الذي اغتسل تبردًا أو لغرض، ما قصد أداء الواجب، وصحّ في الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صحَّ بغير نية لما كفَّر. وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5](1).
قال ابن العربي في قوله: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} في آية [النساء: 43]: «ولفظ اغتسل يقتضي اكتساب الفعل، ولا يكون مكتسباً له إلا بالقصد إليه حقيقة، فمن أخرجه إلى المجاز فعليه البينة»(2).
تنبيه: سبق القول بأن مالم يذكر في الآية، جعله بعضهم من المسنونات، وذهبت الحنفية إلى أن في اشتراط النية زيادة على النص بخبر الواحد وهو غير مقبول عندهم؛ لأنه نسخ عندهم، والنسخ لا يكون بخبر الواحد.
كما أن واو النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجمع دون الاشتراك والترتيب، واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب، قاله ابن الفرس(3).
• الحكم السادس: اشتراط الموالاة.
الموالاة هي: اتباع المتوضئ الفِعْل الفِعل إلى آخره من غير تراخٍ بين أبعاضه، وفصل بفعل ليس منه.
وقال ابن قدامة: «أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف منه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل»(4).--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن (6/ 84)، وانظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 361 - 362).
(2) أحكام القرآن (1/ 440).
(3) انظر: أحكام القرآن (2/ 383).
(4) المغني (1/ 192)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (2/ 581): «إنها عبادة ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
وقد اختلف العلماء في حكم الموالاة في الوضوء:
فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الموالاة من فرائض الوضوء واستدلوا بالآية.
ومأخذ الحكم هو: أن الأمر بغسل الأعضاء الوارد في الآية مطلق، وهو هنا يقتضي الفور؛ «لأنّ الخطاب بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن جملة الشرط. وتطهير جملة الأعضاء جزاء الشرط الذّي هو القيام للصّلاة، فوجب أن لا يتأخر شيء منه عنها»(1).
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الموالاة.
وقال القرطبي مبينًا مأخذاً آخر: «إن الله سبحانه وتعالى أمر أمرًا مطلقا، فوالِ أو فرِّق، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة»(2). ولكل قائل - بالموالاة وعدمها - استدلالات أخرى يرجع لها في كتب الفقه.
• الحكم السابع: اشتراط التّرتيب.
استدل بعض العلماء بالآية على كون الترتيب من فرائض الوضوء، ومنهم مَنْ استدل بها على عدم الترتيب.
أما القائلون بالترتيب فمأخذ الحكم عندهم هو: مراعاة ترتيب الآية حيث أدرج سبحانه الممسوح بين المغسولات، وهذا لا يكون إلّا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور.
قال الموزعي: «ولأن الله سبحانه قطع النظير عن النظير، فأدخل ممسوحاً بين مغسولين، وقدم القريب على ما هو أقرب منه، فقدَّم اليدين على الرأس، وهو محلُّ--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن (6/ 98).
(2) الجامع لأحكام القرآن (6/ 97).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الوجه، فدلَّت هذه المقاصد والأمارات على وجوب الترتيب»(1).
وهناك مأخذ آخر قاله بعض العلماء وهو: أن (الفاء) في قوله {فَاغْسِلُوا} تقتضي التعقيب، فإنها لما كانت جوابًا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع(2).
وأجيب عنه: بأنّه اقتضت البداءة في الوجه؛ إذ هو جزاء الشّرط وجوابه، وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشّرط معنى واحدًا، فإذا كانت جملًا كلها جوابًا لم تبال بأيها بدأت، إذ المطلوب تحصيلها(3). قاله القرطبي ثم قال: «والصّحيح أن يقال: إن التّرتيب متلقى من وجوه أربعة:
الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال عليه الصلاة والسلام حين حجَّ: (نبدأ بما بدأ الله به)(4)»(5). فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقدم، وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث عموم لفظه دون خصوص السبب.
ثمّ ذكر الأوجه الأخرى وهي خارجة عن الآية فقال: «الثّاني: من إجماع السّلف فإنّهم كانوا يرتبون. الثّالث: من تشبيه الوضوء بالصّلاة. الرّابع: من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك»(6).--------------------------------------------
(1) تيسير البيان للموزعي (3/ 112).
(2) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 578)، تيسير البيان للموزعي (3/ 112)، الجامع لأحكام القرآن (6/ 98).
(3) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 578) وقال عنه: «وهذا قول له رونق وليس بمحقق».
(4) أخرجه أبوداود في كتاب الحج، باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، والنسائي في كتاب الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف (2961)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه بدأ في الصفا قبل المروة، برقم (862) وقال: «هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم». قلت: وفي مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (1218) بلفظ (أبدأ بما بدأ الله).
(5) الجامع لأحكام القرآن (6/ 98)، وانظر: تيسير البيان للموزعي (3/ 112).
(6) انظر: الجامع لأحكام القرآن (6/ 98).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ومن قال بعدم اشتراط الترتيب فمأخذ الحكم عندهم: أن العطف بين الأعضاء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، إنّما تفيد مطلق الجمع.
وأجاب عنه بعضهم بأنّ نحاة الكوفة قائلون باقتضائها التّرتيب(1).
قال الموزعي بعد أن ذكر المأخذ السابق: «وأحسن عندي من ذلك كلِّه في الاستدلال ما استدلَّ به الشافعي في الكتاب القديم من قوله صلى الله عليه وسلم في الصفا: (نبدأ بما بدأ الله به)(2)، فجعل بداية الله سبحانه سبباً للتقديم»(3).
• الحكم الثامن: ذهب بعض العلماء إلى أن إجراء الماء على أعضاء الوضوء كاف في تحقق معنى الغسل المأمور به، وليس عليه دلكها بيده، واشترط بعضهم إمرار شيء مع الماء في الغسل كاليد ونحوها.
ومأخذ الحكم عند الفريقين: راجع إلى لفظ الغسل، وبم يتحقق، وهل يشترط فيه الدلك أو يكفي إمرار اليد على المغسول؟.
قال ابن الفرس: «الغسل عند أهل اللغة أن يمر الإنسان الماء على الشيء المغسول مع إمرار شيء منه معه كاليد ونحوها»(4).
قال السيوطي: «قال ابن الفرس: وفي لفظ الغسل دليل على وجوب الدلك وإمرار اليد … »(5).
وقال ابن حزم: «ومن غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو … أجزأه، برهان ذلك أن اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التي--------------------------------------------
(1) انظر: تيسير البيان للموزعي (3/ 112).
(2) سبق تخريجه.
(3) تيسير البيان للموزعي (3/ 112).
(4) أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 363) وانظر أحكام القرآن لابن العربي (1/ 439).
(5) الإكليل (2/ 626).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
نزل بها القرآن، ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به»(1).
تنبيه: هذا المأخذ ليس أصولياً، بل راجع للمعنى اللغوي.
استدل من قال بالدلك - المالكية- كذلك بالقياس على التيمم، فالتيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا.
وهذا مأخذ من غير الآية - وهو القياس - والجمهور لهم مأخذ آخر على عدم الدلك، وهو ما ورد من حديث (فأفرغه عليك)(2) والسنة تبين القرآن.
• الحكم التاسع: يجب غسل الوجه بالاتفاق(3) - كما سبق - إلّا أن الخلاف واقع فيما يدخل في الوجه.
ومأخذ الحكم: يرجع إلى ما تكون به المواجهة التي تدخل في مفهوم الوجه، فالوجه مأخوذ من المواجهة، وهو اسم لبشرة الوجه التي تحصل بها المواجهة، والشعر ليس ببشرة(4).
وحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن طولًا ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وقيل: من العارض إلى العارض.
وبناءً على مفهوم المواجهة وأن الأمر هل يكون للباطن كما يكون للظاهر؟ اختلفوا في دخول بعض الأفعال في غسل الوجه.
ومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، وقد قال الشافعي عنهما: «ولم أعلم--------------------------------------------
(1) المحلى (1/ 94).
(2) أخرجه البخاري في باب باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء، برقم (344).
(3) انظر: المغني (1/ 161).
(4) انظر: المغني (1/ 165)، تيسير البيان (3/ 116)، أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 363 - 364).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
اختلافًا في أن المتوضئ لو تركها عامدًا أو ناسيًا، وصلى لم يعد»(1). وهو مذهب مالك وخالفهما الإمام أحمد وغيره، فالإجماع غير متحقق(2).
واختلف في اللحية هل هي من الوجه ويجب غسلها، أو ليست من الوجه؟ فمَن قال بأنها ليست منه علَّل ذلك بأنّ مَنْ طالت لحيته لا يقال طال وجهه، ومَن قال بأنها منه قال بأنها نبتت فيه فتأخذ حكمه، وفيها معنى المواجة.
قال أبو عمر: «من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجهًا، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخصّ صاحب لحية من أمرد، فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وغير ممتنع أن تسمى اللحية وجهاً، فوجب غسلها بعموم الظاهر؛ لأنها بدل من البشرة»(3).
تنبيه: هذا المأخذ ليس أصولياً، بل راجع للمعنى اللغوي.
• الحكم العاشر: دخول المرفق في غسل اليدين.
اتفق العلماء على وجوب غسل اليدين - كما سبق - واختلفوا في المرفقين هل تدخلان في الغسل أو لا؟
فذهب جمهور أهل العلم إلى دخولهما في الغسل.
ومأخذ الحكم: أن المغيا وهو ما دخل عليه حرف الغاية وهما - المرفقان هنا في الغسل - داخلان في الغاية عند الجمهور، ولاسيما أن الحد من جنس المحدود، فالمرفق من جنس اليد.
وبعضهم جعله من التخصيص بالغاية؛ إذ إن اليد عامّة تشمل الكف والذراع--------------------------------------------
(1) الأم (1/ 39).
(2) انظر: المغني (1/ 166)، أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 365).
(3) التمهيد (30/ 121)، الاستذكار (20/ 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
والمرفق والمنكب، فخصص بالغاية إلى المرفق، وخرج ما بعده.
قال ابن العربي: «إن المرافق حد الساقط لا حد المفروض، قاله القاضي عبد الوهاب، وتحقيقه أن قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ} يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: {إِلَى الْمَرَافِقِ} أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى»(1).
ومأخذ آخر: وهو أن (إلى) بمعنى (مع).
قال السيوطي: «ومن أدخلهما قال: إلى بمعنى مع»(2).
تنبيه: قال ابن العربي: «وأما قولهم: إن (إلى) بمعنى مع فلا سبيل إلى وضع حرف موضع حرف، إنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرفُ معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف، ومعنى قوله: {إِلَى الْمَرَافِقِ} على التأويل الأول (يقصد بمعنى مع): فاغسلوا أيديكم مافةً إلى المرافق»(3).
وذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم دخول المرفقين في الغسل.
ومأخذ الحكم: أن (إلى) إنما هو لانتهاء الغاية، فما بعدها غير داخل فيما قبلها، فتخرج الغاية ب (إلى).
• الحكم الحادي عشر: الخلاف في مسح جميع الرأس أو بعضه، مع الاتفاق على وجوب مسحه(4).--------------------------------------------
(1) أحكام القرآن لابن العربي (2/ 567)، وقال الموزعي في تيسير البيان (3/ 103): «وحاول بعضهم دلالتها مع بقائها على أصل وضعها، فقال (إلى) هاهنا للإخراج لا للإدخال … » ثمَّ ذكر نحواً مما قاله ابن العربي.
(2) الإكليل (2/ 625)، تيسير البيان (3/ 102).
(3) أحكام القرآن لابن العربي (2/ 567).
(4) انظر: المغني (1/ 175)، تيسير البيان للموزعي (3/ 104).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
مأخذ الخلاف راجع إلى معنى (الباء) في قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}.
فالذين قالوا: بمسح جميع الرأس ذهبوا إلى أن (الباء) زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم أنفسها، وعليه فيجب مسح جميع الراس على نص الآية.
وقال بعضهم: إنّ (الباء) على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت (الباء) أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح.
قال ابن الفرس: «وهذا الوجه أحسن؛ لأنّ زيادة (الباء) في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب»(1).
أمّا الذين ذهبوا إلى جواز مسح بعضه فقالوا: إنّ (الباء) للتبعيض، فيقتضي مسح بعض الرأس، وكونها للتّبعيض بيانه - عند من قال به - قالوا: إنّ الباء إذا دخلت على فعل يتعدى من غير (باء) اقتضت التبعيض فيه؛ وذلك لأنّ أهل اللسان فرقوا بين قولهم: (أخذت قميص فلان)، وبين قولهم: (أخذت بقميص فلان) فيحملون الأوّل على أخذ جميعه، والثّاني: على التعلق ببعضه، وكذا في الآية، فإذا قال: (مسحت يدي بالمنديل) و (مسحت يدي بالحائط) عقل من ذلك كله التبعيض، فدّل على أن ذلك مقتضاه.
وقد أنكر بعض أهل اللّغة - كابن جني، وابن برهان - هذا التّفريق، وقال ابن جني: «من قال: إن الباء للتبعيض فقد أتى أهل اللغة بما لا يعرفونه»، ولذا أولوا ما استدل به على التضمين، أو أن التبعيض إنما استفيد من القرائن(2).
نوقش: بأنها شهادة نفي لا تقبل.--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 369).
(2) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 571)، أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 369)، وانظر: سر صناعة الإعراب (1/ 123)، وشرح اللمع لابن برهان (1/ 174)، التحبير للمرداوي (2/ 670)، المغني (1/ 176).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
وأجيب: بأنها ليست بشهادة نفي، وإنما هي إخبار عن ظن غالب يستند إلى الاستقراء ممن هو أهل لذلك مطلع على لسان العرب(1).
وحمل بعضهم استعمال (الباء) للتبعيض على المجاز لقرائن ظاهرة في الأمثلة التي ذكروها، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، حتى يقوم دليل المجاز.
وألزم القائلون بعدم التبعيض في (الباء) القائلين بالتبعيض بأية التّيمم في قوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} حيث إنّ المسح يكون لجميع الوجه لا بعضه باتفاق(2).
وأجيب عنه: بأن المسح في الرأس أصلٌ، أمّا المسح في التيمم فهو بدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، ولما كان المبدل منه غسلاً للوجه كاملًا كذلك يكون البدل مسحاً للوجه كاملًا.
وهناك مأخذ آخر وهو لمن قال بمسح بعض الرأس وهو: أن الحكم إذا علق على اسم، فإنه يكتفي بأول ذلك الاسم، وأقل ما ينطلق عليه. وقد علق المسح هنا بالرأس فلا يشترط الاستيعاب بل يكتفى ببعضه.
• الحكم الثاني عشر: أن مسح الراس يكون مرة واحدة.
اتفق الجميع على مشروعية مسح الرأس(3)، وإنما الخلاف في مشروعية تكرار المسح.
فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يسن تكرار المسح، بل الواجب مسح الراس مرة واحدة.
ومأخذه: هو المأخذ السابق فيما إذا عُلِّق الحكم على اسم، فإنه ينطلق على أقل ما يتعلق به، وعلى هذا فإن المسحة الواحدة يقع بها المسح المأمور به، ويسقط--------------------------------------------
(1) انظر: التحبير للمرداوي (2/ 671).
(2) انظر: المغني (1/ 176)، تيسير البيان للموزعي (3/ 107)، أحكام القرآن لابن الفرس (3/ 121).
(3) انظر: الإفصاح لابن هبيرة (1/ 83)، والإشراف في مسائل الخلاف لابن نصر البغدادي (1/ 8).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الفرض، فالمرة يخرج بها عن العهدة.
وذكر ابن الفرس مأخذاً آخر فقال: «لا سيما وقد رجح حذاق الأصوليين أن الأمر لا يقتضي التكرار»(1).
• الحكم الثالث عشر: وجوب مسح الأذنين.
ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح الأذنين.
ومأخذه ظاهر: إذا ضمّ إليه قوله صلى الله عليه وسلم: (الأذنان من الرّأس)(2)، والرأس يجب مسحه لقوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} فهذا أمر يقتضي الوجوب فيجب مسحهما.
مأخذ آخر: أن الأذنين إما أن يكونا من الرأس أو الوجه، وليست من الوجه لعدم المواجهة بها، فبقيت من الرأس، والرأس يمسح كما في الأمر بالآية.
أما القائل إنهما لا يمسحان؛ فلأن المولى سبحانه قال: {بِرُءُوسِكُمْ} ولم يذكر الأذنين، ولولا أنهما داخلتان في حكم الرأس ما أهملهما، وما كان ربك نسيا، قاله ابن العربي(3).
• الحكم الرابع عشر: ذهب طائفة من العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة.
مأخذه: أن الآية أمرت بالمسح على الرأس، ومن مسح على حائل لم يمسح على رأسه، بل مسح على ذلك الحائل.--------------------------------------------
(1) أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 371).
(2) أخرجه أبو داوود في الطهارة، برقم (134)، والترمذي في الطهارة، برقم (37)، وابن ماجة في الطهارة، برقم (443، 444، 445)، وصححه الألباني في تخريجه أحاديث ابن ماجة، وقال: «صحيح على كل رواية من الروايات الثلاث: عبد الله بن زيد، وأبي أمامة، وأبي هريرة». انظر: صحيح سنن ابن ماجة برقم (357، 358، 359)، إرواء الغليل حديث رقم (84)، السلسلة الصحيحة (36).
(3) انظر أحكام القرآن لابن العربي (2/ 575).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وهو محجوج بآثار وردت في جواز ذلك(1).
• الحكم الخامس عشر: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المجزئ في عدد غسل الأعضاء واحدة.
مأخذ الحكم هو: أن أقل ما يقع عليه اسم الغسل مرة واحدة، واحتمل أكثر، فسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء مرّة، فوافق ظاهره القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل، واحتمل أكثر، وسنه صلى الله عليه وسلم مرتين وثلاثًا(2).
• الحكم السادس عشر: ذهب جمهور أهل العلماء إلى وجوب غسل الرجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت بحائل، كالخف.
وذهب بعضهم -وقد روي عن بعض الصحابة- القول بالمسح على القدم، ونقل عن ابن جرير القول بالتخيير بين الغسل والمسح(3).
وسبب الخلاف: تعدد القراءات، وتعددها بمنزلة تعدد الآيات.
وبيان ذلك: ورد في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ}: النصب والجر.
فمن قال بوجوب غسلها - وهم الجمهور - فقد أخذوا بقراءة النّصب، وهي معطوفة على قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الأمر بغسل القدم مطلق يقتضي الوجوب، وللعلماء في وجه الإعراب وتوجيه القراءة خلاف، والمقطوع به من--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، برقم (247).
(2) قال البخاري في صحيحه (1/ 39): باب ما جاء في الوضوء وقول الله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} قال أبو عبد الله: «وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضا مرتين وثلاثا، ولم يزد على ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم».
(3) انظر: جامع البيان للطبري (10/ 63 - 64)، الجامع لأحكام القرآن (6/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
السنة غسل القدمين، فهي بيان بقوله وفعله صلى الله عليه وسلم(1).
قال الموزعي: «ويدل على أن المراد به الغسل فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في جميع الحالات والمواطن، ولم ينقل إلينا قط أنه مسح القدمين، ولو كان واجباً أو جائزاً لبيَّنه عن الله سبحانه كما أوجب ذلك عليه»(2).
وحملوا قراء الجر - على القول بكونها معطوفة على قوله: {بِرُءُوسِكُمْ}، على مسح القدم إذا كانت بحائل، كالخف والجورب.
ومن قال بأن الواجب أو الجائز في حق الرجلين المسح: فإنهم أخذوا بقراءة الجر وهي معطوفة على الرأس، وفرض الرأس المسح فكذا الرجلان.
• الحكم السابع عشر: ورد الأمر في الآية بغسل القدم إلى الكعبين، وهما العظمان النائيان في أسفل الساق من جانبي القدم، والأمر مغيا بغاية، فذهب الجمهور إلى دخول الكعبين مع القدمين في الغسل.
ومأخذ الحكم: هو أن المغيا يدخل في الغاية، كما سبق في اليد مع المرفق.
ومن العلماء من جعل معنى (إلى) في الآية بمعنى (مع).
• الحكم الثامن عشر: استدل بالآية على وجوب إزالة ما يعلق بأعضاء الوضوء، ويمنع وصول الماء إلى البشرة مما له جرم، كالدّهون والكريمات، وطلاء الأظافر، والأكحال التي تكون مادتها بلاستيكية، والأصابع المعدنيّة التي تحتوي على--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 373 - 377)، وورد بالنقل المستفيض من فعله صلى الله عليه وسلم، وأما القول فمنه قوله صلى الله عليه وسلم: (ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً)، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين ولا يمسح القدمين، برقم (163)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم (241)، وهذا يوجب استيعابهما بالغسل؛ لأن الوضوء اسم للغسل، يقتضي إجراء الماء على الوضوء، والمسح لا يقتضي ذلك.
(2) تيسير البيان (3/ 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
الكبريت أو الرّصاص أو النحاس، وبيضات الشعر(1).
مأخذ الحكم: يمكن استنباط الحكم السابق من الآية بواسطة قاعدة: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.
وبيانه: أنَّ غسل جميع أعضاء الوضوء واجب، ولا يتمّ هذا لواجب إلّا بإزالة ما يحول دون وصول الماء إليها، فيكون إزالة تلك الحوائل من الدّهون والكريمات ونحوها واجب.
• الحكم التاسع عشر: استدل بالآية من قال بوجوب غسل ما بقي من العضو إن كان القطع من المفصل فما دونه، سواء كان في اليد أو القدم، وتنزع الأطراف الصناعية لأجل ذلك(2).
مأخذ الحكم: أن معنى (إلى) هنا بمعنى (مع)(3) ويفسرها فعل النبي صلى الله عليه وسلم الدائم في الوضوء.
نوقش: بأنّ (إلى) الأصل أنها للغاية، فلا يدخل ما بعدها إلى ما قبلها، وعليه فلا يدخل المرافق في الغسل مع الأيدي، ولا الكعب في الغسل مع الأرجل(4).
وأجيب: بأنّ ورود (إلى) بمعنى (مع) شائع في اللسان(5).--------------------------------------------
(1) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (5/ 218)، فتاوى ابن باز (10/ 49)، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (4/ 140)، الفقه الميسر (النوازل في العبادات) (9/ 9)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (32، 42)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (20).
(2) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (11/ 106، 152)، الفقه الميسر (9/ 18)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (25 - 26).
(3) ينظر: المغني (1/ 172)، الشرح الممتع (1/ 213)، أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص (252).
(4) ينظر: تيسير البيان لأحكام القرآن (2/ 731).
(5) لقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ) وقالوا: لفظ: «كان» في الحديث يدل على المداومة، ولم ينقل إلينا أنه صلى الله عليه وسلم اقتصر على ما دون المرفق، فدلّ على دخوله وجوبًا، وفي فعله صلى الله عليه وسلم بيانٌ للغسل المأمور به في الآية. ينظر: تيسير البيان (2/ 732)، أثر العربية في استنباط الأحكام الفقهية من السنة النبوي، ص (406).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
• الحكم العشرون: استدل بالآية من قال بعدم جواز المسح على الشماغ والغترة والطاقية(1) والقبعات(2).
مأخذ الحكم: أن الباء في قوله: {بِرُءُوسِكُمْ} للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.
تنبيه: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على العمامة(3)، ومن أجاز ذلك اشترط للمسح عليها شروطًا لا تنطبق على الشماغ وما ذكر معه. فالحنابلة يشترطون في جواز المسح على العمامة كونها محنّكة أو ذات ذؤابة(4)، والشماغ والغترة والطاقية ليست كذلك
ولعل ضابط ذلك ما ذكره الشيخ العثيمين: «ما كان بمعنى العمامة مما يشق نزعه، فإنه يلحق بها، وما لا فلا»(5).
• الحكم الحادي والعشرون: استدل بالآية على عدم جواز المسح على الباروكة(6).--------------------------------------------
(1) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (11/ 170)، الشرح الممتع (1/ 193)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (24).
(2) يرى الشيخ العثيمين جواز المسح على القبّعة التي تلبس على الرأس أيام الشتاء لتقية البرد؛ لأنّ نزعها قد يكون أشق من العمامة، ولأنها أشد تدفئة من العمامة فتأخذ حكمها. ينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (1/ 580)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (11/ 170)، فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 386).
(3) كما في حديث عمرو بن أمية رضي الله عنه قال: (رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، برقم: (205).
(4) ينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (1/ 119)، الإنصاف (1/ 185)، الشرح الممتع (1/ 237).
(5) ينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (1/ 579).
(6) ينظر: فتاوى العثيمين (11/ 193)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
مأخذ الحكم: أن الباء في قوله: {بِرُءُوسِكُمْ} للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.
ويستصحب التنبيه السابق في المسألة الماضية.
كما ينبه: أن لبس الباروكة للرجال والنساء محرم، هذا هو الأصل فيها؛ لأنها داخلة في الوصل، وهي وإن لم تكن وصلاً إلا أنها تظهر شعر الرأس على وجه أطول من حقيقته فتشبه الوصل، فتأخذ حكم وصل الشعر، وقد أجاز الشيخ العثيمين رحمه الله لبس الباروكة للمرأة القرعاء التي لا شعر لها أصلاً؛ لأنه من باب إزالة العيب وهو جائز قياساً على إذن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ أنف من ذهب لمن جدع أنفه(1).
باب المسح على الخفين
الخفان: واحدهما خف، وهو: ما يلبسه الإنسان، ويجمع على خفاف.
ويدخل في حكم الباب الجورب، وهو لفافة الرِّجل، ولعله المصنوع من الصّوف أو القطن أو الحرير، أو مشترك بين اثنين فأكثر.
وفي وقتنا الحاضر تعددت المنسوجات فتصنع الجوارب من الأنواع السّابقة ومن النايلونات، وتسمى في وقتنا الحاضر بالشّراب.
ويدخل فيه الجرموق وهو: خفٌ يلبس فوق الخف، والموق وهو بالمعنى السّابق. وقيل غير ذلك.
قال تعالى: {وَأَرْجُلِكم} [المائدة: 6] بكسر اللام.
استدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:
• الحكم الأول: مشروعية المسح على الرجلين إذا كان عليهما خف.--------------------------------------------
(1) ينظر: فتاوى المرأة ص (166 - 183).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
قال ابن قدامة: «والمسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم»(1).
استدل العلماء بقوله: {وَأَرْجُلِكم} بكسر اللام على مشروعية المسح على الرجلين إذا كان عليهما خف، فعطفوا الأرجل على المسح على الرأس، في قوله: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم إلى الكعبين}.
ولما كانت القراءتان محتملتين وجائزتين لغة، حمل العلماء قراءة النّصب في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} على العطف على المنصوب في قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} فعطف بالنّصب مغسولًا على مغسولٍ، وجعلوا فرض الرِجلين الغسل، وذلك إذا لم يكن على القدمين خف أو نحوه. وإن كان على القدمين خُفٌّ فجعلوا فرض الوضوء مسح القدمين، استدلالًا بالقراءة الثانية، وهو عطف الممسوح على الممسوح.
مأخذ الحكم: أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة؛ فإنّ لهما حكم الآيتين؛ ولذا حملوا فرض غسل القدم على قراءة النّصب، وفرض مسح القدم (الخف) على قراءة الخفض كما سبق.
قال السيوطي: «قُرئ النصب والجر، فالأولى للغسل، والثانية لمسح الخف؛ لأن تعدد القراءات بمنزلة تعدد الآيات»(2).
• الحكم الثاني: استدلَّ بوجوب المسح على الجورب الملبوس على الأرجل الصناعية على قراءة: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} بكسر (أرجلِكم) وذلك إن كان القطع من الكعب فما دونه من جهة القدم.
فالقول في هذا المطلب كالقول في المطلب السابق، إلا أنّ الحكم -هنا---------------------------------------------
(1) المغني (1/ 359).
(2) الإكليل (2/ 620).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
متعلِّقٌ بالمسح على الجورب أو الخف الذي على الرّجل الصناعية
مأخذ الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من دلالة معنى حرف (إلى) وأنه بمعنى (مع)، مع جواز الاحتجاج بالقراءة الأخرى، فيأخذ حكم الغسل في المسألة السابقة، فيمسح عليها، إن كان قطع الرِجل من الكعب فما دون جهة القدم.
تنبيه: الكلام في هذه المسألة هو نفس الكلام في المسألة السابقة.
باب نواقض الوضوء
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]
النواقض: جمع ناقض، ونواقض الوضوء: مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته. وأتى بلفظ: نواقض، بالجمع للإشارة إلى تعددها واختلافها.
ومناسبة وروده بعد الوضوء ظاهرة؛ إذ إن النقض لا يكون إلا بعد وقوعها.
وقال: نواقض الوضوء، ولم يقل نواقض الطهارة، لأجل الاقتصار على ما ينقض الطهارة الصغرى، دون الكبرى.
• الحكم الأول: من نواقض الوضوء: إتيان الغائط.
دلَّت الآية على أن الخارج من السبيلين من نواقض الوضوء، وعبَّر المولى سبحانه وتعالى عنه بلفظ {الْغَائِطِ}، وهو كناية عن الحدث من النواقض الصغرى.
ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله {فَتَيَمَّمُوا}: أي إن جئتم من الغائط، مما يدلُّ على كونه ناقضاً. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ثانياً: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يأت الغائط فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.
تنبيه: ذكر العلماء أن لفظ {الْغَائِطِ} في الآية يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى.
ويؤيد هذا ما قدَّره العلماء في صدر الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} حيث قدَّروا: (إذا قمتم محدثين) فيدخل فيه كل حدث. والأحداث منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه.
قال القرطبي: «وقد اختلف الناس في حصرها، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع: لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة»(1).
وقال ابن بطال: «الأحداث التي أجمع العلماء على أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة: (يقصد الريح) البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير»(2). وسيأتي ذكر بعضها، وهناك نواقض أخرى يرجع إليها في كتب الفقه.
• الحكم الثاني: من نواقض الوضوء ملامسة النساء.
أما ملامسة النساء. فقد اختلف العلماء في المراد منها في الآية.
فقيل: الجماع. وقيل: مجرد اللمس باليد. ورجَّح كل فريق ما ذهب إليه بأدلة وقرائن، وكل قول قال به نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
فقال بكونه الجماع علي وابن عباس رضي الله عنهم، وقال بكونه اللمس باليد عمر وابنه وابن مسعود رضي الله عنهم.--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن (5/ 213).
(2) فتح الباري (1/ 289).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وأرجع بعضهم الخلاف فيها للخلاف في القراءتين الواردتين فيهما، وهما: {أَوْ لَامَسْتُمُ} أو {لمستم}. فقيل: معناهما واحدٌ.
وقيل: إن قراءة {لمستم} بدون ألف: الجماع، ويحتمل أن يكون المراد مجرد اللمس باليد. أمّا قراءة {أَوْ لَامَسْتُمُ} بالألف فهي بمعنى الجماع.
ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله {فَتَيَمَّمُوا}: أي إن لمستم النساء، مما يدلُّ على كونه ناقضاً. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.
ثانياً: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يلمس النساء فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.
تنبيه: على القول بأن قراءة {أَوْ لَامَسْتُمُ} بالألف بمعنى الجماع فإنّ الآية بالمعنى تكون شاملة للحدثين الأصغر والأكبر.
فالأصغر في قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} والأكبر في قوله تعالى: أو {لمستم}، {أَوْ لَامَسْتُمُ} وهو الجماع.
وقيل: إنّ الله سبحانه وتعالى لما ذكر سبب الحدث، وهو المجيء من الغائط ذكر سبب الجنابة، وهو الملامسة، فبيّن حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد حكمهما عند وجود الماء، فلا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس.
يقول ابن العربي: «قوله: {وَلَا جُنُبًا} أفاد الجماع، وأن قوله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} أفاد الحدث، وأن قوله: {أَوْ لَامَسْتُمُ} أفاد اللمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام، وهذه غاية في العلم والإعلام. ولو كان المراد باللمس الجماع كان تكرارا في الكلام، وكلام الحكيم ينزّه عنه والله أعلم»(1).--------------------------------------------
(1) أحكام القرآن لابن العربي (1/ 444)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (5/ 224).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
وأجيب بأنه: إن أريد منه اللمس باليد، فإنّه يكون قليل الفائدة؛ إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد، ولا تكون الآية حينئذ شاملة لحكم وجوب التّيمم للجنب إذا لم يجد الماء.
وحمل اللمس على الجماع قواه ابن تيمية معتمدًا على قاعدة: «إنّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًّا ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا عُلم أن هذا ليس من دينه … وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة، ولم ينقل عنه مسلمٌ أنه أمر الناس بالتوضؤ من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع كما بسط في موضعه»(1).
واستدل أصحاب هذا القول بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصّلاة ولم يتوضأ(2).
تنبيه ثان: دلَّت الآية على أن الجنب يجب أن يغتسل، والعلماء يقولون: إن ما أوجب الغسل فإنه يوجب الوضوء، بمعنى يكون ناقضاً من نواقض الطهارة.
ومأخذ الحكم من الآية هو: أولاً: الأمر بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}.
ثانياً: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهو الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّةً وسببًا للطهارة بدلالة الإيماء والتنبيه.
وإذا قلنا بأن ما أوجب الجنابة فإنه يوجب الوضوء فيدخل في النواقض ما توجبه الجنابة، كالجماع، ونزول المني، والحيض، والردة.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (25/ 236 - 238).
(2) أخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، برقم (86)، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة (1/ 104)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4/ 273).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)