القول في الأمر بفعل واجب، ماذا حكمه في ضده؟
قال بعضهم: الأمر بفعل واجب لا حكم له في ضده.
وقال بعضهم: يقتضي نهياً في ضده، وإليه ذهب أبو بكر الجصاص.
وقال بعضهم: يدل على كراهة ضده.
وقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده، وهو المختار عندنا.
فأما الأولون: فذهبوا إلى أن ضده مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل الأمر، كالمعلق بشرط لا يقتضي نفياً عند عدم الشرط لأنه مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل التعليق. قالوا: والعبد يأثم إذا لم يأتمر بترك الواجب لا بارتكاب الضد.
وأما أبو بكر الجصاص فقد ذكر في "أصوله" أن الأمر المطلق على الفور، لأن الأمر اقتضى نهياً عن ضده، والنهي عن مطلق الفعل يوجب موجبه على الفور، فكأنه ذهب إلى أن الفعل إذا وجب الإتيان به حرم تركه ضرورة واقتضاء، والحرمة حكم النهي فيثبت النهي عن ضده اقتضاء.
وأما الثالث فوجهه: أن وجوب الفعل يدل على حرمة الترك ضرورة، كما قاله أبو بكر إلا أن الحرمة التي تثبت ضرورة لا تكون كالتي تثبت بالنص عليها بالتحريم او النهي.
لأن الثابت بالنص يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة.
والثابت بالضرورة يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة.
والضرورة ترتفع بكون ضده مكروهاً لقبح في غيره، وإن كان في نفسه حسناً كالصلاة في أرض مغصوبة، إلا أنا نقول ان الثابت بهذا الطريق يكون بالاقتضاء دون الدلالة.
فإن النص يدل على مثل المنصوص عليه كتحريم التأفيف يدل على تحريم الشتم لوجود ذلك الأذى فيه وزيادة.
فالدلالة أخت الإيجاب، فكما لا يوجب النص ضد الحكم المنصوص عليه لا يدل عليه، ولكن ثبوت الضد يقتضي نفي ضده كالليل مع النهار، وكذلك في الحكام إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وجب فعل في وقت لا بد أن يحرم تركه اقتضاءً فيحرم ضده لما فيه من ترك المأمور به الواجب، فكان لمعنى في غيره فلا يوجب الفساد بخلاف النهي.
فأما الجواب عن القول الأول: ما ذكرنا ان الكراهة تثبت بمقتضى النص لا بالنص، والمقتضى أبداً إنما يثبت حيث لا نص ما له حد غير هذا، وليس هذا كالمعلق بالشرط فإن تعليق الحكم بالشرط لإيجاد الحكم ابتداء عند الشرط، ولما كان ابتداء الوجود عنده لم يقتض هذا نفياً قبله لأن النفي لا يتصور ابتداء الوجود عند الشرط أن يكون عدماً قبل الشرط، ولما لم يكن موجوداً من الأصل لا يتعلق عدمه بمعدم فلذلك قلنا غنه يقتضي عدماً من حيث عدم دليل الوجود، لا عدماً بدليل نافٍ.
وأما الإيجاب فيقتضي حرمة ترك الواجب ضرورة، وكان حلالاً قبل الإيجاب فلذلك أضفنا ثبوتها إلى الأمر.
ثم قول أبي بكر أن الأمر المطلق على الفور لأنه نهي عن ضده دعوى، والرواية في الأصول في الأمر المطلق بخلاف ما قاله أبو بكر الجصاص على ما نذكره.
وكذلك النهي فإن النهي إنما يكون على الفور إذا كان مما يستغرق انتهاء العمر، فأما ما لا يستغرق انتهاء العمر فلا، فإنا نهينا عن ترك فرض الصلاة وقت الظهر ويباح الترك لأول الوقت لأن فعل الصلاة مما لا يعم ولا يستغرق الوقت فالانتهاء عن النهي بفعل الصلاة مما لا يستغرق الوقت فلا يجب البدار إلى الانتهاء على الفور، والذي يدل عليه أنا متى جعلناه نهياً عن ضده نصاً أو دلالة فقد جعلنا ضده حراماً لمعنى يرجع إليه كما في مطلق النهي، وإنه ما حرم إلا لمعنى في غيره وهو من حيث المأمور به وبينهما فرق على ما مر، والله أعلم.
القول في النهي ماذا حكمه؟
قال العبد- رحمه الله: إني لم أقف على الأقوال في حكمه على الاستقصاء من السلف، كما وقفت على حكم الأمر. ولكنه ضد المر لغة فيحتمل أن يكون للناس فيه أقوال أربعة على حسب أقوالهم في الأمر.
فمن وقف في الأمر فليجب مثله في النهي.
ومن قال بالندب في الأمر فكذا يجب في النهي أن يقول بندب على ضده.
ومن قال بالإباحة فيه قال بإباحة الانتهاء هنا.
ومن قال بالوجوب، ثم قال بوجوب الانتهاء هنا وعليه جمهور العلماء.
ويحتمل ان لا يكون على الاختلاف لأن القول به يؤدي إلى أن يصير موجب الأمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
والنهي واحداً وهو الوقف، وهذا لا سبيل إليه لأن الضدين يختلف أثرهما كالإحياء والإماتة والتحريك والتسكين والله أعلم.
فصل: الأقوال في تكرار الانتهاء
وأما الأقوال في تكرار الانتهاء فلا يتصور لأن الانتهاء بالنهي مما يستغرق العمر إن كان مطلقاً لأنه لا انتهاء إلا بانعدام المنهي عنه من قبله، ولا يتم الانعدام من قبله إلا بالموت عليه قبل الفعل، فلا يتصوره تكراره، بخلاف الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل المسمى له حد يعرف وجوده بحده ثم يتصور التكرار بعده، إلا ترى ان من حلف لا يدخل الدار لم يبر إلا بالموت قبل الدخول، ولو حلف ليدخلن الدار فدخل ساعتئذ بر في يمينه وإن ترك بعد ذلك وتصور منه بعده دخول آخر.
فصل في بيان علة وجوب الانتهاء:
اعلم بأن الشرع لا ينهى عن فعل غلا لقبحه كما لا يأمر به حقاً لله تعالى إلا لحسنه، فالقبيح: اسم لما ينبغي أن يعدم في الحكمة بخلاف الحسن، وقد ذكرنا ان النهي لغة لبيان أنه مما ينبغي ان يعدم على خلاف الأمر، فدل النهي على قبح المنهي عنه كما دل الأمر على حسن المأمور به تحقيقاً للمخالفة.
فإن قال قائل: فهلا قيل إن النهي ورد لحسن الانتهاء كما قيل في الأمر أنه ورد لحسن الائتمار؟
قلنا: لأن المطلوب بالأمر فعل، والفعل حادث يكون من العبد، فالصفة التي لأجلها صح الأمر لا بد أن تثبت لذلك الحادث.
فأما المطلوب من النهي أن لا يوجد المنهي عنه من قبل العبد ويبقى عدماً كذلك، والعدم الأصلي لا يكون بعلة ولا مضافاً غلى العبد حقيقة فلا يصح النهي لحسن الانتهاء فإنه ضرب فعل من العبد، وفعل العبد غير مطلوب بالنهي، بل المطلوب أن لا يوجد من قبله ذلك الفعل، وأن لا يوجد المعدوم ولا يتعلق بسبب موجب للعدم بل بانعدام أسباب الوجود فوجب ضرورة أن يقال: إن النهي صح لقبح الفعل المنهي عنه على خلاف الأمر، فإنه لحسن الفعل المأمور به يصير الفعل المسمى بالأمر مما ينبغي أن يوجد، وبالنهي مما ينبغي أن يعدم، ولهذا يصير العبد منتهياً بالنهي أولى إذا لم يوجد منه فعل المنهي عنه، ولو كان الانتهاء مطلوباً به حقاً لله تعالى لما أمرنا بالصوم وتأدية بالترك لم يكن الترك صوماً لله تعالى إلا على وجه يضاف وجوده إلى العبد بحق الأمر من الله تعالى من قصد لما فيه من منع نفسه عن اقتضاء الشهوات، وغنه ضرب فعل لأنه يثبت بالأمر ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
يتصور إلا بفعل يوجده وهذا كما قالوا- فيمن حلف وقال لامرأته: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق، ثم قال: لا أشأ- لم تطلق حتى يموت لأنه علق بعدم المشيئة لا بفعل سماه والعدم لا يتحقق إلا بالموت.
ولو قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق حنث إذا قال أبيت طلاقك لأن الإباء اسم لضرب فعل كالصوم وله حد يعقل فثبت ان الواجب بالنهي أن لا يوجد الفعل المنهي عنه من قبله، فغن دعته نفسه إلى فعل المنهي عنه فعليه الآن أن يمنع نفسه عن ذلك بالرد عليه وينتهي عنه ولا يطيعه ضرورة أنه إن لم ينته وجد منه ما نهي عنه فصار مرتكباً للنهي فيصير الانتهاء حسناً الآن مقتضى الفرار عن ارتكاب النهي لا لنفسه فيصير من قبيل الأمر الذي حسن لغير المأمور به، فلا يلزمه غلا بقدر ما يتعلق به حصول المقصود وبقدر ما يتعلق به المقصود يلزمه لله تعالى فيكون عبادة فإنها اسم لفعل يأتي به العبد تعظيماً لربه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
القول في صفة قبح المنهي عنه وحكمه
النهي على أربعة أقسام في هذا الباب، كالأمر في حق الحسن.
- منه ما ورد لقبح الفعل المنهي عنه في عينه.
- ومنه ما ورد لقبح في غيره.
- والذي قبح في عينه نوعان:
- ما قبح وضعاً.
- وما التحق به شرعاً.
والذي قبح لغيره نوعان:
- ما صار القبح مهم وصفاً.
- وما جاوره جمعاً.
- أما الأول: فكالسفه والعبث، فواضع اللغة وضع الاسمين لفعلين عرفهما قبيح في ذاتهما عقلاً.
- وأما الثاني: فكالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين، والصلاة بغير وضوء، فالبيع في نفسه مما يتعلق به المصالح ولكن الشرع لما قصر محله على مال متقوم حال العقد، والماء قبل أن يخلق منه الحيوان ليس بمال صار بيعه عبثاً لحلوله في غير محله كضرب الميت وقتل الموات وأكل ما لا يتغذى به.
وكذلك الشرع قصر اهلية العبد لأداء الصلاة على حال طهارته عن الحدث فصار فعل صلاته مع الحدث عبثاً لخروجه من غير أهله، نحو كلام المجنون والطائر فالتحقا بالقبيح وضعاً بواسطة عدم الأهلية والمحلية شرعاً.
- وأما الثالث: فنحو البيع بشرط فاسد، وبيع الدرهم بالدرهمين فالنهي ورد بمعنى الشرط والشرط غير البيع، وبيع الربا منهي عنه لعدم شرط المماثلة الذي علق الجواز به فالمماثلة شرط زائد على البيع فتمامه بوجوده من أهله في محله والمحل قائم شرعاً مع المفاضلة فإنهما مالان متقومان.
وأما الرابع: فنحو البيع وقت النداء يوم الجمعة، والصلاة في أرض مغصوبة، والنهي ورد لمعنى الاشتغال بالبيع عن السعي إلى الجمعة، وبين الاشتغال والبيع مجاورة فما هو من البيع في شيء، والنهي عن الصلاة في أرض مغصوبة جاء لمعنى الغصب، وما هو من الصلاة في شيء فغصب الأرض في شغلها بنفسه لا بصلاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
وحكم القسمين الولين أنهما حرامان غير مشروعين أصلاً لأن القبح صار صفة لعينه، والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مشروعاً، فالشرع ما جاء إلا لشرع ما هو حسن ورفع ما هو قبيح.
وحكم القسمين الآخرين: أنهما دليلان على كون المنهي عنهما مشروعين لأن القبح ثابت في غير المنهي عنه فلم يوجب دفع المنهي عنه بسبب القبح والقبح في غيره.
وهذا مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى على ما نبينه في الباب الذي يليه.
قال الشافعي رحمه الله: النهي على أقسام ثلاثة، فالقسم الثالث الذي ذكرناه من جملة ما قبح لمعنى في عينه شرعاً، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
القول في النهي المطلق ماذا حكمه؟ وإلى أي قسم ينصرف؟
قال علماؤنا: مطلق النهي عن الأفعال التي تتحقق حساً ينصرف إلى القسم الأول.
وعن التصرفات والأفعال التي تتحقق شرعاً نحو العقود والعبادات ينصرف القسم الثالث إلا بدليل.
وقال الشافعي رحمه الله: النهي في البابين يدل على قبحه لمعنى في عينه، ويكون نسخاً لما كان مشروعاً إلا بدليل.
ويحتمل أن يقال ينصرف إلى القسم الرابع بلا تفصيل.
ويحتمل الانصراف إلى القسم الأول غير أني لم أقف على هذين القولين الاخرين من السلف.
وإنما قلنا يحتمل لأن النهي للمنع عن الفعل والقبح يثبت ضرورة ومقتضى فيثبت الأدنى وذلك في القسم الرابع كما قلنا مثله في المر في صفة الحسن.
ويحتمل أن يقال: إن النهي عن الفعل تقبيح كالأمر تحسين فيثبت الأكمل كما في الأمر.
والحجة للشافعي أن النهي ضد الأمر فلما كان الأمر شرعاً للمأمور به كان النهي رفعاً للمنهي عنه إلا بدليل.
ولن الأمر شرعاً لتحسين المأمور به في نفسه إلا بدليل فكذلك النهي يكون لتقبيحه في نفسه.
وكذلك التحريم والإحلال متضادان فيرتفع بأحدهما الآخر.
ولأن الشرع ابتلاء من الله إيانا بما أمر ونهى وأحل وحرم بأصل الحكم، ثم الفعل بناء عليه فيتعين بهما أصل الحكم ثم الأداء ألا ترى أن الشرع نهانا عن الصلاة محدثاً، وعن نكاح المعتدة وبغير شهود، فلم يبق المنهي عنه مشروعاً، وغن كان النهي ورد لدخول زيادة أو لفقد شرط زائد على أصل الاسم.
ولأن أدنى درجات المشروع ان يكون مباحاً في نفسه، ثم مندوباً إلى فعله، ثم واجباً، ثم فرضاً.
والربا حرام في نفسه فلم يجز أن يكون مشروعاً لأن الله تعالى كما قال: {وحرم عليكم الربا} قال: {حرمت عليكم أمهاتكم} ثم لم يبق نكاح الأم مشروعاً بتحريم مضاف إلى الأم فلأن لا يبقى الربا مشروعاً والتحريم مضافاً إليه أولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
ولا يلزمنا قولنا: أن الظهار حرام وأنه سبب مشروع لإيجاب الكفارة، لأن الكفارة تجب جزاء على ارتكاب حرام في الأصل زجراً كالحدود فلا تكون أسبابها مشروعة، ولا حسنة، فأسبابها في الحقيقة المعاصي التي هي غير مشروعة.
ولا يلزمنا قولنا: إن طلاق الحائض مشروع وقد نهينا عنه لأن الطلاق مشروع بسبب ملك النكاح، والحيض صفة المرأة غير موجب خللاً في ملك النكاح، والنهي جاء لأجلها فكان لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل به إلا على سبيل الوجود معه فكان من القسم الرابع.
ولا يلزم استيلاد الرجل امة بينه وبين شريكه فإنه سبب مشروع للنسب وتملك نصيب الشريك وأنه حرام، لأن سبب النسب وطؤه ملك نفسه والحرمة لملك الشريك وانه مجاور لملكه لا أن يكون وصفاً له، وإنما تملك نصيب الآخر لصحة النسب ولا حرمة فيه، وإنما الحرمة في وطئه نصيب الشريك.
ولا يلزم الإحرام مجامعاً لأهله فإنه مشروع وفاسد وحرام ومنهي عنه، لأن الفساد او النهي جاء لمعنى الجماع، وأنه غير الإحرام فلا يصير وصفاً له ولا لما لا يتعلق به صحة الإحرام.
والحج من وقت أو مكان أو فعل، وإنما يوجد معه على سبيل المجاورة فلا يرفع أصل صحة الإحرام وكان من القسم الرابع ألا ترى ان القضاء لازم والشروع في الفساد لا يوجب القضاء بحال، وإنما الجماع منه محظور فيه غير مشروع مفسد للحج كالكلام للصلاة والحدث للطهارة، غير أن الحج لا يحتمل النقض بالأسباب الناقضة من الجماع، بخلاف الصلاة والصيام فلا يخرج من الحج لعجزه، وإذا لم يخرج منه وقد تحقق المفسر من قبله لزمه المضي ضرورة ليخرج عنه بالداء لما شرع، ويلزمه القضاء بإفساد الأول وباب الضرورة مستثنى عن أصل القياس ولذلك أبقينا طوافه مشروعاً مع فساده.
وكلامنا أن النهي لرفع المشروع في وضعه لا أنه لا يجوز الامتناع عن عمله بمانع بل جائز ذلك بدليله كما يجوز مثله في العلل كلها.
ولأن الكلام وقع في تحريم الله تعالى ونهيه عما كان شرع، لا في تصرف جاء من العبد ومفسد تحقق من قبله فما إلى العبد تغيير المشروعات في أنفسها، ولكنه إذا لم يؤدها بشرائط صحتها بقي تحت الوجوب، وإذا ارتكب ما يفسدها أفسد بقدر ما تحتمله العبادة شرعاً.
والحج شرعاً يحتمل الفساد من حيث يجب القضاء ولا يحتمل الارتفاع أصلاً فلم يقدر عليه لعجزه، وإذا كان الرافع من الله تعالى عمل لأنه لا يوصف بالحجة عليه.
ولهذا قلنا: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة علقت بسبب مشروع لها وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
النكاح أو الوطء الحلال فلم يكن الحرام المحض سبباً لها.
وكذلك الملك لا يثبت بالغصب وإن ضمن الغاصب لأن الملك نعمة علقت بأسباب مشروعة فلم يكن الحرام المحض سبباً للملك، والزنا حرام محض، وكذلك الغصب، وكذلك رخص السفر لا تثبت للعبد الآبق لأن الرخصة نعمة علقت بالسير المديد لغرض مباح او مندوب إليه فلا يثبت بالإباق عن المولى فإنه حرام محض.
وكذلك قال: الدهن النجس لا يجوز بيعه لأن النجاسة بعد إخراج الفأرة منه صفة لازمة للدهن فصارت بمنزلة نجاسة ودك الميتة.
واحتج محمد بن الحسن لتصور صوم يوم النحر مشروعاً بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم النحر وقال: "إنها أيام أكل وشرب" ويقال إنما نهانا عن فعل يتكون أو لا يتكون؟.
فغن النهي عما لا يتكون لغو، فإنه لا يقال للأعمى لا تبصر ولا للآدمي لا تطر.
فلما نهى عن الصوم، والمراد به صوم شرعي فنفس الإمساك للحمية او المرض غير حرام علم به أنه متصور منا شرعاً، ولأن الصوم اسم شرعي لعبادة خاصة كالحج فمطلقه ينصرف إلى حقيقته بتسمية الشرع دون اللغة لأن مطلق الاسم لحقيقته المتعارفة إلا بدليل، ولهذا لما قلنا: أن النهي طلب إعدام المنهي عنه من قبل العبد بامتناعه عن فعله، وإنما ينعدم بامتناعه إذا كان بحيث يتصور منه موجوداً بفعله بخلاف النسخ لأنه تبديل لما كان فكان تصرفاً من الله تعالى في المشروع بتبديل، وهذا تصرف في منع العبد عن الأداء، وكذلك الأمر تصرف في إيجاب الفعل فلا يرتفع بالنهي أصل الحكم، ولكن يرتفع ما لزمنا من الأداء بالأمر فيحرم فعله.
وإذا ثبت هذا علم أن المنهي عن فعله من المشروع مما لا ينعدم بالنهي فبقي مشروعاً لكن حرم الفعل الذي هو سبب لوجوده مؤدى.
ولأنا ذكرنا ان الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يوجد من المأمور، والنهي لبيان أن المنهي عنه مما ينبغي أن يعدم من قبله فيرتفع بالنهي عن المأمور به قدر هذا الوصف، ودل وجوب الانعدام بتركه على بقائه مشروعاً بحيث يوجد لو فعله.
ولما بقي مشروعاً بحيث يوجد بفعله لو فعله فلم يقبح الفعل في نفسه لأنه لم يصر عبثاً لما تصور، ووجب إثبات القبح في غيره ليمكن تحريم الفعل بذلك الغير، لكن نثبته على وجه يكون ألزم فنجعله قبيحاً عند الإطلاق لوصف زائد متصل به ما أمكن كما نثبت الحسن في الأمر صفة للمأمور به على وجه يكون ألزم وهو الإثبات لعينه فإنه يوجب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الأداء لحسنه، وإثباته لعينه يحقق الوجوب عليه والوجوب من قبله.
وفي النهي متى أثبت القبح لعينه انعدم المنهي مشروعاً في نفسه، والنهي للانعدام بانتهاء العبد فلم نثبته لعينه ليبقى مشروعاً، وأثبتناه وصفاً له ما أمكن لتكون حرمة الفعل لازمة أبداً لمعنى راجع إلى المنهي عنه لأن الوصف منه، وإذا كان الفعل مما لا يتصور حساً كشرب الخمر والزنا انصرف إلى قبح غي عينه، لأنه مع قبح عينه مما يتصور وجوده منا فيتعلق العدم بامتناعنا عنه، فلما تصور الانعدام بامتناعنا عنه أثبتنا القبح لعينه كما أثبتنا بالأمر الحسن لعينه لما تصور الوجود بفعلنا معه هذا هو الحقيقة من المر والنهي إلا بدليل.
وكذلك تحريم البيع والأفعال الشرعية دليل على بقائها مشروعة، لأن الحرمة صفة لما سماه الشرع فينبغي أن يكون المسمى متصوراً ليمكن إثبات الوصف له فإنه لا يثبت بدون الموصوف كتحريم العين باسمه دليل على ثبوت المسمى ليثبت الوصف له.
وإذا وجب إثبات المسمى وجب إثباته على حقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه.
غير أن اسم العين لا يبطل بأن يحرم أصل الفعل فيه، ويصير غير مشروع فيه فيثبت ومتى حرمنا أصل الفعل في الشرعيات وجعلناها غير مشروعة بطل حقيقة الاسم للمسمى كتحريم الربى، فالربا: اسم لضرب بيع، وأنه ما لم ينسخ لم يحرم أصل المعاقدة، ولم يخرج من أن يكون مشروعاً ومتى انتسخ بقي الاسم له مجازاً فثبت أن الحقيقة في الجمع بين صفة حرمة وبين المسمى إلا أن لا يمكن.
وفي باب ملك اليمين إثبات صفة الحرمة مع بقاء الملك مشروعاً كالعصير يتخمر فأمكن ذلك فيما شرع سبباً لملك اليمين.
ولأن المشروع ثابت مشروعاً بشرع الله تعالى وتقديره كالمخلوق حادث بخلق الله تعالى وتقديره، فلم يجز أن يوصف بأنه حرام شرعاً أو قبيح شرعاً.
فالقبيح شرعاً ما كانت الحكمة في إعدامه، وهذه مما كانت الحكمة في إيجادها، وإنما أضيفت الحرمة الشرعية إليها على معنى أنها أسباب لحرمة أفعالنا فيها بخروجها من أن تكون محال لها شرعاً بالأسباب التي ذكرت.
والعين باسمه يبقى على الحقيقة مع خروجه عن محلية الفعل المشروع الذي نهينا عنه فجمع بين الأمرين.
وأما المشروع من العقد والعبادة فلا يبقى على الحقيقة متى لم يبق بحيث يوجد بالمباشرة لأنه اسم لما يوجد بالمباشرة لا لموجود للحال، ولا أيضاً يصير سبباً لحرمة الإيجاد متى لم تتعلق الحرمة بوصف قائم به فإنه متى كان لمعنى في غيره مجاور كان السبب ذلك المعنى لا هذا المسمى وحاصل الأمر أن النسخ رفع للمشروع ثم ينعدم أداؤنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
بانعدام المشروع، والنهي تحريم للفعل ثم ينعدم المشروع بامتناعنا عن الأداء فلم يجز أن يجعلا باباً واحداً.
فأما قوله: إن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحاً فعله، فكذلك في أصله ولكنه جائز أن يحرم بعارض لا يرفع أصله ولا يفارقه فيحرم بالعارض الذي هو غير مشروع لا بالمشروع، كالطواف مشروع مباح صحيح مندوب إليه، وبعد الجماع يفسد ويبقى مشروعاً فاسداً، فدلنا بقاء الطواف مع صفة الفساد مشروعاً، وهو عبادة بدنية بأي سبب كان الفساد، على أنه ليس بوصف يرتفع به أصل المشروع بمنزلة ملك اليمين حيث لم يرتفع بالحرمة.
ثم أثر الضرورة التي ذكرها الخصم ثابت في حقنا بأن عجزنا عن نقض الحج ولزمنا المضي مع الفساد، وإن كان الفساد سبيله الترك، فأما البقاء مشروعاً مع الفساد فبحكم الله وتقديره، والله تعالى قادر على أن يرفعه به كما رفعه بالإحصار.
والخمر مملوك ملكاً شرعياً وأنه حرام لا يجوز الانتفاع به بوجه.
والصيد المملوك بعد الإحرام ملك، والانتفاع به والتصرف حرام لأن الحرمة تعلقت بوصف زائد عارض وهو الأمر الثابت له بإحرامه أو بالحرم، وأمكن الجمع بينهما لأن ملك التصرف غير ملك الرقبة.
وكذلك الدهن إذا تنجس بمجاورة الفأرة حتى صارت النجاسة صفة لازمة له فبقيت بعد إخراج الفأرة لا يحرم أصل الدهن ولا الانتفاع به إلا ما لا يتأدى مع النجاسة، لأنه لم يغير أصله كالنجاسة بالثوب، بخلاف ودك الميتة لأن النجاسة للعين بالشرع ولا مجاورة بين العين والشرع، والشرع مبدل بأن كان ظاهراً فجعله نجساً بالتحريم، وكذلك النهي عن بيع وشرط، فالنهي جاء لمعنى الشرط وأنه شيء زائد جاوره وصفاً له لازماً لأن الشرط لو كان يصح لصار من حقوقه لازماً إياه قل لزوم أصله فصار حرمتها بسببه مثل حرمة الدهن بسبب النجاسة المجاورة فتغير الوصف إلى حرمة وفساد ولم يتغير الأصل.
وكذلك النهي عن صوم يوم النحر فإنه جاء لوصف زائد في الوقت الذي لا يتأدى إلا فيه وهو اليوم فإنه عين للصوم ضرعاً على مخالفة الليل بأن عين للفطر، ثم عين يوماً للفطر بصفة زائدة وهو العيد فبقي محلاً للصوم بأصل اليوم، ومحلاً للفطر بصفة أنه عيد فبقي الصوم بأصله مشروعاً وبوصفه غير مشروع.
ولا يلزم النكاح بغير شهود فإنه غير موجب للملك لأن الأصل الذي قلنا في النهي عن طلب العقد الذي هو طلب الإعدام من العبد بالانتهاء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بشهود" إخبار عن عدمه دونهم كقوله: لا زيد في الدار، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
بوضوء". ولا يلزم نكاح المعتدة عن الغير لأن الحرمة ثابتة بتحريمها لا بتحريم العقد عليها لأن قوله تعالى: {والمحصنات من النساء} عطف على قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} أي وحرمت المنكوحات، وإنما حرمت المنكوحة كالأم على غير الزوج صيانة للأنساب، دلنا ذلك على حرمة المعتدات بلا نكاح قائم لأنها لا تجب إلا لما صار معتبراً شرعاً من وجه.
ولا يلزم قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} فإنه إخبار عن تحريم العقد والوطء جميعاً، ولم يبق مشروعاً لأن معناه: وحرمت الأختان جمعاً بعقد أو وطء لأنهما عطفتا على الأمهات ولا يعطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، وإنما يعطف الاسم على الاسم والفعل على الفعل فلذلك وجب الحمل على المعنى الذي قلناه ليكون عطف اسم على اسم ولا يلزم {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} لأن الدليل قام على أنا نهينا عنه لحرمة المحل علينا شرعاً كالأم لقيام الصهرية مقام النسب في هذا الباب شرعاً حتى كانت حليلة الولد بمنزلة البنت وذكرت في المحرمات.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تنكح الأمة على الحرة" إخبار وليس بنهي ولأن العقد حرم على الأمة لكونها محرمة في هذه الحالة- على ما بينا في النكاح- لأن الحل الذي ثبت به محلية النكاح يتصف بالرق فبقي محللة مع الحرة قبلها لا بعدها لتكون على النصف بقدر ما يمكنه إثبات التصنيف في قبول النكاح مقابلة للحرة، كما لم يحل للعبد إلا امرأتين وحل للحر أربع، ولأن ملك النكاح متى وصف بالحرمة لم يبق كما إذا اعترض رضاع فكذلك سببه إذا وصف بالحرمة لا يبقى لأنه مشروع لملكه، فلما لم يمكن الجمع بينهما تركت الحقيقة.
وأما سفر الآبق فمشروع بسبب رخصة من حيث أنه سير مديد، والمعصية ثابتة صفة للعبد لا للسير بامتناعه على مولاه حتى إذا جاء الإذن ذهبت المعصية، وإن سار وبقيت المعصية مع الامتناع عليه وإن ترك السير.
والغصب سبب ملك من حيث أن المشرع جعله سبب ملك للمغصوب منه بدل ماله كالبيع لا من حيث أنه أخذ بغير حق.
والزنا سبب للمصاهرة من حيث أنه حرث للولد وأنه ثابت بخلق الله تعالى لا بمعصيته.
والظهر يوم الجمعة مشروع لأنه معلق بزوال الشمس من اليوم ونهينا فيه عنه لأن الشرع أمرنا بأداء الجمعة مقامه فصار نهياً لمعنى في غيره كالبيع وقت النداء في هذا اليوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وكذلك إذا صلى النفل وقت الطلوع كان نفلاً مشروعاً، وقد نهينا عنه لأن أصل الصلاة مشروع بأصل الوقت والنهي جاء لوصف زائد وهو أنه وقت مقارنة الشمس قرن الشيطان فبقي الأصل مشروعاً ولم ينعدم وإن لزمه الترك بوصفه.
وقلنا إذا أدى في ذلك الوقت فرضاً لزمه بوقت آخر مطلق عن النهي لم يجز لأن الوقت لما لم يبق وقت صلاة بوصفه لم يوجد بالوصف فلا تتأدى بها صلاة مشروعة عليه بأصلها ووصفها كما لا يتأدى بصوم يوم النحر صوم واجب مطلقاً.
وإذا نذر صوم يوم النحر أو صلاة وقت الطلوع لزمه لأنه لما بقي مشروعاً نفلاً صح الإيجاب بالنذر لأن الشرع شرع النذر لإيجاب ما هو نفل من الصيام والصلاة، ولكن لا يؤدي فيهما لأن الأداء فيهما صار حراماً لوصفه فلا يلزمه ما حرم، وانعدم ولزمه ما بقي، وإذا أدى خرج عن النذر لأن الوصف لم يلزمه لما لم يبق الوقت محلاً له فيؤدي كما وجب وإنما لا يلزمه الأداء فيه لأنه معصية فلم يجب بالنذر، لأن الواجب عليه صوم مطلق وقد أضافه إلى محل لم يبق فيه صوم مطلق، وها كما يجوز أداء العصر وقت الغروب لأنه وجب لوقته كما يحتمله الوقت وقد أدى كذلك ولو أدى فيه الظهر لم يجز لأنه وجب مطلقاً، ونظيره أنه لا يتأدى عتق وجب في كفارة يمين بتحرير رقبة مطلقة بالعمياء فإنها مستهلكة من وجه، ولو نذر أن يعتقها صح النذر لبقاء أصل التحرير ويتأدى الواجب بإعتاقها وكذلك أم الولد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
القول في بيان أسباب الشرائع
قال العبد رضي الله عنه: إن أصل الدين وفروعه من العبادات والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسباباً لها بدليلها سوى الأمر، وإنما الأمر لإلزام أداء ما وجب علينا بسببه، كما يقول البائع للمشتري: اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلباً للأداء لا سبباً للوجوب في الذمة.
وقد بينا في آخر الكتاب في فصل أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه أن أداء الواجب في الذمة لا يجب بحق الوجوب بل بالطلب من مستحقه، وذلك بالخطاب، والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب عرفنا شرع الله تعالى على هذا بدليله مع استقامة الإيجاب بمجرد الأمر وذلك لما ذكرنا في ذلك الباب أنا نجد وجوب حقوق الله تعالى على من لا يصح خطابه، نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر جنونه، وإن استغرق وقت العبادة، وكذلك الصبي على أصل الشافعي يلزمه الزكاة وكفارات الإحرام والقتل وإن كان طفلاً لا يصح خطابه، فعلمنا بذلك أن الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم، وإنه كان لزمهم حقوق العباد بمداينة الولي عليهم ويعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو الملك، وقد صح في حقه.
ألا يرى أن وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحداً من هؤلاء أداء حقوق الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلاة تجب مكررة، وكذلك سائر الحقوق، إن كان الأمر بالفعل لا يوجب تكراراً بحال أطلق أو علق بوقت.
فإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالي لم يملك إلا مرة واحدة، وكذلك إذا قال: حين تصبح أو تمسي، أو قال: لمجيء غد كمال قال الله تعالى: {وأقيموا الصلاة} وقال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ونحوها، وكما لم يجب التكرار بهذه النصوص علم أن التكرار بسبب موجب يتكرر كل حين الوجوب.
فنقول وبالله التوفيق:
إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى، كما هو الآيات الدالة في العالم على حدوث العالم، وهي دائمة أبداً لا يحتمل زوالها عنه، فدام وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل، وإنما يسقط الأداء في بعض الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع الوجوب عليه لعجزه، وقد شرحناه في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه.
وسبب وجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرار الوجوب بتكرار الأوقات فإنها لو كانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
شروطاً لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها.
ولم يعقل غير الخطاب سبباً آخر للوجوب مع الوقت فلما بطل أن يكون الخطاب موجباً للتكرار فكان سبباً لوجوب أداء ما لزمه في ذمته بسبب آخر بقي الوقت مناسباً بنفسه، وكذلك يضاف إليه فيقال؛ صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شيء يدل على حدوثه به كقولك: عبد الله وكفارة القتل، وهذا كسب فلان وتركته وقتله، والوجوب هو الحادث فدل أنه كان بالوقت، وقد يضاف إلى الشروط لكنه مجاز لما أن الحكم وجد عنده فأشبه العلة التي يوجد الحكم عندها بها ولكن الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه.
وكذلك الله تعالى قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} واللام تذكر للتعليل في مثلها كما تقول تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، فثبت أن الوقت هو السبب، وكل جزء من الوقت سبب تام، فإنه لو كانت السببية تتعلق بالجميع لوجبت الصلاة بعد الوقت كالزكاة بعد الحول.
وكذلك تجب على الصبي إذا بلغ لآخر الوقت، ولو كان السبب أول الوقت لما وجب كما لو بلغ بعد الوقت.
وكالصبي المسافر في رمضان إذا بلغ بعد رمضان ثم أقام لا يلزمه شيء، وإن كان البالغ في مثله يلزمه حين الإقامة لأن السبب في حق المسافر البالغ هو رمضان لا حين الإقامة فلا يلزم لحين الإقامة إلا من كان أهلاً للوجوب عليه في الشهر لولا السفر.
وأما الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال: صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة مع الوقت، وقال صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته" كما قال الله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وقال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} علق إيجاب الأداء بشهادة الشهر فعلم أنها سبب الوجوب حتى استقام طلب الأداء بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئاً فليؤد ثمنه، أي الواجب بالشراء إلا أن الدليل قام لنا بإباحة الله تعالى الأكل في ليالي الشهر كلها، وبأن لا يجوز فيها صوم إذ المراد بالشهر أيامه، وكذلك الصبي إذا بلغ لأول الصبح لزمه الصوم وإن لم يشهد الليل.
فإن قيل: انتفاء جواز الأداء ليلاً لم يدل على خروجه عن كونه سبباً للوجوب!
قلنا: إن المطلوب من الإيجاب الأداء، وفي جعل الله تعالى وقتاً سبباً لوجوب عبادة بيان شرف ذلك الوقت لحق العبادة، والعبادة في الأداء دون الإيجاب فإنه صنع الله تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
فلم يستقم الوقت المنافي للأداء شرعاً سبباً لوجوبه فعلمنا أن الأيام هي الأسباب، وكل يوم سبب لصومه على حدة، حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه ما مضى، وإنما يلزمه ما بقي ولأن الصيام متفرق في الأيام تفرق الصلوات في اليوم والليلة بل أشد فإن أوقات الصلاة كانت متفرقة بأن لم يجز أداء الظهر في وقت الفجر وفات بمجيء وقت العصر قبل أداء الظهر وهذا المعنى فيما نحن فيه موجود وزيادة وهو أن بين كل يومين ليلاً لا يصلح لأداء الصوم لا أداء لما يجب ولا قضاء لما مضى ولا نفلاً.
فصل
وسبب وجوب الزكاة: النصاب من المال الذي عرف في الزكاة، بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف النصب في وقت واحد، وبدليل الإضافة إليه فيقال: زكاة مال السائمة، وزكاة مال التجارة وقال صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى"، وقال لمعاذ: "ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" والغنى يكون بالمال.
فإن قيل: إن الزكاة في مال واحد تتكرر بتكرار الحول فعلم أنه سبب؟
قلنا: نعم لأن المال إنما يصير سبباً ونصاباً إذا أعد للنمو بسببه من تجارة أو سائمة، فبهذا الوصف يصير مال الزكاة فيصير السبب هو الوصف في الحقيقة فإنه الجاعل للمال سبباً، والنمو لا يكون إلا بمدة فقدر الشرع بالحول تيسيراً علينا فقام الحول مقام النمو الذي به يصير المال سبباً، ولما قام مقام السبب تكرر بتكرره وفي الحقيقة التكرار بتكرار النمو فإن الذي يوجد في حول يجيء غير الذي مضى في الحول الأول.
وسبب وجوب العشر الأراضي النامية ونموها بما نستنبتها، وكذلك الخراج بدلالة أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض ولا يجبان إذا اصطلم الزرع آفة قبل حين الوجوب لذهاب النماء، ثم تكرر الوجوب بتكرر الحول في الخراج وفي العشر بتكرر الخارج على مثال تكرر الزكاة بتكرر الحول لا فرق بينهما.
وسبب وجوب الجزية الرؤوس بأوصاف معلومة لأنه يقال: خراج الرأس، ويتضاعف بعدد الرؤوس وتكرارها بالحول على نحو تكرار الزكاة.
وبيانها أن أهل الذمة يصيرون من أهل الإسلام بالذمة كالمسلمين، والله تعالى فرض على المسلمين نصرة الدار بقتال أهل الحرب كما ينصر كل قوم دورهم إذا قصدهم عدو، وأهل الذمة لم يصلحوا لذلك فإن القتال نصرة لدار الإسلام ودين الله تعالى عبادة، وليسوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
هم بأهل لها فضرب الشرع على الرؤوس الصالحين للقتال لو كانوا مسلمين مالاً للمقاتلة من المسلمين ليكون المال عوناً لهم فيحصل بأموالهم بعض النصرة، ثم النصرة بالقتال كان يجب متكرراً غير دائم فكذلك المال الذي هو بدله إلا أن الشرع قدره بالحول تيسيراً للعمل به وتشبيهاً بالمؤن الشرعية.
أما الحج فسبب وجوبه: البيت دون الوقت، بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت، وإنما يجب مرة لأن السبب هو البيت وإنه لا يتجدد بتجدد الوقت، وكذلك يضاف إلى البيت فيقال: حج البيت قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} إنما الوقت شرط عنده يجب كحين الإقامة في صوم المسافر، وفيه يؤدى كوقت الصلاة واليوم في حق الصوم والأداء.
وأما الاستطاعة فصفة للعبد عندها يحل الوجوب به تيسيراً علينا لما في السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة، كالإقامة في باب الصوم وليس بصفة لما هو سبب من البيت فلا يجعل من السبب كالطهارة تجب للصلاة، ولا تجب إلا على المحدث فلم يكن الحدث سبباً للوجوب ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه، فتفسير الاستطاعة ملك الزاد والراحلة، والأداء قبل ملكهما جائز لأن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد، ولذلك لا يتجدد الوجوب بتجدد ملك الزاد والراحلة، ولا يضاف إليهما فصار تأويل الآية- والله أعلم-: ولله على الناس المستطيعين حج البيت حقاً للبيت، واجباً بسببه إذا جاء وقت الأداء.
فإن قيل: إن وقت الحج أشهر الحج وهي شوال إلى العاشر من ذي الحجة، والأداء غير جائز لأول شوال فكيف يقال إنه شرط الأداء، وعلم أنه سبب الوجوب؟
قلنا: قد ذكرنا أن امتناع جواز الأداء شرعاً في وقت يدل على أنه ليس بسبب للوجوب، ثم الجواب أن الأداء جائز في الوقت كله فإن من أحرم بالحج في رمضان وطاف بالبيت وسعى فيه ثم طاف طواف الزيارة فعلية أن يعيد السعي لأنه كان قبل الوقت، ولو طاف وسعى في شوال لم يكن عليه الإعادة لأنه كان في وقته إلا أن للحج أركاناً أخر ولكل ركن وقت على حدة، فلم يجز قبل وقته الخاص، كما لا يجوز طواف الزيارة قبل يوم عرفة وهو وقت أداء الركن الأعظم، ولا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول ولا قبل الزوال، والسعي واجب غير مؤقت بوقت خاص فيؤدى في جميع وقت الحج.
وأما سبب وجوب صدقة الفطر على المسلم: فرأس يلزمه مؤنته بولايته عليه، ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف هذه الرؤوس أحراراً كانوا كالأولاد الصغار أو مماليك، وإن كان يوم الفطر واحداً.
وكذلك يجب على من أسلم ليلة الفطر أو بلغ ولم يكن عليه صوم فعلم أن الصوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ليس بسبب إلا أنها لما ألحقت بمؤنة اليوم كفاية للفقراء تكررت بتكرر اليوم، كما تكررت المؤنة على مثال تكرار الجزية بتكرر الحول لقيامها مقام النصرة وهي متكررة.
فإن قيل: أليس أنه لا يجب على من أسلم بعد الصبح بمضي السبب على المفر؟
قلنا: نعم فإن الرأس ليس بسبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلاً للوجوب فيه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافراً أو صبياً في أشهر الحج كله لا فرق بينهما إلا أن ذلك وقت ممدود، وهذا وقت مقصور وإنما تضاف الصدقة إلى الفطر مجازاً لأنها تجب فيه لا لأنه سبب فطر بدليل ما ذكرنا، ولأن صدقة الفطر لا تجب بيوم الفطر عن رأس آخر غير رأسه ما لم يكن بالوصف الذي قلناه، وذلك الرأس لو جعل شرطاً والوقت سبباً لكان شرطاً من حيث يجب عليه وكان محل الوجوب، وقد قام لنا الدليل أنه لا يجب عليه فإنه يجب عندنا عن عبده الكافر والكافر لا يجب عليه عبادة، ولا صدقة، وإذا لم يكن الرأس شرطاً كان سبباً لا محالة لصفة غير الكفر، فإن الزكاة تجب عن عبده الكافر إذا كان للتجارة والوقت صالح للشرط كوقت الحج فجعل الوقت شرطاً والرأس سبباً.
فأما الكفارات: فأسبابها ما أضيفت إليه كالقتل خطأ واليمين والظهار والإفطار عن صوم رمضان، وكذلك الحدود كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر والسكر.
وسبب وجوب الوضوء الصلاة: يقال إنه طهارة الصلاة ويسقط في نفسه متى سقطت الصلاة، ولكنه لا يجب إلا على المحدث كما لا يجب الحج إلا على المستطيع، والصوم إلا على المقيم، ولأن الوضوء شرط لإقامة الصلاة، والشروط لا تجب إلا لما علق صحته بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة.
وقد ذكرنا سبب وجوب أصل الدين وسبب العبادات، وسبب العقوبات وهي الحدود وسبب الكفارات المترددة بين العبادة والعقوبة.
فأما سبب المعاملات وهو رابع الأسباب: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيها.
وبيانه أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى حين القيامة من طريق التناسل، ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله تعالى له طريقاً يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع، وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء.
ففي الوطء على التغالب فساد.
وفي الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقي على الأم وما بها قوة كسب الكفايات في أصل الجلبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وكذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض فقدر المحتاج إليه لكل شخص لن يتهيأ له إلا بأناس آخرين وبما في أيديهم، فشرع الله لذلك أسباباً للإصابة على تراض ليكون طريقاً لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففي الأخذ بالتغالب فساد.
ويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} والعبادة أعمال بخلاف هوى النفوس، وما خلقها دار نعمة واقتضاء شهوة، وإنما هي دار الآخرة للمؤمنين فعلمنا أنه ما شرع لنا طريق الأكل والوطء وما يقضى من الشهوات بالأموال لأنفسها بل لحكم تحتها ابتلانا بإقامته.
وفي الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له، وعاص لا يعمل فخلق الله الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع لحق الأمر، والعاص لحق الشهوة فيتأدى بالفريقين جميعاً حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعاً في ما فعلوا مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم، فإن الله تعالى قدر أن يكون للنار خلق استوجبوها بما كان منهم، وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استحقوها بما كان منهم جزاء وفاقاً فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره، فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلين بإقامة ما حكم الله تعالى على ما قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس} الآية وإنما كانوا لجهنم بما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال: {فسنيسره لليسرى} {فسنيسره للعسرى} وقال صلى الله عليه وسلم: "كل ميسر لما خلق له" فصار كل منا مبتلى بعمل خلق له في عامة أمره تقديراً أطاع الأمر أو ارتكب النهي اثباتاً لقهر العبودية عليهم، وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار.
فالمطيع في طاعة ربه لأول أمره مبتلى بخلاف هوى نفسه.
والكافر مبتلى في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره، بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
القول في العبادات
العبادات مؤقتة وغير مؤقتة.
فالمؤقتة: ما اختص جوازها بوقت عين، تفوت العبادة بفوته.
وغير المؤقتة: ما لم يذكر لها وقت وكان اعتباره لغواً في حق جواز أدائها.
ثم المؤقتة على ضربين: ما كان الوقت شرطاً لجواز الأداء فيه، دون أن يكون معياراً للفعل المأمور به.
وهو نوعان: وقت عين متوسع.
ووقت عين مشكل توسعه وتضيقه، والضرب الآخر ما يكون معياراً للفعل المأمور به، وهو نوع لا يتصور أن يكون متوسعاً فصارت أقسام المؤقتة ثلاثاً.
- وما ليست بمؤقتة: قسماً رابعاً.
أما الأول فنحو وقت الصلاة كالظهر والعصر ونحوهما.
فالظهر اسم معرفة لسعة من النهار ولا يشاركها سائر الطاعات فيه فكانت معرفة وعيناً لا جهالة فيه بوجه، ولا جواز للأداء إلا فيه، وهو متوسع لأنه يفضل عن أدائها إذا أداها بقدر المفروض وليس بمعيار للفعل المأمور به.
والمعنى بالمعيار الوقت المثبت لقدر الفعل كالكيل في المكيلات، وقدر فعل الصلاة لا يثبت بالوقت بل بأفعال معلومة مما يشاهد من الفاعل من نحو القيام والركوع والسجود فيتم بها قدر ما أمره به من الفعل لا أثر لقدر الوقت في إثبات قدرها بوجه، فإن العبد متى قصر الأفعال تأدت بجزء قليل منه وإذا أطال ركناً منه مضى الوقت قبل أداء ما بقي.
فصل
وأما المشكل فوقت الحج، فالوقت أشهر الحج وهو: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذه أسماء معرفة لشهورها تصير بها عيناً كزيد وأحمد، والسبت والأحد للأيام، والظهر والعصر للساعات، وهذا الوقت من سنته تلك لا يفضل عن حجة لأخرى لكن الحج يجب في العمر مرة واحدة، والله تعالى ما عين أول السنة للأداء فيها حتى يكون الوقت متضيقاً لا يفضل عن الأداء، ولا يعلم يقيناً بالعشر سنين حتى يكون متوسعاً يفضل بعض الوقت عن الأداء فسميناه مشكلاً إن مات فهو متضيق وإن عاش فهو متوسع.
فإن قيل: إذا عاش لم يكن الوقت عيناً والوقت أشهر الحج من سنة من جملة سني عمره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)