10/ 38) حيث يرى عدم نجاستها مع تحريم التطيب بالطيب المعمول من الكالونيا.
(2) المغني (9/ 144). وقد ذكر النووي في المجموع شرح المهذب للنووي (2/ 584) هذا المعنى وهو أن الخمر يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجساً كالدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
كما أن العلماء علقوا نجاسة الخمر على وصف الإسكار، وهذا الوصف موجود في الكالونيا.
قال ابن القيم: «الخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار»(1).
وقال القرافي: «نجاسة الخمر معللة بالإسكار»(2).
ومما يؤيد نجاسته مفهوم قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21]، حيث دلَّ منطوق الآية أن شراب الآخرة طهور، ومفهومه أن شراب الدنيا ليس بطهور.
تنبيه: يأخذ حكم الكالونيا كل المواد المشتملة على الكحول، كمستحضرات التجميل، والمسحات الطبية، ونحوها(3) في أثرها على الطهارة.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (4/ 80). وانظر: مدارج السالكين (2/ 497).
(2) الذخيرة (1/ 164).
(3) استعملت الكحول بجميع أنواعه بشكلٍ واسعٍ مع التّطوّر الهائل في الصناعة، حتى دخلت في العديد من المنتجات الحديثة، مثل:
1. العطورات ومستحضرات التجميل.
2. محاليل الغسيل، ومستحضرات التنظيف، كالصابون، والشامبو، ونحوها.
3. مستحضرات التطهير والتعقيم، كالمسحات والمحاليل الطبية المستخدمة لتطهير الجروح، أو للتعقيم قبل العمليات الجراحية أو قبل ضرب الإبر العلاجية، ونحو ذلك.
4. الروائح والمنكهات التي تضاف إلى الأطعمة.
5. وقود المحرّكات، والطلاء، والأصباغ، والمذيبات، ومنها مذيبات المواد الصمغية واللواصق، كالمحاليل الخاصة بإزالة طلاء الأظافر، والمعروفة باسم الراتينج.
6. كما أنها تستخدم في تحضير كثير من الأدوية.
7. ومنها ما يضاف للبترول، فيؤدي إلى تحسين المعدل الأوكتاني للبترول، ومنه ما يخلط مع البترول، فينتج عنهما وقود للمحركات، يسمى البترول الكحولي، إلى غير ذلك من الصناعات التي يصعب حصرها. انظر: الموسوعة العربية العالمية (19/ 152)، والكحول والمخدّرات في الغذاء والدواء، لمحمد البار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
ولذا تسامح بها بعضهم؛ لكونها مما عمَّت بها البلوى، وانتشرت، ولا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين.
وقالوا: إن في القول بنجاستها حرجًا عظيمًا؛ لأن فيه تأثيماً للأمة، وإبطالاً لعباداتها من صلاة وطواف ونحوه(1).
• الحكم الثالث: استدل بالآية على جواز استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات(2).
مأخذ الحكم: إنّ الحكم يدور مع علته، حيث قالوا: إنّ علة تحريم الخمر هي ما ورد في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ} [المائدة: 91]، وهذه العلة لا تحصل فيما إذا استعمل في غير الشراب(3).
تنبيه: هذا القول مبني على القول بعدم نجاسة الخمر من جهة، والقول بأن المحرم من الخمر هو الشرب فقط من جهة أخرى.
وقالوا: إن الخمر ليس هو الكحول، وإنما هو كلّ مادّة أعدّت للشرب، وهي تؤدّي إلى الإسكار، سواءٌ أكانتْ من الكحول أم من غيرها، وعلى هذا فالعطورات الكحولية لا تدخل في مسمّى الخمر؛ لأنها من الطيب المباح في عرف جميع الناس، فهي لم تعدّ لغرض الإسكار، مثلها مثل البنزين، ومذيب البوية، والصمغ، والأصباغ، وغيرها مما قد يسكر وهو لم يعدّ لذلك.--------------------------------------------
(1) ينظر: فقه القضايا المعاصرة في العبادات (175) رسالة غير منشورة د. عبد الله بن بكر أبو زيد، والفقه الميسر (9/ 17).
(2) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (11/ 254).
(3) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]
استدل بالآية على نجاسة الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير.
ومأخذ الحكم: أن معنى {رِجْسٌ}: نجس.
بالإضافة إلى ما سبق نقله من إجماع على أن المذكورات في الآية من أنواع النجاسات المتفق عليها.
قال ابن عبد البر: «وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس، والنّجس رجس محرم»(1).
وفي هذه الآية تقييد الدّم بالمسفوح، وقد أطلق في آية المائدة، ويجب حمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء؛ لاتحاد الحكم والسّبب، وبني عليه عدم نجاسة الدّم الذّي في العروق.
باب الوضوء
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: فرضية الوضوء ووجوبه.
ومأخذ الحكم: الأمر المطلق في قوله: {فَاغْسِلُوا}، وقوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}، وهما يقتضيان الوجوب.--------------------------------------------
(1) التمهيد (4/ 153)، والاستذكار (5/ 301).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
تنبيه: كان الوضوء ثابتاً قبل نزول هذه الآية بالسّنة، وروي أنّه صلى في أوّل ما أوحي إليه وأتاه جبريل عليه السلام فعلّمه الوضوء(1).
• الحكم الثاني: تكرار الوضوء لكل صلاة.
لا خلاف بين العلماء في وجوب الوضوء على من عليه حدث؛ لأنّ الوضوء من شروط الصّلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)(2).
ومأخذ الحكم من الآية هو أن العلماء قدّروا في الآية مضمرًا تقديره: إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم.
أمّا غير المحدث: فقد اختلف العلماء في الأمر بالوضوء عند كل صلاة في حقه، هل هو مُحكم أو منسوخ، وإذا كان محكمًا هل هو أمر ايجاب أو ندب؟
فذهب طائفة من العلماء إلى أن الآية محكمة، وهؤلاء اختلفوا في الأمر بالوضوء لكل صلاة، هل هو على الوجوب أو الندب؟.
ومأخذ الوجوب: هو ظاهر الأمر، وكونه يقتضي الوجوب، وهو كذلك يقتضي التكرار، ولاسيما وقد عُلق على شرط {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} فيتكرر الغسل عند تكرار القيام للصلاة وجوباً(3)، كما أن الفعل في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ}، فعل في سياق شرط يعم؛ لأن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم.--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 354).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، برقم (135)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم (225).
(3) انظر: المغني لابن قدامة (1/ 197)، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (1/ 368).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وذهب جمهور أهل العلم إلى الندب، ولهم طريقان في ذلك:
الطريق الأول: أن بعضهم ادعى النسخ، ومن القواعد المقررة في الأصول أن الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز والندب. وقالوا: الناسخ فعله عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة، حيث صلى خمس صلوات بوضوء واحد(1)، وهذا عند من يقول بأنّ السّنة تنسخ القرآن.
الطريق الثاني: أنهم قالوا بأن الأمر للوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب بما سبق من فعله صلى الله عليه وسلم، وفعله صلى الله عليه وسلم من صوارف الأمر عن الوجوب.
• الحكم الثالث: فرائض الوضوء المتفق عليها هي المذكورة في الآية وهي: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرِّجلين إلى الكعبين.
قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرِّجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله … لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلّا في مسح الرجلين وغسلهما»(2).
ومأخذ الحكم هو: الأمر الوارد في الآية {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} وهو يقتضي الوجوب.
• الحكم الرابع: أن ما لم يذكر في الآية اعتبره بعضهم سننًا وآدابًا.
ذهب بعض العلماء إلى اعتبار ما لم يذكر في الآية من السنن والآداب.
قال السيوطي: «وردٌ على ما أوجب التسمية والمضمضة والاستنشاق لحديث: (توضأ كما أمر الله)(3) وليس في الآية سوى الأعضاء الأربعة، وعلى ما أوجب--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، برقم (277)، وانظر: الإكليل (2/ 621).
(2) التمهيد (4/ 31) وانظر: تيسير البيان (3/ 100)، أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 382)، الإكليل (2/ 620).
(3) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة، برقم (302)، وحسنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
غسل باطن العينين؛ لأنه ليس من الوجه، إذ لا يقع به المواجهة»(1).
ومأخذ الحكم هو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحال السائل إلى كتاب الله فقال: (توضأ كما أمر الله)، فدَّل على أن غيره ليس بواجب.
تنبيه: ذهب آخرون إلى اعتبار بعضها من السنن، وبعضها من الفروض، وبعضها من الشروط، استدلالاً بأدلة أخرى خارجة عن الآية.
قال ابن الفرس: «وقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى {فَاطَّهَّرُوا} عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهر الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلاً بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: {فَاطَّهَّرُوا} وليس فيه ما يوجب خصوصاً أو عموماً»(2).
• الحكم الخامس: اشتراط النّية.
مأخذ الحكم: مفهوم قوله {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} أي: أردتم القيام مما يدل على أن الوضوء يراد للصّلاة، وأنّه شرط في صحتها، والإرادة هي النّية.
قال القرطبي: «احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل؛ لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن--------------------------------------------
(1) الإكليل (2/ 624 - 625).
(2) انظر: المغني (1/ 33 - 154) .... والمجموع (1/ 362، 385).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)