ومأخذ من قال للآباط: الإطلاق الواردة في الآية، فكل ما كان من أطراف الأصابع إلى الآباط فإنه يطلق عليه اسم اليد.
قال البيضاوي: «واليد اسم للعضو إلى المنكب»(1).
وقال ابن الفرس: «ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد»(2).
نوقش: نسلم بأن اليد تطلق على ذلك، لكن دلَّت السنة وبينت المراد، وهو إلى الكوعين، أو الكفين كما في حديث عمار رضي الله عنه.
ومأخذ من قال إلى المرفقين: إمّا قياس التيمم على الوضوء، أو حمل المطلق الوارد في آية التيمم على المقيد بأية الوضوء، وقد اتحدا سببًا واختلفا حكمًا(3).
فسببهما الطهارة ورفع الحدث. والحكم في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح.
نوقش: بأنه قياس فاسد؛ لأنه في مقابل النص، وحمل المطلق على المقيد يصح عند من يقول بالحمل مع اختلاف الحكم.
ومأخذ مَنْ قيّده بالكوع: حمل الأيدي المطلقة هنا على التقييد الوارد في آية القطع في السرقة، وهي مقيدة بفعله عليه الصلاة والسلام(4).--------------------------------------------
(1) أنوار التنزيل للبيضاوي (2/ 76).
(2) أحكام القرآن (2/ 212).
(3) انظر: تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (4/ 591)، تيسير البيان (3/ 116).
(4) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 212)، والوار في فعله ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قطع سارقاً من المفصل)، والمراد بالمفصل كما يقول البيهقي هنا: مفصل الكف. والحديث فيه مقال، وله شواهد ذكرها الألباني. انظر: السنن الكبرى (8/ 270 - 271)، ونصب الراية للزيلعي (3/ 280)، إراوء الغليل للأباني (8/ 81 - 82).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
نوقش: بأنهما اختلافا حكمًا، ففي السرقة قطع، وفي التيمم مسح، واختلفا سببًا ففي السرقة: السرقة، وفي التيمم: رفع الحدث، فلا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بالاتفاق(1).
ومأخذ من جعل المسح إلى الكوعين:
أولاً: أن اليدين عند الإطلاق يراد بها الكوعان فقط؛ لأنه لو أراد إلي الإبطين، أو إلى المرفقين، أو الذراعين لقيدها به، كما قيَّدها في الوضوء إلى المرفقين.
قال السعدي: «ومن الأحكام: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليد عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء»(2).
ثانياً: القياس على القطع؛ إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما أن التيمم تطهير.
ونوقش: بأنه في القطع عقوبة، لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط.
وهناك مأخذ آخر: ذكره ابن الفرس فقال: «فمن قال إلى الكوعين كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط، وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين»(3).
ومأخذ مَنْ قال إلى الكفين: هو حديث عمّار كما عند البخاري أنّه أجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدَّابة، وفيه أنه قال: ثمّ أتيت الرسول فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بالأرض ضربة--------------------------------------------
(1) انظر: المنخول (177)، الإحكام للآمدي (3/ 4)، المطلق والمقيد د. حمد الصاعدي (236).
(2) انظر: تفسير السعدي 233.
(3) أحكام القرآن (2/ 112).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه»(1).
• الحكم التاسع: اختلف العلماء في مشروعية تكرار المسح من عدمه.
وذهب الجمهور إلى عدم التكرار.
ومأخذ الحكم: إطلاق المسح في الآية، وهو يتحقق بالمرة الواحدة.
• الحكم العاشر: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب طلب الماء.
مأخذ الحكم: أن قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} أمر يوجب التّكرار، ولا سيما أنه قد علق بشرط، فهو يوجب تكرار التيمم لكل صلاة، ويلزم منه طلب الماء لكل صلاة. ولم يجب في الوضوء لفعله عليه الصلاة والسلام، فيبقى التيمم(2).
قال الموزعي: «وكنت قدَّمت أولاً أن مفهوم قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} لا يوجب تكرار الوضوء لكل صلاة، خلافاً لابن سيرين؛ لأجل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجب طلب الماء والتيمم لكلِّ صلاة عند القيام، أو لا يجب كالوضوء؟
فباقتضاء المفهوم قال الشافعي ومالك، فأوجبا الطلب والتيمم لكل فريضة، وبترك المفهوم قال أبو حنيفة، فلم يوجب ذلك»(3).
• الحكم الحادي عشر: اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله، إن كان هذا الثمن فاضلاً عن حاجته ودينه.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري كتاب الطهارة، باب التيمم للوجه والكفين برقم (339).
(2) حيث ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس كلها يوم الفتح بوضوء واحد، أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد برقم (227).
(3) تيسير البيان (3/ 122 - 123).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
واختلفوا فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أو لا؟ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزمه شراء الماء.
مأخذ الحكم: أن القادر على الشراء يعتبر واجداً للماء، فلا يجوز له العدول إلى التيمم.
فقوله: {فَلَمْ تَجِدُوا} فعل في سياق نكرة، والأفعال نكرات، فيعم كل واجد، سواء كان بثمن المثل أو بزيادة.
• الحكم الثاني عشر: من وجد ماءً لكنه لا يكفي لطهارته اختلف العلماء في وجوب تطهره به، ثم تيممه للباقي.
فأوجب ذلك بعض العلماء.
ومأخذ الحكم: أولاً: أن كلمة (ماء) في الآية نكرة في سياق نفي تعم الماء القليل والكثير(1).
ثانياً: أنه يصدق عليه أنه واجد للماء.
وقيل: لا يجب عليه استعمال هذا الماء.
ومأخذ الحكم: العرف الشرعي؛ لأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماءً كافياً لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلاً، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم.
وعليه فيقال: إن الله سبحانه وتعالى أراد بالماء في قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية.--------------------------------------------
(1) انظر: المغني (1/ 315)، نهاية المحتاج (1/ 272).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
قال ابن العربي: «فإن الله سبحانه قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وأراد جميع البدن، ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فاقتضى ذلك الماء الذي يقوم له بحق ما تقدم الأمر فيه والتكليف له، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله»(1).
• الحكم الثالث عشر: اختلف العلماء القائلون بوجوب طلب الماء والتيمم لكل صلاة في جواز فعل التيمم قبل دخول الوقت.
فقال بعض أهل العلم: يجوز التيمم قبل دخول الوقت.
مأخذ الحكم: أنّ المعلق بالشرط إنّما هو الوجوب - وهو دخول الوقت - والوجوب في وقت لا يمنع الجواز في غيره.
مأخذ آخر: وهو القول بأن المولى أقام التيمم مقام الماء عند فقده، ولم يفرق بين ما إذا كان قبل الوقت أو بعده(2).
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز.
مأخذ الحكم: القياس، وبيانه كما قال الموزعي: «ويجوز أن يقال: فيه دلالة على التقييد بالوقت وجوبًا وجوازًا، فإنّه عبادة وقد ورد توقيت وجوبها بوقت الصلاة، فلا يجوز في غيره، كسائر العبادات، وإنّما خرج الوضوء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات بوضوء واحد، أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة»(3).--------------------------------------------
(1) أحكام القرآن (1/ 447).
(2) انظر: رؤوس المسائل للزممخشري (113).
(3) تيسير البيان للموزعي (3/ 124)، وانظر: الإكليل للسيوطي (2/ 624).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
ثم بيَّن مأخذاً آخر بقوله: «أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة»(1).
يقول ابن رشد: «فتأمل هذه المسألة؛ فإنها ضعيفة، أعني من يشترط دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على ماء»(2).
• الحكم الرابع عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان (بوية)(3).
ومأخذ الحكم: أن (من) في قوله: {مِنْهُ} تبعيضية، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يعلق باليد، وهذا لا يتحقق بجدار الأسمنت أو البلاط، فلا يتحقق المسح.
نوقش: أن التيمم غير مختص بالتراب، بل بكل ما تصاعد على وجه الأرض؛ لقوله سبحانه: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض(4).--------------------------------------------
(1) تيسير البيان للموزعي (3/ 124).
(2) بداية المجتهد لابن رشد (1/ 134 - 135).
(3) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (11/ 240)، (15/ 412)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (27).
(4) ينظر: الشرح الممتع (1/ 392).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وحمل بعضهم (من) في قوله: {مِنْهُ} على كونها ابتدائية، أي لابتداء الغاية(1)، أي: مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطّيب، وعليه فلا يتعين ما له غبار، ويصحّ التيمم بجدار الأسمنت وغيره.
باب الحيض
قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]
الحيض والمحيض مصدران يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا.
والمحيض أيضًا: اسم لموضع الدّم، فالمحيض الأوّل في الآية هو الدّم، وهو الأذى، والمحيض الثّاني قيل: هو موضع الدّم.
وقد استنبط العلماء من الآية عددًا من الأحكام منها:
• الحكم الأول: تحريم الوطء في الفرج حال الحيض، وهذا محل إجماعٍ.
قال ابن قدامة: «الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرة ودون الركبة جائز بالنّص والإجماع، والوطء في الفرج محرم بهما»(2)، أي بالنصَّ والإجماع.
وقال النّووي: «أجمع المسلمون علي تحريم وطء الحائض للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة»(3).
ومأخذ الحكم: قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فأمر باعتزالهن، وهذه الصّيغة وإن كان لفظها لفظ الأمر، إلّا أنّ معناها والمقصود منها النهي.--------------------------------------------
(1) ينظر: أضواء البيان (2/ 45) (2/ 127)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (19 - 20).
(2) المغني (1/ 242).
(3) المجموع (2/ 359).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
قال ابن النّجار: «وكنهي في المعنى: دع، واترك، وكف، وأمسك نفسك عن كذا. ونحوه»(1).
ومفهوم الغاية السابق جواز وطء الحائض إذا طهرت ثم اغتسلت وهذا لا خلاف فيه بين العلماء وهو على الإباحة؛ لأنّه أمر بعد حظر، وجميع الأوامر في القرآن بعد الحظر، فإنها على الإباحة.
أمّا قبل الاغتسال فقد أجازه بعض العلماء استدلالًا بقوله {حتى يطّهرهن} بالتّشديد، قالوا: معناه حتى يحصل لهن الطهر، الذّي هو عدم الحيض.
أمّا قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فإنّه صفة لفعلهن، ويحصل التطهر بالغسل أو الوضوء أو غسل الفرج، فكل ذلك يسمى في الشّريعة وفي اللّغة تطّهرًا، وطُهورًا، وطهْرًا، فأي ذلك فعلت فقد طهرت.
أو بقراءة {حتى يطهرْن} بالتخفيف، فيكون انقطاع دم الحيض غاية النّهي عن قربانهن، وإن لم يغتسلن.
وأمّا الجمهور فقد ذهبوا إلى عدم جواز وطء الحائض إلّا إذا طهرت واغتسلت.
ومأخذهم في ذلك: أنّ الله سبحانه علق حِل الوطء بغايةٍ وشرطٍ، فيكون الحل بهما، والحرمة بانتفاء أحدهما، فالغاية قوله: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} والشّرط قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} فلا يستباح وطؤها إلّا بالغسل بعد انقطاع الدم، وتنتفي الاستباحة بعدمهما، أو عدم أحدهما من غاية أو شرط.
قال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أن الحائض إذا انقطع دمها لا يحل--------------------------------------------
(1) شرح الكوكب المنير (3/ 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
غِشيانها، وهو قول مالك والشّافعي وجماهير أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يحلُّ، وإن لم تغتسل، والمراد عنده صِرْنَ أهلًا للصّلاة، وهو خلاف الظّاهر من لفظ الآية؛ فإنها تدلّ لغيره من أربعة أوجهٍ:
أحدهما: قراءة من قرأ {حتى يطّهّرن} {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} كلتاهما بالتّشديد.
ثانيهما: قراءة أبي بن كعب {حتى يطْهرن} فلا يقدم الوقت مقام الفعل المنسوب إليهن.
ثالثهما: قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي: اغتسلن، وبهذا فسر ابن عباس ومجاهد وغيرهما»(1).
قلت: لما كانت قراءة التخفيف في قوله {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} تدل على غاية النهي عن قربانهن، وهو انقطاع الدّم، وردت قراءة التّشديد {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} لرفع توهم جواز إتيان الحائض إذا ارتفع عنها الدّم وإن لم تطهر بالماء.
قال الموزعي: «رابعها: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}»(2).
قلت: والرّابع إنّما يدل على مشروعية الفعل وطلبه، فيعمّ الواجب والمندوب، فلا يمنع منه من قال بعدم وجوب الاغتسال.
قال ابن القيم: «وكل فعل عظمه الله ورسوله … أو أحبه، أو أحب فاعله، أو رضي به عن فاعله … فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والنّدب»(3).--------------------------------------------
(1) تيسير البيان (1/ 399 - 400).
(2) تيسير البيان (1/ 400).
(3) بدائع الفوائد (4/ 4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
ثم قال الموزعي: «فإن قلتم: فهل نجد ما يدلّ على أن المراد بالمتطهرين المتطهرين بالماء؟ قلت: نعم قوله تعالى في أهل قباء {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}»(1) وقد سبق الحديث عنها.
• الحكم الثاني: جواز وطء الحائض في غير موضع الدّم.
مأخذ الحكم هو أن المراد بالمحيض في قوله {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} موضع الدّم ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلّا النّكاح)(2) على خلاف بين العلماء، إلّا أنهم اتفقوا على جواز الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرة ودون الرّكبة كما سبق نقله عن ابن قدامة.
• الحكم الثالث: استدل بعضهم على عدم جواز وطء المستحاضة ما دام معها الدّم.
ومأخذه: أن قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} يدل على أن علة اعتزال النّساء، هو كونه أذى، وذلك بطريق الإيماء والتنبيه، فأخذوا بعموم العلّة، وقاسوا المستحاضة على الحائض بكونه أذى.
والجمهور على جواز وطء المستحاضة، قياسًا على جواز صلاتها، مع دم الاستحاضة؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام (إنّما ذلك عرق وليس بحيض)(3) وفيه دليل على الفرق بين الدّمين.--------------------------------------------
(1) تيسير البيان (1/ 400).
(2) أخرجه مسلم، في كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، برقم (302).
(3) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم، برقم (228)، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم (333).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
• الحكم الرابع: لا حدّ لأقل الحيض ولا لأكثره.
ومأخذهم: أن الآية علقت الحكم على المحيض، أي: الدّم، ولم تقدّره بمدة معينة، وما كان هذا سبيله، فإنّه يرجع فيه إلى العرف والعادة، واختلف العلماء في تقدير ذلك.
وختامًا لهذا الباب فسأذكر ما ذكره ابن قدامة من أحكام متعلقة بالحيض، حيث قال: «وقد علق الشّرع على الحيض أحكامًا؛ فمنها: أنه يحرم وطء الحائض في الفرج، … ومنها: أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، … ومنها: أنه يسقط وجوب الصّلاة دون الصّيام، … ومنها: أنه يمنع قراءة القرآن، … ومنها: أنّه يمنع اللبث في المسجد والطواف بالبيت، .... ومنها: أنّه يُحرِّم الطّلاق، … ومنها: أنه يمنع صحة الطهارة … ومنها: أنه يوجب الغسل عند انقطاعه … وهو علَمٌ على البلوغ … ، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمّة. وإذا ثبت هذا، فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض، ليعلم ما يتعلق به من الأحكام»(1).--------------------------------------------
(1) المغني (1/ 223 - 224).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
كتاب الصلاة
تدور الآيات الواردة تحت هذا الكتاب -دون أبوابه- حول مسألة حكم الصلاة، وحكم تاركها.
ولا خلاف بين العلماء في كون الصلاة أحد أركان الإسلام، وهذا الحكم من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة كفر، والعياذ بالله منه.
وقد أجمع العلماء على تكفير من أنكر وجوب الصلاة جحوداً أو عناداَ.
واختلفوا في كفر من تركها تهاوناً وكسلاً على ما سيأتي:
وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم الدالة على الحكم السابق كما سيأتي:
قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب، وهو أمر للحاضر.
ومنه قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ} [الإسراء: 78]، [لقمان: 17].
• الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة.
مأخذ الحكم: بدلالة اقتران الصلاة بالزكاة في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وَآتُوا الزَّكَاةَ}، فقالوا: أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وكذا الصلاة يقاتل تاركها.
• الحكم الثالث: الصلاة واجبة على كل بالغ عاقل، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، مسلم أو غير مسلم، ما بقي عقلُه.
مأخذ الحكم: ضمير الجمع في قوله {وَأَقِيمُوا} يفيد العموم، فيدخل فيه الذكور المسلمون الأحرار بالإجماع، وكذا يدخل في عمومه: الإناث والعبيد، والكفار عند من يقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة.
تنبيه: في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] اختلف العلماء في الصلاة المأمور إقامتها هل هي لفظ مجمل أو لا؟
قال بعض العلماء لفظ الصلاة هنا مجمل، لأنه لا يُنبئ عن المراد منها، وهو: الأقوال والأفعال المبتدئة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فلا يُنبئ عن الركوع والسجود وغير ذلك. ثم إن هذا الإجمال قد بينته السنة بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام.
وقال الجمهور بل مصطلح الصلاة وغيرها من المسميات الشرعية إن وردت في سياق إثبات أو أمر فإنها تحمل على المعنى الشرعي، فنحمل معنى الصلاة في الآية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} على الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود.
أما ما ورد من المسميات الشرعية في سياق النهي فتكون مجملة لترددها بين المعنى الشرعي أو اللغوي. ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من حملها على المعنى اللغوي.
وهذه القاعدة يتفرع عليها فروع كثيرة، في سياق الأمر ما سبق في الآية الكريمة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، وفي سياق الإثبات مثل اختلافهم في قوله عليه الصلاة والسلام: (الطواف بالبيت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
صلاة)(1) فما المراد بالصلاة، منهم من حملها على القاعدة على الصلاة الشرعية، فاشترط بناءً على ذلك الطهارة في الطواف، لكونها شرط الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود.
أما سياق النهي فمثل قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] فحملها بعض العلماء على المعنى اللغوي وهو الدعاء، ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من جعلها مجملة لترددها بين الأمرين. ومثلها قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110] فقد فسرها ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وغيرهم بأن الصلاة هي الدعاء.
قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البينة: 5].
استدل بالآية على وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم:
أولاً: لفظ الأمر وما تصرف منه، وذلك في قوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}، أي: وأمروا أن يقيموا الصلاة، وكذا لفظ الأمر في قوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه: 132].
ثانياً: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل)، وهي الأمر للغائب، ومن ذلك قوله سبحانه في صلاة الخوف {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] وإذا وجب عليهم إقامة الصلاة في الخوف فمن باب أولى حال الأمن.--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف، برقم (2922) قال الشيخ الألباني: صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب.
• الحكم الثاني: كفر تارك الصلاة.
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أي أن من لم يحقق هذه الصفات كان من المشركين.
نوقش عند البعض: أن الآية محمولة على أن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين، فورود النهي عن التشبه بهم لا أن من وافقهم في الترك صار مشركاً.
قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5].
استدل بالآية على عدد من الأحكام منها:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: لأن المولى سبحانه وتعالى أمر بقتالهم إلا إن يتوبوا ويقيموا الصلاة، والواجب هو الذي يعاقب على تركه، وقتالهم عقوبة لهم على شركهم وتركهم الصلاة.
• الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة لكفره.
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}، أي: أنهم إن لم يتوبوا ويقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم بل يقاتلوا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
ثم قال سبحانه وتعالى بعدها في آيات {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] ومفهوم الشرط: إن لم يقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم وليسوا بإخوة، والمعلق بشرط ينعدم بعدمه.
نوقش عند بعضهم: أن ذكر الصلاة والزكاة في الآية لم يقصد منه جعلها شرطاً لترتيب حكم التخلية عليه، وإنما هو من باب الإشارة إلى أعظم الشعائر الإسلامية، وهما الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية.
وقيل إن الآية نزلت في حق طوائف المشركين وقبائلهم المجتمعة، فلا يصح الاستدلال بها في قتال الأفراد الممتنعين.
قال ابن قدامة رحمه الله: (فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة تُرك تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا مُنع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرّق بين الزوجين لترك الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها .... )(1).
ثم إن العرب تطلق اسم المتوقع من الشيء في النهاية لم حاله في البداية، ولما كان ترك الصلاة أول بداية الكفر، لأن المرء إذا ترك الصلاة واعتاده ارتقى منه إلى ترك غيرها من الفرائض، وإذا اعتاد ترك الفرائض أداه ذلك إلى التكذيب بالدين والردة عنه -عياذاً بالله- فأطلق صلى الله عليه وسلم اسم الكفر على البداية التي أول شعبها ترك الصلاة.
وهذا الأسلوب معهود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (المراء في القرآن كفر)(2)، لأن--------------------------------------------
(1) المغني (2/ 332).
(2) أخرجه أبوداود في كتاب السنة، باب النهي عن الجدال في القرآن، برقم (4603)، وحسنه الألباني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
المرء إذا مارى في القرآن أداه ذلك -إن لم يعصمه الله- إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه، وإذا ارتاب في بعضه أداه ذلك إلى الجحد.
قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238].
الأمر بالمحافظة يفسر المراد بالإقامة، فإقامة الصلاة يعني: تأديتها في أوقاتها بأركانها على الدوام.
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب في قوله: {حَافِظُوا}.
• الحكم الثاني: اختلف العلماء في الصلوات المأمور بالمحافظة عليها.
فقيل: الفرائض. وقيل: الفرائض والنوافل.
ومأخذ القولين: العموم الوارد بدخول (ال) على الجمع، فحملها الفريق الأول على عموم الصلوات المفروضة، ويؤيد قصرها عليها حمل جمهور أهل العلم على أن المراد بالوسطى، صلاة العصر، ويؤيد القراءة الشاذة الواردة فيها كما سيأتي.
أما الفريق الثاني: فحملوا العموم على الفرائض والنوافل.
تنبيه: إذا قيل: إن المراد بها الفرائض والنوافل فإن الأمر في قوله: {حَافِظُوا} يحمل على الوجوب في الواجبات، وعلى الندب في المندوبات.
وهذه طريقة بعض أهل العلم، أو يقال: إن الجميع يحمل على الوجوب، وتخرج النوافل، ويصرف الأمر الموجه إليها بدلالة السنة، بما روى البخاري في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة)، فقال: هل عليّ غيرها. فقال: (لا، إلا أن تطوع)(1)، فدل على أن ما عدا الفرائض تطوع ونفل.
• الحكم الثالث: اختلف العلماء في المراد بالصلاة الوسطى، وتعددت فيها الأقوال.
قال السيوطي في الإكليل: «وهي الصبح، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الخمس، أو الجمعة، أو الوتر، أو الضحى، أو صلاة عيد الفطر، أو عيد الأضحى، أو صلاة الليل، أو صلاة الجماعة، أو صلاة الخوف، أقوال»(2).
ومأخذ الخلاف وتعدد الأقوال عموماً هو الخلاف في المقصود بالوسطى في الآية، هل هو مأخوذ من التوسط أو الوسط وهو الفضل والخيار، فمن ذهب إلى الأخير تلمس النصوص الواردة في فضل بعض الصلوات، وحكم على بعض تلك الصلوات بأنها الوسطى أي الفضلى. ومن قال بالتوسط بالترتيب فلهم أنظار، من ذلك قولهم: إنها الصبح، لأن قبلها صلاتي الليل يجهر فيهما وبعدهما صلاتا النهار يسر فيهما، ومن قال العصر قال لأن قبلها صلاتي نهار بعدها صلاتي ليل .... وهكذا.
وعلى كون الوسطى الفجر أو العصر انحصرت المذاهب الأربعة، ومما استدلوا به من القرآن وهو محل دراستنا في هذا الكتاب ما يأتي:
استدل القائل بأنها الفجر بقوله سبحانه في ختم الآية {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، وقالوا المقصود به القنوت في صلاة الفجر، وهو مذهب الشافعية، وسيأتي أن سبب--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، برقم (46)، وكتاب الشهادات، باب كيف يستحلف، برقم (2532)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، برقم (11).
(2) الإكليل (1/ 433).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
النزول لا يساعدهم على ذلك، إذ المقصود به السكوت وعدم الكلام في الصلاة.
وقالوا: عن العصر ليست هي الوسطى استدلالاً بقراءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر)، وهي قراءة شاذة يحتج بها.
ففي عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى دلالة على أنها مغايرة لها، لأن العطف يقتضي المغايرة.
أما القائل بأن الوسطى هي العصر وهو مذهب الحنابلة والحنفية فقد استدل بالأحاديث الصحيحة، ومن ذلك ما رواه مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: نزلت «حافظوا على الصلوات وصلاة العصر» فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن نقرأها ثم إن الله نسخها، فأنزل {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}(1)، وقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة والوسطى بأنها العصر في قوله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)(2)، والسنة مبينة للقرآن، وهي قاطعة للاحتمالات الأخرى، والله أعلم.
تنبيه: على القول بأن الوسطى من الوسط في الترتيب أو لتوسطها بين شيئين، لو كان الوتر واجباً لكانت الصلوات ستاً، والست لا تصح أن يكون لها وسطى، فعُلم أنها خمس صلوات.
تنبيه: ذكر الخاص بعد العام لا يخصص العام، ولا يدل تخصيصه بالذكر على عدم دخوله في العام، بل يدلّ إفراده بالذكر على فوائد منها:--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، برقم (627)، وفي كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، برقم (628).
(2) الجامع لأحكام القرآن (11/ 122).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
الأول: مزيد اهتمام به، والتأكيد عليه، أي كأنه ذكر مرتين، مرة بالعموم، ومرة بالخصوص.
الثاني: وهو تابع للأول، وذلك أن من عادة العرب عند الاهتمام ببعض أنواع العام القيام بتخصيصه بالذكر، إبعاداً له عن المجاز.
قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]. وهو واد في جنهم.
استدل بالآية على وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: دلَّ على الحكم السابق الأساليب الشرعية الآتية:
أولاً: ترتب الوعيد على الترك يدل على وجوب المتروك.
ومن ذلك: أي من أساليب إطلاق الوعيد وترتيب الذم على الترك، الدالة على الوجوب قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - 5] أي يؤخرونها حتى يخرج وقتها، فهدد بويل سواء قيل: واد في جهنم، أو كلمة تهديد، وهذا فيمن يصليها لكن مع تأخيرها فكيف بمن لا يصليها؟ فلا شك أنه من باب أولى يستحق العذاب، ولا يستحق العذاب إلا بترك الواجب.
ثانياً: ذم الفاعل بوصفهم أنهم أضاعوا الصلاة، يدل على حرمة الترك.
قال القرطبي: «قوله تعالى {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ}. وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق صاحبها، ولا خلاف في ذلك»(1).
ثالثاً: في قرن الفعل بالتوبة في قوله: «إلا من تاب» يشعر بأن الفعل معصية--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن (11/ 122).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)