شيئًا، والدرن بالتحريك الوسخ، وقد يطلق على الحَبّ الصغار التي تحصل في بعض الأجساد. وقوله: "لا يُبقي"، بضم أوله أيضًا، وشيئًا منصوب على المفعولية، ولمسلم: "لا يَبقى" بفتح أوله، وشيءٌ بالرفع على الفاعلية.
وقوله: "فذلك مثل الصلوات"، الفاء في قوله "فذلك" جواب شيء محذوف، أي: إذا تقرر ذلك عندكم فهو مثل الصلوات، إلخ، وفائدة التمثيل التأكيد وجعل المفعول كالمحسوس. قال الطيبيّ: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب، لأنهم لم يقتصروا في الجواب على لا، بل أعادوا اللفظ تأكيدًا، وقال ابن العربيّ: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهير العبد من أقذار الذنوب، حتى لا تُبقي له ذنبًا إلا أسقطته. وظاهره أن المراد بالخطايا في الحديث ما هو أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن قال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة؛ لأنه شبه الخطايا بالدرن، والدرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر من القروح والخُرَّاجات، وهذا مبنيٌّ على أن المراد بالدرن في الحديث الحَبّ، والظاهر أن المراد به الوسخ؛ لأنه هو يناسبه الاغتسال والتنظيف.
وقد جاء من حديث أبي سعيد الخُدري التصريح بذلك، وهو ما أخرجه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به عن عطاء بن يسار، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول: "أرأيت لو أن رجلًا كان له مُعْتَمل، وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله، فأصابه وسخ أو عرق، فكلما مرَّ بنهر اغتسل منه … الحديث. ولهذا قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير الذنوب، وهو مشكل، لكن روى مسلم قبله حديث العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصلوات الخمس كفّارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر" إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب "قيام ليلة القدر" من كتاب الإيمان.
رجاله سبعة:
الأول: إبراهيم بن حمزة، وقد مرَّ في الرابع والأربعين من الإيمان، ومرَّ
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 468)
عبد العزيز بن أبي حازم في الخامس، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان.
الخامس من السند: عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوَرْدِيّ، أبو محمد، مولى جُهينة. قال مصعب الزبيريّ: كان مالك يوثق الدراورديّ. وقال أحمد بن حنبل: كان معروفًا بالطلب، وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وَهِم. وكان يقرأ من كتبهم فيخطىء، وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويه عن عُبيد الله بن عمر. وقال ابن مَعين: الدراورديّ أثبت من فليح، وابن أبي الزناد، وابن أبي أويس. وقال مرة: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة حجة. وقال أبو زرعة: سيىء الحفظ، وربما حدث من حفظه الشيء فيخطىء، وسئل أبو حاتم عن يوسف بن الماجشون والدراوردي، فقال: عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال مرة: ليس به بأس، وحديثه عن عُبيد الله بن عمر منكر.
وقال ابن سعد: ولد بالمدينة ونشأ بها، وسمع بها العلم والأحاديث حتى توفي، وكان ثقة كثير الحديث، يغلط. وقال العجليّ: هذا ثقة. وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة، إلا أنه كثير الوهم. وقال أحمد: حاتم بن إسماعيل أحب إلى منه. وقال عمرو بن علي: حدث عنه ابن مهدي حديثًا واحدًا. وقال عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن: جاء الدراورديّ إلى أبي يعرض عليه الحديث، فجعل يلحن لحنًا منكرًا، فقال له أبي: ويحك، إنك كنت إلى لسانك أحوج منك إلى هذا.
قال ابن حجر في مقدمته: روى له البخاري حديثين، قرنه فيهما بعبد العزيز بن أبي حازم وغيره، وأحاديث يسيره أفرده، ولكنه أورده بصيغة التعليق في المتابعات، واحتج به الباقون. روى عن زيد بن أسلم وهشام بن عروة وربيعة وسعد بن سعيد الأنصاري وغيرهم. وروى عنه شعبة والثوري، وهما أكبر منه، وابن إسحاق، وهو من شيوخه، والشافعي وغيرهم. مات سنة سبع وثمانين ومئة. والدراورديّ نسبة إلى قرية بخراسان، وقيل: نسبة إلى دراب جرو بكسر الجيم، موضع، على غير قياس، وقياسه درابي أو جروي، والأول أكثر.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 469)
السادس: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي الليثيّ، أبو عبد الله المدني. قال أحمد: لا أعلم به بأسًا. وقال ابن مَعين والنَّسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حازم عن أبيه: ابن الهاد أحب إليّ من عبد الرحمن بن الحارث ومحمد بن عمر بن علقمة، وهو ومحمد بن عجلان متساويان، وهو في نفسه ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: مدنيّ ثقة حسن الحديث، يروي عن الصغار والكبار.
وقال العجليّ: مدنيّ ثقة. روى عن ثعلبة بن أبي مالك القُرَظيّ، وله رؤية، وعمير مولى آبي اللحم وله صحبة، والصحيح أن بينهما محمد بن إبراهيم التيميّ، وعبد الله بن خَبّاب، وعبد الله بن دينار ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. وروى عنه شيخه يحيى بن سعيد الأنصاريّ وإبراهيم بن سعيد ومالك وعبد العزيز الدراورديّ وحَيْوة بن شريح وغيرهم. توفي بالمدينة سنة تسع وثلاثين ومئة.
السابع: محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة القرشيّ التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، كان جده الحارث من المهاجرين الأولين. قال ابن مَعين وأبو حاتم والنَّسائيّ وابن خراش: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال يعقوب بن شَيْبة: كان ثقة. وقال أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة. قال ابن حَجَر: المنكر أطلقه أحمد وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له، فيحمل هذا على ذلك. وقد احتج به الجماعة.
روى عن أبي سعيد الخُدريّ، ورأى سعد بن أبي وقّاص، وروى عن أنس وجابر وعائشة وبسر بن سعيد وعطاء بن يسار وغيرهم. وروى عنه ابنه موسى ويحيى وعبد ربه وسعد بنو سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، والأوزاعي وغيرهم. مات سنة عشرين ومئة، وفي الستة محمد بن إبراهيم جماعة.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 470)
أربعة، والسماع. وفيه اثنان اسم كل واحد منهما عبد العزيز، وفيه ثلاثة تابعيون، وهم أبو سلمة ويزيد بن عبد الله ومحمد بن إبراهيم، ورواته كلهم مدنيون، وشيخ البخاري من أفراده. أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة والتّرْمِذيّ في الأمثال.
ثم قال المصنف:
باب في تضييع الصلاة عن وقتها
ثبتت هذه الترجمة في رواية الحموي والمستملي، وسقطت للباقين.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 471)
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قِيلَ له: الصَّلَاةُ. قَالَ: أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا.
قوله: "قيل له الصلاة"، هي شيء مما كان على عهده صلى الله تعالى عليه وسلم، وهي باقية، فكيف يصح هذا السلب العام؟ فأجاب بانهم غيروها أيضًا بأن أخرجوها عن الوقت. وهذا الذي قال ذلك لأنس يقال له أبو رافع، بَيَّن ذلك أحمد في روايته لهذا الحديث عن عثمان بن سعد "فقال أبو رافع يا أبا حمزة، ولا الصلاة، فقال له أنس: قد علمتم ما صنع الحجاج في الصلاة". وأبو رافع الذي يظهر أنه الصائغ، وقد مرَّ في الثالث والثلاثين من الغسل.
وقوله: "أليس صنعتم"، بالمهملتين والنون للأكثر، وللكشميهنيّ بالمعجمة وتشديد الياء، وهي أوضح في مطابقة الترجمة، ويؤيد الأول ما مرّ آنفًا عن عثمان بن سعد، وما رواه التِّرمذيّ عن أنس، فذكر نحو هذا الحديث، وقال في آخره: "أَوَلم يصنعوا في الصلاة ما قد علمتم؟ " وقد روى ابن سعد في الطبقات سبب قول أنس هذا القول، قال ثابت البناني: كنا مع أنس بن مالك، فأخر الحجاج الصلاة، فقام أنس يريد أن يكلمه، فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابته، فقال في مسيره ذلك: والله لا أعرف شيئًا مما كنا عليه على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، إلا شهادة أن لا إله إلا الله.، فقال رجل: فالصلاة يا أبا حمزة؟ فقال: قد جعلتم الظهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟
رجاله أربعة:
الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 472)
مهدي بن ميمون في الحادي والأربعين من كتاب الصلاة، ومرَّ غيلان بن جرير في الثامن والمئة من الوضوء، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، ورواته كلهم بصريُّون، وهذا الحديث من أفراد البخاريّ.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 473)
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، أَخِي عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَاّ هَذِهِ الصَّلَاةَ وَقَدْ ضُيِّعَتْ.
قوله: "أخو عبد العزيز" بالرفع، أي: هو أخو عبد العزيز، وللكشميهنيّ: "أخي عبد العزيز" وهو بدل من قوله: "عثمان". وقوله: "بدمشق"، هي بكسر الدال وفتح الميم وسكون الشين المعجمة، قيل: سميت بدمشق بن نمروذ بن كنعان، وهو الذي بناها، وكان مع إبراهيم عليه السلام، كان دفعه نمروذ إليه بعد أن نجّاه الله تعالى من النار. وقيل: بناها دماشق بن قانىء بن مالك بن أرْفَخْشَذْ بن سام بن نوح عليه السلام. وقيل فيها غير ذلك. وكان قدوم أنس دمشق في إمارة الحجاج على العراق، قدمها شاكيًا من الحجاج للخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك.
وقوله: "مما أدركت"، أي: في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله: "إلا هذه الصلاةَ" بالنصب، والمراد أنه لا يعرف شيئًا موجودًا من الطاعات معمولًا به على وجهه غير الصلاة. وقوله: "وهذه الصلاة قد ضيعت"، قال المهلب: المراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب، لأنهم أخرجوها عن الوقت. وهذا مع عدم مطابقته للترجمة مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما، كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة، فمنها ما رواه عبد الرزاق عن عطاء، قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر وأنا جالس
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 474)
إيماءً وهو يخطب، وإنما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه من القتل.
ومنها ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري عن أبي بكر بن عُتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جُحيفة فمسّى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة فصلى. ومن طريق ابن عمر أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. وعن محمد بن أبي إسماعيل قال: كنت بمِنىً وصحفٌ تُقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيماءً وهما قاعدان.
رجاله خمسة:
الأول: عمرو بن زُرارة، وقد مرَّ في التاسع والثمانين من أبواب القبلة.
والثاني: عبد الواحد بن واصل السَّدوسيّ، مولاهم أبو عُبيدة الحداد البصريّ، سكن بغداد. قال أحمد: لم يكن صاحب حفظ، كان صاحب شيوخ وكان كتابه صحيحًا. وقال ابن معين وأبو داود: ثقة، وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، ووثقه الدارقطنيّ والخطيب، وحكى الأزديّ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه أنه ضعّفه. ثم قال الأزديّ: ما أقرب ما قال أحمد؛ لأن له أحاديث غير مرضية عن شعبة وغيره، إلا أنه في الجملة قد حمل عنه الناس، ويحتمل لصدقه.
قال ابن حجر: له في الصحيح حديث واحد في الصلاة، من روايته عن عثمان بن أبي رواد، عن الزُّهريّ، عن أنس، تابعه فيه محمد بن بكر البرسانيّ عن عثمان. وروى له أبو داود والنَّسائيّ والتِّرمذيّ. روى عن ابن عون وعثمان بن سعد الكاتب وعثمان بن أبي رواد وبَهْز بن حكيم وغيرهم. وروى عنه أحمد وأبو خَيْثمة ويحيى بن مَعين وعمرو بن زُرارة وأبو عبيدة بن أبي السفر وغيرهم. مات سنة تسعين ومئة، وليس في الستة عبد الواحد بن واصل. وفي الرواة واحد يكنى أبا واصل، ذكره الأزديّ في "الضعفاء".
الثالث: عثمان بن أبي رواد، واسمه ميمون الأزديّ العَتَكيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، أخو جَبلة وعبد العزيز. قال ابن مَعين: ثقة، وذكره ابن حبّان
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 475)
في "الثقات". وقال أحمد والدارقطنيّ: ثقة. روى له البخاري حديثًا واحدًا في الصلاة، وهو هذا، روى عن الزُّهريّ وداود بن أبي هند، وروى عنه ابنه يحيى وشعبة وأبو عبيدة الحداد ومحمد بن بكر البرسانيّ.
الرابع: ابن شهاب، وقد مرَّ في الثالث من الوحي، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، وفي البخاريّ ذكر عبد العزيز بن أبي رواد، فأذكره تتميمًا للفائدة، فهو عبد العزيز بن أبي رواد، واسم أبي رواد ميمون، وقيل أيمن بن بدر المكيّ، مولى المهلب بن أبي صفرة. قال القطان: عبد العزيز ثقة في الحديث، ليس ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. وقال أحمد: كان رجلًا صالحًا، وكان مرجئًا، وليس هو في التثبت مثل غيره. وقال ابن مَعين وأبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث، متعبد. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال يحيى بن سليم الطائفى: كان يرى الإِرجاء، وقال ابن المبارك: كان يتكلم ودموعه تسيل على خده. وقال شعيب بن حرب: كنت إذا نظرت إلى عبد العزيز رأيت كأنه يطَّلع إلى القيامة. وقال حفص بن عمرو بن رفيع: كنا عند ابن جريج، فطلع عبد العزيز، وكان ابن جريج يوقره ويعظمه، فقال له قائل: يا أبا عبد المجيد، من الرافضيّ؟ فقال: من كره أحدًا من الصحابة. فقال ابن جريج: الحمد لله، كان الناس يقولون في هذا الرجل، ولقد كنت أعلم.
وقال الحاكم: ثقة عابد مجتهد شريف النسب. وقال العجلي: ثقة. وقال الساجى: صدوق يرى الإرجاء. وقال الدارقطني: متوسط في الحديث، وربما وَهِمَ في حديثه. وقال الجوزانيّ: كان غاليًا في الإرجاء. وقال ابن سعد: له أحاديث، وكان مرجئًا، وكان معروفًا بالورع والصلاح والعبادة، وخليفة في التاريخ والطبقات. وقال ابن عديّ: في بعض أحاديثه ما لا يتابع عليه، وقال ابن حبان في الضعفاء، يكنى أبا عبد الرحمن، يروي عن عطاء، كان يحدث على الوهم والحُسْبان فسقط الاحتجاج به. وقال علي بن الجُنيد: كان ضعيفًا وأحاديثه منكرات. روى عن نافع وعكرمة وسالم بن عبد الله وأبي سلمة والضحاك بن مزاحم. وروى عنه ابنه عبد المجيد وابن مهديّ والقطّان وابن المبارك وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم. مات بمكة سنة تسع وخمسين ومئة.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 476)
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار بصيغته في موضع، والعنعنة في موضع، والقول في خمسة، ورواته ما بين مدنيّ ونيسابوريّ وخراسانيّ وبصريّ.
ثم قال: وقال بكر بن خلف: حدثنا محمد بكر البرسانيّ: أخبرنا عثمان بن أبي رواد نحوه. قوله: "نحوه"، أي: نحو سياق الذي قبله، إلا أن فيه زيادة: "لا أعرف شيئًا مما كنا عليه في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، وإطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة، فقال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. والسبب فيه أنه قدم المدينة وعمر بن عبد العزيز أميرها حينئذ، وكان على طريقة أهل بيته حتى أخبره عروة عن بشير بن أبي مسعود، عن أبيه بالنص على الأوقات، فكان يحافظ بعد ذلك على عدم إخراج الصلاة عن وقتها، كما مرّ في الحديث الأول من مواقيت الصلاة، ومع ذلك فكان يراعي الأدب معهم، فيؤخر الظهر إلى آخر وقتها. وقد أنكر ذلك أنس أيضًا، كما في حديث أبي أمامة بن سهل، عنه. وهذا التعليق وصله الإِسماعيلي، ورواه أبو نعيم عن أبي بكر بن خلاد.
ورجاله ثلاثة:
الأول: بكر بن خلف البصريّ أبو بشر، خَتَن أبي عبد الرحمن المقري. قال ابن مَعين: ما به بأس. وفي رواية عنه: صدوق، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: وأمرني أحمد أن أكتب عنه. وقال عُبيد الله بن واصل: رأيت محمد بن إسماعيل يختلف إلى محمد بن المهلب يروي عنه أحاديث أبي بشر بن خلف. وكنت أتوهم أن أبا بشر قد مات، فلما قدمت مكة إذا هو حيّ، فلزمته. وذكره ابن حبان في "الثقات". روى عن غندر ومحمد بن بكر البرسانيّ وابن عُيينة ومعمر بن سليمان وجماعة. وروى عنه البخاري تعليقًا، وأبو داود وابن ماجه وعبد الله بن أحمد وغيرهم. مات سنة أربعين ومئة.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 477)
الثاني: محمد بن بكر بن عثمان البرسانيّ أبو عبد الله. ويقال: أبو عثمان البصريّ. قال أحمد: صالح الحديث. وقال ابن مَعين: حدثنا البرسانيّ، وكان والله ظريفًا صاحب أدب. وفي رواية عنه: ثقة، وقال أبو داود والعجليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال ابن قانع: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق. وقال النَّسائيّ: ليس بالقوي. وقال ابن عمار: لم يكن صاحب حديث، تركناه، لم نكن نسمع منه.
قال ابن حَجَر: ليس له في البخاريّ سوى حديث واحد في كتاب المغازي، وهو حديثه عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، ذكره في موضعين. وقال في الصلاة: قال بكر بن خلف … إلخ، فذكر حديثًا تابعه عليه عنده أبو عُبيدة الحداد عن عثمان، وعلق له آخر في الحج، قال فيه: وقال محمد بن بكر عن ابن جريج: .... فذكر حديثًا كان أخرجه عن مكيّ بن إبراهيم، عن ابن جريج. وروى له الباقون، وروى عن أيمن بن نابل، وعثمان بن سعد الكاتب وابن جريج وشعبة وحماد بن سَلمَة وعثمان بن أبي رواد وغيرهم. وروى عنه أحمد وعلي بن المَدِينيّ وإسحاق ويحيى بن معين وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. مات بالبصرة في ذي الحجة سنة ثلاث ومئتين.
الثالث: عثمان بن أبي رواد، وقد مرَّ في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
باب المصلي يناجي ربه عز وجل
والمناجي هو المخاطب لغيره والمحدِّث له. ومناسبة هذه الترجمة لما قبلها من جهة أن الأحاديث السابقة دلت على مدح من أوقع الصلاة في وقتها، وذمّ من أخرجها عن وقتها، ومناجاة الرب جل جلاله أرفع درجات العبد، فأشار المصنف بإيراد ذلك إلى الترغيب في المحافظة على الفرائض في أوقاتها لتحصيل هذه المنزلة السنية التي يُخشى فواتها على من قصّر في ذلك.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 478)
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى".
قوله: "إذا صلى يناجي ربه"، زاد الأصيلي: "عز وجل"، واعلم أنه لا يتحقق المناجاة إلا إذا كان اللسان معبرًا عما في القلب، فالغفلة صدّ. ولا ريب أن المقصود من القراءة والأذكار مناجاته تبارك وتعالى، فإذا كان القلب محجوبًا بحجاب الغفلة، غافلًا عن جلال الله عز وجل وكبريائه، وكان اللسان يتحرك بحكم الله تعالى، فما أبعد ذلك عن القبول، وعن بشر الحافي، رحمه الله تعالى، مما نقل الغزالي: من لم يخشع فسدت صلاته. وعن الحسن البصريّ، رضي الله تعالى عنه: صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع، سلّمنا أن الفقهاء صححوها، فهلاّ يأخذ بالاحتياط ليذوق لذة المناجاة؟ وقوله: "لا يتفلنَّ عن يمينه"، بكسر الفاء، ويجوز ضمُّها.
رجاله أربعة:
الأول: مسلم بن إبراهيم.
والثاني: هشام الدستوائي، وقد مرّا في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ قتادة وأنس في السادس منه.
ثم قال: وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. أي: بالإسناد المذكور. وقوله فيها: "قدامه أو بين يديه"، شك من الراوي، وطريقه موصولة عند الإمام أحمد وابن حبّان. وسعيد: المراد به ابن
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 479)
أبي عَروبة، وقد مرّ في الحادي والعشرين من الغُسل، وقتادة قد ذكر محل ذكره.
ثم قال: وَقَالَ شُعْبَةُ: لَا يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. أي: عن قتادة بالإسناد أيضًا، وأراد بهذين التعليقين بيان اختلاف ألفاظ أصحاب قتادة في رواية هذا الحديث، ورواية شعبة أتم الروايات، لكن ليس فيها المناجاة، وهذا وصله البخاري فيما مرَّ عن آدم، عن شعبة، وشعبة قد مرّ في الثالث من الإيمان.
ثم قال: وَقَالَ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَبْزُقْ فِي الْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ"، وهذا التعليق أيضًا وصله البخاريّ في أبواب المساجد، وحميد المراد به الطويل، وقد مرّ في الثاني والأربعين من الإيمان.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 480)
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ".
قوله: "اعتدلوا في السجود"، أي: كونوا متوسطين بين الافتراش والقَبْض، وقال ابن دقيق العبد: لعل المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السجود على وِفق الأمر، لأن الاعتدال الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتّى هنا، فإنه هناك استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر الحكم هنا مقرونًا بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصلاة، والهيئة المنهي عنها أيضًا مشعرة بالتهاون وقلة الاعتناء بالصلاة.
وقوله: "ولا يبسط ذراعيه كالكلب"، وفي رواية: "ولا ينبسط" بنون ساكنة قبل الموحدة. وللحمويّ: "ولا يبتسط" بمثناة بعد موحدة، وفي الرواية الآتية في أبواب صفة الصلاة: "انبساط الكلب" بالنون، وهي ظاهرة في الثانية، وفي الثالثة: "ابتساط" بالمثناة، والتقدير في الأول: ولا يبسط ذراعيه. فينبسط انبساط الكلب. وقوله: "فإنما يناجي ربه". وقال الكرمانيّ ما حاصله: تقدم أن علة النهي عن البزاق عن اليمين أن عن اليمين مَلَكًا، وهنا علل بالمناجاة، ولا تنافي بينهما؛ لأن الحكم الواحد يجوز أن تكون له علّتان، سواء كانتا مجتمعتين أو منفردتين، والمناجي تارة يكون قدام من يناجيه، وهو الأكثر، وتارة يكون عن يمينه.
رجاله أربعة:
الأول: حفص بن عمر، وقد مرَّ في الثالث والثلاثين من كتاب الوضوء،
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 481)
ومرّ يزيد بن إبراهيم في الثالث من كتاب الصلاة، ومرّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان.
ثم قال المصنف:
باب الإبراد بالظهر في شدة الحر
قدم المصنف باب الإبراد على باب وقت الظهر؛ لأن لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزوال لا قبله، لأن وقت الإبراد هو ما إذا انحطت قوة الوهج من حر الظهيرة، فكأنه أشار إلى أول وقت الظهر، وأشار إلى حديث جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس، أي: مالت.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 482)
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بن بلال، قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ".
قوله: "وغيره"، هو أبو سلمة بن عبد الرحمن على ما قاله في الفتح ظنًّا منه. وقوله: "ونافع"، هو بالرفع عطفًا على الأعرج. وقوله: "حدثاه"، أي: أبا هريرة وابن عمر حدثاه، أي: صالحًا، أي: حدثا مَنْ حَدَّث صالح بن كيسان، ويحتمل أن يكون ضمير "أنهما" يعود على الأعرج ونافع، أي: أن الأعرج ونافعًا حدثاه، أي: صالح بن كيسان عن شيخهما بذلك، وفي رواية الإسماعيلي أنهما حدثا بغير ضمير، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور.
وقوله: "إذا اشتد الحر"، أصله اشتدّ بوزن افتعل من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأُخرى، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب أولى.
وقوله: "فأبردوا" بهمزة قطع، أي: أخّروا إلى أن يبرد الوقت. يقال: أبْرَدَ إذا دخل في البرد، كأظهر إذا دخل في الظهيرة. ومثله في المكان، يقال: أنجد إذا دخل نجدًا، وأتهم إذا دخل تهامة، والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل أمر إرشاد، وقيل للوجوب. حكاه عياض وغيره، وغفل الكرمانيّ فحكى الإجماع على عدم الوجوب. نعم قال جمهور أهل العلم: يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، واختلف العلماء في غاية الإبراد،
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 483)
فقيل: حتى يصير الظل ذراعًا بعد ظل الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: نصفها، وقيل: ثلثها. وقال الباجيّ: نحو الذراعين بعد ظل الزوال. ابن حبيب: فوقهما بيسير، ابن عبد الحكم: أن لا يخرجها عن وقتها. ونزَّلها المازريّ على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتد إلى آخر الوقت.
وأما ما عند المصنف في الأذان عن شعبة بلفظ: "حتى ساوى الظلُّ التلول"، فظاهره يقتضي أنه أخرها حتى صار ظل كل شيء مثله، ويحتمل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظل بجنب التل بعد أن لم يكن ظاهرًا، فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال: لعل ذلك في السفر، فلعله أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر، وخص بعضهم الإبراد بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا مشهور مذهب المالكية، وبه قال الشافعيّ أيضًا، لكن خصه بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كِنّ، فالأفضل في حقهم التعجيل وعند أبي حنيفة وأحمد وإسحاق والكوفيين يؤخر حتى يذهب الحر من غير تخصيص، ولا قيد، وكذلك المالكية لم يقيدوا بهذا.
واستدل التِّرمذيّ على عدم التخصيص بحديث أبي ذَرٍّ الآتي بعد هذا، لأن في روايته أنهم كانوا في سفر، وتأتي هذه الرواية قريبًا عند المصنف. قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإِبراد، ولاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد. قال الترمذي: والأول أَوْلى للاتباع، وتعقبه الكرمانيّ بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف، وطلب الرعي، فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة، وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير تجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، وليس هناك كِنّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعيّ، وغايته أنه استنبط من النص العام، وهو الأمر بالإبراد معنى يخصه، وذلك جائز على الأصح في الأصول، لكنه مبني على أن العلة في ذلك تَأَذِّيهم بالحر في
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 484)
طريقهم، وللمتمسك بعمومه أن يقول: العلة فيه تأذيهم بحر الرمضاء في جِباههم حالة السجود، ويؤيده حديث أنس: "كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالظهائر، سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر" رواه أبو عَوانة في صحيحه بهذا اللفظ، وأصله في مسلم. وفي حديث أنس أيضًا في الصحيحين نحوه. ويأتي قريبًا.
والجواب عن ذلك أن العلة الأُولى أظهر، فإن الإبراد لا يزيل الحر من الأرض، وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقًا. وقالوا: معنى أبردوا: صلوا في أول الوقت أخذًا من برد النهار، وهو أوله، وهذا تأويل بعيد، ويرده قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير. وحديث أبي ذَرٍّ الآتي قريبًا صريح في ذلك، حيث قال: انتظر، والحامل لهم على ذلك حديث خبَّاب: "شكونا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأَكُفِّنا، فلم يَشْكُنا"، أي: بضم الكاف، يعني: فلم يُزِل شكوانا وهو حديث صحيح رواه مسلم.
وتمسكوا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة، فتكون أفضل. والجواب عن حديث خبَّاب أنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حر الرمضاء، وذلك يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم. قال المازريّ، وهذا هو أحسن الأجوية. وقيل: إنه منسوخ بأحاديث الإبراد، فإنها متأخرة عنه، واستدل الطحاويّ لذلك بحديث المغيرة بن شعبة. قال: "كنا نصلي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: "أبردوا بالصلاة … " الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلاّل عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الإبراد رخصة، والتعجيل أفضل. وهو قول من قال إنه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، وحديث خبَّاب يدل على الجواز، وهو الصارف للامر عن الوجوب، وفيه نظر؛ لأن ظاهره
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 485)
المنع من التأخير. وقيل: المعنى قول خبَّاب: فلم يُشْكِنا، أي: فلم يحوجنا إلى شكوى، بل أذن لنا في الإِبراد، ويردّه أن في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: "فلم يشكنا"، وقال: إذا زالت الشمس فصلوا. قلت: يكفي من رد هذا قول خبّاب: "شكونا" فكيف يقال: لم يحوجهم إلى الشكوى؟
والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص، فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل كما في قصر الصلاة في السفر.
وقوله: "بالصلاة"، كذا للأكثر، والباء للتعدية، وقيل زائدة، وفي رواية الكشميهني: "عن الصلاة"، فقيل: زائدة أيضًا، أو عن بمعنى الباء، كقوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}، أو هي للمجاوزة، أي: تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحَر، أو ضَمَّن أبردوا معنى التأخير، فعدى بعن، أي: إذا اشتد الحر فتأخروا عن الصلاة مبردين، أو أبردوا متأخرين عنها. وحقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه، وقد استشكل هذا بأن الفعل المذكور إن كان في معناه الحقيقي، فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على معناه الحقيقي، وان كان فيهما جميعًا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وأجيب بأنه في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذ من الفعل الآخر، بمعونة القرينة اللفظية. وقد يعكس كما مثلناه، ومنه قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}، أي: لتكبروه حامدين على ما هداكم، أو لتحمدوا الله مكبرين على ما هداكم، وكقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}، أي: حال كونهم خارجين عن أمره، فإن قيل: صلة المتروك تدل على زيادة القصد إليه، فجعْله أصلًا، وجعْل المذكور حالًا وتبعًا أَوْلى، فالجواب أن ذكر صلته يدل على اعتباره في الجملة، لا على زيادة القصد إليه، إذ لا دلالة بدونه، فينبغي جعل الأول أصلًا، والتبع حالًا. وقوله: فإن شدة الحر من فيح جهنم،
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 486)
تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة، لكونها قد تسلب الخشوع، وهذا أظهر، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب؟ ويؤبده حديث عمرو بن عنبسة عند مسلم، حيث قال له: "اقصر عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم"، وقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنة لطرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟
وأجيب عنه بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه. واستنبط الزين بن المنير معنى يناسبه، فقال: وقت ظهور الغضب لا ينجح فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا ودعاء، فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستدل بحديث الشفاعة، حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن الله غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يعتذر، بل طلب لكونه أذن له فيه.
قلت: ما قاله يلزم منه أن وقت نزول العذاب، ليس وقت دعاء وتضرع إلى الله تعالى، بدفع العذاب والبلاء، وهذا لا يقوله أحد فليتأمل، ويمكن أن يقال: إن سجرهم جهنم سبب فيحها، وفيحها سبب وجود شدة الحر، وهي مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يُصلّى فيها، لكنْ يرد عليه أن سَجْرها مستمر في جميع السنة، والإبراد مختص بشدة الحرّ فهما متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب.
وقوله: "من فيح جهنم"، أي: من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح، أي: متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة. وقيل: هو من مجاز التشبيه، أي: كأنه نار جهنم في الحر، والأول أولى، ويؤيده الحديث الآتي قريبًا: "اشتكت النار إلى ربها، فأذن له بنَفَسَيْنِ".
رجاله ثمانية:
الأول: أيوب بن سليمان بن بلال التيميّ، مولاهم أبو يحيى المدنيّ، ذكره
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 487)