Arabic source text

📘 কাওসারুল মাআনিল দারারি ফী কাশফি খাবায়া সহীহুল বুখারী (মুহাম্মদ আল-খিদর আল-শিনকিতী - মৃত্যু 1354 হিজরী)

📘 كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (محمد الخضر الشنقيطي - ت 1354 هـ)

📘 কাওসারুল মাআনিল দারারি ফী কাশফি খাবায়া সহীহুল বুখারী (মুহাম্মদ আল-খিদর আল-শিনকিতী - মৃত্যু 1354 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ويستفاد من هذا الحديث ومن حديث علي المتقدم ومن قصة أبي شاهٍ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أذن في كتابة الحديث عنه. وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدري " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن" رواه مسلم. والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقها، أو النهي فتقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها مع أنه لا ينافيها. وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك. ومنهم من أعل حديث أبي سعيد. وقال: الصوابُ وقفه على أبي سعيد. قاله البخاريّ وغيره.
قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوه حفظًا، لكن لما قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم، دونوه، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزُّهْريّ على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير. قال هنا في "الفتح": وقد مر في باب "كيف يقبض العلم" أن أول تدوين الحديث كتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى أبي بكر بن حزم. يجمع بينهما بما ذكر هناك مما أخرجه أبو نعيم أن عمر كتب بذلك إلى الآفاق، فيكون كتب لكل من ابن شهاب وأبي بكر بذلك.

‌‌رجاله ستة: الأول علي بن عبد الله المدينيّ، وقد مر تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم، الثاني سفيان بن عُيينة، وقد مر أيضًا تعريفه في الحديث الأول من بدء الوحي.
الثالث: عمرو بن دينار، المكيّ أبو محمد الأثرم، الجُمَحِيّ، مولاهم، أحد الأعلام روى عن العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي الطفيل والسائب بن يزيد، والحسن بن محمد بن علي بن

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 31)

أبي طالب، ووهب بن مُنَبه وخلق. وروى عنه قتادة، ومات قبله، وأيوب بن جُرَيج، وجعفر الصادق ومالك، وشعبة، والحمّادان، والسفيانان، وخلق كثير.
قال أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدًا، لا الحكم ولا غيره يعني في التَّثَبُّت. وقال ابن أبي نَجِيح: ما كان عندنا أحدًا أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره: لا عطاء ولا مجاهد ولا طاووس. وقال القطان: عمرو بن دينار أثبت عندي من قتادة، فذكر ذلك لأحمد، فذكر مثله. وقال أحمد أيضًا: عمرو أثبت الناس في عطاء وقال النَّسائيّ: ثقة ثبت، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال سفيان لمِسْعَر من رأيت أشد إتقانًا للحديث؟ قال: عمرو بن دينار، والقاسم بن عبد الرحمن. وقال ابن عُيينة: حدثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة ثقة، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلى من عشرين حديثًا من غيره. ومرض عمرو فعاده الزُّهري، فلما قام الزُّهْرِيّ قال: ما رأيت شيخاً أنصَّ للحديث الجيد من هذا الشيخ. وقال ابن عُيينة وعمرو بن جرير: كان ثقة ثبتًا، كثير الحديث صدوقًا عالمًا، وكان مفتي أهل مكة في زمانه. وذكره ابن حِبّان في الثقات، مات سنة ست وعشرين ومئة، وقد جاوز السبعين، والجُمَحِيّ في نسبه نسبة إلى جُمَح بن عمر بن هُصَيْص بن كعب بن لُؤَي بن غالب بن فهو.
الرابع: وهب بن مُنبه، بضم الميم وفتح النون وكسر الباء الموحدة المشددة، ابن كامل بن سِيْج، بفتح السين المهملة، وقيل بكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم، وقيل الشين معجمة، ابن ذي كنار، وهو الأسوار الصنعانيّ اليمانيّ الأبناويّ الذَّمَارِيّ، روى عن العبادلة ما عدا ابن الزبير، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد وجابر، وأنس وعمرو بن شُعيب، وأخيه همام بن مُنّبه. وروى عنه ابناه عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه عبد الصمد، وعقيل بن مَعْقِل بن منبه.
قال ابن حنبل: كان من أبناء فارس، وقال العِجْليّ: تابعي ثقة، وكان

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 32)

على قضاء صنعاء. وثَّقه النَّسائي وأبو زرعة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وكان وهب بن منبه يختلف إلى هَراة، ويتفقد أمرها. وجاء من وجهين ضعيفين عن عُبادة بن الصّامت مرفوعًا: "سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له وهبٌ يؤتيه الله تعالى الحكمة، والَاخر يقال له غَيْلان هو أضر على أمتي من إبليس". وقال المثنّى بن الصَّبَاح: لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئًا فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا. وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه: حج عامة الفقهاء سنة مئة، فحج وهب، فلما وصلوا أتاه نفر فيهم العطاء والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر، قال: فأمعن في باب من الحمد، فمازال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا ولم يسألوه عن شيء.
قال أحمد: كان يتهم بشيء من القدر؛ ثم رجع، وقال حماد بن سلمة عن أبي سفيان: سمعت وهب بن مُنّبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء في كلها "من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر" فتركت قولي. وقال الجُوْزجَانيّ: كان وهب كتب كتابًا في القدر، ثم حدثت أنه ندم عليه. وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: دخلت على وهب بن منبه داره بصنعاء، فاطعمني جوزًا من جوزة في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر، فقال: أنا والله وددت.
ولد سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ومات سنة عشر ومئة، وقيل: إن يوسف بن عمر ضربه حتى مات. روى له البخاري هذا الحديث الواحد عن أخيه.
والأبْنَاويّ في نسبه نسبة إلى أبناء، بباء موحدة ثم نون، وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن.
الخامس: همّام بن مُنبِّه، ومر تعريفه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب الإيمان.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 33)

السادس: أبو هريرة، ومرَّ تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإِيمان.

‌‌لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار بصيغة الإفراد والسماع. ووهب لم يرو له البخاري غير هذا الحديث، وفيه ثلاثة من التابعين في طبقة متقاربة أولهم عمرو. وأخرجه البخاري هنا ليس إلا، وهو من إفراده عن مسلم، وأخرجه التِّرْمِذيُّ في العلم والمناقب، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النَّسائيّ في العلم. ثم قال:
تابعه معمر عن همام عن أبي هريرة، يعني أن ابن راشد معمرًا تابع وَهْب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همّام. والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن معمر، وأخرجها أبو بكر بن علي المَرْوَزِيّ في كتاب العلم له عن حجّاج بن الشاعر عنه، وروى أحمد والبيهقي في "المدخل" عن عمرو بن شُعيب عن مُجاهد والمُغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو. فإنه كان يكتب ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب. واستأذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في الكتابة عنه، فأذِن له. إسناده حسن. وله طرق أخر، ولا يلزم أن يكونا في الوعي سواء، لما مر من اختصاص أبي هريرة بالدعاء بعدم النسيان، ومعمر بن راشد قد مر تعريفه في متابعة بعد الحديث الثالث من بدء الوحي، وهمام مر تعريفه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب الإيمان. وأبو هريرة مر تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 34)

قال عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه: "ضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك" وقوله لمعاوية: "أَلق الدواة، وحَرّف القلم، وأَقِم الباء، وفرّق السين، ولا تُعَوّر الميم" وقوله "لا تمدّ بسم الله" قال: وهذا، وإن لم يثبت أنه كتب، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي. وقد صرح في حديث المُسَوَّر بأن عليًا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله "فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب" لبيان أن قوله "أرني إياها" أنه ما احتاج أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك "فكتب" فيه حذف تقديره "فمحاها فأعادها لعليّ فكتب". وبهذا جزم ابن التين، أو أطلق "كتب" بمعنى "أمر بالكتابة" وهو كثير، كقوله "كتب إلى قيصر"، "وكتب إلى كسرى" وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة، أن يصير عالمًا بالكتابة. ويخرج عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا، ككثير من الملوك. ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا، وبهذا أجاب أبو جعفر السَّمْناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة، وتبعه ابن الجَوْزِيّ.
وتعقب ذلك السُّهَيليّ وغيره بأنَّ هذا وإن كان ممكنًا ويكون آية أخرى، لكنه يناقض كونه أميًا لا يكتب، وهو الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يكتب بعد ذلك، لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب، لكنه كان يكتم ذلك. قلت: هذا القول بعد تقرر الإِسلام ورسوخه في القلوب، وقوته وصيرورته

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 35)

بالسيف، لا يؤثر ولا يضر. قال السُّهَيليّ: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحق أن معنى قوله "فكتب" أي: أمر عليا أن يكتب.
وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير. وقوله "كتابًا" بعد قوله "بكتاب" فيه الجناس التام بين الكلمتين، وإن كانت إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز. وقوله "لا تضلّوا بعده" هو نفى وحذفت النون منه لأنه بدل من جواب الأمر من غير حرف العطف جائز. وقوله: "فقال عمر غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا" أي اشتد عليه فيشق عليه إملاء الكتاب، أو مباشرة الكتابة على ما مر من الاحتمالين، وكان عمر رضي الله تعالى عنه، فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل. قال القُرطبيّ وغيره: "ائتوني" أمر، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر، رضي الله تعالى عنه، مع طائفة أنه ليس للوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قول الله تعالى {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وقوله تعالى {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ولهذا قال عمر "حسبنا كتاب الله".
ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار، ولهذا عاش صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد ذلك أياما ولم يعاود أمرهم بذلك. ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف. وكان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا. قال المازَريّ: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريع أمره لهم بذلك؛ لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها عن الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن، بأنه عليه الصلاة والسلام، قال ذلك من غير قصد جازم، وعزمه

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 36)

‌‌الحديث السادس والخمسون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ، كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ". قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ". فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتَابِهِ.
قوله: "لما اشتد وجعه" أي قوي وجعه في مرض موته كما سيأتي، وفي رواية في المغازي: "لما حضرت النبيَّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، الوفاة، وفيها من حديث سعيد بن جُبير أن ذلك كان يوم الخميس، قبل موته صلى الله تعالى عليه وسلم، بأربعة أيام. وقوله "بكتاب" أي بأدوات الكتاب، كالقلم والدَّواة، ففيه مجاز الحذف، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه، كالكاغد وعَظم الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيها. وقد صرح بذلك في رواية لمسلم، قال "ائتوني بالكتف والدواة".
وقوله: "أكتب" هو بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفعُ على الاستئناف. وفيه مجاز أيضًا، أي: أمر بالكتابة. وفي مسند أحمد من حديث عليّ أنه المأمور بذلك، ولفظه "أمرني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أن آتي بطبق يكتب ما لا تضل أمته من بعده". قلت: هذا كحديث المتن، ليس فيه التصريح بأن عليًا هو المأمور بالكتابة، لقوله فيه "يكتب" ويحتمل أن يكون على ظاهره من كونه عليه الصلاة والسلام يريد أن يكتب بنفسه.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 37)

وفي كتْبه، عليه الصلاة والسلام، بيده الشريفة خلاف مشتهر بين العلماء. فقد أخرج البخاري في باب عُمرة القضاء "فأخذ رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: "هذا ما قاضى محمد بن عبد الله " فتمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجِيّ، فادعى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كتب بيده، بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنَّع عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة … وقال إن رسول الله قد كتبا
فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48] وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى.
وذكر ابن دَحْية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذَر الهَرَويّ وأبو الفتح النَّيْسابُورِيّ، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شَيْبة، وعمر بن شَبَّة، من طريق مجاهد عن عبد الله بن عون قال: ما مات رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى كتب وقرأ. قال مجاهد: فذكرته للشعبيّ فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك. ومن طريق يونس بن مَيْسرة عن سَهْل بن الحَنْظَليَّة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعُيَيَنْة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمِّس؟ فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، الصحيفة فنظر فيها، فقال: قد كتب لك بما أمر لك. قال يونس: فنرى أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، كتب بعدما أُنزل إليه

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 38)

صلى الله تعالى عليه وسلم، كان إما بالوحي أو بالاجتهاد، وكذلك تركه؛ إنْ كان بالوحي فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضًا.
وقال النوويّ: اتفق قول العلماء على أن قول عمر "حسبنا كتاب الله" من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء. وفي تركه، صلى الله تعالى عليه وسلم، الإنكار على عمر إشارةٌ إلى تصويبه رأيهُ، فعُلم بذلك أن المأمور به ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه عليه الصلاة والسلام، لأجل اختلافهم، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: إن الرَّزية … الخ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا.
قال الخطابي: لم يتوهم عمر الغلظ فيما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب، وحضور الموت، خشي أن يجد المنافقون سبيلًا إلى الطعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب توقف عمر لا أنه تعمد مخالفة قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا جوز وقوع الغلط عليه، حاشا وكلا.
وقد ظهر لطائفة أخرى أن الأوْلى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره، وما تضمنه من زيادة الإيضاح. واختلف في المراد "بالكتاب" فقيل: أراد أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل: بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده، حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عُيَينة، ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال في أوائل مرضه، وهو عند عائشة: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ، ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أخرجه مسلم، وللمصنف معناه، والأول أظهر، لقول عمر "كتاب الله حسبنا" أي كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 39)

وقال الشيخ الطيِّب بن كيران في شرحه "لتوحيد ابن عاشر": إن هذا الذي أراد أن يكتبه هو من العلم المخير في تبليغه، الذي قال فيه: "فكنت أسر إلى أبي بكر وإلى عمر وإلى عثمان وإليك يا أبا الحسن" قال: إذ لو كان ذلك من الواجب ما تركه لأجل اختلافهم، وقد عاش بعد ذلك أياما، ولو كان مما يجب كتمانه ما همَّ بكتبه لهم. وما قاله في غاية الحسن ولم أجده لغيره وهو يشير إلى ما هو مروي في حديث الإسراء من أن الله تعالى علمه ليلة الإِسراء ثلاثة علوم: علم أمره بتبليغه للعام والخاص، وعلم أمره بكتمه، وعلم خيره فيه.
وقوله "وكثر اللَّغَط" بتحريك اللام والغين المعجمة، أي الصوت والجلبة بسبب ذلك، فلما رأى ذلك، قال: "قوموا عني" وقوله "ولا ينبغي عندي التنازع" هو بالرفع فاعل ينبغي، وفيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلى امتثال أمره، وإن كان ما اختاره عمر صوابًا، إذ لم يتدارك ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد كما مر، ولأن في بعض الروايات "وأوصاهم بثلاث: قال: أخْرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم … إلخ"، وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتبه لم يكن أمرا متحتما؛ لأنه لوكان مما أمر بتبليغه، لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظًا كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أيامًا، وحفظوا عنه أشياء لفظًا، فيحتمل أن يكون مجموعها هو ما أراد أن يكتبه.
قال القرطبي: واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم "لا يُصَلِّينَّ أحد العصر إلا في بني قريظة" فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنَّف أحدا منهم من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح. وقوله في تلك الرواية "أجيزوا الوفد" أي أعطوهم، والجائزة العطية، وقيل: أصله أن ناسًا وفدوا على بعض الملوك، وهو قائم على قنطرة، فقال: أجيزوهم، فصاروا يعطون الرجل ويطلقونه،

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 40)

فيجوز على القنطرة متوجهًا، فسميت عطية من يقدم على الكبير جائزة. وتستعمل، أيضًا، في إعطاء الشاعر على مدحه ونحو ذلك.
وقوله "بنحو ما كنت أجيزهم" أي بقريب منه. وكانت جائزة الواحد على عهده، صلى الله تعالى عليه وسلم، أوقية من فضة، وهي أربعون درهمًا. وقوله "فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية" ظاهره أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه الظاهر، بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث. فوجه الرواية أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث، خرج من المكان الذي كان فيه، وهو يقول ذلك. ويدل عليه رواية أبي نعيم في المستخرج، قال عُبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول … الخ وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأن عبيد الله تابعيّ من الطبقة الثانية، لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنه ولد بعد النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بمدة طويلة، ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى. وفي رواية معمر عند المصنف في الاعتصام "قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: … " وكذا لأحمد من طريق جرير بن حازم.
وقوله "إن الرزية" هي بفتح الراء وكسر الزاي بعدها مثناة تحتية ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشدد الياء، ومعناها المصيبة. وزاد في رواية معمر "لاختلافهم ولغطهم" أي إن الاختلاف كان سببًا لترك كتابة الكتاب.
وفي الحديث دليل على جواز كتابة العلم، وعلى أن الاختلاف قد يكون سببًا في حرمان الخير، كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما فرفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك، وفيه وقوع الاجتهاد بحضرته، صلى الله تعالى عليه وسلم، فيما لم ينزل عليه فيه. وقد ذكر البخاريّ في هذا الباب أربعة أحاديث، فبدأ بحديث علي " أنّه كتب عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"، وقد يطرقه احتمال أن يكون إنما كتب ذلك بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يبلغه النهي، وثنى بحديث أبي هريرة، وفيه

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 41)

الأمر بالكتابة، وهو بعد النهي، فيكون ناسخًا، وثلّث بحديث عبد الله بن عمرو، وقد مر في بعض طرقه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أذن له في ذلك، فهو أقوى في الاستدلال للجواز من الأمران يكتبوا لأبي شاهٍ، لاحتمال اختصاص ذلك بمن يكون أُميا أو أعمى، وختم بحديث ابن عباس الدال على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم همَّ أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بالحق.

‌‌رجاله ستة: وقد ذكروا جميعًا ما عدا الأول يحيى بن سليمان بن يحيى ابن سعيد بن مسلم بن عبد الله بن مسلم الجُعْفيّ أبو سعيد، الكوفيّ المقري، سكن مصر، روى عن عمه عمرو بن عثمان بن سعيد، وحفْص بن غِيَاث، وعبد الله بن إدريس، وعبد الله بن وهب وغيرهم. وروى عنه البخاري. وروى التّرمْذيُّ عن أحمد بن الحسن التِّرْمِذيّ عنه، وأبو زرعة وأبو حاتم وآخرون. قال أبو حاتم: شيخ ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب. وقال الدارقطنيّ: ثقة.
وقال مَسْلمة بن قاسم: لا بأس به، وكان عند العقيليّ ثقة، وله أحاديث مناكير، وكان النَّسائي سىء الرأي فيه، قال: إنه ليس ثقة. قال ابن حجر: لم يكثر البخاري من تخريج حديثه، وإنما أخرج أحاديث معروفة من حديث ابن وهب. مات بمصر سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين، والجُعْفي في نسبه نسبة إلى جُعَفى وقد مر في الثاني من الإيمان.
الثاني: عبد الله بن وهب المصري، مر تعريفه في الحديث الثالث عشر من كتاب العلم. الثالث يونس بن يزيد، والرابع ابن شهاب وقد مر تريفهما في الحديث الشاك من بدء الوحى، الخامس عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، مر تعريفه أيضًا في الحديث السادس من بدء الوحي، ومر ابن عباس في الحديث الخامس منه أيضًا.

‌‌لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والإِخبار

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 42)

والعنعنة. وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواته ما بين كوفيّ ومصريّ ومدنيّ، أخرجه المؤلف هنا، وفي المغازي وفي الطب وفي الاعتصام، وأخرجه مسلم في الوصايا، والنَّسائي في العلم والطب. ثم قال المصنف:

‌‌باب العلم والعظة بالليل
أي تعليم العلم بالليل والعظة به، وقد مر أنها الوعظ، وأراد المصنف التنبيه على أن النهي عن الحديث بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 43)

‌‌الحديث السابع والخمسون
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِى الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِى الآخِرَةِ".
قوله "قالت استيقظ النبي" أي تيقظ، فالسين ليست للطلب، أي انتبه. وقوله "ذات ليلة" أي في ليلة. ولفظ "ذات" زيد للتأكيد. وقيل: إن الإضافة من إضافة المسمى إلى الاسم، والتقدير قطعة ذات ليلة، أي صاحبة هذا الاسم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. وقوله "سبحان الله ماذا" ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم؛ لأن سبحان الله تستعمل لذلك. وقوله "أنْزِل" بضم الهمزة، وللكُشْمَيهني " أنزلَ الله" واستعمل المجاز في الإنزال والمراد به إعلام الملائكة بالأمر المقدور، أوأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أوحي إليه في نومه ذلك، بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال. وقوله "من الفتن وماذا فتح من الخزائن" عبر عن العذاب بالفتن؛ لأنها أسبابه، وعبر عن الرحمة بالخزائن، لقوله تعالى: {خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} [الإسراء: 100].
وقال الداودي: الثاني هو الأول، والشيء قد يعطف على نفسه تأكيدًا؛ لأن ما يُفتح من الخزائن يكون سببًا للفتنة، وكأنه فهم أن المراد بالخزائن خزائن فارس والروم وغيرهما، مما فتح على الصحابة، لكن المغايرة بين الخزائن والفتن أوضح؛ لأنهما غير متلازمين، وكم من نائل من تلك الخزائن سالم من الفتن.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 44)

وقوله "أيْقظوا صواحب الحُجَر" بصيغة الأمر، مفتوح الأول مكسور الثالث، وصواحب بالنصب على المفعولية، وجوّز الكرمانيّ "إيقَظوا" بكسر أوله وفتح ثالثه، وصواحب منادى، والحُجَر بضم الحاء وفتح الجيم، جمع حُجْرة، وهي منازل أزواج النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، كما هو مصرح به في بعض الروايات بلفظ "يريد أزواجه لكي يصلين"، وإنما خصهن بالإيقاظ لأنهن الحاضرات حينئذ، أو من باب إبدأ بنفسك ثم بمن تعول. وفي رواية "من يوقظ صواحب الحجرات"، ودلت رواية أيقظوا على أن المراد بقوله "من يوقظ" التحريض على إيقاظهن.
وقوله "فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة" بزيادة الفاء في أوله، وفي رواية بحذفها، وفي رواية ابن المبارك "يارُبَّ" بزيادة حرف النداء في أوله، وفي رواية هشام "كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة". وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن مالك من أن "ربَّ" أكثر ما ترد للتكثير: فإنه قال: أكثر النحويين أنها للتقليل، وأن معنى ما يصدر بها المضيّ، والصحيح أن معناها في الغالب التكثير، وهو مقتضى كلام سيبويه، فإنه قال في باب "كم" اعلم أن "كم" في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه "رب" لأن المعنى واحد، إلا أن "كم" اسم "ورب" حرف، ولا خلاف. إن معنى كم الخبرية التكثير، ولم يقع في كتابه ما يعارض ذلك، فصح أن مذهبه ما ذكر، وحديث الباب شاهد لذلك، فليس مراده أن ذلك قليل، بل المتصف بذلك من النساء كثير، وهنَّ أكثر أهل النار، ولذلك لو جعلت "كم" موضع "رب" لحسن، وقد وقعت كذلك في نفس هذا الحديث، لكن الحديث إنما يدل لورودها في التكثير لا لأكثريتها فيه، وأما تصدير "رب" بحرف النداء في رواية ابن المبارك، فقيل: المنادى فيه محذوف والتقدير: يا سامعين، وقد مر في باب "رُبّ مبلغ" استيفاء الكلام على مباحث "رب". وقوله كاسية على وزن فاعلة من كسا، ولكنه بمعنى مكسوَّة كما في قول الحطيئة:

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 45)

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
قال الفراء يعني المكسو كقولك ماء دافق، وعيشة راضية؛ لأنه يقال: كُسِي العريان ولا يقال كَسَا.
وقوله "عارية" قال عياض: الأكثر بالخفض على الوصف للمجرور بِرُبَّ، وقال غيره: الأولى الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت لكاسية، أي هي عارية، والفعل الذي يتعلق به "رُب" محذوف. وقال السُّهيليُّ: الأحسن الخفض على النعت، لأن "رُبَّ" حرف جر يلزم صدر الكلام.
واختلف في المراد بقوله "كاسية وعارية" على أوجه أحدها كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا، ثانيها: كاسية بالثياب، لكنها شفافة لا تستر عورتها، فتعاقب في الآخرة بالعُري جزاء على ذلك.
ثالثها: كاسية من نعم الله، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب.
رابعها: كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها، فيبدو صدرها، فتصير عارية، فتعاقب في الآخرة.
خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} [المؤمنون: 101]، ذكر هذا الأخير الطَيْبِيّ، ورجحه لمناسبة المقام. واللفظة، وإن وردت في أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن العبرة بعموم اللفظ، وقد سبق لنحوه الداودي فقال: كاسية للترف في الدنيا، لكونها أهل التشريف، وعارية يوم القيامة. قال: ويحتمل أن يراد عارية في النار، وأشار صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك إلى موجب

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 46)

استيقاظ أزواجه، أي ينبغي لهن أن لا يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال ابن بطال: في هذا الحديث أن الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال، بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه، وأن يبخل به فيمنع الحق، أو يبطر صاحبه فيسرف، فأراد صلى الله تعالى عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك، وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك، وأراد بقوله "من يوقظ" بعض خدمه، كما قال يوم الخندق: "من يأتيني بخبر القوم" وأراد أصحابه، لكن هناك عرف الذي انتدب، وهنا لم يذكر.
وفيه استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر، كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم، إذا حَزَبه أمر فَزع إلى الصلاة، وأمر من رأى في منامه ما يكره أن يصلي، وفيه التسبيح عند رؤية الأشياء، وفيه تحذير العالم من يأخذ عنه من كل شيء يتوقع حصوله، والإرشاد إلى ما يدفع ذلك المحذور، وفيه الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة، ولاسيما في الليل، لرجاء وقت الإجابة، لتكشف. أو يسلم الداعي ومن دعا له.
وفيه جواز قول "سبحان الله" عند التعجب، وندبية ذكر الله بعد الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لاسيما عند آية تحدُثُ.

‌‌رجاله ثمانية: الأول صدقة بن الفضل، أبو الفضل المَرْوَزِيّ أحد الرحالين روى عن المُعْتمر بن سليمان، وابن عُيينة، ويحيى القَطّان وطبقتهم. وروى عنه البخاريّ منفردًا به عن الستة، والدارميُّ وعبد الرحيم بن مُنِيب، ومحمد بن نصر المَرْوَزِيّ وغيرهم. قال عباس العَنْبَريّ: ثلاثة جعلتهم حجة فيما بيني وبين الله تعالى، فعد منهم صَدَقة. وقال ابن حبّان: كان صاحب حديث وسنة. وقال وهب بن جرير: جزى الله صدقة ويعْمر بن بشر المَرْوَزيّ وإسحاق عن الإِسلام خيرًا؛ أحيوا السنة بأرض

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 47)

المشرق. وقال عباس بن الوليد: كنا نقول: بخراسان صدقة، وبالعراق أحمد، وزيد بن المبارك باليمن. وقال النسائي: ثقة، وكان من المذكورين بالعلم والفضل والسنة.
وقال أحمد بن سَيّار: لم أر في جميع من رأيت مثل مسدد بالبصرة، والقواريري ببغداد، وصدقة بمرو.
والمَرْوَزِيّ في نسبه مر في السادس من بدء الوحي، مات سنة ثلاث وقيل ست وعشرين ومئتين.
الثاني: سفيان بن عُيينة: مر في الحديث الأول من بدء الوحي.
الثالث: معمر بن راشد، مر في المتابعات بعد الحديث الثالث من بدء الوحي.
الرابع: ابن شهاب، مر في الحديث الثالث منه أيضًا.
الخامس: عمرو بن دينار، مر في الحديث الرابع والأربعين من كتاب العلم قبل هذا بحديث واحد.
السادس: يحيى بن سعيد الأنصاري، مر في أول "حديث إنما الأعمال بالنيات".
السابع: هند بنت الحارث الفراسية، ويقال القُرشية، ولعله تصحيف من الفراسية، أو نسبت إلى قريش لكونها من بني كنانة، لأن بني فراس بطن من كنانة، وعند الداودي القادسية، ولا وجه لها. ذكرها ابن حبان في الثقات، كانت تدخل على أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت زوجة لمَعبد بن المِقْداد، وأسقط في التهذيب معبدًا، روى لها الجماعة إلا مسلم والفِرَاسية في نسبها نسبة إلى فِراس بطن من كنانة.
الثامن: أم سلمة هند، وقيل رَمْلة، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم،

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 48)

بنت أبي أُمية، اسمه حذيفة، وقيل سَهْل بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر ابن محزوم، القرشية المخزومية، مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، وكان أبوها يلقب بزاد الرّكب، لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رُفقته زادًا بل هو كان يكفيهم. وأمها عاتكة بنت عامر، كنانية من بني فراس، وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو وابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، وكانا أول من هاجر إلى الحبشة، وهاجرت معه إلى المدينة أيضًا، ويقال إنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة. وقيل بل ليلى بنت أبي حُثمة زوجة عامر بن ربيعة. ولما مات زوجها من الجراحات التي أصابته، خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عنها أنها قالت: لما خطبني قلت له: فيَّ ثلاثٌ: كبيرة السن" وامرأة مُعْيل، وامرأة شديدة المغيرة. فقال: أنا أكبر منك، وأما العيال فإلى الله، وأما المغيرة فأدعو الله فيذهبها عنك، فتزوجها فلما دخل عليها قال لها: إن شئت سبَعْت لك وسبعت للنساء، فرضيت بالثلاث. والحديث في الصحيح من طرق.
وروي عنها أنها قالت: قلت لأبي سَلَمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة، وكذا إذا ماتت المرأة، وبقي الرجل بعدها، فقال: أُعاهدك على أن لا أتزوج بعدك، ولا تتزوجي بعدي، قال: أتطيعينّي؟ قالت: ما استأمرتك إلا لأطيعك. قال: فإذا مت فتزوجي. ثم قال: اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني، لا يخزيها ولا يؤذيها. فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت، ثم تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الصحيح عن أم سَلمة أن أبا سلمة قال لها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، وأجرني فيها"، وأردت أن أقول:

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 49)

"وأبدلني بها خيرًا منها" فقلت: من هو خير من أبي سلمة؟ فما زلت حتى قلتها.
وروي عن هند بنت الحارث قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لعائشة مني شُعْبة ما نزلها أحد، فلما تزوج أم سلمة سئل: ما فعلت الشعبة؟ فسكت، فعرف أن أم سلمة قد نزلت عنده وروي عن عائشة أنها قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة حزنت حُزنًا شديدًا لما ذكر لنا في جمالها. قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها، فرأيتها أضعاف ما وصف لي في الحسن والجمال، فقلت: إن هذا إلا المغيرة، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت لي: لا والله ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة. قالت: فرأيتها بعد فكانت كما قالت حفصة.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي سلمة. وروى عنها أولادها عمر وزينب ومكاتِبُها نَبْهان، وأخوها عامر بن أبي أميّة وابن عباس، وعائشة، وأبو سعيد الخُدْرِيّ وغيرهم. قال الواقدي: توفيت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، ولها أربع وثمانون سنة. كذا قال، وليس بجيد، ففي صحيح مسلم أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، وسألاها عن "الجيش الذي يخسف به" الحديث، وكانت ولاية يزيد بعد أبيه في سنة ستين. وقال ابن حبان: ماتت في سنة إحدى وستين بعدما جاءها الخبر بقتل الحسين بن علي، وهذا أقرب. قاله ابن حجر. وقال محاربُ بن دِثار: أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وكان أمير المدينة يومئذ مروان بن الحكم. وقيل: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. قال ابن حجر: والثاني أقرب؛ لأن سعيد بن زيد مات قبل تاريخ موت أم سلمة على الأقوال كلها، فكأنها كانت أوصت بأن يصلي عليها في مرضة مرضتها، ثم عوفيت، ومات سعيد قبلها.

‌‌لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة من

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 50)