الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
استُشكلَ إيراد حديث أبي هريرة في ترجمة الباب، إذ لا ذكر للقراءة فيه. وقال الزين بن المنير ضمن قوله ما يقرأُ ما يقول من الدعاء قولًا متّصلًا بالقراءة. أوْ لما كان الدعاء والقراءة يُقصد بهما التقربُ إلى الله تعالى، استغنى بذكر أحدهما عن الآخر، كما جاء: عَلَفّتُها تِبنًا وماءً باردًا: وقال ابن رشد: دعاء الافتتاح يتضمن مناجاة الربّ والإقبال عليه بالسؤال، وقراءة الفاتحة يتضمن هذا المعنى، فظهرت المناسبة بين الحديثين. وهذا غير مفيد؛ لأن المقصود وجود المناسبة بين الترجمة وحديث الباب لا وجودها بين الحديثين. قوله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَسْكُت أي: بفتح أوّله من السكوت. وفي بعض الروايات بضم أوله من الإسكات، قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت، بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت أُسْكت.
وقوله: إسكاتة، بكسر أوله بوزن إفعالة من السكوت، وهي من المصادر الشاذّة نحو أثبته إثباتة. قال الخطابي: معناه سكوت يقتضي بعده كلامًا مع قصر المدة فيه. وسياق الحديث يدلّ على أنه أراد السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو السكوت عن القراءة لا عن الذكر.
وقوله: أحسبه، قال هنية: هذه رواية عبد الواحد بن زياد بالظن، ورواية جرير عند مسلم وغيره، وابن فضيل عند ابن ماجه وغيره، بلفظ: سكت هنية بغير تردد، وإنما اختار البخاري رواية عبد الواحد لوقوع التصريح بالتحديث فيها في جميع الإسناد. قيل: المراد أنه قال: هنية بدل إسكاتة، والظاهر أنه شك هل وصف الإسكاتة بكونها هنية أم لا، وهنية بالنون بلفظ التصغير وهو عند الأكثر بتشديد الياء.
وذكر عياض والقرطبي أن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمز، وقال النووي: الهمز خطأ وأصله هنوة،
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 130)
فلمّا صغر صار هنيوة، فاجتمعت الواو والياء وسكن السابق منهما، فقلبت الواو ياء، وادغمت فيها الياء السابقة.
وفي رواية الكشميهني هنيهة بهاء بعد الياء، وقوله بأبي وأمي، الباء متعلقة بمحذوف اسم أو فعل تقديره أنت مفدى بأبي أو أفديك، وحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب واستدل به على جواز التفدية مطلقا بدون كراهة. وقيل: أنه من خصائصة عليه الصلاة والسلام. وقيل: تجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم.
وقوله: إسكاتك هو بالرفع في رواية الأكثر على الابتداء، وقيل: بالنصب على أنه منصوب بفعل مقدر أي: أسألك إسكاتَك، أو على تزع الخافض.
وفي رواية المستملي والسرخسي بفتح الهمزة وضم السين عدى الاستفهام، وفي رواية الحميدي: ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة. ولمسلم أرايت سكوتك؟ وكله مشعر بأن هناك قولًا لأنه قال ما تقول ولم يقل هل تقول؟ ولعلّه استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدلّ غيره على القراءة باضطراب اللحيةكما يأتي في حديث خبّاب بعد باب ونقل ابن بطّال عن الشافعي أن سبب هذه السكتة للإمام أن يقرأ المأموم فيها الفاتحة.
وهذا النقل غير معروف عن الشافعي ولا عن أصحابه، إلَاّ أن الغزالي قال في الإحياء: إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإِمام بدعاء الافتتاح وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهة تقديم قراءة الفاتحة على الإِمام، وفي وجه أن فرغ منها قبله بطلت صلاته، والمعروف أن المأموم يقرؤها إذا سكت بين الفاتحة والسورة والسكتة التي بعد الفاتحة ثبت فيها حديث سمرة عند أبي داود ولفظه قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة: سكتةٌ إذا كبّر الإِمام حين يقرأ، وسكتةٌ إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة، عند الركوع. فأنكر ذلك عليه عمران بن الحصين. فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبي، فصدق سمع. قال الخطابي، وهذه السكتة يعني الأخيرة ليقرأ من خلف الإِمام ولا ينازعه في القراءة، وهو مذهب الشافعي.
قال العيني: وعند أصحابنا لا يقرأ المقتدي خلف الإمام فتحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بين القراءة والركوع بالثاني وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة، ولكن حدّ هذه السكتة قدر ما يقع الفصل بين الركوع والقراءة، حتّى إذا طال جدًّا، فإن كان عمدًا يكره، وإن كان سهوًا يجب عليه سجدة السهو؛ لأن فيه تأخير الركن، وقد حمل البعض هذه السكتة على ترك رفع الصوت بالقراءة دون السكوت عن القراءة.
وعند المالكية قراءة المقتدي في الجهرية مكروهة، وفي السرية مستحبّة، ولا تطلب عند سكتة ولا دعاء الاستفتاح على المشهور، بل الدعاء قبل القراءة وبعد الفاتحة مكروه على المشهور مستدلًا على عدم السكتة وعدم الافتتاح بحديث البخاري السابق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 131)
وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وبحديث المسيء صلاته أخرجه الشيخان عن أبي هريرة.
وقول النووي: إنما علمه فيه الفرائض مردود بما أخرجه الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين، وأبو داود عن رفاعة بن رافع، فقد علّمه فيه الفرائض والمندوبات، وذكر في الفتح روايات فيها ما ليس واجبًا كرواية محمد بن عمرو: فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى، ورواية إسحاق: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالسًا ثم افترش فخذك اليسرى ثم تشهّد.
وفي رواية لأحمد: فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُد ظهرك، فبما ذكر فيه من المندوبات يتجه الاستدلال به على عدم دعاء الافتتاح، واستدلوا أيضًا بأن هذه السكتة التي يقرأ فيها دعاء الافتتاح لو كانت فيما واظب عليه الشارع لنقلها أهل المدينة عيانًا وعملًا فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام فعلها في وقت ثم تركها، فتركها واسع.
وأجيب عن هذا بأن لفظ: إذا قام إلى الصلاة، ولفظ: كان إذا قام يصلّي تطوعًا، ولفظ: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله، ولفظ: كان يشعر بالمداومة، وردّ هذا بأنه إذا ثبتت المداومة يثبت الوجوب، ولم يقل به أحد، وتأتي زيادة على هذا قريبًا.
وقوله: باعد، المراد بالمباعدة هو ما حصل منها، والعصمة عمّا سيأتي منها وهو مجاز؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية.
وقال الكرماني: كرّر لفظ بين؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض، ويردّ على هذا قوله السابق بين التكبير والقراءة. وقوله: نقّني: مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولمّا كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به، وقوله بالماء والثلج والبرَد، قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيدًا أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، وقيل عبّر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} قال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برّد الله مضجعه، أي: رحمه ووقاه، ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم. وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنّم لكونها مسببة عنها، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه. وقيل: خصّ هذه الثلاثة بالذكر لأنها منزلة من السماء.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 132)
وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل، واستدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافًا للمشهور عن مالك، وورد فيه أيضًا حديث علي: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كلّه بيديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
أخرجه مسلم. وفيه ألفاظ قليلة متفاوتة، لكن قيّده بصلاة الليل وأخرجه الشافعي وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: إذا صلّى المكتوية. واعتمده الشافعي في الأم.
وفي الترمذي وصحيح ابن حبّان عن أبي سعيد الخدري: الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك.
ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجّه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة أصحّ ما ورد في ذلك. ومشهور مذهب الشافعية الافتتاح بحديث علي رضي الله تعالى عنه، وعند أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، والثوري، وإسحاق، والأوزاعي الافتتاح بسبحانك اللهم .. الخ.
وقال أبو يوسف: يجمع بين التوجه والتسبيح، ويبدأ بأيّهما شاء، ومقابل المشهور عن مالك رواية ابن حبيب، أنّه يندب عنده الافتتاح، لكن بعد الإقامة وقبل الإِحرام، يقول: سبحانك اللهم إلى قوله ولا إله غيرك، وجّهت وجهي .. الآية، اللهم باعد بيني وبين خطاياي .. الخ الحديث. بجمع هذه الأذكار الثلاثة، واستدل بالحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافاً للحنفية، ثم هذا الدعاء صدر منه عليه الصلاة والسلام على سبيل المبالغة في إظهار العبودية.
وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود ذلك في حديث عند البزار، وفيه ما كان عليه الصحابة من المحافظة على تتيع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه، حتى حفظ الله بهم الدين.
واستدل بعض الشافعية على أن الثلج والبرَد مطهّران، واستبعده ابن عبد السلام. قلت: وهذا هو مذهبنا معاشر المالكية، وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 133)
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عبد الواحد، وعمارة، وأبو زرعة في التاسع والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في جميع الإسناد، وهو نادر، وفيه القول. والاثنان الأولان من الرواةِ بصريان، والأخران كوفيّان. أخرجه مسلم في الصلاة، وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه في الصلاة كلهم.
ثم قال المصنّف:
باب
كذا في رواية الأصيلي وكريمة بلا ترجمة، وفي رواية أبوي ذر والوقت ساقط، وكذا لم يذكره أبو نعيم، وعلى هذا فمناسبة الحديث للترجمة غير ظاهرة، وعلى تقدير ثبوت باب فهو كالفصل من الباب الذي قبله كما قرّرنا غير مرّة، فله به تعلّق أيضًا.
قال الكرماني: وجه المناسبة أن دعاء الافتتاح مستلزم لتطويل القيام، وحديث الكسوف فيه تطويل القيام، فتناسبا، وأحسن منه ما قاله ابن رشيد: يحتمل أن تكون المناسبة في قوله حتى قلت أي رب أو أنا معهم أنه وإن لم يكن فيه دعاء ففيه مناجاة واستعطاف، فيجمعه مع الذي قبله جواز دعاء الله ومناجاته بكل ما فيه خضوع، ولا يختص بما ورد في القرآن خلافًا لبعض الحنفية.
وقال العيني: المناسبة في قوله: فقام فأطال القيام؛ لأن إطالة النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الظاهر كانت مشتملة على قراءة الدعاء والقرآن، وقد علم أن الدعاء عقيب الافتتاح قبل الشروع في القرآن، فصدق عليه باب: ما يقول بعد التكبير. قال: وهي مطابقة ظاهرة جدًا.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 134)
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ حدّثنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا، وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ. قَالَ نَافِعٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ خَشِيشِ أَوْ خُشَاشِ الأَرْضِ.
قوله: صلّى صلاة الكسوف: اختلف العلماء في الكسوف والخسوف هل هما مترادفان أم لا؟ قال البخاري في أبواب الكسوف: باب هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟ قال الزين بن المنير: أتي بلفظ الاستفهام اشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء ولعلّه أشار به إلى ما رواه سعيد بن منصور عن عروة: لا تقولوا كسفت الشمس، ولكن قولوا خسفت، هو صحيح موقوف. وأخرجه مسلم عن يحيى.
لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
وقال ثعلب: إنه أفصح، وقيل: إنه يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسهُ وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن في قوله تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث. ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف: التغير إلى سواد، والخسوف: النقصان أو الزوال، فإذا قيل في الشمس كسفت أو خسفت لأنها تتغير، ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، والمراد به في كل منهما ذهاب ضوئه كله أو بعضه. وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 135)
في الانتهاء. وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه. وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره.
ومشروعيتها أمرٌ متفق عليه، لكن اختلف في الحكم وفي الصفة. فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرّح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، وحكى عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، وأوجبها بعض الحنفية. قالوا للأمر بها في حديث: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وقد دلّ عليها الكتاب في قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} والكسوف آية من آيات الله يخوّف الله به عباده، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى قريبًا.
وأمّا صفتها فهي عند الجمهور على ما هو مصرّح به في حديث الباب من زيادة قيامين وركوعين، وقد وافقت عائشة أسماء فيما يأتي في أبواب الكسوف، وكذلك عبد الله بن عباس وابن عمر فيما اتفقا عليه، وكذلك جابر عند مسلم، وعلي عند أحمد، وأبو هريرة عند النَّسائي، وابن عمر عند البزّار، وأم سفيان عند الطبراني. ففي رواياتهم زيادة رواها الحفّاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا.
وقالت الحنفية إنها كهيئة النافلة بغير أذان ولا إقامة مثل: صلاة الفجر والجمعة في كل ركعة ركوع واحد. وبه قال النخعي والثوري وابن أبي ليلى وغيرهم. واحتجّوا بما أخرجه أبو داود والنَّسائي والترمذي في الشمائل عن عبد الله بن عمر. وقال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكد يركع، ثم ركع، فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. وبما أخرجه النسائي وأحمد والحاكم، وقال على شرطهما عن النعمان بن بشير قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا خسفت الشمس والقمر فصلّوا كأحدث صلاة صلّيتموها من المكتوبة.
ورواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه بلفظ: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يصلّي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت، لكن قال البيهقي أنه مرسل لأنه عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير وأبو قلابة لم يسمع من النعمان وصرّح في الكمال بأنه سمع منه.
وقال ابن حزم: أبو قلابة أدرك النعمان، وروى هذا الخبر عنه، وصرّح ابن عبد البر بصحّة هذا الحديث، وقال: من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة عن النعمان، وتأوّله بعضهم بأن قوله في ركعتين أي: ركوعين، وقد وقع التعبير عن الركوع بالركعة في حديث الحسن: خسف القمر وابن عبّاس بالبصرة، فصلّى ركعتين: في كل ركعة ركوعان. أخرجه الشافعي.
وتحتمل أن يكون السؤال وقع بالإشارة فلا يلزم التكرار، وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة أنه صلى الله عليه وسلم كلّما ركع ركعة أرسل رجلًا ينظر هل انجلت، فتعين الاحتمال المذكور، وإن ثبت تعدد القصة زال الأشكال أصلًا، واستدلّوا أيضًا بما أخرجه البخاري عن أبي بكرة قال:
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 136)
خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب الناس فصلّى ركعتين، فانجلت الشمس.
وأجيب عن هذا: بأن النَّسائي زاد فيه كما تصلّون، فحمله ابن حبّان والبيهقي على أن المعنى كما تصلّون في الكسوف؛ لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عبّاس علّمهم أنها ركعتان: في كل ركعة ركوعان، كما روى ذلك الشافعي وابن شيبة وغيرهما، ويؤيد هذا أن في رواية يونس الآتية في الكسوف أن ذلك وقع يوم موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله، وقال فيه أن في كل ركعة ركوعين، فدل ذلك على اتحاد القصة، وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة.
وفي رواية جابر زيادة بيان صفة الركوع والأخذ بها، وعند ابن خزيمة عن عائشة أن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام، وفي حديثها كما مرَّ أن في كل ركعة ركوعين.
وقد قال الطحاوي أن قول أصحابه أجري على القياس في صلاة النافلة. واعترض هذا بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعله فيها كان مشروعًا؛ لأنها أصل برأسها، وبأنها أيضًا أشبه بصلاة العيد ونحوها مما يجمع فيه من النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة.
فلذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنصّ والقياس، بخلاف من لم يعمل به.
وقد وردت الزيادة في ذلك من طرق أخرى. فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وبه قال قتادة وعطاء وإسحاق وابن المنذر، وعند مسلم من وجه آخر عن ابن عبّاس أنّ في كل ركعة أربع ركوعات، وبه قال طاووس، وحبيب بن أبي ثابت، وابن جريج، ولأبي داود عن أبيّ بن كعب والبزار عن علي أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها.
ونقل صاحب الهدى عن الشافعي وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدّون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام.
وإذا اتّحدت القصة تعين الأخذ بالراجح، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع مرارًا، فيكون كل من هذه الأوجه جائزًا. وإلى هذا نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 137)
وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النووي في شرح مسلم، وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه. فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة. وحين أبطأ زاد ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك وتعقبه النووي وغيره بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى.
وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من أول الحال، وأجيب باحتمال أن يكون الاعتماد على الركعة الأولى، وأمّا الثانية فهي تبع لها. فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء، يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما.
ومن ثم قال أصبغ من المالكية: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يصلّي الثانية كالعادة، وعلى هذا يدخل المصلّي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوع بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك، والقول الثاني عند المالكية أنه يتمّها على هيئتها.
وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس هل انجلت أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه ففعل ذلك مرّة أو مرتين أو مرارًا، فظن بعض من رآه يفعل ذلك ركوعاً زائدًا وتعقّب بالأحاديث الصحيحة الصريحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولاسيّما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال ثم شرع في القراءة، فكل ذلك يرد هذا العمل ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراجٌ لفعل الرسول عن العبادة المشروعة أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة لا عهد لها، وهذا هو ما فسرّ منه.
وقد اختلف في الجهر فيها والإصرار أيهما أفضل؟ فقد وردت طرق كثيرة يعضد بعضها بعضًا، يفيد مجموعها الجزم بالجهر، وورد الجهر عن علي مرفوعاً وموقوفًا. أخرجه ابن خزيمة وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربي من المالكية.
وقال الطبري: يخيّر بين الجهر والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يسرّ في الشمس ويجهر في القمر، واحتجوا بقول ابن عبّاس عند البخاري: قرأ نحوًا من سورة البقرة لأنه لو جهر لم يحتج إلى الحزر، وتعقْب بأنه يحتمل أن يكون بعيدًا منه.
لكن ذكر الشافعي تعليقًا عن ابن عبّاس أنه صلّى بجنب النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف فلم يسمع حرفًا منه، ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية، وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد فيكون فعل ذلك ليان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذي لم يسمع له صوتًا أنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر.
قال ابن العربي: الجهر عندي أولى لأنها صلاة جامعة ينادى لها وتخطب، فأشبهت العيد والاستسقاء.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 138)
والمحل الذي تصلّى فيه: قالت الحنفية: تصلّى في المسجد الجامع، أو في مصلّى. وقالت المالكية والشافعية والحنابلة: السنّة في المسجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها فيه، ولأن وقت الكسوف يضيق عن الخروج إلى المصلّى.
وقوله: فأطال القيام. وفي رواية ابن شهاب في حديث عائشة الآتي في الكسوف فقرأ قراءة طويلة، وفي آخر الصلاة عنه من وجه آخر فقرأ سورة طويلة. وفي حديث ابن عبّاس في الكسوف: فقرأ نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى، ونحوه لأبي داود عن عروة، وزاد فيه أنه قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحوًا من آل عمران.
وقوله: ثم قام فأطال القيام في رواية ابن شهاب. ثم قال سمع الله لمن حمده وزاد من وجه آخر عنه في آخر الكسوف ربنا ولك الحمد، واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة، واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه.
وأجيب بما مرَّ في الرد على الحنفية من أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها .. الخ، وقوله فأطال الركوع قال في الفتح: لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة، وإنما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما، ولم يقع في هذه الرواية ذكر تطويل الاعتدال الذي يقع السجود بعده، ولا تطويل الجلوس بين السجدتين.
وقد جاء في حديث جابر عن مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السجود ولفظه: ثم ركع فأطال، ثم سجد. وقال النووي: هي رواية شاذّة مخالفة، فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع، وتعقب بما رواه النَّسائي واين خزيمة وغيرهما عن عبد الله بن عمر، وأيضًا ففيه ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع ثم ريع فأطال حتّى قيل لا يسجد، ثم سجد فأطال حتّى قيل لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد، واللفظ لابن خزيمة عن الثوري عن عطاء بن السائب، والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح.
قال في الفتح: لم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا، وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية. قلت: الرواية إذا لم يثبت أخْذُ أحد من العلماء بها لا تكون ردًا عليه لأن الاتفاق اتفاق العلماء لا اتفاق روايات الحديث. ولم أر من أخذ بها، بل حكت المالكية الإجماع على ترك إطالته أيضًا.
وقوله: فأطال السجود، كل الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطول كما يطول القيام والركوع، وأبدى بعض المالكية فيه بحثًا فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حد
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 139)
الإطالة في الركوع، وكأنه غفل عمّا رواه مسلم عن جابر بلفظ: وسجوده نحو من ركوعه، وهذا مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي. وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه واختاره ابن سريج ثم النووي.
وتعقّبه صاحب المهذب بأنه لم ينقل في خبر ولم يقل به الشافعي، وردّ عليه في الأمرين معًا، فإن الشافعي نصّ عليه في البويطي ولفظه: ثم يسجد سجدتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحوًا مما قام في ركوعه.
وقد مرّ في حديث جابر قريبًا، وقوله ثم انصرف أي: من الصلاة. وفي رواية عائشة الآتية في الكسوف: ثم انصرف وقد تجلّت الشمس، فخطب النّاس، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبّروا وصلّوا وتصدّقوا. وفي رواية أبي مسعود الآتية فيه: فإذا رايتموها فقدموا فصلّوا. وفي رواية أبي بكرة فيه: ولكن الله يخوّف بهما عباده.
وها أنا أتكلم على الزيادات حصرًا للكلام في محل واحد. قوله: وقد تجلّت الشمس في رواية ابن شهاب: انجلت الشمس، قبل أن ينصرف. وللنسائي ثم تشهّد وسلّم. وقوله: فخطب الناس فيه مشروعية الخطبة لكسوف، والعجب أن مالكًا روى هذا الحديث عن هشام وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه. وقد اختلف فيها فاستحبّها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث، وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك.
وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة. والمشهور عن المالكية أن لا خطبة لها مع أن مالكًا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة. وأجاب بعضهم بأنه عليه الصلاة والسلام لم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنّما أراد أن يبيّن لهم الردّ على من زعم أن الكسوف لموت بعض الناس.
وتعقّب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث. فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف. والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل.
واستضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور. وقال إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة.
وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسّي بالنبيّ عليه الصلاة والسلام. فيذكر ذلك الإِمام في خطبة الكسوف.
نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبة الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك. وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته، وردّ على من أنكر أصل الخطبة
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 140)
لثبوت ذلك صريحًا في الأحاديث. وذكر أن بعض أصحابهم احتج على ترك الخطبة بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيفه بأن المنبر ليس شرطًا، ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه لم يقع.
قلت: الجواب الحق عن مالك في تركه الخطبة بعد صلاة الكسوف وجعله بدل الخطبة وعظًا غير منظّم على هيئة الخطبة مع روايته لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المصرّح فيه بلفظ الخطبة هو: أنه لما رأى جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي والنعمان بن بشير وابن عبّاس وأبو هريرة وغيرهم نقلوا صفة صلاة الكسوف ولم يذكر أحد منهم أنه عليه الصلاة والسلام خطب فيها، ولا يجوز أن يكون خطب وأغفل هؤلاء كلّهم ذلك مع نقل كل واحد منهم ما تعلق بتلك الحال، مع أنه لم ينقل عن عائشة ولا غيرها صفة لها كخطبة الجمعة والعيدين كما مرّ، فوجب حمل تسمية عائشة رضي الله تعالى عنها لها خطبة أو غيرها ممن نقل عنه ذلك على المجاز لكونه أتى بكلام منظوم فيه حمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق الخطبة، فلذلك سمّتها خطبة.
ولعلّ مالكًا أدرك عمل المدنية على ما ذكر من الوعظ، فحمل الخطبة المذكورة في الحديث الذي روي على ذلك، وعمل أهل المدنية عنده كما مرَّ كالمتواتر. واستدل بقوله: فخطب بعد قوله. وقد تجلّت من قال بالخطبة على أن الانجلاء لا يسقط الخطبة بخلاف انجلت قبل أن يشرع في الصلاة، فإنه يسقط الصلاة والخطبة.
وقد مرّ حكم ما إذا انجلت في أثنائها عند المالكية. وظاهر كلام صاحب الفتح أنه يتمّها عندهم على الهيئة المذكورة.
وقوله: آيتان من آيات الله أي: علامتان من آيات الله الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} وقد قال في الرواية المتقدمة: يخوّفُ الله بهما عباده. وفي قوله يخوّف الله بهما عباده ردٌ على من زعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف ويصير بمنزلة الجزر والمدّ في البحر.
وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربي وغيره من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي في الكسوف حيث قال: فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة. قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى، فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعة يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف.
وممّا نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يجول القمر بينهما وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. فقال: هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله أم كيف يظلم الكثير بالقليل ولا
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 141)
سيّما وهو من جنسه، وكيف تحجب الأرض نور الشمس وهي في زاوية منها لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفًا.
وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره سبب آخر للكسوف غير ما يزعمه أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنَّسائي وابن ماجه وصحّحه ابن خزيمة والحاكم بلفظ أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله وأن الله إذا تجلّى لشيء من خلقه خشع له، وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة وقال: إنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلًا من أصول الشريعة.
قال ابن بزيزة: هذا عجيب منه، كيف يسلّم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة مع أنّها مبنية على أن العالم كرويّ الشكل، وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك، والثابت من قواعد الشريعة أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء. والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتراب.
والحديث الذي ردّه الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضًا لأن النورية والاضاءة من عالم الجمال الحسّي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيّده قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} ويؤيد هذا الحديث ما روي عن طاووس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى، حتّى كاد أن يموت. وقال: هي أخوف لله منّا.
وقال ابن دقيق العيد: ربّما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: {يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} وليس بشيء، لأن لله أفعالًا على حسب العادة، وأفعالًا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض. وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن تكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى (1).
وقوله: لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته قد جاء في رواية عبد الوارث الآتية في الكسوف بيان سبب هذا القول ولفظه: أن ابنًا للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له إبراهيم مات، فقال الناس في ذلك.
وفي رواية مبارك بن فضالة عند ابن حبّان، فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم. ولأحمد والنَّسائي وابن ماجه وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان عن النعمان بن بشير قال: انكسفت--------------------------------------------
(1) يقول مصححه: ثبت علميًا قطعياً صحة قول الفلكيين في معرفة أوقات الكسوف والخسوف سلفًا. فقول ابن دقبق العيد والغزالى هو الأقرب للصواب، والله أعلم.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 142)
الشمس على عهد رسول صلى الله عليه وسلم فخرج فزعًا يجر ثوبه حتّى أتى المسجد، فلم يزل يصلّي حتى انجلت، فلمّا انجلت قال: إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك. الحديث.
واستشكل قوله: ولا لحياته بأن السياق إنما ورد في حقّ من ظنّ ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة. والجواب أن فائدة ذكر الحياة دفع توهّم من يقول لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد، فعمّم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. وهو كقوله الآتي في الاستسقاء. يقولون مطرنا بنوء كذا.
قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغيّر في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخّران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الشفقة على أمّته وشدة الخوف من ربّه.
وقوله: فقوموا فصلّوا استدل به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معين؛ لأن الصلاة علّقت برؤيته، وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن تبعه، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أنها لا تصلّى في أوقات الكراهة، وابتداؤها عندهم من حل النفل وآخرها عند مالك الزوال. وإذا طلعت مكسوفة لا يصلّى حتى يدخل وقت الجواز.
واحتجت الشافعية بأن المقصود لإيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء. وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود.
واعترفوا بأنه عليه الصلاة والسلام لم يصلّها إلَاّ ضحى ولكن قالوا: إن ذلك وقع اتفاقًا ولا يدل على منع ما عداه، واحتج الباقون بما رواه ابن عبد البر في الاستنكار عن الليث بن سعد قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وعلى الموسم سليمان بن هشام، وبمكة شرّفها الله تعالى عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن شعيب، وأيوب بن موسى، وكسفت الشمس بعد فقاموا قيامًا يدعون الله في المسجد فقلت لأيوب: مالهم لا يصلّون؟! فقال: النهي قد جاء عن الصلاة بعد العصر، فلذلك لا يصلّون، إنّما يذكرون حتى تنجلي الشمس.
وقال إسحاق: يصلّون بعد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وبعد صلاة الصبح، ولا يصلّون في الأوقات الثلاثة، فلو كسفت عند الغروب لم يصلّ إجماعًا. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم من المبادرة بالصلاة. وسائر ما ذكر عند الكسوف من صدقة وذكر وعتق وفيه تقديم الإِمام في الموقف وتعديل الصفوف والتكبير بعد الوقوف في موضع الصلاة والرد على من زعم أن للكواكب
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 143)
تاثيرًا في الأرض لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر. فكيف بما دونهما؟ وفيه بيان ما يخشى اعتقاده على غير الصواب واهتمام الصحابة بنقل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ليقتدى به فيها.
ومن حكمة وقوع الكسوف تبيين أنموذج ما سيقع في القيمة وصورة عقاب من لم يذنب والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرَّجاء لوقوع الكسوف بالكوكب. ثم كشف ذلك عنه ليكون المؤمن من ربّه على رجاء وخوف. وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد الشمس أو القمر. وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} على صلاة الكسوف لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما لما يظهر فيهما من التغير والنقص المنزّه عنه المعبود جلّ وعلا.
وقوله: دنت منيّ الجنة .. الخ، مرّ الكلام عليه مستوفى في باب كفران العشير من كتاب الإيمان.
وقوله: أنا أوَ أنا معهم؟ كذا للأكثر بهمزة الاستفهام بعدها واو عاطفة على مقدر. وفي رواية كريمة بحذف الهمزة وهي مقدرة.
وقوله: فإذا امرأة. وفي رواية ابن عمر عند المصنّف في آخر بدء الخلق: دخلت امرأة النار في هرّة، والمرأة لم تسمّ، وفي رواية أنّها حميْرية. وفي أخرى أنّها من بني إسرائيل وكذا عند مسلم، ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى. وفي كتاب البعث للبيهقي ما يدلّ على ذلك. وأبداه عيّاض احتمالًا. وأغرب النووي فأنكره.
وقوله: حسبت أنه قال: تخدشها هرّة. قائل ذلك هو نافع بن عمر راوي الحديث بينه الإسماعيلي، فالضمير في أنّه لابن أبي مليكة وتخدشها من الخدش، وهو خدش الجلد وقشره بعود ونحوه، وهو من باب ضرب.
وقوله في الرواية السابقة في هرّة أي: بسبب هرّة، فالفاء سببيّة. وفي رواية أبى هريرة عند مسلم من جَرّا هرّة وهو بمعناه، وجَرّا بفتح الجيم وتشديد الراء مقصور ويجوز فيه المدّ. والهرّة أنثى السنّور، والهرّ الذكر، ويجمع الهرّ على هررة، كقرد وقردة، وتجمع الهرّة على هرر، كقربة وقرب.
وفي حديث جابر الآتي في الكسوف: وعرضت عليّ النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذّب في هرّة لها.
وقوله: لا هي أطعمتها: سقط لفظ هي من رواية الكشميهني والحموي.
وقوله: تأكل من خشيش أو خشاش كذا في هذه الرواية على الشك. وكل من اللفظين بمعجمات مفتوح الأول. وأنكر الخطابي رواية خشيش وضبطها بعضهم بضم أوّله على التصغير من
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 144)
لفظ خشاش. فعلى هذا لا إنكار، وفي الخشاش الضم والكسر فهو مثلّث والمراد به هوامّ الأرض وحشراتها من فأرة ونحوها.
وحكى النووي أنه روي بالحاء المهملة، والمراد: نبات الأرض. قال: وهو ضعيف أو غلط. وظاهر هذا الحديث أن المرأة عذّبت بسبب قتل هذه الهرّة بالحبس.
قال عياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة، فعذّبت بالنار حقيقة، أو بالحساب؛ لأن من نوقش الحساب عذّب.
قلت: صريح الرواية الماضية أن العذاب وقع بالنار حقيقة لا بالحساب، فلا معنى للاحتمال، ولعلّه سها عن هذه الرواية، ويحتمل أن تكون المرأة كافرة، فعذبت بكفرها وزيدت بسبب ذلك عذابًا، أو مسلمة وعذّبت بسبب ذلك.
قال النووي: يظهر أنها كانت مسلمة وإنما دخلت النار بهذه المعصية. كذا قال. ويؤيد كونها كانت كافرة ما أخرجه البيهقي في البعث والنشور، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عائشة وفيه قصة لها مع أبي هريرة، وهو بتمامه عند أحمد، وفيه جواز اتخاذ الهرّة ورباطها إذا لم يهمل إطعامها وسقيها ويلتحق بذلك غير الهرة مما في معناها. وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه. كذا قال النووي. ويدل لما قاله رواية هرّة لها المتقدمة، فإنها دالة على ملكها لها، وعلى أن الهرّ يملك، فلا معنى لقول القرطبي إنه لا يملك، وإنما يجب إطعامه على من حبسه. ولم يجر في هذا الحديث ذكر لخسوف القمر.
فلذا أخّرت الكلام عليه إلى قول المصنّف في الكسوف، باب الصلاة في كسوف القمر.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ سعيد بن أبي مريم، ونافع بن عمر في الرابع والأربعين من العلم، ومرّت أسماء في الثامن والعشرين منه، ومرَّ ابن أبي مليكة في متابعة في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله بعد الأربعين من العلم.
لطائف الإسناد:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار والعنعنة والقول. ورواته ما بين مصري ومكّي. وفيه رواية تابعي عن صحابية، أخرجه البخاري أيضًا في الشرب عن سعيد بن أبي مريم. وأخرجه الستة خلا الترمذي في الصلاة.
ثم قال المصنّف:
باب رفع البصر إلى الإِمام في الصلاة
قال الزين بن المنير: نظر المأموم إلى الإِمام من مقاصد الائتمام، فإذا تمكن من مراقبته بغير
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 145)
التفات كان ذلك من إصلاح صلاته.
وقال ابن بطّال: فيه حجة لمالك في أن نظر المصلّي يكون إلى جهة القبلة.
وأحاديث الباب شاهدة له لأنهم لو لم ينظروا إليه عليه الصلاة والسلام ما رأوا تأخّره حين عرضت عليه جهنّم، ولا رأوا اضطراب لحيته، ولا استدلّوا بذلك على قراءته، ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا تناوله فيما تناوله في قبلته حين مثلت له الجنّة.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنه أقرب للخشوع، واستثنى بعض مشايخ الحنفية إذا كان مشاهدًا للكعبة، فإنه ينظر إليها.
وقال القاضي حسين: ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه، وإلى قدميه في ركوعه، وإلى أنفه في سجوده، وإلى حجره في تشهده؛ لأن امتداد النظر يلهي، فإذا قصر كان أولى. وورد في ذلك حديث أخرجه سعيد بن منصور من مرسل محمد بن سيرين ورجاله ثقات. وأخرجه البيهقي موصولًا. وقال المرسل: هو المحفوظ، وفيه أن ذلك سبب نزول قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ويمكن أن يفرق بين الإِمام والمأموم، فيستحب للإمام النظر موضع السجود. وكذا للمأموم إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه، وأما المنفرد فحكمه حكم الإمام.
ثم قال: وقالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف: رأيت جهنّم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخّرت، وموضع الترجمة منه قوله حين رأيتموني. وهذا طرف من حديث وصله المؤلف في باب: إذا انفلتت الدابة وهو في أواخر الصلاة، وعائشة مرّت في الثاني من بدء الوحي.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 146)
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْنَا لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ.
وموضع الترجمة منه قوله: باضطراب لحيته. فيه الحكم بالدليل، لكونهم حكموا باضطراب لحيته على قراءته، لكن لابد من قرينة تعين القراءة دون الذكر والدعاء، مثلًا لأن اضطراب اللحية يحصل بكل منهما، وكأنهم نظروه بالصلاة الجهرية؛ لأن ذلك المحل منها هو محل القراءة لا الذكر والدعاء. وإذا انضمّ إلى ذلك قول أبي قتادة: كان يسمعنا الآية أحيانًا قوي الاستدلال. وقال بعضهم: احتمال الذكر ممكن، لكن جزم الصحابي بالقراءة مقبول لأنه أعرف بأحد المحتملين، فيقبل تفسيره. واستدل به المصنّف على رفع بصر الإمام إلى المأموم هنا، وعلى مخافتة القراءة في الظهر والعصر كما سيأتي.
واستدل به البيهقي على أن الإسرار بالقراءة لابد فيه من إسماع المرء نفسه، وذلك لا يكون إلا بتحريك، للسان والشفتين، بخلاف ما لو أطبق شفتيه، وحرّك لسانه بالقراءة فإنه لا تضطرب بذلك لحيته، فلا يسمع نفسه. وفي هذا نظر لا يخفى.
رجاله ستة:
مرّت الثلاثة الأول منهم، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين من الإيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه.
الرابع: عُمارة بن عمير التيمي من بني تيم الله بن ثعلبة كوفي. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه فقال: ثقة وزيادة، أيسال عن مثل هذا. وقال ابن مَعين وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة. وقال العجلي كوفي: ثقة. وكان خيارًا نظر إلى رجل فقال: ألست الذي كنت تجالسنا؟ قال: بلى. قال: فأخرج صرّة فيها خمسون دينارًا فدفعها إليه، وذكره ابن حبّان في الثقات. رأى عبد الله بن عمر. وروى عن الأسود وعبد الرحمن بن يزيد وأبي معمر عبد الله بن سَخْبَرة وغيرهم. وروى عنه إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة، والأعمش، ومنصور بن المعتمر وغيرهم مات في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، وقيل سنة اثنتين وثمانين.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 147)
الخامس: أبو معمر عبد الله بن سَخْبَرة بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة الكوفي من أزد شنوءة. ذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن سعد: ثقة وله أحاديث. وقال العجلي: تابعي ثقة، روى عن عمر وعلي والمقداد وابن مسعود وخبّاب وأبي موسى، وروى عنه عُمارة بن عمير ومجاهد وإبراهيم النخعي وغيرهم، توفي في ولاية عبيد الله بن زياد.
السادس: خَبّاب بن الأرَتّ بتشديد المثناة ابن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي، ويقال الخزاعي أبو عبد الله سبي في الجاهلية فبيع بمكة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية. وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة. وقال الطبري: إنما انتسب في بني زهرة لأن آل سباع حلفاء عمرو بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وآل سباع منهم سباع بن أم أنمار الخزاعية كان من السابقين الأوّلين، أسلم قديمًا وكان من المستضعفين. روى البارودي أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، وعذب عذابًا شديدًا لذلك.
روى أبو داود عن الشعبي قال: سأل عمر خبابًا عمّا لقي من المشركين؟ فقال: يا أمير المؤمنين: انظر إلى ظهري، فنظر فقال: ما رأيت كاليوم! قال خبّاب: لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها، فما أطفاها إلا ودك ظهري.
شهد المشاهد كلها، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين تميم مولى خِرَاش بن الصَمّة. وقيل آخى بينه وبين جبير بن عتيك. قال ابن عبد البر: والأول أصح. واقتصر في الإصابة على الثاني.
كان يعمل السيوف في الجاهلية، ثبت ذلك في الصحيحين، وثبت فيهما أيضًا أنه تمول وأنه مرض مرضًا شديدًا حتى كاد أن يتمنى الموت.
وروى مسلم من طريق قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خبّاب وقد اكتوى فقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. وروى الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لمّا رجع علي من صفّين مرَّ بقبر خبّاب فقال: يرحم الله خبّابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلي في جسمه أحوالًا، ولن يضيع الله أجره. له اثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بواحد. روى عنه علقمة، ومسروق، وقيس بن إبي حازم، وأبو أمامة وابنه عبد الله، وأبو معمر.
مات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، منصرف علي من صفّين، وصلّى عليه عليّ. ويقال إنّه أول من دفن بظهر الكوفة، وأنه عاش ثلاثًا وستين سنة. وقيل: مات سنة تسع وثلاثين بعد أن شهد مع علي صفين والنهروان، وصلّى عليه عليّ. وقيل: مات سنة تسع عشرة بالمدينة وصلّى عليه عمر رضي الله تعالى عنهما. والأول أصح.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 148)
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، والقول بالإفراد والجمع، ورواته ما بين بصري وكوفيّ. أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن محمد بن يوسف، وأبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه في الصلاة أيضًا.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 149)