وكذلك الله تعالى جعل لمن عليه حق العباد أن يخرج عنه بعين الواجب وبمثله حتى يجب على صاحبه الحق أخذ المثل كما يجب أخذ العين نظراً لمن عليه الحق ليخرج عن عهدة الواجب، فلما كان كذلك في حقوق العباد ففي حقوق الله تعالى أولى لأنه أكرم.
ثم الشرع فرق بين وجوب القضاء والأداء حكماً فجعل من شرط وجوب الأداء مكنة الصبر منه حكمة وعدلاً فقال: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ولأن المطلوب بالأمر فعل مختار على ما عرف، ولا اختيار بدون القدرة والمكنة، ومكنة المال بملك المال لأنه لا يتأدى ما هو عبادة بمال غيره، وإن أذن صاحبه، وغير العبادة وإن كان يتأدى بمال الغير فلا يقدر عليه من عليه الحق بدون الإذن من صاحبه، ويتأدى بدون قدرة بدنه فإنه يأمر غيره بالأداء من ملكه فيصح، وإن عجز هو في نفسه ومكنه البدني بقدرة بدنه لأنه لا يتأدى ببدن غيره بحال.
ثم المكنة التي هي شرط وجوب الأداء حكمة وعدلاً ما لابد لأداء الواجب منه وهي بوجودها بالعمر بقدر ما يتمكن من الأداء بها لجواز الإيجاب على أن يكون الأداء متأخراً عنه إلى حين، فإن كانت المكنة قائمة عند الوجوب ثم زالت بعد التمكن من الأداء لم يسقط الواجب بزوالها، لأن العجز جاء من قبل العبد بالتأخير مع الإمكان فاعتبر في حق الوقت الذي هو ظرف الفعل قدر الإمكان، كما اعتبر في حق الآلة التي يؤدى بها بقدر الإمكان فإن مات بعد أن تعذر أن يقدر، أثم لما فيه الفوت بتأخيره مختاراً ولم تكن الإباحة عذراً له، لما ذكرنا في تأخير الحج على أصل محمد رحمه الله، ولم يأثم قبله لأنه تأخير وإنه مباح له ما لم يصر تفويتاً على ما مر أن نفس الوجوب لا يوجب البدار إلى الأداء لازماً إلا بطلب صاحبه، وإن لم تكن المكنة قائمة عند الإيجاب ولم يقدر حتى مات لم يؤاخذ به لأنه لم يصيب المكنة وإنها شرط ليجب الأداء، وما لم يجب لم يأثم بتفويته.
ومن الأداء ما لا يجب إلا بقدرة زائدة على المكنة ميسرة للأداء رحمة من الله تعالى وفضلاً على ما قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال: {ويضع عنهم إصرهم}.
ومن حكم هذه القدرة: أن دوامها شرط لبقاء أداء الواجب كما يشترط للابتداء بخلاف الأولى لأنها شرطت بقدر المكنة، وإنها تحصل بالتمكن من الأداء فلم تشترط أمد منه، وهذه شرطت ميسرة وهي في الزيادة على قدر المكنة فلم يتقدر الوجوب بقدر المكنة من الفعل في حق الوقت الذي هو ظرف كما لم يجب بقدر الممكن من حيث الآلة التي بها يتأدى فبقي متعلقاً بالزيادة عليه، وهي في الدوام، ولأن القدرة الميسرة متي شرطت للوجوب كانت مغيرة لصفة الوجوب بأن تجعله خفيفاً سهلاً بالحال التي تعلق الوجوب بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
التي تثبت له بها زيادة القدرة، وإذا وجب خفيفاً لا يبقى إلا كذلك، كما إذا وجب بقدر ناقص لا يبقى إلا كذلك وبيانه فيما قال علماؤنا: أن العشر يسقط بهلاك الخارج بعد التمكن من الأداء، لأن الوجوب متعلق بسلامة الخارج وبه إثبات تيسير الأداء لا الإمكان فإن الإمكان ثابت بمال آخر ولكنه من الخارج الذي هو نماء أيسر لئلا ينقص أصل ماله به، وكذلك الخارج لا يجب بإمكان الأداء نفسه فإن لا يجب إذا أهلك الخارج أو إذا نزت الأرض، وفسدت قبل وقت الوجوب وإن أمكنه الأداء بمال آخر، وإنما يجب إذا سلم له الخارج حقيقة أو اعتباراً وهو في أن يكون بحيث لو انتفع بها سلم له الخارج، ولكن حرم بسبب أنه لم ينتفع به فاعتبر سالماً حكماً بقيام صلاحها له وفوت السلامة من قبله لا بأنه لم يزرع ولم يأمر، ولما تعلق بسلامة الخارج صار كالعشر.
وكذلك لا يجب الخراج إذا قل الخارج إلا الأقل من الموظف، ومن نصف الخارج ليكون بعض الخارج له على كل حال، ولا ينتقص به أصل ماله إلا بسبب تقصير جاء منه في الانتفاع بالأرض.
وكذلك الزكاة تسقط بهلاك النصاب بعد التمكن من الأداء لأنها لا تجب إذا هلك قبل التمكن، وإن قدر على الأداء بمال آخر فثبت أن الشرط سلامة النصاب لتيسير الأداء عليه بقليل من كثير مال نام ينجبر ما انتقص منه بالأداء بنموه إلى زوائد في سنته في الأغلب فصار كالعشر أيضاً فيشترط دوام القدرة بذلك المال ما لم يفت، ولا فوت بالتأخير لأنه غير مؤقت.
وكذلك دوام القدرة على التفكير بالمال شرط لبقاء وجوبها على العبد لأن الله تعالى لما أسقط المالية إلى الصوم بعدم المال عند الوجوب علم أن الشرط لوجوبه ليس أصل المكنة فأصلها مما يثبت بعده في العمر على ما مر، ولكن الشرط قدرة ميسرة حال الوجوب حتى سقطت بالعدم إلى الصوم ليبرأ عنها بصوم الممكن ولا تبقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يقدر في الثاني، ولما صار الشرط قدرة ميسرة اعتبرت دائمة ما بقيت أداء، والكفارة غير مؤقتة فلا تصير فائتة بالتأخير، بخلاف موت صاحب المال فإن الموت مانع من الوجوب، ولا تسقط إذا طرأ لأنا نشترط حياته للوجوب لا للقدرة تحريم الأمر الميسر للأداء، فأداء المالي بماله لا بحياته؛ ألا ترى كيف يجوز الأداء بعد موته إذا أوصى به، ولكن لا وجوب إلا في الذمة، ولا ذمة إلا مع الحياة.
وبخلاف صدقة الفطر فإنها لا تجب بدون مال محرم للصدقة وبدونه يبقى واجباً إذا هلك المال بعد التمكن من الأداء لأنا نشترط قيام الغنى بالمال للوجوب لا للأداء، ولأن الصدقة لا يستقيم إيجابها شرعاً إلا على غنى، كما لا يستقيم إيجابها إلا على مؤمن لأنها ما شرعت إلا لإغناء الفقير وكفاية المحتاج بدليل أنها لا تتأدى إلا بمال يصرف إلى الفقير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
المحتاج بالتمليك ليدفع به إذا ملك ما شاء من وجوه حاجته، ولم يتأدى بالغنى الذي لا حاجة به، ولا بغير المال الذي لا يدفع حاجة الفقير.
ولما شرعت للإغناء عن الفقر لم يكن الفقير أهلاً لوجوبها عليه فتصير مشروعة لأحواجه بخلاف الكفارة فإنها شرعت للتكفير عن ارتكاب المحظور بدليل أنها تتأدى بالصوم الصالح للتكفير، وإن لم يصلح للإغناء ولكن الإغناء صالح للتكفير لأنه عبادة أيضاً يصلح للتكفير فيصير الإغناء آلة للتكفير لا أن تكون الكفارة شرعت للإغناء فلذلك لم نشترط الغنى بالمال لوجوب الكفارة، بل جعلها الشرط من يصلح لثواب العبادة، فالتكفير يقع بالثواب.
ولما ثبت بالدليل أن الغنى بالمال شرط للوجوب لم يشترط للأداء بل يشترط للأداء نفس المكنة، والزيادة لا تثبت إلا رحمة بدليل زائد فإذا تمكن من الأداء تقرر الوجوب ولم يشترط دوامها لبقاء الواجب لما ذكرنا.
وكذلك قيام كمال النصاب شرط للوجوب عند الحول ويبقى بعض الواجب بعد هلاك بعض النصاب بعد الحول، لأن الكمال شرط للوجوب لا شرط للأداء لما ذكرنا أن الغنى شرط لوجوب الصدقة فأكد الشرع هذا الشرط في باب الزكاة، ولم يجعل الغنى أهلاً لوجوب الزكاة إلا إذا غني بالمال الذي جعل سببا لوجوب الزكاة، ولا يغنى به الغنى المحرم للصدقة لولا مال آخر إلا إذا كان نصاباً كاملاً.
والدليل عليه: أن أداء الواجب وهو ربع عشر النصاب لا يتيسر بكمال النصاب فإن انتقص أو كمل لم يؤد إلا ربع عشر ما عنده من المال النامي، ونحن شرطنا دوام الشرط الذي يتيسر به الأداء لا ما لا يتيسر به الأداء.
وكذلك الحج لا يجب إلا بشرط الاستطاعة بملك الزاد والرحلة ويبقى بدونها إذا فات بعد التمكن من الأداء لأن الشرط من الاستطاعة بقدر المكنة من السفر المعتاد بزاد وراحلة، لا بما يتيسر زيادة يسر على المعتاد من محمل وخدم ونحوها.
وقدر المكنة معتبر في حق الوقت بقدر التمكن من الأداء فيه على ما مر، ولا يلزم إذا استهلك المال، فإنه لو استهلك النصاب قبل الوجوب لم يجب.
ولو استهلك بعده لم يسقط لأنه إذا استهلك قبل أن يجب لم يضمن شيئاً لأن المال خالص له.
وإذا استهلك بعدما وجب صدق بعضه إلى الفقير ضمن مثل ما صار محلاً لزمه تمليكه وصرفه إلى الفقير، وهذا كعبد جنى جناية ولزم المولى دفعه فأعتقه قبل العلم به ضمن قيمته لأنه صار واجب الصرف إلى الولي، وإن لم يصر ملكاً له فضمن بالاستهلاك مثل الواجب بعينه فيكون قضاء لا أداء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وكذلك إذا عين شاة ليضحي بها ثم استهلكها ضمن شاة أخرى مثلها، وإن كانت الأولى في ملكه لأنها تعينت لأداء الواجب منها، ولأنه بالاستهلاك يريد إسقاط ما عليه باختياره فيه فيصير متعدياً في حق الواجب فلم يعذر، وجعل كأنه لم يستهلك وإن كان الهلاك مسقطاً، ألا ترى أن الصائم إذا سافر لم يسقط عنه وجوب الصوب ولو مرض سقط، وهما سواء في الإسقاط قبل الشروع لأن السفر باختياره كان، ثم القضاء بالمثل يجب على ما مر، وإنما قصر على المثل لأنه يجب انتصافاً منه على تعديه بالتفويت، معنى الانتصاف يفوت بالزيادة على المعتدي والنقصان لصاحب الحق فوجب المثل ليكون عدلاً فمجازاة العدوان واجبة بالعدل، وإيجاب القضاء مجازة والعفو جائز فضلاً إن شاء صاحبه.
فإذا عرفنا هذا وجب قضاء الصلاة الفائتة بمثلها، لأن مثلها صلاة هي عبادة مشروعة في كل وقت فأمكن العبد قضاءها بالمثل.
وكذلك الصيام في الأيام والصدقة في كل مال.
وكذلك الحج في وقته والأضحية في أيامها فإذا عين واحدة واستهلكها ضمن مثلها.
وكذلك الرمي في أيامه في الحج فإذا لم يضح بها حتى مضت الأيام لزمه التصدق بها ولا يخرج بالتضحية وإن عاد الوقت في السنة القابلة لأن الشاة في الأصل محل التقرب إلى الله تعالى بالصدقة إما واجبة في باب الزكاة، وإما نذراً، وإما تطوعاً وبأيام النحر جعلت محلاً للتقرب بالتضحية قائمة مقام الصدقة مخصوصة بهذه الأيام لأنا أمرنا بها مقدمة على الصدقة، فإذا ذهبت الأيام وجب القضاء بالصدقة.
ألا ترى أنه لو جز صوفها حتى لم يمكن التقرب في حقه بالإراقة وجب التقرب بالصدقة لأن شرع الله تعالى التضحية مكان الصدقة دليل على ضرب مماثلة حتى صلحت للقيام مقام الصدقة.
ولما تعينت الصدقة لم تعد إلى المثل بعود الوقت، كمن استهلك رطباً فذهب أوانه وقضى عليه بالقيمة له لم يعد إلى الرطب بمجيء أوانه.
وكذلك الرمي في الحج إذا فات عن وقته قضى في أيامه لأنه مشروع عبادة في تلك الأيام وإذا ذهبت الأيام وجب الجبر بالشاة عيناً شرعاً فلا يعود الرمي، وإن عاد الوقت.
وأما إذا عجز عن قضاء الصوم بالصوم فالقياس أن لا يقضي بالمال لأنه غيره اسماً ومعنى ولكنا أوجبناه إذا أيس عن الصوم بالشرع بخلاف القياس.
وإذا عجز عن الحج بنفسه كان القياس أن لا يقضي بالإحجاج لأن الذي يؤديه بالإحجاج مال، وإنه غير الحج إلا أنا جوزنا بشرط اليأس عن الحج بالشرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وأما الصلاة فلا نص فيها فقلنا تقضى بما يقضى به الصوم لأنها بالصوم أشبه لأنها عبادة بدنية محضة لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال، بخلاف الحج لأنه لا يجب إلا بعد ملك الاستطاعة ولا يتأدى بدون المال للنفقة والراحلة.
فإن قيل: أليس قضاء الصوم بالمال ليس بقياس فكيف قستم عليه الصلاة؟
قلنا: إن الندم على ما فات والتوبة مما يمحو الذنب بينه وبين ربه تعالى إذا لم يقدر على زيادة أمر سوى التوبة إلا أنهم أوجبوا فدية الصوم احتياطاً لقدرته عليها حتى إذا كانت كالصوم عند الله تعالى لم يبق تحت عهدة المال.
وعلى هذا المثال وجب الخروج عن حقوق العباد فإن الغاصب يلزمه الخروج عن ضمانه برد العين، فإن عجز عنه بفواته رد مثله صورة ومعنى، فإن عجز عنه بتفاوت جنس ذلك العين رد قيمته التي هي معنى ذلك العين وبه صار مضموناً بالغصب.
فإن لم يكن أصل الحق مالاً نحو المنكوحة أمة كانت أو حرة أو رجلاً عليه قصاص عبداً كان أو حراً لم يضمن بالغصب لصاحب ملك القصاص، وملك النكاح إلا في حق تسليم العين فإذا هلك العين فلا يضمن شيئاً في الدنيا.
وكذلك إذا شهد شاهدان على ولي القصاص أنه عفا عن القصاص وقضى القاضي به ثم رجعا لم يضمنا شيئاً للولي.
وكذلك إذا شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً وقضى القاضي به ثم رجعا وكان دخل بها لم يضمنا شيئاً، وإن أتلفا الملك بالشهادة لأن المتلف لم يكن مالاً فلا يكون المال مثلاً له لا صورة ولا معنى فمعنى النكاح إقامة النسل والسكن، ومعنى المال مصالح البدن. لذلك قال علماؤنا رحمهم الله: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف بعد قولهم أنها أموال حتى كان عقد الإجارة وارداً عليها، وعقد الإجارة من التجارة والتجارة لا تكون إلا بعقد المال بالمال.
وكذلك قالوا: لا يثبت الحيوان ديناً في الذمة بدلاً عن المنفعة وثبت ديناً بدلاً عما ليس بمال من العتاق وملك النكاح وملك القصاص لأن ضمان الإتلاف مقيد بشرط المماثلة، وما للمنافع مثل إما من جنسها فلا إشكال، وفيه إجماع لأنها تحدث ساعة فساعة من أعيان متفاوتة فكذلك هي تتفاوت بحسب تفاوت الأعيان.
وأما من الدراهم والدنانير فلأنها في الجملة خير من المنافع ذاتاً لأنها من جملة الجواهر، والمنافع أعراض، والجوهر خير من العرض ذاتاً في الجملة لأن الأعراض قيامها بغيرها والجواهر تقوم بنفسها فكانت الأعراض منها كالتبع من المتبوع.
ثم هذا التفاوت وإن كان عفواً في التجارات في حق المالية حتى كانت المنافع في الأسواق في حكم الأعيان في حق المالية يبادل أحدهما بالآخر بلا حرج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وكذلك الوصي يبادل عن مال اليتيم بالمنفعة فيجوز.
وكذلك في العقود الفاسدة التي توجب ضمان المثل توجب الدراهم عن المنافع فإنه لا يعفى في حق ضمان الإتلاف لأن ضمان التجارة على ما يتراضى عليه الناس في الأصل دون المعادلة والمماثلة، ولكن الشرع ربما حجر على بعض التجار الذين أطلق لهم بشرط النظر إن يأتوا بخسر هو خسر في عرف التجار فما لا يتعارف خسراً في الأسواق لقلة التفاوت وتعذر إقامة السوق مع اعتباره كان عفواً لأن التجارة أمر مشروع لا تقوم بدونها مصالح الناس فلا يبتنى على ما يضيق معه استعماله كالعبادات، ألا ترى أنه في الأسواق لا يظهر التفاوت الذي يكون بين الحجر المبنية للإيجارة على هيئة واحدة بل تؤاجر بغلة واحدة.
وكذلك للوصي أن يؤاجر منها واحداً بواحد على قول من يرى الجواز مع اتفاق جنس المنفعة.
وكذلك المأذون في التجارة يملك من التبرع ما لابد للتجارة منه وإن كان هبة على الحقيقة فكذلك التفاوت الذي لابد منه لأنه دونه.
فأما ضمان الإتلاف فمبني على المثل في الأصل فوجب اعتبار التفاوت وإن قل حتى لا يجب على المعتدي زيادة فيكون جوراً وليس يجب اعتباره تضييق على الناس فإنه يجب بالعدوان وسبيل العدوان أن لا يكون وإن كان، فإن تقرب في الجزاء من باب الإحسان كان أولى من باب الجور.
ألا ترى أنه إذا أتلف منفعة حجرة لا يضمن بإزائها منفعة حجرة أخرى مثلها في الغلة عرفاً وتجارة، وكان التأخير إلى الآخر أهون لأن الزيادة جور وإنه لا يحل بحال والتأخير جائز كما في إتلاف الخمر وإيذاء الحر والشتم ولهذا قلنا: إن القياس أن لا يجب مال بإتلاف الآدمي لأنه لا مماثلة بينهما معنى ولا صورة، وإنما وجب بالنص حال تعذر القصاص بالخطأ كي لا يهدر دم الآدمي بخلاف القياس فلا نقيس عليه حال إمكان القصاص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
القول في أسماء الألفاظ في حق قذر تناولها المسميات، وحكمها فيما تتناوله
هذه الأسماء أربعة:
الخاص، والعام، والمؤول، والمشترك.
أما الخاص: فاسم للفظ لا يتناول إلا الواحد بذاته ومعناه، كقولك: "زيد" إذا أردت بالخصوص خصوص العين من الجملة.
وإن أردت خصوص الجنس قلت: إنسان وجن وملك.
وإذا أردت خصوص النوع قلت: رجل وامرأة. يقال: اختص فلان بملك كذا إذا لم يشركه فيه غيره، ومنه: خاصة الناس وهم أهل العلم، والحكمة لقلتهم.
وأما العام: فما ينتظم جمعاً من الأسماء لفظاً أو معنى، كقولك: الشيء، فإنه اسم لكل موجود ولكل موجود اسم على حدة وإن الإنسان اسم عام في جنسه لأن جنسه يشتمل على أفراد، ولكل فرد اسم على حدة كقولك: مطر عام، إذا عم الأمكنة فيكون عاماً بمعناه وهو الحلول بالأمكنة لا بأسماء يجمعها المطر، وكذلك يقال خصب عام، ومنه عامة الناس وهم أهل الجهل والسفه لكثرتهم.
ومن الناس من زعم أن العام ما ينتظم جمعاً من الأسماء أو المعاني، وليس كذلك لأن المعاني لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها وإذا اختلفت تدافعت ولم تنتظم جمعياً تحت اسم واحد بل يصير كل واحد منها يحتمل الاسم فلا يثبت مراداً بالاحتمال، وهذا الاسم يسمى مشتركاً وإنه لا عموم له على ما نذكر وهو بمنزلة المجمل.
وقد ذكر أبو بكر الجصاص: أن العموم ما ينتظم جمعاً من الأسامي أو المعاني.
وكان هذا منه غلطاً في العبارة دون المذهب فإنه ذكر من بعد أن المشترك لا عموم له، وإنما أراد بالمعاني معنى واحداً كقولك: خصب عام، ومطر عام، فإن عموم الأمكنة منهما بمعنى واحد لا بمعان، فالعام خلاف الخاص بمعنى واحد وهو الشمول.
وأما المشترك: فما اشترك فيه جمع من الأسامي أو المعاني من غير انتظام، ولكن على الاختلاف كالعين فإنه يشترك فيه يشترك فيه مقلة الوجه وينبوع الماء والطليعة ونقد المال.
والشيء المتعين في نفسه من غير انتظام فإن الكل لا يدخل تحته ولكن يحتمل هذا وهذا، وهذا على الاختلاف أي إذا ثبت هذا بطل الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وكالقرء: يشترك فيه الحيض والطهر على اختلاف وتناف.
والبائن: يشترك فيه البينونة والبين والبيان، يقال: بان عني فلان أي هجرني، وبان العضو عن الجسم إذا انفصل عنه، وبان الشيء إذا ظهر، وهذه أسماء مختلفة بخلاف قولنا الشيء، فإنه يشتمل على الموجودات بمعنى واحد وهو صفة الوجود، وفيما ذكرنا من المشترك إنما يدخل كل واحد من الجملة تحته باسم على حدة، أو بمعنى على حدة، وإذا كان كذلك لم يكن للمشترك عموم ولا ظهور مراد لأنا سميناه: "مشتركاً" لاشتراك الأسامي أو المعاني في الدخول تحته والاشتراك يوجب الاستواء وإذا دخلت متساوية ولم يمكن الجمع بينهما ولم يصر بعضها بأولى من بعض صار المراد منه مجهولاً فيصير بمنزلة المجمل.
وأما اختلاف المعاني فإنما يتحقق في المستعار من الكلام وهو المجاز لأن اللفظ إنما يستعار لغير ما وضع له للاتصال بينهما معنى، فيصير المجاز: عبارة عن المعنوي من الكلام.
والحقيقة: ما عبر به عن الشيء باسم علمه عقل معناه أو لم يعقل، فإذا اختلف المعنى الذي يجوز الاستعارة لأجله كان ذلك المجاز مشتركاً.
وقد أجمعت الأمة أن لا عموم لقوله تعالى: {ثلاثة قروء} بل المراد بها إما الحيض وإما الأطهار، وقد قال علماؤنا رحمهم الله– فيمن أوصى لمواليه وله موال أعتقوه وموال أعتقهم-: أن الوصية باطلة لأن معنى الولائين مختلف في حق الوصية فيراد بالوصية للمولى الأعلى الجزاء وللمولى الأسفل زيادة إنعام ترحماً، ولم يدخل النوعان تحت الاسم على العموم فبقي المراد أحدهما فبطلت الوصية للجهالة.
وإذا قال لامرأة: إن نكحتك فأنت طالق، لم ينصرف إلى الوطء والعقد جميعاً، لأنهما مختلفان معنى بل انصرف إلى أحدهما على ما دل عليه الحال.
وأما المؤول: فما يتبين من المشترك أحد وجوهه المحتملة بغالب الرأي والاجتهاد لا بسماع من يجب تصديقه فإنه متى تبين بالسماع كان مفسراً بالتحاق هذا البيان، وهو نص مثل الأول، وإذا كان بالرأي لم يكن تفسيراً لأنه عبارة عن الكشف على ما يأتيك بيانه. والانكشاف على الحقيقة لا يثبت بالرأي ولكن بالرجحان يزول مشاركة سائر الوجوه إياه على السواء فيؤول إليه مراد الكلام من غير انكشاف على الحقيقة فكان تأويلاً.
وكذلك المراد من الكلام متى خفي لدقته فأوضح بالرأي كان مؤولاً فكان المؤول خلاف المشترك والخفي جميعاً.
فالعام في قدر تناوله المسميات أكثر من الخاص.
والخاص في قدر تناوله المسمى أثبت من المؤول أو المشترك، فلا ثبوت للمراد به إلا على سبيل الاحتمال فهذا بيان تفاوتها في قدر التناول في الجملة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وأما الأحكام فإن العلماء اختلفوا في العام ما حكمه؟
فقال بعض الأحداث ممن لا سلف له في القرون الثلاثة: إن حكم العام الوقف فيه حتى يتبين المراد به كالمشترك ..
وقال بعضهم: الثابت به أخص الخصوص حتى تقوم الدلالة على العموم.
وقال الشافعي: إنه على العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، ولكنه غير موجب حكمه لعمومه قطعاً كالخاص لخصوصه، بل على تجوز الخصوص واحتماله كالحكم الثابت بالقياس يكون ثابتاً لا قطعاً، ولكن على تجوز الخطأ واحتماله حتى جوز تخصيص العام بالقياس وجعل الثابت بالقياس أولى من الثابت بالعموم، وإذا عارضه الخاص في بعض محاله جعل الخاص أولى، وجعل قوله هذا قولاً واحداً فيما يمكن القول بعمومه في نفسه أو لا يمكن في نفسه فإنه عممه بقدر الإمكان.
وقال علماؤنا رحمهم الله: العام يوجب الحكم بعمومه قطعاً وإحاطة، بمنزلة الخاص، أمراً كان أو نهياً أو خبراً. إلا عاماً يمتنع القول بعمومه لكون المحل غير قابل له على ما نذكره، فإنه يجب الوقف فيه حتى يتبين بدليل آخر، ولا يعمل به بقدر الإمكان، وقد دل على هذا القول فتاويهم ومحاجتهم.
أما الفتوى: فقد قالوا- في رجل أوصى لرجل بخاتم وأوصى لآخر بفصه-: أن الحلقة لصاحب الخاتم والفص بينهما. لأن الوصيتين اجتمعتا في الفص، لأن إحدى الوصيتين لا تبطل بالأخرى على ما عرف، ثم الفص اسم خاص له، والخاتم يتناوله بعموم اسمه، فجعلوا الاستحقاق بهما سواء ولم يجعلوا الخاص أولى. هكذا ذكر في "الزيادات".
وذكر في الوصايا: وقرن الوصية بالفص بالوصية بالخاتم وذكر أن الفص لصاحب الفص والحلقة للآخر، لأن الخاص لما قرن بالعام صار بياناً، ولما تأخر لم يصر بياناً وكان عارضاً.
وقالوا– في المضارب ورب المال إذا اختلفا في عموم الإذن وخصوصه وأقاما البينة وأرخا-: كانت العبرة للتاريخ وكان الآخر منهما أولى، فرفعوا الخاص بالعام، كما خصوا العام بالخاص فسووا بين التخصيص والرفع أصلاً ولم يرتبوا العام على الخاص، تقدم الخاص أو تأخر، على ما قاله الخصم في ألفاظ الشرع.
وأما الحاجة: فقد قالوا– بجواز الصلاة بدون الفاتحة لعموم قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه} ولم يروا ترتيب هذا العام على قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" لأنه خبر الواحد، فجعلوا الآية أولى وإن كانت عامة، والخبر خاصاً، وكان هذا مذهباً ظاهراً لعلمائنا.
أما الواقفون: فإنهم احتجوا بأن العام يذكر ويراد به الخاص، وهذا مشهور بين أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
اللسان، وقد نطق به الكتاب والسنة والشعر حتى استحسن الكناية عن الواحد بلفظة الجمع، قال الله تعالى: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً} وقال: {رب ارجعون} ولما كان كذلك احتمل العام العموم والخصوص وهما مختلفان لا يجتمعان فحل محل الاسم المشترك.
وأما الذين قالوا بأخص الخصوص فنوع من الواقفية، إلا أنهم قالوا: إن أخص الخصوص ثابت يقيناً أريد به الخصوص أم العموم فزال مهنى الاشتراك فيه، فثبت كما في الكل بعد البيان.
وأما الشافعي فقال: إن العموم من العام حقيقة من حيث الوضع لأن الواضع كما احتاج إلى وضع أسماء خاصة لتعريف الأفراد بمقاصد في كل فرد احتاج إلى وضع أسماء عامة لتعريف الجمل لمقاصد فيها كي لا يحتاج إلى ذكر كل فرد باسمه على حدة لتحصيل المقصود الذي لا ينال إلا من الجملة فيتعذر الذكر عليه، إلا أن العرب استعارت الألفاظ العامة للخاصة توسعة، وتحسيناً للعبارة لمعنى التعظيم بالكناية عن الواحد بذكر الجماعة، كما استعارت لسائر ضروب المجاز، وإذا كان كذلك كان الحكم لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه لأن المجاز معناه لا يشارك معنى الحقيقة فلا يزاحمه بل الحقيقة هي الثانية قبله، واحتجاجه بالاستعمال ضعيف لأن العام قد استعمل بحقيقته كما استعمل بمجازه كقوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} ونحوهما مما لا يحتمل الخصوص مع شدة العموم، فصار الاستدلال بالعموم استدلالاً بدليل محتمل فلم يكن حجة فبقي الحكم للوضع وقد ظهر القول بالعموم من السلف ظهوراً لا يمكن إنكاره.
احتج عمر رضي الله عنه للمن بسواد العراق على أهلها على الصحابة رضي الله عنهم منهم الزبير ألزمه بقول الله تعالى: {للفقراء المهاجرين} إلى قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} فقال عمر: أما إني لو قسمتها بينكم لم يكن لمن يجيء بعدكم نصيب في الفيء والله تعالى جعل لهم نصيباً فرجعوا إلى قوله، وهذه الآيات غاية في العموم.
وأراد عثمان رضي الله عنه رجم امرأة ولدت لستة أشهر فقال ابن عباس رضي الله عنه: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم إن الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} وقال: {وفصاله فى عامين} فيبقى للحمل ستة أشهر، وأخذوا بقوله.
واختلف علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
فقال علي رضي الله عنه: عليها أبعد الأجلين لعموم آية عدة الوفاء وعدة الحوامل.
وقال عبد الله: عدتها بوضع ما في بطنها لأن هذه الآية آخرهما نزولاً وهما آيتان عامتان واحتجا بهما.
فإن قيل: إن الصحابة رضي الله عنهم فهموا العموم منها بدلائل وأحوال اقترنت بها دلت على العموم.
قلنا: إن الحكم بالعموم قد ظهر ولم يظهر له سبب آخر إلا عموم النص فلم يجز الحمل على سبب لم يظهر على أن العمل بها لو وجب بدلائل أخر لما قبل منهم الاحتجاج به بدون تلك الدلائل والأحوال، ولأن الشريعة لازمة إلى يوم القيامة، ووجوبها بالكتاب ثم بالسنة ولو لم تكن هذه النصوص حجة في أنفسها بدون تلك الدلائل الموجبة لما حل لهم السكوت عن نقل تلك الدلائل، ولا لزمهم نقلها كما نقلوا النصوص، ولو نقلوها لظهرت ظهور النصوص بأنفسها، وظاهر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال– لما اختلفت الصحابة في نقل الأخبار-: إنكم إذا اختلفتم في شيء كان من بعدكم أشد اختلافاً، فإذا سألتم عن شيء فلا ترووا ولكن قولوا: معكم كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، ولم ينكر عليه أحد فثبت أن الكتاب بنفسه حجة بدون الأحوال التي توهمتها حجة للصحابة.
فإن قيل: إن الخلاف بيننا وبينكم في موجب العام للحال لا لحال النزول فإنا لم نبتل بالعمل به فيما سلف.
فنقول: موجب العام للحال الوقت فيه حتى يتبين ما حكمه، لأن النصوص العامة صارت متفاوتة في أنفسها اليوم من باق على عمومه، ومن مخصوص، ومن منسوخ، فإذا صار حكمها في البقاء محتملاً لم تكن حجة حتى يزول الاحتمال.
قلنا: يلزمك مثله في الخاص فإنه يحتمل الانتساخ، والمجاز ولم يجب الوقف به، وكذلك الشاهد إذا عاين سبب ملك الإنسان حل له الشهادة بالملك له بعد ذلك، وإن احتمال الفسخ أو البيع من آخر وكان ما عاين حجة له للحال ما ذكرنا أن الشيء إذا ثبت دام على ذلك من غير دليل وأنما زواله افتقر إلى دليل مبتدأ فعند عدم الدليل لا يزول ما كان ثابتاً بالاحتمال لأنه كما احتمل الزوال احتمل البقاء.
وجملة الجواب فيه: أن العامي يلزمه العمل بعمومه كما سمع.
وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الاشتباه مع كونه حجة للعمل إن عمل به، ولكن يقف احتياطاً حتى لا يحتاج إلى بعض ما أمضاه بتبين الخلاف، وهذا كالحاكم إذا قامت لديه الحجة فإن شاء حكم بها، وكان الأحوط الوقف وإمهال الخصم للرفع ثم القضاء عند العجز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
وكذلك إذا قامت البينة أن هذا الرجل وارث فلان جاز له القضاء بالمال والأحوط له أن يقف فيتعرف عن وراث آخر ثم يقضي إذا لم يتبين له بعد التعرف.
والكلام ليس فيما يجب احتياطاً، واحترازاً عن وهم يتحقق، ولكن الكلام في موجب النص بنفسه وأما الاحتياط فضرب معنى يترك له ما عليه الأصل إلا أن الترك به لا يجب حتماً.
فإن قيل: فالذي يقف هكذا يحتج لامتناعه عن العمل به ويقول أنا أقف متروياً.
قلنا: هذا صحيح ولكن لا يثبت الوقف على هذا الحد إلا بعد التزام أصل الحكم واعتقاده أنه ثابت، وأن الوقف بدليل عارض لا من نفس النص، ومتى قال هذا واعتقد ارتفع الخلاف فلا يتحسن مثله في الخاص.
ويقول في الشهادات الخاصة أن الحكم يقف احتياطاً، وكذلك في الخاص إذا احتمل المجاز كان الوقف للتعريف أحوط ما لم يؤد إلى ترك واجب يفوت بالوقت.
قال الشافعي رحمه الله: وسواء فيه ما أمكن القول بعمومه وما لا يمكن لكون المحل غير قابل له كقول الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} فإن هذا المحل غير قابل عموم نفي المساواة بينهما لتساويهما وجوداً وإنسانية وبشرية وصورة وكثيراً من الأوصاف.
وقال: هذا المانع من القول بعمومه جملة لا يمنع القول بعمومه فيما يمكن منه من الأحكام الشرعية حتى لا تكون دية الذمي مثل دية المسلم ولا يقتل المسلم بالذمي ولا يساوي الذمي المسلم في تملك العبد المسلم لأن العام الذي يثبت خصوصه بدليل شرعي يبقى عاماً في ما بقي بعد الخصوص، والخصوص لا يكون إلا بدليل مقارن للعموم يبين أن المراد به ما بعد الخصوص فأما الرفع بعد الثبوت فيكون نسخاً، ومتى كان الخصوص على هذا الوجه كان ما نحن فيه من الذي امتنع القول بعمومه من حيث الحسن، والذي امتنع من حيث الشرع واحداً.
قال: ولكن الثابت بالعموم لا يكون قطعاً مثل الثابت بالخصوص لأن العام لا يرد قط إلا على احتمال الخصوص في نفسه، وكذلك الحكم بعمومه يثبت على احتمال أنه غير ثابت فلا يثبت قطعاً كالثابت بالقياس إلا عموماً ثبت بالدليل أنه غير محتمل للخصوص كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} بخلاف الخاص فإن حكمه لا يرتفع إلا بالنسخ وإنه لا يحتمل كونه منسوخاً حال وروده، وإنما النسخ يرد على بقاءه بعد ثبوته والكلام في موجب حكمه حال الورود لا حال بقائه.
ودل على صحته رواية الصحابة والسلف والناس إلى يومنا أخبار الأحاد الخاصة في معارضة عموم الكتاب وتخصيص العموم بها. وكذلك بالقياس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الخاص إنما وجب حكمه قطعاً لأن اللفظ وضع له في الأصل فكان ذلك حقيقته فلاحتمال المجاز لم يتغير حكمه في نفسه ما لم تقم الدلالة، والعموم في الأصل ما وضع إلا للتعميم والشمول منه حقيقة على ما بينا فلاحتمال مجازه وهو المخصوص لا يتغير حكمه في نفسه حتى تقوم الدلالة.
فإن قال قائل: فكذا أقول في الخاص إن حقيقته لا تثبت قطعاً ما لم يتبين أنه لم يرد به مجازه كالنصوص في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت توجب بقاء الحكم قطعاً لاحتمال النسخ وإن لم يثبت النسخ بعد.
قلنا له: إن المجاز لا يثبت من الكلام إلا بإرادة المتكلم النقل إليه عما وضع اللفظ له، والإرادة لا تثبت إلا ببيان من قبله أو دلالة الحال أو العرف ونحوها، فإذا انعدمت دلالات الإرادة لم يثبت الناقل فلم يثبت النقل فبقيت الحقيقة قطعاً بلا احتمال، وهذا كالنص المطلق فإن حكمه يثبت مطلقاً قطعاً، وإن احتمل التغيير بزيادة قيد أو تعليق شرط لأن الثاني إنما يثبت بزيادة بيان ولم يثبت.
وما هذا بنظير بقاء الحكم قطعاً على ما يثبت ابتداء ً لأن النص أوجب حكمه فأما البقاء على ما يثبت فليس بموجب به، ولكن من حيث أن الشيء إذا ثبت دام حتى يقوم دليل الزوال فكان البقاء بحكم استصحاب الحال لعدم الدلالة والعدم في نفسه فيه احتمال ما كان يعلم قطعاً فكذلك موجبه لا يثبت قطعاً حتى لما تيقنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم النسخ ثبت البقاء قطعاً.
فإن قيل: إن عدم إرادة المتكلم الخصوص ما عرفت إلا بعدم الدلالة عليها فلا يثبت قطعاً كعدم النسخ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف عدم التعليق والاستثناء فإن طريق ثبوتهما النص عليهما فإذا سكت عنهما ثبت العدم يقيناً.
قلنا: إن الإرادة لما كانت باطنة لا يوقف عليها إلا ببيان لم يكن حجة علينا أصلاً حتى تظهر بطريقها لأن الله تعالى لم يكلفنا ما ليس في وسعنا فلا يجعل الباطن الذي لا نقف عليه حجة حتى يظهر، ويكون ابتداء ثبوته حجة بظهوره فصارت بمنزلة الشرط والاستثناء في الحكم، وهذا كما قيل إن ابتداء الشرائع ما كانت تلزم إلا بعد السماع لأن العبد لا يقف عليه إلا بسماعه فكان لحال سماعه حكم نزول الخطاب ابتداء، وهذا كما قيل فيمن قال لامرأته: إن كنت تحبيني فأنت طالق، فقالت: أحبك، كذباً وهي تبغضه، أو علق الطلاق بمحبتها النار، فقالت: أحب. طلقت، وإن تيقنا بالكذب لأن المحبة لا تعرف إلا بالخبر عنها فقام الخبر مقام المحبة حقيقة ليكون بناء الحكم على ما نطلع عليه، وصار كأنه قال لها: إن أخبرتني أنك تحبيني فأنت طالق، والخبر يشتمل على الكذب والصدق جميعاً فطلقت في الحالتين بوجود الخبر دون المحبة حقيقة، فهذا سر المسألة ومزل القدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
فالخصم مال إلى أن الإرادة مغيرة حكم الحقيقة لا محالة، واحتمال الإرادة ثابت حال التكلم فثبت احتمال التغيير به إلا أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا سقط اعتبار الإرادة في حق العمل فلزمنا العمل بالعموم الظاهرة دون ما لا نصل إليه من الإرادة الباطنة، وبقيت الإرادة معتبرة في حق العلم فلا يعلم قطعاً لأنه ليس في وسعنا ذلك، وإنه كلام حسن.
ويجب على هذا الأصل أن لا تطلق المرأة فيما إذا قال لها زوجها: إن كنت تحبين النار فأنت طالق، فقالت: أحب لأنا علمنا يقيناً ببغضها النار طبعاً، وإنما يقام الخبر مقام المحبة لأن سبب علمنا به فيما يحتمل المحبة والبغض فإذا كان الاحتمال زائلاً بدلالة أخرى وجب الحكم بها ولم يجز الوقوف على بيان يقع بالخبر، كما قال في مسألة العموم إنه إنما يحتمل بيان الخصوص بدليل يرد إذا كان مما يحتمل الخصوص بإرادة المتكلم وامتنع العمل بالإرادة لاحتمالها.
فأما إذا كان لا يحتمل إرادة الخصوص كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} فلا يجب الوقوف على البيان، وكذلك يجب أن يقول به في حقيقة الخاص مع مجازه.
والجواب عنه لعلمائنا: أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس في وسعنا الوقوف على الباطن إلا بدلالة ظاهرة لم يجعل الباطن حجة أصلاً في حقنا فسقط اعتباره في حق العمل والعلم جميعاً، وجعل الحجة ما يظهر به الباطن وإن كان سبباً لثبوت الحجة في الباطن إقامة السبب الظاهر مقام ما هو حجة باطنة في نفسها تيسيراً على عباده بزوال كلفة التأمل في الباطن، لاعتبار الحكم بحسب احتمال ثبوته على ما قاله الخصم.
وهذا كما أن الخطاب متعلق باعتدال العقل وإنه أمر باطن والبلوغ سبب ظاهر له على ما عليه الجبلة بلا آفة فعلق الشرع الخطاب بالبلوغ الذي هو سبب ظاهر، وأقامه مقام اعتدال العقل الذي هو أصل فيه تيسيراً فأسقط حقوقه عن الصبي وإن اعتدل عقله كأنه لم يعتدل، وخاطب البالغ وإن لم يعتدل عقله بلا خلاف كأنه اعتدل.
وكذلك رخص السفر في الأصل متعلقة بالمشقة وهذه صفة باطنة، والسفر سبب ظاهر لها فأقام هذا السبب الظاهر مقام المشقة فأثبت به الرخص وإن لم يلحقه مشقة وأزالها بالإقامة وإن لحقته فيها مشقة السفر إلا أن يضطر فيباح له الترك دفعاً للضرورة لا بحكم سقوط الخطاب حتى إذا صبر فقتل كان مأجوراً، أو بمرض في الإقامة فيثبت الرخص في المرض، وإنه جنس آخر غير جنس المشقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وكذلك الاستبراء في الأصل يجب صيانة للمياه عن الاختلاط في الإماء وسبب الاختلاط في الإماء استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين عن الأول وإن كان بعد الوطء لا يوجب استبراء مانعاً من الحدوث لآخر، فلو أبحنا للآخر بلا استبراء لاختلاط الماءان، والماء أمر باطن والإباحة بسبب ملك اليمين أمر ظاهر فأقيم هذا السبب الظاهر مقام الماء، وجعل علة في نفسه وأدير الحكم معه.
فقيل؛ متى استحدث الرجل ملك الوطء بملك اليمين لم يحل له إلا بالاستبراء، سواء كانت الأمة بكراً أو ثيباً، وطئت عند الأول أو لم توطء ومتى كان الاستحداث بالنكاح لم يجب الاستبراء.
وإن كانت وطئت عند الأول نحو الأمة يطأها مولاها ثم تزوجها فإنه لا استبراء يجب على الزوج، وإن كان يؤدي إلى اختلاط المياه لأن النكاح أصله في الحرائر لأن الرق أمر عارض والحرة لا توطأً إلا بنكاح، وزواله بعد الوطء يوجب عدة مانعة من نكاح آخر والاستبراء يقع بالعدة فلم يصر إباحة الوطء للزوج على ما عليه أصل الوضع بلا استبراء موجباً لاختلاط المياه فلم يصر علة.
وكذلك قال علماؤنا- في رجل قال لامرأته؛ إن كان في علم الله تعالى أن فلاناً يقدم إلى شهر فأنت طالق الساعة، فقدم فلان إلى شهر-: فإن الطلاق يقع بعد القدوم، كما قال لها: أنت طالق الساعة إذا قدم فلان إلى شهر، وإن تبين بالقدوم أنه كان في علم الله ذلك وأنه علق الطلاق بشرط موجود لأنا لا نطلع على علم الله تعالى بقدومه إلا بعد قدومه، فكان القدوم هو الدليل الذي نقف به على العلم فقام مقام العلم فيما علق به من الحكم ولغا اعتبار الباطن في حق تعلق الطلاق به كأنه لم يذكره.
بخلاف ما إذا قال: إن كان زيد في الدار فأنت طالق فعلم به بعد شهر أنه كان في الدار يوم حلف طلقت امرأته من حين تكلم لأن كينونته في الدار مما نقف عليه نحن فلم يلغ اعتباره وتعلق الحكم بحقيقته لا بالدليل الذي يظهرها فثبت أن ما قلناه طريق بين في الشرع تيسيراً ودفعاً للحرج، فكان أولى مما قاله خصمنا فإنه أسقط اعتبار الباطن بقدر ما لا يمكنه لا غير، والله تعالى كما أخبر أنه لم يكلف إلا بقدر الوسع أخبر أنه ما جعل في الدين من حرج، واعتبار الباطن على الوجه الذي قاله في حق العمل يوقعنا في الحرج والتأمل ليمكننا التمييز بالإرادة الباطنة أحرج من التأمل في الصبيان للتمييز بين من اعتدل عقله منهم ومن لم يعتدل، ولهذا أبى علماؤنا تأخير بيان الظاهر بوجه يحتمله من حيث ترك ظاهره على ما يأتيك من بعد.
لأن الظاهر يوجب موجبه قطعاً على حقيقة بلا احتمال فيه فلا يبقى للبيان وجه فإنه لا يتصور إلا بعد احتمال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
ولأن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب فيلزمنا فيه ما يتفاهم من خطابنا فيما بيننا وفيما بينا لو قائل: أعط هؤلاء الفقراء مئة درهم وهم مئة فهم منه تفريق المئة عليهم على السواء، كما لو قال: اعط كل واحد منهم درهماً.
ولو قال: لا تعتق عبدي سالماً، ثم قال: اعتق البيض من عبيدي، ومنهم سالماً دخل تحت الأمر العام وارتفع النهي الخاص به فثبت أن العام والخاص، سواء في خطابنا فيما بيننا فكذلك في خطاب الشرع وإن الإرادة التي هي موهمة ليس لها عبرة حتى تنص عليها أو تثبت بدلالة أخرى ظاهرة.
فإن قيل: إن تخصيص العام بالقياس جائز، وكذلك حمل الخاص على مجازه بالقياس جائز، وما يجوز تركه رأساً بالقياس ولو كان العموم ثابتاً قطعاً لما جاز تبديله بالقياس كترك الكل.
قلنا: عندنا لا يجوز تخصيص العام ابتداء بالقياس، ولا الحمل على المجاز، وإنما يجوز بيان العموم بالقياس إذا ثبت خصوصه بدلالة يجوز رفع الكل بها من خبر ثابت تأيد بالإجماع أو بالاستفاضة في السلف أو بالإجماع نفسه ثم وقع الإشكال في حادثة إنها من جنس ما دخل تحت الخصوص، أو من جنس ما بقى تحت العموم فيعرف ذلك بالقياس لأن حكمها في نفسها قبل القياس عن ثابت قطعاً لظهور دليل الخصوص، واحتمال الحادثة في نفسها أن تكون داخلة تحت الخصوص وإنا وإنما ألغينا الباطن واحتماله دون الظاهر واحتماله لعموم النص بعد الخصوص، فيبقى عندنا على حكم عمومه. قيل: الخصوص عند الشافعي على ما بينا في بابه بعد هذا.
فإن قيل: في إثبات المعارضة بين الخاص والعام إذا لم يعلم التاريخ ألغي الحكم الخاص أصلاً ولبعض العام بقدر المعارضة بين العام والخاص، وفي نسخ الخاص بالعام إذا تأخر العام رفع الخاص بأصله وفي ترتيب العام على الخاص عمل بالخاص في الحالين كله حقيقة وبالعام بما بقى مجازاً والأصل في النصوص إنما يعمل بها ما أمكن فكان هذا الوجه أولى.
قلنا: نعم يجب العمل بها ما أمكن ولا إمكان لما ذكرنا أن موجب العام في كل ما دخل تحته بمنزلة موجب الخاص فيما دخل تحته فلا يثبت ترجيح الخاص على العام مع التساوي في قدر ما تعارضا فيه، وإذا لم يثبت الرجحان بطل الترتيب وسقط هذا الإمكان الذي يشير إليه.
أرأيت قائلاً لو قال: إني أعمل بحقيقة العموم وأحمل الخاص بالعموم على ما ضرب من المجاز أكان ذلك مقبولاً منه؟ لا، فكذلك منك إذا قلت: إني أحمل العموم على الخصوص وهو مجازه ليمكنني العمل بحقيقة الخاص وكل واحد من هذين القولين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
يكون معارضاً بالآخر، ولأن موجب الحجة ليس العمل بها وحدها بل العمل بها إذا لم يعارضها أخرى والمدافعة إذا عارضتها أخرى مثلها كالشهادات في خصومات العباد، فمن لم يثبت المدافعة بعد التساوي فهو الذي ترك العمل بحقيقة الحجج وحكمها في هذه الحالة.
فالخصم سوى بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ الذي ورد مخصصاً فسلب حكم العموم بالاحتمالين قطعاً.
وفرق أصحابنا بين محتمل اللفظ ومحتمل الحال فألغوا اعتبار محتمل الحال لأنه أمر باطن، واعتبروا محتمل اللفظ لأنه أمر ظاهر على ما بينا، وسواء عندنا الأمر والنهي والخبر لأن صيغة العموم توجد في الكل.
وأما ما امتنع العمل بعمومه لمعنى في المحل قارن الخطاب فلا عموم له فيما بقي بدليل ما ذكرناه في باب: "العام إذا خص منه شيء ما حكمه في البقية؟ ".
حكم المشترك
وأما المشترك: فحكمه التوقف فيه بلا اعتقاد حكم معلوم سوى أن المراد به حق حتى يقوم دليل الترجيح، لما ذكرنا أن المشترك ما يمتنع تعميم معانيه أو أساميه بحكم التعارض والتدافع على السواء فالشركة تنبئ عن المساواة، أما إذا لم يكن السواء فذلك احتمال ولا يصار إليه إلا ببيان زائد.
والأصل في تعارض الأدلة الوقف على اعتقاد أن الثابت منها بحكمه حق.
وأما المؤول: حكمه حكم الظاهر إلا أن الظاهر بنفسه يوجب العلم بحكمه قطعا، وهذا يوجب غالب الرأي كخبر الواحد والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
باب
القول في العام إذا خص منه شيء
اختلف القائلون بالعموم فيه على أربعة أقوال:
رأيت عن أبي الحسن الكرخي، وكثير من كبار شيوخنا: أن العام إذا خص منه شيء وجب الوقف فيه حتى يأتي البيان من غير إسناد إلى السلف.
ونص أبو الحسن الكرخي أنه شيء أقوله من عندي، وعلى هذا القول يجب أنه يثبت منه أخص الخصوص إذا كان معلوماً.
وقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول فالجواب على هذا، وإن خص منه شيء معلوم بقي الباقي على عمومه على ما كان قبل التخصيص.
وقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول لم يثبت به الخصوص.
قال القاضي أبو زيد رحمه الله: والذي ثبت عندي من مذهب السلف أنه يبقى على عمومه بعد التخصيص في الفصلين جميعاً، ولكن غير موجب للعلم قطعاً كما قاله الشافعي قبل الخصوص.
أما أبو الحسن الكرخي فإنه احتج بأن العام إذا خص منه شيء زالت حقيقته وصار مجازاً، ومجازه في إرادة المتكلم البعض منه، وذلك البعض مجهول فلم يبق حجة كما في قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} فإنه لما امتنع القول بعمومه وجب الوقف فيه على ما يأتيك بيانه.
ولأن التعميم فيما بقي حقيقة والكلام لا يشتمل قط على الحقيقة والمجاز بخلاف الكلام إذا استثني منه شيء معلوم فإن الباقي يبقى على عمومه، لأن المستثنى بالنص غير داخل تحت الجملة نصاً، ويصير كأنه ما تكلم إلا بالباقي بعده، والباقي بعده كله ثابت على حقيقته إلا أن تكون أخص الخصوص معلوماً فيجب القول به لزوال الجهالة.
ولأن دليل الخصوص في حق حكم النص بمنزلة الاستثناء لأنه تبين أن الثابت من حكمه ما بعده، وإن فارق الاستثناء في صيغة اللفظ على ما نبين.
وإذا صار في الحكم كالاستثناء قلنا: إن كان دليل الخصوص مجهولاً لا يوجب جهالة ما بقي حكماً فيصير كاستثناء بعض مجهول، وكذلك إن كان دليل الخصوص معلوماً لأنه يحتمل أن يكون معلولاً بعلة موجبة أكثر مما يوجبه النص فيتضمن جهالة على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الاحتمال والشك فيوجب شكاً فيما بقي من الحكم كاستثناء فيه شك فإنه يوجب شكاً في المستثنى منه كقولك: والله لا أكلم الناس إلا زيداً أو عمرواً، فإنهما لا يدخلان تحت اليمين لدخولهما تحت الاستثناء بالشك.
وأما الذين فرقوا بين تخصيص المجهول والمعلوم فإنهم ذهبوا إلى أن تخصيص العموم بدليل منفصل بمنزلة التخصيص بالاستثناء، إذ الخصوص لا يثبت إلا بدليل يبين لنا أن المراد به ما بعده، وأن قدر المخصوص لم يدخل تحته كالاستثناء.
فأما الطارئ الذي يرفع بعد ثبوته فهو نسخ، وإذا كان كذلك كان بمنزلة الاستثناء.
ثم استثناء المعلوم لا يسقط عموم ما بقي، واستثناء المجهول يسقطه ويوجب الوقف إلى البيان، فكذلك التخصيص.
فعلى قول هذا القائل لا يصح الاحتجاج بعموم آية البيع لأنه خص منه الربا وإنه مجهول، ولا بآيات الحدود لأنه خص منها حالة الشبهة وهي مجهولة.
وأما الذين قالوا؛ إن تخصيص المجهول ساقط حكمه قبل البيان، وأنه يبقى على العموم بعد الخصوص المجهول والمعلوم موجباً للعلم فقد ذهبوا إلى أن التخصيص لا يكون إلا بدليل منفصل عن العام له موجب في بعض ما تناوله العام بخلافه على سبيل ما لو تأخر كان نسخاً، فإذا جاء مقارناً كان بياناً، وإذا كان كذلك لم يتغير بالثاني صيغة الكلام الأول كما في النسخ، وكيف تتغير ولم تتصل بالصيغة بل انفصلت عنه، وكل كلام تام بنفسه وإذا لم تتغير وجب اعتبار كل صيغة في نفسها على حدة.
ثم صيغة العام للتعميم وقد خرج من أهله فصح خروجه وأضيف إلى محل قابل للعموم فانعقد موجباً للعموم إلا أنه امتنع عن العمل في بعض المحال لمانع على سبيل المدافعة وهو النص الذي يخصصه فيتغير حكمه بقدر المانع، لأن صيغته لم تتغير به، وإذا لم تتغير الصيغة وهي للتعميم يقيناً بقي كذلك وراء ما ثبت الخصوص، والخصوص إنما يثبت بقدر ما يتبين بالخاص.
فأما ما لم يتبين منه بأن كان دليل الخصوص مجملاً فلا يمتنع به لأنه لا مساواة بين الظاهر والمجمل، بل المجمل مما لا يجب العمل به حتى يلتحق به البيان فيصير في حق العمل كنص لم ينزل بعد ألا ترى أنه لو طرأ المجمل على ظاهر ناسخاً لم يثبت به النسخ حتى يتبين، بخلاف الاستثناء فإنه يرد على صيغة الكلام فيستخرج منه بعضه فيصير كأنه لم يتكلم بالمستثنى وإنما تكلم بالباقي بعده.
ألا ترى أن الاستثناء لو فصل وهو قوله إلا كذا لم يكن له موجب بنفسه، وإذا اعتبر المستثنى منه مع الاستثناء كلاماً واحداً أوجبت الجهالة بالاستثناء جهالة في المستثنى منه، والشك فيه شكاً في الأصل فيصير الأصل مجهولاً محتملاً فلا يجب العمل به حتى يرد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
البيان، وها هنا لما انفصلا في حق الصيغة اقتصرت الجهالة على دليل الخصوص فبقي الآخر على ظاهره معمولاً به.
وهذا بخلاف قول الله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} لأن الكلام إنما يصح في نفسه إذا خرج من أهله وأضيف إلى محل يقبله فإن بيع المجنون ضائع لأن المجنون ليس بأهل له، وبيع العاقل حراً ضائع لأنه ليس بمحل للبيع.
وقوله: {وما يستوي الأعمى والبصير} إنما لم يثبت عمومه لأن المحل غير قابل للعموم، لأن نفي المساواة بينهما مضاف إليهما، وهما غير قابلين لعمومه لتساويهما في الوجود والعقل والإنسانية والحيوانية فضاع هذا الكلام من حيث اقتضاء العموم لعدم المحلية فلم يبق إلا الخاص، وأنه مجهول وكان كالذي استثني منه شيء مجهول لأن المستثنى يصير غير ثابت في نفسه كان المتكلم لم يتكلم إلا بالباقي بعده.
فأما إذا كان المحل قابلاً في نفسه، والكلام صدر من أهله ولم يستثن منه شيء حتى صح مخرجه وقراره فالعمل به لا يمتنع إلا بمانع فيتقدر بقدره، كما في الكلام إذا استثني منه طرف، وكالبيع بشرط الخيار لا يضيع أصلاً لوجوده من أهله في محله، ولكن يمتنع العمل به بقدر المانع، وكما إذا استحق بعض المبيع امتنع عمل البيع فيه بقدره.
وأما القول الرابع الذي عليه جمهور العلماء: وهو أن العام إذا خص منه شيء معلوم، أو مجهول بقي على عمومه ولكن غير موجب للعلم قطعاً، كما قاله الشافعي رحمه الله تعالى قبل التخصيص.
الدليل على أنه مذهب جمهور العلماء أنا توارثنا الاحتجاج بالعام في أحكام الحوادث، وما فيها عموم لم يثبت خصوصه.
والدليل على أنه غير موجب علماً أنا توارثنا أيضاً تخصيصها بالقياس وبخبر الواحد والمعقول يدل عليه، وهو أن دليل الخصوص يشبه دليل النسخ من حيث الصيغة، ويشبه الاستثناء في حق الحكم.
أما في حق الصيغة: فكما ذكره الأول أنه لا اتصال بين النصين وكل واحد منهما كلام تام بنفسه وردا منفصلين حتى لو كانا متراخيين كان الثاني ناسخاً للأول، فمن هذا الوجه يجب بقاء العموم فيما لم يثبت خصوصه قطعاً، كما يجب فيما لم يثبت نسخه قطعاً.
وأما من حيث الحكم: فلأن دليل الخصوص يبين لنا أن قدر المخصوص منه لم يدخل تحت العموم حكماً كالاستثناء بخلاف النسخ فلم يجز الاعتبار بأحدهما بل اعتبر في كل باب بنظيره.
فنقول في حق الصيغة تعتبر بالنسخ كأن الحكم ثابتاً ثم ارتفع إذ صح مخرجه وانعقد في محل قابل للعموم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)