ثم اختلف أصحابه في تحقيق مذهبه، فقيل: أراد الوقف، أي أن قول القائل: افعل، لا ندري وضع في اللسان العربي لماذا؟
وقيل: أراد الاشتراك، أي أن اللفظ صالح لجميع المحامل، صلاحية اللفظ المشترك للمعاني التي يثبت اللفظ لها.
القول الثاني: أن له صيغاً تخصه، لا يفهم منها غيره عند التجرد عن القرائن كفعل الأمر، واسم الفعل، والفعل المضارع المقرون باللام، وذكر إمام الحرمين والغزالي أن الخلاف في صيغة: (افعل) دون قول القائل: أمرتك، وأوجبت عليك، وألزمتك، فإنه من صيغ الأمر بلا خلاف، وتبعهما المصنف، وقال الآمدي: لا وجه لهذا التخصيص، فإن مذهب الأشعري أن الأمر عبارة عن الطلب القائم بالنفس، وليس له صيغة تخصه، وإنما يعبر عنه بما يدل عليه لانضمام القرينة إليه.
أما المنكرون للكلام النفسي فلا حقيقة للأمر، وسائر الأقسام عندهم إلا العبارات، ولا يأتي عندهم هذا الخلاف، فلهذا خص الخلاف بالقائلين بالنفسي.
ص: وترد للوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد وإرادة الامتثال والإذن والتأديب والإنذار والامتنان والإكرام والتسخير والتكوين والتعجيز والإهانة والتسوية والدعاء والتمني والاحتقار والخبر والإنعام والتفويض والتعجب والتكذيب والمشورة والاعتبار.
ش: ذكر المصنف هنا لصيغة (افعل) ستة وعشرين معنى.
فمثال الواجب قوله: {وأقيموا الصلاة}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
ومثال الندب {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً}.
ومثال الإباحة {كلوا من الطيبات}.
واختلف المعتزلة في الإباحة في الجنة كقوله تعالى: {وكلوا واشربوا} فقال أبو علي الجبائي هو كمباح الدنيا، وقال ابنه أبو هاشم: بجواز أن يريده الله تعالى لما فيه من زيادة السرور للمثاب.
وقال القاضي عبد الجبار: يجب أن يريده لأن الثواب لا يصح إلا بها، ومثال التهديد: {اعملوا ما شئتم}.
ومثال الإرشاد {واستشهدوا شهيدين} والفرق بينه وبين الندب تعلقه بمصلحة دنيوية، بخلاف الندب فإن مصلحته أخروية فلا ثواب في الإرشاد على المشهور.
وفرق بعضهم بين أن يأتي بالمرشد إليه بقصد امتثال الإرشاد، فيثاب دون ثواب الندب أو بقصد تحصيل المصلحة الدنيوية فلا يثاب، أو بقصدهما فيثاب وهو دون ثواب القسم الأول.
ومثال إرادة الامتثال ـ كما في (المستصفى) في الكلام على أن الأمر لا يستلزم الإرادة إلا أنه لم يذكره عند تعداد معاني (افعل) قولك عند العطش: اسقني/ (51/ ب / د) ماء، فإنه يحدث لك إرادة السقي، وهو طلبه، والميل إليه، وهو خلاف المعاني السابقة، فإن فرض ذلك من السيد لعبده أمكن أن يكون للوجوب أو الندب مع زيادة كونه لغرض السيد، فإنه غير متصور في حق الباري تعالى، لغناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
ومثال الإذن، قولك لطارق الباب: أدخل، وكأنه قسم من الإباحة.
ومثال التأديب قوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن أبي سلمة: ((كل مما يليك)) وهو قسم من الندب، كما ذكره البيضاوي، وفي هذا المثال نظر، لأن الشافعي رضي الله تعالى عنه نص في (الأم) و (مختصر البويطي) على أن الأكل من غير ما يليه حرام، وجوابه أن الخطاب لعمر بن أبي سلمة، وكان إذ ذاك صغيراً، فليس أمره إيجاباً قطعاً.
وفيه نظر، لأنه عليه الصلاة والسلام خاطب بهذا اللفظ غير عمر بن أبي سلمة من البالغين.
وجوابه أن التمثيل إنما هو بخطابه لعمر بن أبي سلمة، والله أعلم.
ومثال الإنذار: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} وجعله بعضهم قسماً من التهديد، لكن الفرق بينهما أن التخويف هو التهديد، والإنذار هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا في المخوف، فقوله: {قل تمتعوا} أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بهذه/ (64/ أ/ م) الصيغة.
ومثال الامتنان: {وكلوا مما رزقكم الله}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
قال الشارح: والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن، وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه، وأن الإباحة قد يتقدمها حظر، مثل: {وإذا حللتم فاصطادوا} قلت: الظاهر أن الامتنان نوع من الإباحة.
ومثال الإكرام: {آدخلوها بسلام آمنين} فقرينة السلام والأمن تدل على الإكرام.
ومثال التسخير: {كونوا قردة خاسئين} وقال القرافي: اللائق تسميته سخرية بكسر السين، لا تسخيراً فإن التسخير النعمة والإكرام، قال الله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} {فسخرنا له الريح} والسخري الهزل قال الله تعالى: {ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}.
قلت: التسخير النقل إلى حالة ممتهنة وليس في السخرية انتقال أصلاً.
ومثال التكوين: {كن فيكون} وجعل الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين هذين المعنيين واحداً، لكن الفرق بينهما أن التكوين سرعة الوجود عن العدم، والتسخير الانتقال إلى حالة ممتهنة، كما تقدم.
ومثال التعجيز: {فأتوا بسورة من مثله}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
ومثال الإهانة {ذق إنك أنت العزيز الكريم}.
ومثال التسوية: {فاصبروا أو لا تصبروا}.
ومثال الدعاء: (اللهم اغفر لي).
ومثال التمني: قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
/ (52أ/ د) ومثال الاحتقار: قول موسى عليه السلام للسحرة: {ألقوا} والفرق بينه وبين الإهانة أن محل الاحتقار القلب، ومحل الإهانة الظاهر، فإذا اعتقدت في شخص أنك لا تعبأ به كنت محتقراً له بدون إهانة، وإذا أتيت بقول أو فعل يقتضي تنقيصه أو تركت قولاً أو فعلاً يقتضي تعظيمه كنت مهيناً له، وإن لم تحتقره بقلبك، فإن اجتمعا كان احتقاراً وإهانة.
ومثال الخبر قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) أي صنعت ما شئت، فمن لا حياء عنده يصنع ما شاء، لانتفاء المانع من ذلك وهو الحياء.
وجوز ابن عبد السلام أن تكون الصيغة هنا للإباحة على معنى أنك إذا أردت فعل أمر فاعرضه على نفسك، فإن وجدته لا تستحي منه فافعله، أو إنه تهكم).
ومثال الإنعام: {كلوا مما طيبات من رزقناكم} / (64/ ب/ م) قاله الإمام في (البرهان)، قال: وهو وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
النعمة.
قلت: والظاهر أنه نوع من الإباحة كما قدمته في الامتنان بل هو بمعنى الامتنان.
ومثال التفويض: {فاقض ما أنت قاض} ذكره الإمام.
ومثال التعجب كما ذكره الصفي الهندي: {قل كونوا حجارة} وذكر ابن برهان والآمدي ذلك مثالاً للتعجيز.
ومثل العبادي في طبقاته التعجب بقوله: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} ومثال التكذيب: {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}.
ومثال المشورة: {فانظر ماذا ترى}.
ومثال الاعتبار {انظروا إلى ثمره}.
ص: والجمهور حقيقة في الوجوب لغة أو شرعاً أو عقلاً؟ مذاهب، وقيل: في الندب، وقال الماتريدي: للقدر المشترك وقيل مشتركة بينهما وتوقف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
القاضي والغزالي والآمدي فيها، وقيل: مشتركة فيهما وفي الإباحة، وقيل: في الثلاثة والتهديد، وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال، وقال الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المبتدأ للندب، وقيل: مشتركة بين الخمسة الأول، وقيل: بين الأحكام الخمسة والمختار وفاقاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صدر من الشارع أوجب الفعل.
ش: لما ذكر لصيغة افعل هذه المعاني، أخذ في بيان الحقيقة منها والمجاز، وفيه مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي.
وهل ذلك بوضع اللغة أو الشرع أو العقل؟
أقوال، حكي في البرهان عن الشافعي الأول، واختار هو الثاني، وصحح الشيخ أبو إسحاق الأول أيضاً.
الثاني: أنها حقيقة في الندب وبه قال أبو هاشم وغيره.
والثالث: أنها / (52ب/ د) موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، فيكون من المتواطئ وبه قال أبو منصور الماتريدي من الحنفية.
والرابع: أن الصيغة مشتركة بينهما بالاشتراك اللفظي، أي وضعت لكل منهما، وبه قال المرتضي من الشيعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
والخامس: الوقف فيهما، أي: يحتمل أنه حقيقة في الوجوب، ويحتمل أنه حقيقة في الندب، ويحتمل أنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي،/ (65 / أ / م) وبه قال القاضي أبو بكر والغزالي والآمدي وفي تأدية عبارة المصنف لما قررته نظر.
والسادس: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة، وهل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي فيه خلاف، وعبارة المصنف محتملة للأمرين.
والسابع: أنها مشتركة بين هذه الثلاثة وبين التهديد.
والثامن: أنها حقيقة في إرادة الامتثال والوجوب، وغير مستفادة من القرائن، وبه قال القاضي عبد الجبار.
قال الشارح: وهذا من المصنف تكرار فقد سبق في قوله (واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب) ثم إن هذه المسألة مفرعة على القول بالكلام النفسي، وعبد الجبار ممن ينكره فكان ينبغي أن يقول: وأما المنكرون له فقالوا: لا يكون أمراً إلا بالإرادة.
والتاسع: أن أمر الله حقيقة في الوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة في الندب، إذا كان مبتدأ، أي غير موافق لنص ولا مبيناً لمجمل، فإن كان كذلك فهو للوجوب أيضاً، حكاه القاضي عبد الوهاب عن شيخه أبي بكر الأبهري وذكر المازري أنه روى عنه أيضاً أنه للندب مطلقاً.
العاشر: أنها مشتركة بين الخمسة المذكورة أولاً في معاني صيغة (افعل) وهي الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد، حكاه الغزالي.
الحادي عشر: أنها مشتركة بين الأحكام الخمسة المشهورة، وهي: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، حكاه في (المحصول).
الثاني عشر: أنها حقيقة في اللغة في الطلب الجازم، والتوعد على تركه بالعقاب ثبت بالشرع بأمر خارج فاستفيد الوجوب من مجموع ذلك، وهذا يوافق القول بأنها حقيقة في الوجوب، ولا يوافق واحداً من الأقوال المحكية هناك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
في أن ذلك باللغة أو الشرع أو العقل، بل هو زائد عليها لقوله بثبوته لمجموع اللغة والشرع، وكلام الشافعي رضي الله عنه لا ينافيه، واختاره المصنف تبعاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين.
ص: وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث خلاف العام.
ش: إذا وردت صيغة الأمر / (65/ ب / م) (53أ/ د) من الشارع مجردة عن القرائن، وفرعنا على أنها حقيقة في الوجوب، فهل يجب اعتقاد أن المراد بها الوجوب قبل البحث عن كون المراد بها ذلك أو غيره؟ فيه الخلاف الآتي في وجوب اعتقاد العموم قبل البحث عن المخصص، حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ في (العدة) وهي مسالة غريبة قل من ذكرها.
ص: فإن ورد الأمر بعد حظر قال الإمام أو استئذان فللإباحة وقال أبو الطيب والشيرازي والسمعاني والإمام: للوجوب وتوقف إمام الحرمين.
ش: إذا فرعنا على اقتضاء الأمر الوجوب، فورد بعد حظر ففيه مذاهب:
أحدها: أنه للإباحة، فإن سبق الحظر قرينة صارفة، وهذا هو المحكي عن نص الشافعي، ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورجحه ابن الحاجب.
والثاني: أنه للوجوب، لأن الصيغة تقتضيه، ووروده بعد الحظر لا ينافيه وهو اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي المظفر السمعاني والإمام فخر الدين الرازي والبيضاوي، ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا، ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء وأكثر المتكلمين.
والثالث: الوقف بينهما، وإليه مال إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
في لفظه ابتداء من غير تقدم حظر.
قال الشارح: ولم يحكوا هنا القول الآتي في المسألة بعدها برجوع الحال إلى ما كان قبلها ولا يبعد طرده.
قلت: كان شيخنا الإمام البلقيني يقول: إن هذا هو المختار، فإنه للإباحة في قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} وللإيجاب في قوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} فالاصطياد كان قبل تحريمه بالإحرام مباحاً، فاستمر كذلك، وقتال المشركين قبل تحريمه في هذه المدة كان واجباً فاستمر كذلك.
تنبيهان:
أحدهما حكي عن القاضي أبي بكر أنه رغب عن تعبير الجمهور بالأمر بعد الحظر إلى أن الأولى أن يقال: افعل بعد الحظر، لأن افعل يكون أمراً تارة وغير أمر أخرى، والمباح لا يكون مأمورا به، وإنما هو مأذون فيه.
ثانيهما: ذكر الإمام أن الأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم، ومثل له بقوله عليه الصلاة والسلام لما قيل له كيف نصلي عليك: ((قولوا ....)) الحديث.
قلت: ويمكن التمثيل له أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام / (66 / أ / م) لما سئل عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
الوضوء من لحوم الإبل: ((توضؤوا منها)) فيجري فيه الخلاف المتقدم.
ص: وأما النهي بعد الوجوب فالجمهور للتحريم، وقيل: للكراهة وقيل: للإباحة، وقيل: لإسقاط الوجوب، وإمام الحرمين على وقفه.
ش: اختلف في النهي الوارد بعد الوجوب على مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنه يقتضي التحريم، ونقل القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق الاتفاق / (53 ب/ د) عليه، وفرق بينه وبين الأمر بأوجه.
أحدها: أن مقتضى النهي ـ وهو الترك ـ موافق للأصل، بخلاف مقتضى الأمر وهو الفعل.
ثانيها: أن النهي لدفع مفسدة المنهي عنه، والأمر لتحصيل مصلحة المأمور به، واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من جلب المصالح.
ثالثها: أن القول بالإباحة في الأمر بعد التحريم سببه وروده في القرآن والسنة كثيراً للإباحة، وهذا غير موجود في النهي بعد الوجوب.
المذهب الثاني: أنه لكراهة التنزيه حكاه ابن تيمية في (المسودة الأصولية) عن حكاية القاضي أبي يعلى من الحنابلة.
الثالث: أنه للإباحة كالقول به في المسألة المتقدمة، ويدل له قوله تعالى: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
الرابع: أنه يرفع ذلك الوجوب فيكون نسخاً، ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبله، وهذا يؤخذ من نقل صاحب (المسودة الأصولية).
الخامس: الوقف كالمسألة قبلها، وبه قال إمام الحرمين.
أما النهي بعد الاستئذان فهو مرتب على ما فهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة، لأن أصله الاستفهام عن الخبر وجوابه أيضاً خبر، لكن القرائن ترشد إلى أن المراد الاستفهام عن الحكم الشرعي نقل هذا عن السبكي، ومثل له بحديث سعد: أوصي بمالي كله؟ قال: (لا) وبحديث: أينحني بعضنا لبعض؟ قال: (لا) والظاهر فيهما التحريم لما فهم منه أن الاستفهام عن الإباحة.
قلت: ويحتمل أن المفهوم منه فيهما السؤال عن الندب، ويحتمل أن المفهوم من المثال الأول أن السؤال عن الندب، وفي الثاني عن الإباحة، ومن أمثلته حديث: سئل عن لحوم الغنم فقال: ((لا توضؤوا منها)) والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم.
ص: مسألة: الأمر لطلب الماهية لا لتكرار ولا مرة والمرة ضرورية، وقيل: مدلولة، وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
مطلقاً، وقيل: إن / (66 / ب / م) علق بشرط أو صفة وقيل بالوقف.
ش: اختلف في الأمر المطلق أي الذي ليس مقيدا بمرة ولا تكرار على مذاهب:
أحدها: أنه لطلب فعل الماهية، من غير دلالة على تكرار ولا مرة، لكن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به، وهذا مختار الإمام مع نقله عن الأقلين، ورجحه أيضاً الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
الثاني: أنه يدل على المرة بلفظه، وأن هذا مدلوله فلا يحمل على التكرار إلا بدليل، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء وعن اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي حامد، وقال ـ أعني الشيخ أبا حامد ـ: إنه مقتضى/ (54أ/ د) قول الشافعي.
الثالث: أنه للتكرار، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو حاتم القزويني كما نقله عنه صاحبه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع).
وقول المصنف: (مطلقاً) يحتمل أنه أراد به التكرار المستوعب لزمان العمر، وهو كذلك عند القائل به، لكن بشرط الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما قاله الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ، ويحتمل أنه أراد به مقابل ما سنحكيه من التفصيل في القول بعده، وإليه ذهب الشارح.
والرابع: أنه إن علق على شرط أو صفة اقتضى التكرار مثل: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وإن كان مطلقاً لم يقتضيه، وقال البيضاوي في هذه الصورة: يقتضه قياساً لا لفظاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
الخامس: الوقف وهذا محتمل لأمرين كلاهما قول محكي، أحدهما: أن يكون مشتركاً بين التكرار والمرة، فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة.
والثاني: أنه لأحدهما ولا نعرفه، فيتوقف لعدم علمنا بالواقع، فتكون الأقوال ستة وفيه قول سابع، وهو: أن المعلق بالصفة يقتضي التكرار دون المعلق بالشرط، ارتضاه القاضي أبو بكر، ورجحه بعض المتأخرين، لأنهم لم يذكروا في القياس أن تعليق الحكم على الشرط يفيد كونه علة له، إنما ذكروا ذلك في الصفة، وذكر الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي وغيرهم: أن محل الخلاف فيما لم يثبت كونه علة فإن ثبت كونه علة كالزنا، تكرر الحكم بتكرره اتفاقاً، وهذا مناف لكلام الإمام وأتباعه، حيث مثلوا بهاتين الآيتين مع كون / (67/ أ / م) الجنابة علة للطهر، والسرقة علة للقطع، والله أعلم.
تنبيه:
جعل الشارح لفظ المصنف الأمر بطلب الماهية بالباء، وشرحه على أنه تصوير للمسألة، والخبر في قوله: (لا لتكرار ولا مرة) ولا معنى لذلك، فإن الأمر هو الطلب وإنما عبارة لطلب الماهية باللام وهو الخبر، وقوله: (لا التكرار ولا مرة) لتقرير ذلك، وتأكيده والله أعلم.
ص: ولا لفور خلافاً لقوم وقيل للفور أو العزم وقيل مشترك والمبادر ممتثل خلافاً لمن منع ومن وقف.
ش: اختلف في أن الأمر المطلق أي المجرد عن القرائن هل يقتضي الفور أم لا؟
على مذاهب.
أحدها: انه لا يفيد الفور ولا التراخي، قال إمام الحرمين: ينسب إلى الشافعي وأصحابه، وهو الأليق بتفريعاته في الفقه، وإن لم يصرح به في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
مجموعاته في الأصول، واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم.
فقول المصنف: (ولا فور) معطوف على قوله: (لا لتكرار).
الثاني: أنه يقتضي الفور، وهو قول الحنفية والحنابلة، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن المالكية، وقال به من أصحابنا أبو بكر الصيرفي والقاضي أبو حامد.
الثالث: أنه يقتضي الفور أو العزم، وهذا شامل للمضيق والموسع، والعزم/ (54 ب/ د) إنما يكون في الموسع، ولا ينافي هذا العود للأعم، فإن انفراد بعض أفراد الأعم بالحكم لا يوجب عدم العود للأعم، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بناء على أصله في الواجب الموسع أنه يجب العزم فيه عند التأخير على إيقاع الفعل في بقية الوقت.
الرابع: أنه مشترك بين الفور والتراخي، ولو عبر المصنف بالوقف لتناول القول بالاشتراك والوقف لعدم العلم بمدلوله، وهو قول خامس أنه يقتضي التراخي كذا أطلقه البيضاوي وجماعة، وقال الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين: إن هذا الإطلاق مدخول، إذ مقتضاه أنه لو امتثل على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
قلت: إنما أرادوا التأخير جوازاً لا على سبيل التحتم، والله أعلم.
وسواء قلنا: الأمر يقتضي الفور/ أم لا لو بادر إلى فعله أول الوقت كان ممتثلاً للأمر، ووراءه قولان غريبان:
أحدهما: حكاه ابن الصباغ في العدة عن بعضهم أنه قال: لا يقطع بكونه ممتثلاً للأمر لجواز إرادة التراخي وقال: إنه خرق للإجماع، ومثله قول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
الإمام في (البرهان): إن من ترجم المسألة بأن الصيغة (هل) تقتضي التراخي / (67/ ب / م) فلفظه مدخول، فإنه يقتضي اقتضاءها للتراخي على قول، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
الثاني: أنا نتوقف في ذلك لكونه مشكوكاً في أن المراد به الفور أو التراخي، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين، قلت: وعبارة ابن الصباغ تقتضي مساواة الأول من هذين القولين للثاني، والله أعلم.
ص: مسألة: الرازي والشيرازي وعبد الجبار: الأمر الأول يستلزم القضاء وقال الأكثر القضاء بأمر جديد.
ش: إذا أخرج المكلف الواجب عن وقته المعين له شرعاً فهل يجب القضاء بالأمر السابق، بمعنى أنه يستلزمه لا أنه عينه أم لا يجب القضاء إلا بأمر جديد؟
فيه مذهبان، وبالأول قال القاضي عبد الجبار من المعتزلة والرازي أي الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف عن الشيرازي وهو الشيخ أبو إسحاق، وفيه نظر، فإنه صحح في (اللمع) قول الأكثرين وبالثاني قال الأكثرون.
ص: والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء، وأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا به، وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه، وأن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الأصح أن إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء، وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضياً إما لذلك المأتي به فيلزم تحصيل الحاصل، أو لغيره فيلزم أنه لم يأت بتمام المأمور به بل ببعضه والفرض خلافه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
وقال أبو هاشم وعبد الجبار: لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد.
وفي الرد على أبي هاشم بما تقدم نظر فإنه لا يقول ببقاء التكليف بالمأمور به، بل يوافق على سقوطه، لكنه يقول: السقوط مستفاد من البراءة الأصلية / (55/ أ / د) وغيره يقول: من ذلك الأمر.
واعلم أن هذا الخلاف مبني على تفسير الإجزاء بسقوط القضاء، فأما إذا فسر بسقوط التعبد به كما هو المختار فإنه حاصل عند الإتيان بالمأمور به على الوجه المشروع بلا خلاف كما صرح به جماعة.
المسألة الثانية: الأصح أن الأمر الوارد على زيد بأن يأمر عمرا بشيء لا يصير عمراً مأموراً من جهة الأمر الأول بذلك الشيء، ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الأولاد: ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر)) فليس الصبيان مأمورين بأمر الشارع، ومثل له أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام / (68/ أ/ م) لعمر لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض: ((مره فليراجعها)) ونقل العالمي من الحنفية عن بعضهم أنه أمر، وحكى سليم الرازي في (التقريب) ما يقتضى أنه يجب على الناس الفعل جزماً، وإنما الخلاف في تسميته أمراً.
وقال في (المحصول): الحق أن الله تعالى إذا قال لزيد: أوجب على عمرو كذا، وقال لعمرو: كل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك، فالأمر بالأمر أمر بالشيء في هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله: كل ما أوجب عليك فلان فهو واجب عليك، فإن لم يقل ذلك لم يجب لقوله عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
الصلاة والسلام: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع) فإن ذلك الأمر لا يقتضي الوجوب على الصبي.
وقال الشارح: الحق التفصيل، فإن كان للأول أن يأمر الثالث فالأمر للثاني بأمر الثالث أمر للثالث، وإلا فلا.
المسألة الثالثة: إذا ورد الأمر بلفظ يتناوله، أي تناول الآمر، فهل يدخل فيه الآمر أم لا؟ فيه مذهبان.
أصحهما عند المصنف: نعم نظراً إلى عموم الأمر، وكونه آمراً لا ينافيه وعزاه الهندي للأكثرين، لكن قال الشارح: إن الأكثرين ـ وهو مذهب الشافعي ـ على عدم الدخول لا سيما على قول من اشترط في الآمر العلو، قال: وينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا لم يكن الآمر مأموراً بمخاطبة غيره، فإن كان لم يدخل فيه قطعاً ولهذا قال: قطع أصحابنا فيما لو وكله ليبرئ غرماءه والوكيل من جملة الغرماء أنه ليس له أن يبرئ نفسه، وعلله صاحب التتمة بما ذكرنا، ونص الشافعي على أنه لو وكله أن يفرق ثلثه على الفقراء ليس له صرفه على نفسه، وإن كان فقيراً أو مسكيناً، ووجهه القاضي أبو الطيب في تعليقه بأن المذهب الصحيح أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، فإذا أمر الله تعالى نبيه بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر، انتهى.
واحترز بقوله: (بلفظ يتناوله) عما إذا أمر بلفظ خاص، فإنه لا يدخل الآمر تحته قطعاً.
تنبيه:
اعترض على المصنف/ (55 ب/ د) بأنه / (68 / ب / م) كيف يجتمع كلامه هنا مع قوله في آخر العام (الأصح أن المخاطب داخل في خطابه إن كان خبراً لا أمراً) وجمع المصنف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
بينهما بحمل كلامه في الأوامر على الإنشاء، سواء صدر عن المنشئ للحكم، وهو الله تعالى، أو عن المبلغ عنه وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وكلامه في العموم على الخطاب أعم من كونه إنشاء أو خبراً.
قال الشارح: ولا يخفى ما فيه من التعسف، مع وروده في الصورة التي يجتمعان فيها، ولو جمع بينهما بحمل المذكور هنا على ما إذا تناوله الخطاب كقوله: إن الله يأمر بكذا، والمذكور في العام على ما إذا لم يتناوله اللفظ كقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} لكان أولى ولهذا لم يدخل موسى عليه السلام في ذلك الأمر بدليل قوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} ولا يظن بموسى عليه السلام ذلك.
وقول المصنف هنا بلفظ: (يتناوله) ولم يذكر هذا القيد هناك ـ صريح فيما ذكرته، والعجب منه كيف لم يقع على هذا وهو ظاهر من لفظه، وقد رأيت في (التمهيد) لأبي الخطاب هذا التفصيل في هذه المسألة، ففرق المصنف المسألة في موضعين، وذكر كل شق في موضع. انتهى.
المسألة الرابعة: مذهبنا كما قال الآمدي: جواز دخول النيابة فيما كلف به من الأفعال البدنية، خلافاً للمعتزلة، استدلوا بأن الوجوب لقهر النفس وكسرها، والنيابة تنافي ذلك، وقال أصحابنا: النيابة لا تأباه لما فيها من بدل المؤنة وتحمل المنة.
وخرج بقول المصنف: (إلا لمانع) الصلاة والاعكتاف وكذا الصوم على الجديد، وعكس ذلك ابن عبد السلام في أماليه فقال: الطاعات لا تدخلها النيابة إلا الحج والصوم على قول، لأن القصد بها الإجلال والإنابة، ولا يلزم من تعظيم الوكيل تعظيم الموكل.
وقال الصفي الهندي: اتفقوا على جواز النيابة في العبادة المالية، ووقوعها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
كتفرقة الزكاة، واختلفوا في البدنية، فذهب أصحابنا إلى جوازه ووقوعه ومنعه غيرهم.
ص: مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، وعن القاضي: يتضمنه، وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والإمام والآمدي، وقال إمام الحرمين والغزالي، لا عينه ولا يتضمنه، وقيل: أمر الوجوب يتضمن فقط، أما اللفظي فليس عين النهي قطعاً، ولا يتضمنه على الأصح، وأما النهي فقيل: أمر بالضد، وقيل: على الخلاف.
ش: اختلف المثبتون للكلام النفسي في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ على مذاهب.
أحدها: أنه عين النهي عن ضده، وهو قول للأشعري والقاضي أبي بكر وأطنب في نصرته في (التقريب).
واحترزنا بقولنا: (معين) عن الواجب الموسع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهياً عن الضد كما صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي في (التقريب) وغيرهما / (56أ / د).
وقيدنا الضد بالوجودي، للاحتراز عن النقيض، وهو ترك المأمور به فإنه منهي عنه بلا خلاف فقولنا: قم، نهي عن ترك القيام، وهل هو نهي على التلبس بضد من أضداده الوجودية كالقعود والاضطجاع؟ وهذا موضع الخلاف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)