خارجا عن دواوين الإسلام كـ:"الموطأ" و"مسند أحمد" و"الصحيحين" و"سنن" أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها مما تقدم ذكره ومما لم نذكره، فانظر فيه فإن كان له نظير في الصحاح أو الحسان قرب أمره، وإن رأيته يباين الأصول وارتبت به فتأمل رجاله إسناده، واعتبر أحوالهم من الكتب المصنفة في ذلك، وأصعب الأحوال أن يكون رجال الإسناد كلهم ثقات ويكون متن الحديث موضوعا عليهم أو مقلوبا أو قد جرى فيه تدليس، ولا يعرف هذا إلا النقاد من علماء الحديث، فإن كنت من أهله وإلا سل عنه أهله.
قال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذنا، وما أنكروا تركنا.
قلت:
وكذلك المسائل الفقهية المبنية على دلالات اللغة ومقتضيات الألفاظ يرجع فيها إلى أقوال أهل اللغة وصناعة العربية، وكل ذلك قد حرره أهله وحققوه. فالتوصل إلى الاجتهاد بعد جمع السنن في الكتب المعتمدة - إذا زرق الانسان الحفظ والفهم ومعرفة اللسان - أسهل منه قبل ذلك [لولا قلة همم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
المتأخرين، وبعدهم عن المتبحرين]. ومن أكبر أسبابه / تعصبهم وتقيدهم برفق الوقوف، وجهل أكثر المصدرين منهم على ما هو المعروف، الذي هو منكر مألوف.
فصل:
فإذا ظهر هذا وتقرر تبين أن التعصب لمذهب الإمام المقلد ليس هو باتباع أقواله كلها كيفما كانت، بل بالجمع بينهما وبين ما ثبت من الأخبار والآثار، ويكون الخبر هو المتبع، ويؤول كلام ذلك الإمام تنزيلا له الخبر. والأمر عند المقلدين أو أكثرهم بخلاف هذا إنما هم يؤولون الخبر تنزيلا له على نص إمامهم. ثم الشافعين كانوا أولى بما ذكرناه لنص إمامهم رضي الله عنه على ترك قوله إذا ظفر بحديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلافه، فالتعصب له على الحقيقة إنما هو امتثال أمره في ذلك، وسلوك طريقته في قبول الأخبار، والبحث عنها والتفقه فيها، وقد نقلت - والحمد لله - ما روي عنه من وصيته بذلك في ترجمته في "تاريخ دمشق".
قال الربيع: قال الشافعي: قد أعطيتك جملة تغنيك إن شاء الله: لا تدع لرسول الله صلى الله حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه، فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
وسيأتي ذلك في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى.
وفي رواية: إذا وجدتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة خلاف قولي فخذوا السنة ودعوا قولي فإني أقول بها.
وفي رواية: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما ما قلت.
وفي رواية: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
قال: وسمعت الشافعي يقول - وروي حديثا - فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذه، وأشار بيده على رؤوسهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
وقال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلت / وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ولا تقلدوني.
وفي " كتاب ابن أبي حاتم" عن أبي ثور قال: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإن لم تسمعوه مني.
وفيه عن الحسين - هو الكرابيسي- قال: قال الشافعي: إن أصبتم الحجة في الطريق مطروحة فاحكوها عني فإني قائل بها.
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي. قال: وجعل يردد هذا الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
قال: وقال الشافعي: من تبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وافقته، ومن غلظ فتركها خالفته، صاحبي اللازم الذي لا أفارقه الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بعد، والذي أفارق من لم يقل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قرب.
وقال الزعفراني: كنا ولو قيل لنا: سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: هذا مأخوذ وهذا غير مأخوذ،
حتى قدم علينا الشافعي فقال لنا: ما هذا؟ إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مأخوذ به لا يترك لقول غيره. [قال]: فنبهنا لشيء لم نعرفه - يعني نبهنا على هذا المعنى-.
وقال أبو بكر الأثرم: كنا عند البويطي فذكرت حديث عمار في التميم،
فأخذ السكين وحته من كتابه، وصيره ضربة. وقال: هكذا أوصانا صاحبنا: إذا صح عندكم الخبر فهو قولي أو كما قال هذا معناه.
قلت:
هذا من البويطي فعل حسن موافق للسنة ولما أمر به إمامه رحمه الله،
وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه في باب التيمم إن شاء الله تعالى.
وأما الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي / كيفما كانت وإن جاءت سنة بخلافها فليسو متعصبين في الحقيقة؛ لأنهم لم يمتثلوا ما أمر به إمامهم، بل دأبهم وديدنهم إذا أورد عليهم حديث صحيح - هو مذهب إمامهم، لو وقف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
عليه لقال به - أن يحتالوا في دفعه بما لا ينفعهم، لما نقل عن إمامهم من قول قد أمر بتركه عند وجدان ما يخالفه من السنة، هذا مع كونهم عاصين بذلك لمخالفتهم ظاهر كتاب الله وسنة رسوله على ما سنبنيه إن شاء الله تعالى في فصل كيفية اتباع الكتاب والسنة من كلام الشافعي رحمه الله وغيره في مقدمة الأصول السابق ذكرها.
وروي الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي وغيرهم عن ابن عيينة.
قال الشافعي: أنا سفيان بن عيينة، أبنا سالم أبو النضر، أنه سمع عبيد الله ابن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)).
قال الحميدي: إذ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك ما جاء عنه مما لم يكن في كتاب الله كانت الحجة على من ترك ذلك لرأي نفسه أو كد، وله ألزم، وكان عن طريق الحق أجور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
قلت:
فكيف حال من يترك ذلك لأنه لا يجده في كتب المتأخرين المقلدين، أو يجد فيها خلافه. والعجب أن منهم من يستجيز مخالفة نص الشافعي لنص له آخر في مسألة أخرى بخلافه، عسر عليهم الفرق بينهما فيصنعون فيهما شيئا يسمونه النقل والتخريج، فيخالفون نصه في المسألتين لأنهم ينقلون جوابه من كل مسألة منها إلى الأخرى، ثم لا يرون مخالفة نصه لأجل نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه قد صح عن الشافعي أنه أذن لهم فيما لعلهم يتركونه من ذلك، / وليسو يقدرون أن يروا عنه أنه أذن لهم فيما فعلوه من النقل والتخريج، ولعله رحمه الله كان عنده بين المسألتين فرق لم يطلعهم [الله] عليه، فمالهم يقولونه في [كل] مسألة منهما قولا لم يقله حتى كثرت الأقوال في المذهب والتخريجات، وكثرت في ذلك المناظرات، ولم يقولوه ما دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه قال لهم: ((القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي)) ، على ما تقدم نقله عنه رضي الله عنه.
وقد قال البويطي: سمعت الشافعي يقول: لقد ألفت هذه الكتب ولم آل فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: {ولو كان من عند غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ، فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه.
وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا معن بن عيسى القزاز، قال: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
قلت:
فهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله قد سبق إمامنا الشافعي بهذا الكلام وهو الحق، وذلك الظن بجميع الأئمة وإن لم ينقل عنهم.
وقد نقل عن أبي حنيفة رحمه الله معنى ذلك.
قال نعيم بن حماد: سمعت أبا عصمة يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن أصحابه اخترنا، وما كان غير ذلك فنحن رجال وهم رجال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وفي رواية: قال نعيم: سمعت ابن المبارك يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي صلى الله فعلى الرأس والعين، وإذا جاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.
وفي رواية أخرى: قال: آخذ بكتاب الله / فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم [النخعي] والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب وعدد رجالا من التابعين، فقوم اجتهدوا فاجتهدوا.
قلت: وليس يعني رحمه الله اختيار شهوة بل اختيار نظر واستدلال وقياس واعتبار على ما دل عليه الكتاب والسنة. وفرق بين الصحابة والتابعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
فجوز أن يذهب إلى ما لم ينقل عن واحد منهم في مسألة اختلفوا فيها عن اجتهاد ولا نص فيها، ولم يرد إذا أجمعوا على قول واحد فإن الإجماع حجة في التابعين كما هو في الصحابة على المذهب الصحيح.
وقال سفيان الثوري لما بلغه ذلك عن أبي حنيفة: نتهم رأينا كرأيهم.
وكأنه رحمه الله سوى بين التابعين والصحابة في أنهم إذا أجمعوا في مسألة على قولين مثلا لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، وجوز أبو حنيفة ذلك، وهي مسألة مختلف فيها بين الأصوليين وفيها تفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى، وأما ما أجمع الصحابة عليه فلا كلام في أنه لا تجوز مخالفته.
فقد وضح لك من أقوال الأئمة أنه متى جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ثابت فواجب المصير إلى ما دل عليه ظاهره، ما لم يعارضه دليل آخر على ما سيأتي تحقيقه، وهذا هو الذي لا يسع أحدا غيره.
قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت / ويسلموا تسليما} ، فنفي الإيمان عمن لم يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيما وقع التنازع فيه ولم يسلم لقضائه.
وقال عز وجل: {وإن تطيعوه تهتدوا} فضمن الهِداية في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يضمنها في طاعة غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وقال: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}.
وأوعد على مخالفته فقال: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.
وقال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}.
قال يونس بن عبد الأعلى: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أيضا عن مجاهد بإسناد آخر، وروي معناه عن الشعبي، وكذلك روى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، وروي أيضا عن مالك بن أنس وقال: إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
فصل
كان العلماء من قدماء أصحابنا يعتنون بـ: " مختصر المزني " رحمه الله حفظا وشرحا، وبسببه سهل تحصيل مذهب الشافعي رحمه الله على طلابه في ذلك الزمان، وسمعه من المزني خلق عظيم من الغرباء، ورحل إليه بسببه، وامتلأت بنسخه البلدان حتى إنه بلغني أن المرأة كانت إذا جهزت للدخول على زوجها حمل في جهازها مصحف ونسخة من " مختصر المزني "، فاشتهروا اشتهارا عظيما، وانتفع به أئمة أكابر، وتخرج به المشايخ، وتفقه به معظم الأصحاب.
ويروى عن المزني رحمه الله أنه قال: بقيت في تصنيف هذا " المختصر " ست عشرة سنة، وما صليت الله تعالى في طول هذه المدة فريضة ولا نافلة إلا سألت الله عز وجل البركة لمن تعلمه ونظر في وجاء عن أبي العباس بن سريج رحمه الله تعالى أنه كان يقول في " المختصر ":
لصيق فؤادي مذ ثلاثون حجة. . . وصيقل ذهني والمفرج عن همي
عزيز على مثلي إضاعة مثله. . . لما فيه من نسج بديع ومن نظم
جموع لأنواع العلوم بأسرها. . . وآيته أن لا يفارقه كمي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
وعلى ترتيبه وضعت الكتب المطولة في مذهب الشافعي ومعظم المختصرة. ثم صنف أبو العباس بن القاص مختصره المسمى ب:"التلخيص"، فاعتنى به أيضا حفظا وشرحا. وطالت كتب أصحابنا الكبار الشارحة ل: "مختصر المزني" يجمعهم مسائل المذهب المنتشرة إلى ترتيبه، وكذلك يذكرون مذاهب العلماء والكلام عليها بالبحث والتقرير، ويستدلون للجميع بالآيات والأخبار والمعاني، ويلتزمون في كل مسألة منها تقرير مذهبهم، إلا مواضع قليلة نادرة ربما يتوقف فيها بعضهم أو ينبه عليها، وسينقل ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن النظر في بعض المسائل يؤدي إلى تصحيح مذهب بعض الأئمة أو إلى ترجيحه، فمن الإنصاف الاعتراف بل هو الواجب نصحا لدين الله وللناس فإن الدين النصيحة.
واعلم أنه لا يفقه كل الفقه من لا يعرف اختلاف الناس ومذاهبهم، ويقف على أدلتهم وما تمسكوا به.
قال أبو قدامة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لا يجوز أن يكون / الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم.
وقال قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
وقال عطاء الخراساني: لا ينبغي لأحد أن يفتي أحدا من الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه.
وسئل مالك بن أنس: لمن تجوز الفتيا؟ فقال: لمن علم ما اختلف الناس فيه.
وقال سعيد بن أبي عروبة: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما.
وقال يحيى بن سلام: ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إلى.
وقال الحافظ البيهقي:
((وقد قابلت بتوفيق الله تعالى أقوال كل واحد من الأئمة بملغ علمي من كتاب الله عز وجل، ثم ما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل والحلال والحرام والحدود والأحكام، فوجدت الشافعي رحمه الله وذلك فيما صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع، بأبين بيان، وأفصح لسان)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
قلت:
ثم اشتهر في آخر الزمان على مذهب الشافعي تصانيف الشيخين أبي إسحاق الشيرازي - وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزاباذي - وأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي رحمهما الله، فأكب الناس على الاشتغال بكتبهما، وكثرت النسخ بها، واشتهرت اشتهارا عظيما، وانتفع بها نفعا كثيرا، وكثر المتعصبون لهما حتى صار المتبحر المرتفع عند نفسه يرى أن نصوصهما كنصوص الكتاب والسنة لا يرى الخروج عنها، وإن أخبر بنصوص غيرهما / من أئمة مذهبه [الواردة] بخلاف ذلك لم يلتفت إليها التفاته إلى نصوصهما؛ تعصبا وحمية وقلة خبرة بالمصنفات ومصنفيها، وإنما هم على قدر مبلغهم من العلم. وقد يقع في بعض مصنفاتهما أو مصنفات أحدهما شيء قد خالف [المصنف] فيه صريح حديث صحيح، أو ساق حديثا على خلاف لفظه، أو نقل إجماعا أو حكما عن مذهب بعض الأئمة وليس كذلك، فإذا ذكر لذلك المتعصب الصواب في مثل ذلك تأذى وتنمر، وصاح وزمجر، وأخفى العداوة وأظهر، وكان سبيله أن يفرح بوصوله إلى علم ما لم يكن يعرفه، ولكن عمى التقليد أصمه عن سماع العلم المفيد. ويقول المتحذلق منهم المتصدر في منصب لا يستحقه: أما كان هؤلاء الأئمة يعرفون هذا الحديث الصحيح الوارد على خلاف نصهم، فيرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصه الدال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
على خلاف ما هو عليه بمثل هذا الهذيان الذي لو فكر فيه أسكته عنه؛ لأن خصمه في مثل هذا هو الله ورسوله؛ لأنه سبحانه افترض علينا طاعة رسوله، وقد وصلنا حديثه دالا على أمر فلا نرده بقول أحد إلا بحجة شرعية.
ثم إن في ذلك إبطالا لمذهبه وهدما لأصله الذي مهده إمامه وأسسه وبنى عليه، وذلك أن الشافعي رحمه الله إنما تعقب على من كان قبله من الأئمة بمثل ذلك من دلالات الكتاب والسنة مما ظنه خفي على من سبقه، وكان من الممكن أن يقال له: أما كان أولئك يعرفون هذا، وأولئك المتقدمون أولى بذلك من هؤلاء المتأخرين، فلو سمع مثل هذا الهذيان لبطلت المذاهب.
فهذه طريقة من لا يعد من العلماء، بل ينبغي لكل من يطلب العلم أن يكون أبدا في طلب ازدياد علم ما / لم يعلم من أي شخص كان، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها. وعليه بالإنصاف وترك التقليد واتباع الدليل، فكل أحد يخطئ ويصيب إلا من شهدت له الشريعة بالعصمة وهو النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
قال الشافعي رحمه الله في كتاب " اختلاف الحديث": أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة. قال سالم: فقالت عائشة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
طيبت رسول الله بيدي هاتين لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق.
قال الشافعي: ((فترك سالم قول جده عمر في إمامته وقبل خبر عائشة وحدها، وأعلم من حدثه أن خبرها وحدها سنة وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق، وذلك الذي يجب عليه، ومنع ذلك الذين بعد التابعين)).
قلت:
وما زال أكابر الصحابة من [عهد الصديق] أبي بكر فمن بعده رضي الله عنهم يخفى عنهم شيء من السنة كميراث الجدة، وتوريث المرأة من دية زوجها، ووضع اليدين على الركبتين في الصلاة، خفي الأول على أبي بكر، والثاني على عمر، والثالث على ابن مسعود، حتى نبههم على ذلك غيرهم، ولذلك أمثلة كثيرة تأتي في مواضعها عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. ويستسهل ذلك من يسمعه من هؤلاء المتفقهة ولا ينكره قلبه. ،وإذا نسب إلى بعض المتأخرين أنه خفي عليه شيء من السنة أنف ذلك المقلد المتعصب المتصعب من هذا وأنكر، وخوف وحذر، وهو غارق في غيه المنكر، لو سمع وأبصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
ومن العجب أن كثيرا منهم إذا أورد على مذهبهم أثر عن بعض أكابر الصحابة يقول مبادرا بلا حياء ولا حشمة: "مذهب الشافعي الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة"، وإنما طريقه في هذا / تأويله وتخريجه والاعتذار عنه بدون هذه العبارة الردية التي يروم أن يرد بها قول مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لتصحيح مذهبه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا)) ، واقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)) ، وسيأتي الكلام في تحقيق هذه المسألة، ونقل مذهب الشافعي وغيره فيها، وبيان أن الأمر ليس على ما فهموه، أو ظنوه وتوهموه.
وإذا أورد لهذا المعجب بمذهبه، القليل الحياء في عبارته، حديث صحيح على خلاف ما سطره له الشيخان أبو إسحاق والغزالي أو أحدهما لا يرى الانقياد له، ومذهب الشافعي رحمه الله اتباع الحديث وترك قوله المخالف له كما سبق.
فيرى رد قول الصحابي بقول إمامه كما زعم، ولا يرى رد قول من صنف على مذهبه من المتأخرين بقول النبي صلى الله عليه وسلم. مع أن الشافعي رضي الله عنه أذن في هذا وأمر بأن يترك نصه هو في نفسه، فما الظن بنص بعض متأخري مقلديه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
ومما يتعجب منه أيضا من هؤلاء أنهم يرون مصنفات الشيخ أبي إسحاق وغيره مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر فيما خالفوا فيه مذهبهم، فلا تراهم ينكرون شيئا من هذا، فإن اتفق أنهم يسمعون أحدا يقول: "أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا" انزعجوا وغضبوا وأنكروا ورأوا أنه قد ارتكب كبيرا من الإثم، فإن كان الأمر كما ذكروا فالذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم، فما لهم لا ينكرون ذلك ولا يغضبون منه، لولا قلة معرفتهم وكثرة جهلهم بمراتب السلف رضي الله عنهم.
وما أحسن أبيات منذر بن سعيد البلوطي أحد شيوخ المغرب في العلم والدين قال رحمه الله تعالى:
/ عذيري من قوم يقولون كلما. . . طلبت دليلا هكذا قال مالك
وقد قاله ابن القاسم الثقة الذي. . . على قصد منهاج القضاء هو سالك
فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب. . . وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا قال سحنون مثله. . . ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا. . . وقالوا جميعا أنت قرن مماحك
وإن قلت قد قال الرسول فقولهم. . . أتت مالكا في ترك ذاك المآلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله:
يا سائلي عن موضع التقليد خذ. . . عني الجواب بفهم لب حاضر
وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي. . . واحفظ على بوادري ونوادر
لا فرق بين مقلد وبهيمة. . . تنقاد بين جنادل ودعاثر
تبا لقاض أو لمفت لا يرى. . . عللا ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ. . . ـمبعوث بالدين الحنيف الطاهر
ثم الصحابة عند عدمك سنة. . . فأولاء أهل نهي وأهل بصائر
وكذلك إجماع الذين يلونهم. . . من تابعيهم كابرا عن كابر
إجماع أمتنا وقول نبينا. . . مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
وكذا المدينة حجة إن أجمعوا. . . متتابعين أوائلا بأواخر
وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد. . . ومع الدليل فمل بفهم وافر
وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس. . . فرعا بفرع كالجهول الحائر
والشر ما فيه فديتك أسوة. . . فانظر ولا تحفل بزلة ماهر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)