/ وقال مالك بن أنس رحمه الله: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنه نور يجعله الله في قلب من يشاء من خلقه.
وفي رواية: العلم الحكمة، ونور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل.
وقال الأوزاعي رحمه الله: كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم، فلما كتب ذهب نوره، وصار إلى غير أهله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
وقال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل.
وقال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فائنها ساعة جهل العالم، وعندها يبتغي الشيطان زلته.
وقال مالك بن أنس: ليس هذا الجدال من الدين بشيء.
وقال أيضا: المراء في العلم يقسي القلوب، ويورث الضغائن.
وقال وهب بن منبه: دع المراء الجدال، كيف تمارى وتجادل من هو أعلم منك أو من أنت أعلم منه ولا يطيعك! فاطو ذلك عنه.
قالو: وكان أبو سلمة يماري ابن عباس فحرم منه علما كثيرا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
وكان هارون الرشيد مع محبته للفقه والفقهاء، وميله إلي العلم والعلماء، يكره الجدال في الدين والمراء، ويقول: إنه لخليق أن لا يفتح خيرا.
وفي جامع الترمذي عن أبي يمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون}. قال هذا حديث حسن صحيح.
جعلنا الله ربنا من القائمين بحقوق العلم العاملين به، المرتفعين في الدنيا والآخرة بسببه، وأوضح لنا به المحجة، ولا جعله علينا حجة، بل كما كان الفقهاء من السلف الصالح أهل نسك وعبادة، وورع وزهادة، أرادو الله بعلمهم، وصانوا العلم / فصانهم، وتدرعوا من الأعمال الصالحة ما زانهم، ولم يشنهم الحرص على الدنيا وخدمة أهلها، بل أقبلوا على طاعة الله تعالى التي خلقوا من أجلها، فاؤلئك الذين عناهم الإمام الشافعي رحمه الله بقوله: ما أحد أورع لخالقه من الفقهاء. وفي رواية: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما الله ولي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
قال ابن مسعود: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمانهم، ولكنهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا عليهم.
وروي ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لو أن العلماء أخذوا العلم بحقه لأحبهم الله عز وجل والملائكة والصالحون من عباده، ولهابهم الناس لفضل العلم وشرفه.
وقال وهب بن منبه: إن الفقهاء فيما خلا حملوا العلم فأحسنوا حمله فاحتاجت إليهم الملوك وأهل الدنيا، ورغبوا في عملهن، فلما كان بأخرة فشت علماء فحملوا العلم فلم يحسنوا حمله، فطرحوا عملهم على الملوك وأهل الدنيا فاهتضموهم واحتقروهم.
وقال أيضا: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم منا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم. وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
اللهم فجنبنا طريقة أقوام لم يقوموا بحق العلم وأرادوا به الدنيا، وأعرضوا عما لهم في الآخرة من الدرجة العليا، فلم يهنؤوا بحلاوته، ولم يمتعوا بنضارته، بل خلقت عندهم ديياجته، ورثت حالته، وعرف مقداره جماعة من السادة فعظموه وبجلوه ووقروه واستغنوا به، ورأوه بعد المعرفة أفضل ما أعطي البشر، واحتقروا في جنبته كل مفتخر، / وتلوا: {فما آتني الله خير مما آتاكم} ، وكيف لا يكون الأمر كذلك والعلم حياة والجهل موت، فبينهما كما بين الحياة والموت.
ولقد أحسن القائل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله. . . فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرءا لم يحي بالعلم ميت. . . وليس له حتى النشور نشور
وعن إسماعيل بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو قال: من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه. ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدا من الخلق أعطى أفضل مما أعطى فقد حقر ما أعظم الله وعظم ما حقر الله. ليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل، ولا يجد فيمن يجد، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وللقاضي أبي سعيد الخليل بن أحمد السجزي الحنفي:
رضيت من الدنيا بقوت يقيمني. . . ولا ابتغي من بعده أبدا فضلا
ولست أروم القوت إلا لأنه. . . يعين على علم أرد به الجهلا
فما هذه الدنيا بطيب نعيمها. . . لأصغر ما في العلم من نكتة عدلا
فهذه رحمة الله عرف مقدار العلم؛ فلا جرم زهد في الدنيا، وقنع منها بالقوت، وحصل على رياض العلم ومتنزهاته، ومحاسن أوجه وطيب أوقاته.
وما أجود أبيات القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني من أصحابنا في صيانة العلم وترك التبذل به، وهي قصيدة نفيسة منها:
ولو أن أهل العلم صانهم. . . ولعظموه في النفوس لعظما
ولكن أذالوه فهان ودنسوا. . . محياه بالأطماع حتى تهجما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما. . . بدا طمع صيرته لي سلما
وأقبض خطوي عن فضول كثيرة. . . إذا لم أنلها وافر العرض مكرما
/ يقولون هذا منهل قلت قد أرى. . . ولكن نفس الحر تحتمل الظما
وماذا عسى الدنيا وإن جل خطبها. . . ينال بها من صير الصبر مطعما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وينبغي لمن نظمه الله سبحانه في سلك العلماء أن يعرف قدر نعمته عليه، فقد قربه من درجة النبوة بما أسداه إليه، فلا يحزن لما يفوته من أمر الدنيا، فما آتاه الله خير مما أوتي أهلها، ولا يتبرم بما ينزل به من مصائبها فأن ذلك من علامات قبوله ولحوقه بسلفه، فقد جاء في الحديث: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون)).
وفي رواية: ((النبيون، ثم الأمثل فالأمثل)).
وقال وهب بن منبه: لا يكون الفقيه فقيها حتى يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء، وصاحب الرخاء ينتظر البلاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
فصل
صح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤرسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)).
ما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظا على الناس ما بقى بأيديهم منه، فإن هذه الأزمة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب الدنيا، فالمشتغل منهم عليها يحوم، ولها يعقد ويقوم، فإذا حصلت فترت همته واشتغل بها، وطلب الزيادة منها.
ومنهم من تفتر همته لعدم حصولها [له] ولا سيما إذا حصلت لغيره ممن يراه دون درجته، هذا / مع أن اشتغال المشتغل منهم ضعيف، قد قنع الحريص منهم من علوم القرآن بحفظ سواده، ونقل بعض قراءآته، وأغفل علم تفسيره ومعانيه، واستنباط أحكام الشريعة من مبانيه. واقتصر من علم الحديث على سماع بعض الكتب على شيوخ أكثرهم أجهل منه بعلم الرواية، فضلا عن الدراية، وأغفل إتقان معرفة الأسانيد والمتون من التقييد اللفظي، والبحث الصحيح المعنوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
واجتزأ من علم الفقه بحفظ مختصر، ولولا الجاري عليه بسببه لما صبر.
ومنهم من صعب عليه أيضا حفظ المختصر [ورفع نفسه عنه] ، فنظر في بعض نكت الخلافيين المتأخرين، العارية عن مآخذ الأئمة وفقه المتقدمين، وعد نفسه - لغرابة ما أتى به - من رؤوس العلماء، وهو عند الله تعالى وعند علماء الشريعة من أجهل الجهلاء، قد حرم أنفاس أهل الدين والعلم الفاخر، ورضي مما هم عليه بإطلاق اسم المستدل المناظر.
واكتفى من علم العربية بالنظر في مقدمة يزعم أنه يصلح بها لسانه، ويقوى بها عند الجدال جنانه، وصدف عن الكتب النفيسة الكافلة بنفائس هذا الشأن، وعن الاشتغال بعلمي اللغة والبيان، اللذين بهما يفهم الحديث والقرآن.
وأما علم أصول الفقه فقد هجر هجرا، فلا تكاد تسمع له ذكرا، إلا
بأبحاث خارجة عنه، وإن كانت قد سطرت فيه حتى حسبت أنها منه.
فليتدبر ما قلناه طالب العلم، وليتهم نفسه بالتحصيل، فكل علم من هذه العلوم بحر زاخر، ولا يحصل على درره إلا كل سابح غواص ماهر، قد مرت عليه أزمنة في ملازمة الطلب، وطول / النصب والتعب، من التكرار والبحث والشرح والمراجعات ، ومذاكرة العلماء وكثرة المطالعات، مع الأهلية التامة من صحة الذهن وحدته، وطول الفكر منه وحسن نيته، فيراجع ما أشكل عليه ويحققه، وإذا عد تنبيه من نبهه على خطئه فائدة منه وشكره عليها فالله يوفقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كل معتمد عليه، ولا يتجاوز تحقيق ما أشكل لديه، فهذه صفة المشتغل المحقق، وهو الذي ينتفع وينفع الله به كل موفق.
قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه ": حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت أبي يقول: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
قلت:
ومن آدابه: اجتناب المراء والافتراء، واللغط الهراء، وحرصه أبدا على إظهار الحق، وطلبه من حيث كان، كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله: ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة، وما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ.
وما روينا عنه أيضا أنه قال: من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
فصل
والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا حاصلا للصحابة فمن بعدهم من علمهم بالقرآن والسنة، ومعرفتهم بلسان العرب، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتدافعون الفتوى ويود كل منهم لو كفناه إياها غيره.
وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع، ويقولون للسائل /عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا، قالوا: دعه حتى يقع، ثم نجتهد فيه. كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به، واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد، وإذا وقعت الواقعة لم يكن بد من النظر فيها.
قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن ولم يمض به كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر، ليعملوا عليه إذا وقع، وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع؛ لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة، وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد.
واحتج بعضهم في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم موصولا ومنقطعا: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وعن طاووس قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر أحرج بالله على كل امرىء مسلم سأل عن كل شيء لم يكن؛ فإن الله قد بين ما هو كائن.
وفي رواية: لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن فإنه قد قضى فيما هو كائن.
وعن عبد الرحمن بن شريح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول:
إياكم وهذه العضل فإنها نزلت بعث لها من يقيمها ويفسرها.
وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاووسا عن شيء فقال: أكان هذا؟
قلت: نعم. قال: آالله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
إن أصحابنا حدثونا عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، وإنكم إن لم تفعلوا - أي لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله - لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال: وفق.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا تستعجلوا بالبلية قبل / نزولها فائنكم إذا فعلتم ذلك لم يزل منكم من يوفق ويسدد، وإنكم إن استعجلتم بها قبل نزولها تفرقت بكم السبل هاهنا وهاهنا وأشار عن يمينه وشماله)).
وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد؟ قلت: لا. قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان لك رأينا.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
وفي رواية: يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
قلت:
ثم كثرت الوقائع والنازل وأفتى فيها مجتهدوا الصحابة والتابعين وأتباعهم، وحفظت فتاويهم وسطرت ودونت، ووصلت إلى من بعدهم من الفقهاء الأئمة ففرعوا عليها وقاسوا واجتهدوا في إلحاق غيرها بها، فتضاعفت مسائل الفقه وكثر الاختلاف. واختلاف الأئمة رحمة إذ نصوص القرآن والسنة تحتمل وجوها من التأويل، وطرق العربية ومجاريها واسعة، فلكل قول منها دليل.
ولم يزل علم الفقه كريما يتوارثه الأئمة معتمدين على الأصلين الكتاب والسنة مستظهرين بأقوال السلف على ما فيهما من غير تقليد.
قد نهى إمامنا الشافعي رحمه الله عن تقليده وتقليد غيره على ما سنذكره في فصل بعد هذا. وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين، وكل صنف على ما رأى، وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة، وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة. ولم يزل الأمر على ما / وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة، ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
فقصرت همم أتباعهم إلا قليلا منهم، فقلدوا ولم ينظروا فيما نظر فيه المتقدمون من الاستنباط من الأصلين الكتاب والسنة، بل صارت أقوال أئمتهم بمنزلة الأصلين، فأخذوها مسلمة مفروغا منها، ففرعوا عليها، واستنبطوا منها، ولم يبق لهم نظر إلا فيها، وأعرضوا عن علوم الأصلين، فعدم المجتهدون، وغلب المقلدون، حتى صاروا ممن يروم رتبة الاجتهاد يعجبون، وله يزدرون، وكثر التعصب للمذاهب، وقلت النصفة وبانت المثالب، ودبت بينهم العقارب، فجرى من بعضهم في بعض العجائب والغرائب، وآل بهم التعصب إلى أن صار أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب والسنة الثابتة على خلاف مذهبه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويل البعيد نصرة لقوله، وإعراضا عما يجب عليه الأخذ به، ولو كان ذلك وصل إلى إمامه الذي يقلده هذا المتعصب لقابله ذلك الإمام بالتعظيم والتبجيل، ولصار إليه إن لم يعارضه دليل.
ثم تفاقم الأمر حتى صار كثير منهم لا يرون الاشتغال بعلوم القرآن والحديث، ويعيبون من يعتني بهما، ويرون أن ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبة عليه، وتقدمته بين يديه، من الاحتجاج للمذاهب بالآراء، وكثرة الجدال والمراء، فينقضي منهم المجلس بعد المجلس لا يسمع فيه آية تتلى، ولا حديث يروى، وإن اتفق ذكر شيء من ذلك لم يكن في المجلس من يعرف صحيحه من سقيمه، ولا إيراده على وجهه ولا فهم معناه. وغرض كل منهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
قمع خصمهم وإبطال حكمه، وعدم منهم / الإنصاف في مسائل الخلاف، ولا سيما لما وقفت عليهم الأوقاف.
ثم نبغ قوم آخرون صارت عقيدتهم في الاشتغال بمسائل المذهب كعقيدة أولئك في الاشتغال بعلوم الأصلين، يرون أن أولى منه الاقتصار على نكت خلافية وضعوها، وأشكال منطقية ألفوها.
بالمنطق اشتغلوا فقلت لجمعهم. . . إن البلاء موكل بالمنطق
فاعرضوا عن تلك المحاسن، وسموا المشتغلين بعلم المذهب كوادن، وذلك من وساوس الشيطان، وعلامات الخذلان؛ فنعوذ بالله من هذا البلاء، وسوء القضاء، ومن تضييع الزمان في الجدال والمراء، ونسأله الثبات على التمسك بالآثار، والاعتماد على [صحيح] الأخبار، ويلحقنا بالسادة الأخيار، ويباعدنا من هؤلاء الجهال الأغبياء الأشرار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وقوم آخرون قنعوا بزي المتفقهين، والصياح الجاري بين المتناظرين، وقالو: علام نتعب أنفسنا، وريع المدارس حاصل لنا.
وما أظرف ما قال فيهم بعض الظرفاء، من المتأخرين الفضلاء:
يا طالب العلم من كتاب. . . ومن حديث طلاب مسلم
بدون هذا ترى فقيها. . . فوسع الثوب ثم عمم
والبس من الشرب طيلسانا. . . واعقده في المنكبين واختم
واقعد مع القوم في جدال. . . لا بالبخاري ولا بمسلم
إلا صياحا ونفض كم. . . وقول لا لا وعقد لم لم
فما أرى عندهم علوما. . . أكثر من لم ولا أسلم
وفي "مسند البزاز" وغيره عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة، فرقة أعظمها فتنة على أمي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
وعن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما / جئتكم به)).
وقال عمر بن الخطاب وسهل بن حنيف رضي الله عنهما: اتهموا الرأي على الدين. وفي رواية: اتقوا الرأي على دينكم. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لا يزال الناس على الطريق ما اتبعوا الأثر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وعن الشعبي من قوله، وقيل: رفعه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا.
وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم.
وقال أيضا: إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فإياك أن تقول بغيره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى.
وقال أيضا: العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما لم يجيء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم - يعني ما لم يجيء أصله عنهم -.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
وقال سفيان الثوري: إنما العلم كله العلم بالآثار.
وقال ابن المبارك: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: سألت الشافعي عن القياس فقال عند الضرورات.
وقال: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله.
قلت:
وما أحسن قول القائل:
تجنب ركوب الرأي فالرأي ريبة. . . عليك بآثار النبي محمد
فمن يركب الآراء يعم عن الهدى. . . ومن يتبع الآثار يهد ويحمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)