إن لفظ "بين" يقتضي الدخول على متعدد. قال: وتحتمل أن يكون التقدير: "ويقرأ ما بين الستين وفوقها إلى المئة" فحذف لفظ: فوق، لدلالة الكلام عليه. وفي السياق تأدب الصغير مع الكبير، ومسارعة المسؤول بالجواب إذا كان عارفًا به.
وقوله: "والعصر"، أي: ويصلي العصر. وقوله: "وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة رجع والشمس حية"، ورجع يحتمل أن يكون بمعنى يرجع، وأن يكون بيانًا لقوله: "يذهب"، وأن يكون في موضع الحال، أي: يذهب راجعًا، ويحتمل أن أداة الشرط سقطت. إما "لو" أو"إذا"، والتقدير: لو يذهب أحدنا، إلخ. وجَوّز الكرمانيّ أن يكون "رجع" خبرًا للمبتدأ الذي هو "أحدنا"، و"يذهب" جملة حالية، وهو وإن كان محتملًا من جهة اللفظ، لكنه مخالف لرواية عوف الآتية. وقال أيضًا: يحتمل أن قوله: "رجع" عطف على قوله: "يذهب"، والواو مقدرة، و"رجع" بمعنى يرجع، وهذا الاحتمال جزم به ابن بطال، ويؤيده رواية أبي داود عن حفص بن عمر بلفظ: "وإن أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة، ويرجع والشمس حية". وقوله: "رجع" بلفظ الماضي، هو الذي في رواية أبي ذرٍّ والأصيلي، وفي رواية غيرهما: "ويرجع" بزيادة واو، وبصيغة المضارعة. وظاهره حصول الذهاب إلى أقصى المدينة، والرجوع من ثمّ إلى المسجد، لكن في رواية عوف الآتية، في باب "وقت العصر قريبًا": "ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية"، فليس فيه إلا الذهاب فقط.
وطريق الجمع بينهما وبين رواية الباب أن يقال: يحتمل أن الواو في قوله: "وأحدنا" بمعنى "ثم" على قول من قال إنها تَرِد للترتيب، مثل ثمّ، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: ثم يذهب أحدنا، أي: ممن صلى معه، فرواية عوف أوضحت أن المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل من المسجد، وإنما سمي رجوعًا لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعًا. وطرق الحديث يبين بعضها بعضًا، وقد رواه أحمد عن شعبة بلفظ: "والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة، والشمس حية"، ولمسلم
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 11)
والنّسائيّ عن شعبة مثله، لكن بلفظ: "يذهب" بدل يرجع.
وقوله: "والشمس حية"، أي: بيضاء نقية. قال ابن المنير: المراد بحياتها قوة أثرها حرارة ولونًا وشعاعًا وإنارة، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلَيْ الشيء. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن خَيْثَمة، أحد التابعين، قال: حياتها أن تجد حرها.
وقوله: "ونسيت ما قال في المغرب"، قائل ذلك هو أبو المنهال سيًار، بيّنه أحمد في روايته.
رجاله أربعة:
الأول: حفص بن عمر، وقد مرّ في الثالث والثلاثين من كتاب الوضوء وشعبة في الثالث من الإيمان.
الثالث: سيّار بن سلامة أبو المنهال الرِّياحيّ البَصريّ. قال ابن مَعين والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وقال العجليّ: بصري ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة روى عن أبيه سلامة وأبي برزة الأسلمي وأبي العالية الرياحي وغيرهم. وروى عنه سليمان التيميّ وخالد الحذاء ويونس بن عبيد وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم. مات سنة تسع وعشرين ومئة.
الرابع: أبو برزة، اختلف في اسمه واسم أبيه، وأصح ما قيل في ذلك قول من قال: اسمه نَضْلَة بن عبيد بن الحارث بن ميال بن دعبل بن ربيعة بن أنس بن خُزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر الأسلمي، نزل البصرة وله بها دار، وهو مشهور بكنيته. أسلم قديمًا، وشهد فتح مكة وخيبر وحنينًا، وروي عنه أنه قال: قتلت ابن خطل. قال ابن سعد: كان من ساكني المدينة، ثم نزل البصرة وغزا خراسان. وقال غيره: شهد مع علي قتالَ الخوارج بالنَّهْرَوان، وغزا خُراسان بعد ذلك. ويقال إنه شهد صفّين والنهروان مع عليّ، وفي صحيح البخاريّ أنه عاب على مروان وابن الزبير
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 12)
والقرّاء بالبصرة، لما وقع الاختلاف بعد موت يزيد بن معاوية، فقال في قصة ذكرها، حاصلها أن الجميع يقاتلون على الدنيا. وفي صحيح البخاري أنه شهد قتال الخوارج بالأهواز زاد الإسماعيليّ في مستخرجه: "مع المهلّب بن أبي صفرة". له ستة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بأربعة. روى عن أبي بكر، وروى عنه ابنه المغيرة وابنةُ ابنه مُنية بنت عبيد، وأبو عثمان النهديّ وأبو المنهال وأبو العالية والأزرق وسواهم. مات بالبصرة، وقيل: مات بمَرْو، ودفن بها. وقيل: مات بمفازة سِجِسْتان وهَرَاة، وكان موته سنة خمس وستين، في ولاية عبد الملك بن مروان، وقيل: مات في خلافة معاوية.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول. ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ، ويصح أن يقال: كلهم بصريون، لأن شُعبة، وإن كان من واسط، فقد سكن البصرة ونسب إليها. أخرجه البخاريّ في الصلاة أيضًا، ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه فيها، وفي متن الحديث.
ثم قال: وقال معاذ: قال شعبة: ثم لقيته مرة، فقال: "أو ثُلُث الليل". وقوله: "قال شعبة"، أي: بإسناده المذكور، وجزم حماد بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله: "إلى ثلث الليل"، وكذا لأحمد عن حجاج، عن شعبة، ومعاذ المراد به معاذ بن معاذ، وهذا التعليق مسند في صحيح مسلم.
وأما معاذ فهو ابن معاذ بن نصر بن حسان بن الحارث بن مالك بن الخشخاش، العنبريّ أبو المثنى التميميّ الحافظ البصريّ، قاضيها. قال أحمد: معاذ بن معاذ، قُرة عين في الحديث. وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في البصرة في التثبت. وقال في موضع آخر: ما رأيت أفضل من حسين الجعفىّ، وسعيد بن عامر، وما رأيت أعقل من معاذ بن معاذ. وقال ابنُ مَعين وأبو حاتم: ثقة. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابْن معين: أزهر السَّمَّان كيف
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 13)
حديثه؟ قال: ثقة. قلت: فمعاذ بن معاذ؟ قال: ثقة. قلت: أيهما أثبت في ابن عون؟ قال: ثقتان. قلت: فمعاذ أثبت في شعبة أو غندر؟ قال: ثقة وثقة.
وقال نفطويه: كان من الأثبات في الحديث. وقال النّسائيّ: ثقة ثبت. وقال يحى القطّان: طلبت الحديث مع رجلين: خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، وأنا مولى، فوالله ما استبَقَا إلى محدِّث قطُّ فكتبا شيثًا حتى أحضر، وما أبالي إذا تابَعاني من خالفني من الناس. قال: وكان شعبة يحلف لا يحدث فيستثنيهما. وقال أيضًا: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ. وقال محمد بن عيسى الطَّبَّاع: ما علمت أن أحدًا قدِم بغداد إلا وقد تعلق عليه في شيء من الحديث، إلا معاذ العنبريّ، فإنه ما قدروا أن يتعلقوا عليه في شيء مع شغله بالقضاء.
وقال ابن سعد: كان ثقة، ولي قضاء البصرة لهارون، ثم عزل. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال: كان فقيهًا عالمًا متقنًا، روى عن سليمان التيميّ وحُميد الطويل وابن عَون وبَهز بن حكيم وقرة بن خالد وشعبة وغيرهم. وروى عنه ابناه عُبيد الله والمُثنى وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو من أقرانه وأحمد وإسحاق وابن مَعين وغيرهم. مات في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومئة.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 14)
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ.
قوله: "بالظهائر"، جمع ظَهِيرة، وهي الهاجرة، والمراد صلاة الظهر، وجمعها بالنظر إلى تعدد الأيام. وقوله: "سجدنا على ثيابنا"، كذا في رواية أبي ذرٍّ والأكثرين، وفي رواية كريمة: "فسجدنا" بزيادة فاء، وهي عاطفة على شيء مقدر. وقوله: "اتقاء الحرّ"، أي: للوقاية من الحرّ، وفيه المبادرة لصلاة الظهر، ولو كان في شدة الحر، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد، بل هو لبيان الجواز، وان كان الإبراد أفضل، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في باب السجود على الثوب في شدة الحر، حيث أخرجه هناك، ولفظه هناك مغاير للفظه هنا، والمعنى متقارب.
رجاله ستة:
الأول: محمد بن مقاتِل، وقد مرّ في السابع من العلم، ومرّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ غالب بن خَطّاف في السابع والثلاثين من كتاب الصلاة، ومرّ بكر بن عبد الله في الثالث والثلاثين من الغُسل، ومرّ أنس بن مالك في السادس من الإيمان.
والسادس: خالد بن عبد الرحمن بن بكير السلميّ، أبو أمية البصري، قال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال:
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 15)
يخطىء. وقال العقيليّ: يخالف في حديثه. وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: لا بأس به. قال ابن حَجَر: أخرج له البخاريّ في الصلاة حديثًا واحدًا من روايته، عن غالب القطّان، عن بكر بن عبد الله المزنيّ، عن أنس، بمتابعة بشر بن المفضّل له، عن غالب بنحوه، وروى عن الحسن البصري وغالب القطّان ونافع وابن سيرين، وروى عنه ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وبشر بن المفضل، وأبو داود الطيالسىّ وغيرهم. وفي الستة خالد بن عبد الرحمن سواه واحد، وهو الخراساني أبو الهيثم، وفي الرواة اثنان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، ويصيغة الإفراد في موضع، والإخبار بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه محمد بن مقاتِل من أفراد البخاري، وفيه راويان مَرْوَزِيَّانِ، والبقية بصرِيُّون. أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة، ومسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه.
ثم قال المصنف:
باب تأخير الظهر إلى العصر
أي إلى أول وقت العصر، والمراد أنه عند فراغه دخل وقت صلاة العصر، كما يأتي عن أبي الشعثاء راوي الحديث. وقال ابن المنير: أشار البخاري إلى إثبات القول بالاشتراك بين الظهر والعصر، لكن لم يصرح بذلك على عادته في الأمور المحتملة، لأن لفظ الحديث يحتمل ذلك، ويحتمل غيره. قال: والترجمة مشعرة بانتفاء الفاصلة بين الوقتين. وقد نقل ابن بطال عن الشافعي، وتبعه غيره أن الشافعيّ قال: بين وقت الظهر ووقت العصر فاصلة لا تكون وقتًا للظهر ولا للعصر، قال في "الفتح": ولا يعرف هذا في كتب المذهب عن الشافعي، وإنما المنقول عنه أنه كان يذهب إلى أن آخر وقت الظهر ينفصل من أول وقت العصر، ومراده نفي القول بالاشتراك. ويدل عليه أنه احتج بقول ابن عباس: وقت الظهر إلى العصر، ووقت العصر الى المغرب. فكما أنه لا اشتراك
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 16)
بين العصر والمغرب، فكذلك لا اشتراك بين الظهر والعصر.
قلت: مذهب مالك الاشتراك بين الظهر والعصر بقدر إيقاع إحداهما، واختلف هل هو في آخر الصلاة الأولى، فتكون العصر داخلة على الظهر، فتصبح العصر إنْ قدِّمت في آخر الأُولى، ويأثم من آخر الظهر إلى أول الثانية، أو هو في أول الثانية، فتكون الظهر داخلة على العصر، فلا يأثم من أخَّر الظهر إلى أوَّل الثانية، وتبطل العصر إن قُدِّمت في آخر الاولى!؟ وسبب الخلاف عندهم في ذلك حديثُ ابن عباس السابق عند الحديث الأول من كتاب المواقيت هذا، عند أبي داود والترمذيّ وغيرهما في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ففيه "في اليوم الأول صلى بي جبريل العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وفي اليوم الثاني صلى جبريل الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، فمن جعل "صلى" فيهما بمعنى "شرع" جعل الاشتراك في أول الثانية، ومن جعل "صلَّى" بمعنى "فرغ" جعله في آخر الأُولى. وقال ابن العربيّ من المالكية: لا اشتراك بينهما، وقال: إن صلّى في المرة الأولى بمعنى شرع، وفي الثانية بمعنى فرغ.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 17)
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ كان فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. قَالَ: عَسَى.
قوله: "سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء"، أي: صلى المغرب والعشاء سبع ركعات جمعًا، وصلى الظهر والعصر ثمان ركعات جمعًا. فقوله: سبعًا، أي: جميعًا، وثمانيًا: أي: جميعًا. كما صرح به في باب وقت المغرب عن شعبة، ففيه لف ونشر غير مرتب، والظهر نصب بدلًا أو عطف بيان، أو بنزع الخافض. وقوله: "لعله كان في ليلة مطيرة"، بفتح الميم، أي: كثيرة المطر، يعني مع يومها، بقرينة الظهر والعصر. وقوله: "قال عسى"، أي: قال جابر: عسى أن يكون فيها، فحذف اسم عسى وخبرها، واحتمال المطر قال به مالك أيضًا عند إخراجه لهذا الحديث. فقال ابن عباس، بدل قوله بالمدينة: "من غير خوف ولا سفر". قال مالك: لعله كان في مطر، لكن رواه مسلم وأصحاب السنن عن سعيد بن جُبير بلفظ: "من غير خوف ولا مطر"، فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر.
وجَوَّز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقوّاه النووي، وفيه نظر، لأنه لو كان جمعه صلى الله تعالى عليه وسلم بين الصلاتين لِعارضِ المرض، لما صلى معه إلا مَن به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع بأصحابه، وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته. قال النوويّ: ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر ثم انكشف الغيم مثلًا، فبان أن وقت العصر دخل، فصلاها. قال: وهو باطل، لأنه وإن كان فيه أدنى
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 18)
احتمال في الظهر والعصر، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء، وكأَنَّ نفيه الاحتمال مبنيّ على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد، والمختار عنده خلافه، وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء، فعلى هذا فالاحتمال قائم.
وقال: ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوريّ، بأن يكون أخَّر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في أول وقتها. قال: وهو احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تُحتمل، وهذا الذي ضعّفه استحسنه القرطبيّ، ورجحه قبله إمام الحرمين، وجزم به ابن الماجشون من القدماء، والطحاوي، وقوّاه ابن سَيّد الناس بأن أبا الشعثاء راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به، وذلك فيما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار، فذكر الحديث وزاد: "قلت: يا أبا الشعثاء" أظنه أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء؟ قال: وأنا أظنه" قال ابن سيد الناس: راوي الحديث أدرى من غيره بالمراد، لكن لم يجزم بذلك، بل يستمر عليه، فقد مر كلام لأيوب وتجويزه لأن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي ما ذكر من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مُطلقها، فتستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث. والجمع الصوري أولى.
قال الخطابيّ: اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر، فأجازه جماعة من السلف، منهم ابن عمر وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وعامة فقهاء المدينة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائمًا في وقت افتتاح الصلاتين معًا، وكذلك أبو ثور، ولم يشترط ذلك غيرهما، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين مع الظلمة، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقال الأوزاعيّ وأصحاب الرأي: يصلي الممطور كل صلاة في وقتها، وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوّزوا الجمع في الحضر للجماعة مطلقًا، لكن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 19)
بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة.
وممن قاله ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفَّال الكبير، وحكاه الخطابيّ عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث، عن سعيد بن جبير، قال: فقلت لابن عباس، لِمَ فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته، وللنَّسائي عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلَّى بالبصرة الأولى والعصر، ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل. وفيه رفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة، وأنه خطب بعد صلاة العصر حتى بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه، وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع، وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعًا. أخرجه الطبرانيّ ولفظه: "جمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: "صنعت هذا لئلَاّ تحرج أمتي"، وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوريّ، لأن القصد إليه لايخلو من حرج. قال الترمذيّ: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.
وأما الذي أخرجه الطبراني عن ابن مسعود، فيردُّه ما رواه البخاري ومسلم عنه، قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلَّى صلاة لغير وقتها إلا بِجَمْع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد وقتها".
رجاله خمسة:
الأول: أبو النعمان، وقد مرّ في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ عمرو بن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 20)
دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرّ جابر بن زيد في السادس من الغُسل، وفي المتن، فقال أيوب إلخ، وأيوب المراد به السَّخْتيانيّ، وقد مرَّ في التاسع من الإيمان، وهذا التعليق أخرجه مسلم وأصحاب السنن ومالك.
لطائف اسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، ورواته بصريون، ما خلا عمرو بن دينار، فإنه مكّيّ. أخرجه البخاري أيضًا في صلاة الليل، ومسلم وأبو داود والنسائى في الصلاة.
ثم قال المصنف.
باب وقت العصر
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 21)
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا.
قوله: "والشمس لم تخرج من حجرتها"، هو مثل قوله في الذي بعده "والشمس في حجرتها"، أي: باقية لم تخرج.
رجاله خمسة:
الأول: إبراهيم بن المنذر، وقد مرّ في الأول من العلم، ومرّ أنس بن عياض في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ هشام وأبوه وعائشة في الثاني من الوحي.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 22)
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا.
قوله: "لم يظهر الفيء"، أي: في الموضع الذي كانت فيه الشمس، وقد مرَّ في الحديث الأول من المواقيت في رواية مالك بلفظ: "والشمس في حجرتها قبل أن تظهر"، أي: ترتفع، فهذا الظهور غير ذلك الظهور، ومرَّ هناك إيضاح الجمع بين الروايتين.
رجاله خمسة:
الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في العشرين من الإيمان، ومرَّ الليث بن سعد وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني منه، فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، ورواته ما بين مدنيّ وبصريّ وبلخيّ.
ثم قال: وقال أبو أسامة عن هشام: "من قعر حجرتها". وهذا التعليق وقع في رواية أبي ذرٍّ والأصيلي وكريمة بعد الباب، قبل الحديثين. والصواب ما هنا من تأخيره عن الإسناد الموصول، كما جرت به عادة المصنف، والحاصل أن أنس بن عياض وأبا أسامة رويا الحديث عن هشام، وزاد أبو أسامة التقييد بقعر الحجرة، وهو أوضح في تعجيل العصر من الرواية المطلقة، ورواه الإسماعيليّ بلفظ: "والشمس واقعة في حجرتي"، وقد عرف بذلك أن الضمير في قوله: "حجرتها" لعائشة، وفيه نوع التفات. وهذا التعليق أسنده الإسماعيليّ عن ابن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 23)
ماجه، وأبو أسامة قد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرَّ هشام بن عروة في الثاني من بدء الوحي.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 24)
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ.
قوله: "عن الزهريّ"، في مسند الحميديّ، عن ابن عيينة، حدثنا الزهري، وعند الإسماعيليّ، عن سفيان: سمِعَته أُذناي ووعاه قلبي من الزهري. وقوله: "والشمس طالعة"، أي: ظاهرة. وقوله: "بعدُ"، أي: بضم بلا تنوين، والمستفاد من هذه الأحاديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة، والراوي عنهما عروة، واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر كما مرّ. وشذّ الطحاويّ فقال: لا دلالة فيه على التعجيل، لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل، لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل.
وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حُجر أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم تكن متسعة، ولا يكون الضوء باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة، وإلا فمتى مالت جدًا ارتفع ضوءها عن قاع الحجرة، ولو كانت الجدر قصيرة. وقول العيني: لا دخل لاتساع الحجرة ولا لضيقها، وإنما الكلام في قصر جدرها معلوم بطلانه، لأن الحجرة الواسعة معلوم طول بقاء الضوء فيها دون الضيقة، وقال النووي: كانت الحجرة ضيقة العرصة، قصيرة الجدار، بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 25)
الجدار مثله، كانت الشمس أبعد في أواخر العرصة، وكأنّ المؤلف لم يقع له حديث على شرطه في تعيين أول وقت العصر وهو مصير ظل كل شيء مثله، فاستغنى بالحديث الدال على ذلك بالاستنباط.
وقد أخرج مسلم عدة أحاديث مصرحة بالمقصود، ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلا عن أبي حنيفة، فالمشهور عنه أنه قال: أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثليه بالتثنية. قال القرطبيّ: خالفه الناس كلهم في ذلك حتى أصحابه، يعني الآخذين عنه، كأبي يوسف ومحمد، فإنهما قالا بقول الجمهور من كون أول وقته إذا صار ظل كل شيء مثله، بالإفراد، وقد انتصر له جماعة ممن جاء بعد الآخذين عنه، فقالوا: ثبت الأمر بالإبراد، ولا يحصل الإبراد إلا بعد ذهاب اشتداد الحر، ولا يذهب في تلك البلاد إلا بعد أن يصير ظل كل شيء مثليه، فيكون أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثليه، وحكاية مثل هذا تغني عن رده، والحق أن أبا حنيفة إنما احتج بحديث ابن عباس السابق في اقتداء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بجبريل، ففيه أنه صلى به العصر في المرة الثانية حين صار ظل كل شيء مثليه، ولكن هذا لا يقاوم ما في الصحيحين، ولا موجب لتقديم ما في المرة الثانية على المرة الأولى، مع أن المرة الأولى فيها المبادرة إلى أول الوقت، والثانية يحتمل أن يكون فعل ذلك فيها لبيان الجواز.
رجاله خمسة:
الأول: أبو نعيم، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني منه.
ثم قال: قال أبو عبد الله، وقال مالك ويحيى بن سعيد وشعيب وابن أبي حفصة: "والشمس قبل أن تظهر"، وقد مرَّ معنى "قبل أن تظهر" قريبًا، وهذه التعاليق أما تعليق مالك، فقد وصله البخاري في باب المواقيت، وأما طريق
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 26)
يحيى بن سعيد، فعند الذهلي موصولًا، وإما طريق شعيب، فعند الطبراني في مسند الشاميين، وأما طريق ابن أبي حفصة، فعند إبراهيم بن طهمان من طريق ابن عدي.
ورجال التعليق أربعة، أما أبو عبد الله، فالمراد به البخاري نفسه، ومالك قد مرّ في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ يحيى بن سعيد في الأول منه، ومرَّ شعيب بن أبي حمزة في السابع منه.
والرابع: ابن أبي حفصة، وهو محمد بن أبي حفصة ميسرة أبو سلمة البصريّ. قال ابن مَعين: ثقة، وقال مرة: صالح، وقال أبو داود: ثقة، غير أن يحيى بن سعيد لم يكن له فيه رأي. وقال النَّسائيّ: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وقال ابن المَديني: ليس به بأس، قال: وقلت ليحيى بن سعيد: هل كتبت عنه؟ فقال كتبت حديثه كله، ثم رميت به، وهو نحو صالح بن أبي الأخضر. قال: وسمعت معاذ بن معاذ يقول: كتبت عنه، ثم رغبت عنه، لأني رأيته يأتي أشعث بن عبد الملك، فإذا قام أتى الى صبيان فأمَلَّها عليهم. وقال ابن عديّ: هو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم. قال ابن حجر: هو من أصحاب الزهريّ المشهورين. أخرج له البخاري حديثين من روايته عن الزهري، توبع فيهما وعلّق له غيرهما عن قتادة وأبي جمرة الضُّبَعِيّ وعمرو بن دينار والزُّهريّ وغيرهم. وروى عنه الثّوريّ وابن المبارك وحماد بن زيد وروح بن عبادة وغيرهم.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 27)
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
قوله: "دخلت أنا وأبي"، زاد الإسماعيلي: "حين أخرج ابن زياد من البصرة" وكان ذلك في سنة أربع وستين، كما يأتي في الفتن. وقوله: "المكتوبة"، أي: المفروضة، واستدل به على أن الوتر ليس من المكتوبة، لكون أبي برزة لم يذكره، وفيه بحث. وقوله: "كان يصلي الهجير"، أي: صلاة الهجير، والهجير والهاجرة بمعنى وهو وقت شدة الحر، وسميت الظهر بذلك لأن وقتها يدخل حينئذ. وقوله: "تدعونها الأولى"، أنّث الضمير نظرًا إلى الصلوات الخمس، وقيل: لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، حين بيّن له الصلوات الخمس، وقيل: لأنها أول صلاة النهار، ورد بأن الصبح الصحيح أنها نهارية.
وقوله: "حين تدحض الشمس"، أي: حين تزول عن وسط السماء، مأخوذ من الدحض وهو الزلق. وفي رواية لمسلم: "حين تزول الشمس"، ومقتضى هذا أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها، ولا يخالف ذلك الأمرُ بالإبراد،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 28)
لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد، لأنه يختص بشدة الحرّ، أو لبيان الجواز. وقد يتمسك بظاهره من قال إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن تقديمه، من طهارة وستر عورة وغيرهما، قبل دخول الوقت. ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة.
وقوله: "إلى رَحله" بفتح الراء وسكون المهملة، أي: مسكنه. وقوله: والشمس حية، تقدم معناه عند ذكره أولًا في باب وقت الظهر عند الزوال. وقوله: "أن يؤخر من العشاء"، أي: من وقت العشاء. قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استحباب التأخير قليلًا، لأن التبعيض يدل عليه. وتعقب بأنه بعض مطلق لا يدل على قلة ولا كثرة. ويأتي في باب "وقت العشاء" عن جابر أن التأخير إنما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة، ويأتي الكلام عليها هناك. وقوله: "التي تدعونها العتمة"، فيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك، وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد. قال الطيبيّ: لعل تقييده الظهر والعشاء دون غيرهما للاهتمام بشأنهما، فتسمية الظهر بالأولى يشعر بتقديمها، وتسمية العشاء بالعَتمة يشعر بتأخيرها. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما قيل فيها من التأخير في بابها.
وقوله: "وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، قال التِّرمذيّ: كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص بعضهم فيه في رمضان خاصة، ومن نقلت عنه الرخصة، قيدت عنه في أكثر الروايات، بما إذا كان له من يوقظه، أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا أجوب، حيث قلنا إن علته النهي خوف خروج الوقت، وحمل الطحاويّ الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله. وقيل: إن الكراهة مختصة بمن تعاطى ذلك اختيارًا، وقيل: ذلك مستفاد من ترك إنكاره صلى الله تعالى عليه وسلم على من رقد من الذين كانوا ينتظرون خروجه لصلاة العشاء. ولو قيل بالفرق بين من غلبه النوم، وهو في مثل هذه الحالة، وبين من غلبه وهو في منزله
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 29)
مثلًا، لكان متجهًا. وإنما كره الحديث بعدها لأن السهر في الليل سبب للكسل من النوم عما يتوجه من حقوق النوم، والطاعات ومصالح الدين، فقد يؤدي إلى النوم عن الصبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام الليل.
وكان عمر بن الخطاب يضرب الناس على ذلك ويقول: أسَمَرًا أوَّل الليل، ونومًا آخره. واذا تقرر أن علة النهي ذلك، فقد يفرق فارق بين الليالي الطوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإِطلاق حسمًا للمادة، لأن الشيء إذا شرع لكونه مظنة قد يستمر فيصير مَئنة، وقد قالوا: المكروه منه ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير، فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين لحفظ متاعهم وأنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة، فكل هذا لا كراهة فيه.
وقوله: "وكان ينفتل"، أي: ينصرف من الصلاة، أو يلتفت إلى المأمومين. وقوله: "من صلاة الغداة"، أي: الصبح، وفيه أنه لا كراهة في تسمية الصبح في ذلك. وقوله: حين يعرف الرجل جليسه، إلخ، تقدم الكلام على ما فيه عند ذكر الحديث في باب "وقت الظهر عند الزوال".
رجاله ستة:
الأول: محمد بن مقاتل، وقد مرَّ في السابع من العلم، ومرّ عبد الله بن المبارك في السادس من الوحي، ومرّ عوف الأعرابي في الأربعين من الإيمان، ومرّ سيار بن سلامة وأبو برزة في الثامن من هذا الكتاب.
السادس: سلامة أبو سيار، ولم يذكره تهذيب التهذيب في رجاله الستة، مع أنه هو السائل هنا في هذا الحديث لأبي برزة، ولكن المروي عنه ولده لا هو، ولم أر من ترجمه، ووقعت لابنه عنه رواية في الطبراني الكبير، في ذكر الحوض.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 30)