/ ومما لا يعجبني من تصرفات كثير من المصنفين أنهم يذكرون مذهبهم في مسألة ثم يقولون: "وقال فلان كذا" أي بخلاف ذلك، ويذكرون واحدا من أكابر الصحابة كما في "الوسيط" من ذكر عمر رضي الله عنه في مسألة نقض القضاء في امرأة المفقود، ومن ذكر علي رضي الله عنه في منع قتل الذكر بالأنثى، وفي فصل ما يحصل به العتق في باب الكتابة، ومن ذكر ابن مسعود رضي الله عنه في باب القدوة في صلاة الجماعة، وإنما الواجب أن تقابل المذاهب بعضها ببعض وأقوال الصحابة بعضها ببعض، من غير إزراء بشيء منها، ويرجح الراجح منها بطريقة فيقال: مذهب أبي بكر كذا ومذهب ابن مسعود كذا، أو يقال: مذهب الشافعي كذا وهو قول زيد بن ثابت، وقال ابن مسعود كذا، فمثل تلك العبارات وما شاكلها نرجو من الله أن نتجنبها في هذا الكتاب، ونسأله سبحانه أن يوفقنا للصواب.
فصل:
قد تقدم أن الشافعي رحمه الله بني مذهبه بناء محكما وذلك أنه كان اعتماده على كتاب الله، وسنة رسول الله، والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجح إلى الكتاب والسنة، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنة، وهذا هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
الأس الصحيح القوي الذي يتم البناء عليه، إلا أنه رحمه الله قد يعرض له ما يعرض لغيره من البشر ممن ليس بمعصوم من الغفلة والنسيان، فأحالنا بصريح قوله على أن ما صح من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم فهو مذهبه، فلم يترك رحمه الله لعائب عيبا، ولا لمنتقد من حساده انتقادا، وإنما بقي نظر المقتدين به السالكين مسلكه المتمسكين بمذهبه في البحث في السنن والآثار التي جمعها الأئمة الكبار وتيسرت، فينظر فيما كان فيها مخالفا لما نص عليه فيفعل فيه ما أمر به. وقد بحثت - والحمد لله - عن معرفة أحكام الله تعالى / وما خاطبنا به في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، واستخرجت ذلك من معادنه وهي كتب الحديث المعتمد عليها عند أربابها، ورددت ما اختلفت فيه العلماء إلى ذلك بمبلغ جهدي وطاقتي عملا بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، فظهر لي ما ستراه في هذا الكتاب مختارا، وجميع ذلك إن شاء الله هو مذهب الشافعي.
من ذلك:
- ما هو منصوص له وقد صحح الأصحاب خلافه لأجل نص له آخر كصوم الولي عن الميت.
- أو يكون النص لا خلاف عنه لكنه على مخالفة حديث ثابت كاختياره قول المأموم: "سمع الله لمن حمده" في الرفع من الركوع كالإمام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
- أو يكون قد علق قوله على ثبوت حديث فوجد ثابتا كإخراج الأقط في زكاة الفطر.
- أو دل عليه حديث آخر ثابت.
- أو يكون الشافعي قد تمسك بحديث وفي الباب حديث أثبت منه قد دل على خلاف ذلك، كحديث عمار في التيمم ضربة واحدة مسح بها وجهه وكفيه.
- أو يكون الحديث قد دل على حكم في مسألة لم يعلم فيها نص للشافعي بنفي ولا إثبات، كرفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.
-أو يكون الشافعي قد تمسك بظاهر آية أو حديث وقد دل الدليل على أن ذلك ليس على ظاهره، كإلزام كل من يخرج زكاة ماله بنفسه أن يصرفها إلى الأصناف الثمانية أو من قدر عليه منهم حتى في زكاة الفطر.
وكنقص الطهارة بمس الفرج وإن كان الاحتياط فعل ما قاله الشافعي رحمه الله في هذا، لكن هذا الاحتياط يكون مندوبا لا واجبا.
فمذهب الشافعي في هذا كله أو أكثره الرجوع إلى ما ثبت في السنة.
فأما ما طريقة البحث والنظر فللاجتهاد فيه مجال فقد يظهر له ما لم يظهر لغيره، فلا نقوله ما لم يقل كما في مسألة الأصناف ومس الفرج، لكن ننبه على الدليل المقتضي خلاف ذلك ويرجح به مذهب غيره إن لم يمكن إدراج ذلك فيما أمر به من مخالفة قوله لدلالة السنة / الصحيحة لأن هذا في معناه والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
فنقول: ما صح من حديثه صلى الله عليه وسلم ودل على حكم لا للشافعي على خلافه فهو مذهبه لا شك فيه؛ أخذا من قوله ومما أمر به، وأما ما له نص على خلافه فهو على قسمين:
أحدهما: أن يكون الحديث لم يبلغه فهذا كالقسم الأول يترك نصه ويصار إلى الحديث وهو مذهبه كما أمر، وذلك إذا وضحت دلالة الحديث على ذلك الحكم، أما إذا خفيت وأمكن الجميع بين الحديث والنص وأمكن تنزيل الحديث عليه فلا.
القسم الثاني: أن يكون الحديث قد بلغ الشافعي ووقف عليه وعرف ثبوته وأوله وتكلم عليه، فينظر في كلامه فإن كان ظاهرا متوجها لا دفع له لم يخالف، وحمل الحديث على ما حمله هو عليه، وذلك كاختيار الجهر بعض الروايات على نفي الجهر بما ذكرناه في كتاب مفرد لذلك.
ومن ذلك أيضا إفطار الصائم بالحجامة فإنة رحمه الله لم ير ذلك وتكلم على حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بأنه منسوخ فيما سيأتي في موضعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وإن كان لكلامه مدفع صير إلى الحديث لأن ذلك يتناوله قوله: ((ودعوا ما قلت)) ، وذلك كما سنذكره في التيمم إلى المرفقين ونحوه. فإذا وضحت الحجة، لم يبق إلا سلوك تلك المحجة.
ولا ينبغي أن يفعل هذا إلا في حديث لم يعلم أن الشافعي تكلم عليه بكلام شاف بعد البحث التام عن ذلك، ثم ليبحث عن ذلك الحديث هل له معارض أو ناسخ أو مانع من العمل به، ولا يتأتى ذلك إلا من عالم بعلوم الاجتهاد فذلك هو الذي خاطبه الشافعي رحمه الله بقوله: ((إذا وجدتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت)) وليس هذا لكل أحد فكم في السنة من أحاديث كثيرة صحيحة والعمل / والفتوى على خلاف ظاهرها إما إجماعا وإما اختيارا لمانع منع من ذلك مما ذكرناه من المعارض والناسخ أو غير ذلك، نحو: ((كان الثلاث واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر)) ، ((صليت مع رسول الله بالمدينة سبعا جمعيا وثمانيا جمعيا في غير خوف ولا مطر)) ، ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) ، وسيأتي الكلام على كل ذلك إن شاء الله في مواضعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
فالأمر في ذلك ليس بالسهل ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: ((الحديث مضلة إلا للفقهاء)) ، ويروي: ((إلا للعلماء)) ، يريد من قذف الله تعالى في قلبه نور العلم؛ فقه في دينه، وعرف مخارج الأحاديث، وليس العلم بكثرة الرواية كما قال مالك بن أنس رحمه الله وقد تقدم والله أعلم.
فصل:
هذه الفصول التي ذكرناها فصول حسنة كثيرة الفوائد، مجموعة من عدة مصنفات، ينبغي لكل من يعتني بالعلم النظر فيها والاطلاع عليها، وقد رأيت أن أختمها بفصل هو أهمها وأجلها وأعمها نفعا وأولاها ذكرا، وهو ما اعتنى ببيانه الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في أول كتاب "الأحياء" من نصح أهل العلم وبيان العلوم النافعة والتحذير من العلوم الضارة حيث قال:
((أدلة الطريق هم العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، وقد شغر عنهم الزمان، ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشطان، واستغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا، فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا، حتى ظل علم الدين مندرسا، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة يستعين بها القضاة على فصل الخصام عند تهاويش الطغام، أو جدل يتذرع به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
طالب المباهاة إلى والإفحام / أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام، وشبكة للحطام. فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح بين الخلق مطويا، وصار نسيا منسيا)).
ثم أتى على علم المعاملة وقال:
((هو علم أحوال القلب؛ ما يحمد منها كالصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص، والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص، وما يذم كالغل والحقد والحسد والغش والكبر والرياء والبخل والتزين للخلق والمداهنة والخيانة وطول الأمل والقسوة وقلة الحياء وقلة الرحمة، فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش، والأخلاق المحمودة منبع الطاعات، والعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمرتها وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، المعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا. فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا، وهذه بالإضافة إلى صلاح الآخرة. ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
عن وجه الاحتراز عن الربا لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها)).
ثم ساق / الكلام إلى أن قال:
((فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم، وأنه لم يكن تقدمهم إلا بعلم الآخرة وسلوك طريقها، وما فضل أبو بكر رضي الله عنه الناس إلا بشيء وقر في صدره كما شهد له سيد البشر.
فليكن حرصك في طلب ذلك الشيء فهو الجوهر النفيس والدر المكنون، فلقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آلاف من الصحابة كلهم علماء بالله عز وجل، ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام، ولم ينصب نفسه للفتوى منهم إلا القليل، وكان ابن عمر منهم وكان إذا سئل عن الفتوى يقول: ((اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس وضعها في عنقه)) ، إشارة إلى أن الفتوى في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة. ولما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود: مات تسعة أعشار العلم. فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة؟ فقال: لست أريد علم الفتوى والأحكام إنما أريد العلم بالله سبحانه.
أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل، فمالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر رضي الله عنه).
ثم قال:
((وقد كان كل واحد من الفقهاء - الذين هم قادة الخلق وكثرت أتباعهم - عابدا زاهدا عالما بعلوم الآخرة، فقيها في مصالح الخلق في الدنيا، مريدا بفقهه وجه الله تعالى.
فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه؛ لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة، وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة إن أريد بها الآخرة،
فلصلاحها للدنيا تشمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة، وهيهات فلا تقاس الملائكة بالحدادين)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ثم قال:
((وتصرفوا في لفظ الفقه فخصصوه بمعرفة الفروع الغربية في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها / واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه. ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله تعالى: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} ، وما به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجردين له.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذين وفدوا عليه: ((علماء حكماء فقهاء)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
وسئل سعد بن إبراهيم: أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم.
فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه، والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى والأقضية.
وروي موقوفا ومرفوعا: ((لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا، وحتى يرى للقرآن وجوها)).
وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد، وهل رأيت فقيها بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم.
قال: ((ولفظ العلم كان يطلق على العلم بالله وبآياته، وأفعاله في عباده وبأحكامه وصفاته، وصار الآن مطلقا على من لا يحيط من علوم الشرع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
بشيء سوى رسوم جدلية، في مسائل خلافية، فيعد به من فحول العلماء مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب / وغيره، وصار ذلك سببا مهلكا لخلق كثير من الطلبة)).
قال: ((واسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والمنجم حتى على الذي يدحرج القرعة على أكف السوادية في شوارع الطرق. والحكمة هي التي أثنى الله عز وجل عليها فقال: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا)).
قال: ((فانظر ما الذي كانت الحكمة عبارة عنه وإلى ماذا نقل، وقس به بقية الألفاظ)).
ثم قال - مرشدا إلى ماذا ينبغي أن يشتغل به من العلوم فقال-:
((ابتدىء بكتاب الله ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن، وكذا في السنة، ثم اشتغل بالفروع وهو علم المذهب من علم الفقه دون الخلاف، ثم بأصول الفقه، وهكذا إلى بقية العلوم على ما يتسع له العمر، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
ثم قال: ((وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف، فإياك وأن تحوم حولها، واجتناب السم القاتل فإنه الداء العضال، وهو الذي رد الفقهاء كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة على ما سيأتيك تفضيل غوائلها وآفاتها)).
قال: ((وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال: الناس أعداء ما جهلوا، فلا تظن ذلك، فعلى الخبير سقطت فيه، واقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زمانا، وزاد فيه على الأولين تصنيفا وتحقيقا وجدلا وبيانا، ثم ألهمه الله سبحانه رشده / وأطلعه على غيه، فهجره واشتغل بنفسه، ولا يغرنك قول من يقول: الفتوى عماد الشرع، ولا تعرف علله إلا بعلم الخلاف فإن علل المذهب مذكورة في المذهب، والزيادة عليها مجادلات لم يعرفها الأولون ولا الصحابة، وكانوا أعلم بعلل الفتاوى من غيرهم، بل هي - مع أنها غير مفيدة في علم المذهب فهي - ضارة مفسدة لذوق الفقه. وقد رئي بعض العلماء في المنام فقيل له: ما خبر تلك العلوم التي كنت تجادل فيها وتناظر عليها؟ فبسط يده ونفخ فيها وقال: طاحت كلها هباء منثورا، ما انتفعت إلا بركعتين خلصتا لي في جوف الليل)).
وقد سبق في بعض الفصول المتقدمة أخبار وآثار في ذم الجدل.
ثم قال الغزالي رحمه الله:
((اعلم أن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء الراشدون وكانوا أئمة وعلماء بالله تعالى وفقهاء في أحكامه، ومستقلين بالفتاوى في الأقضية،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغني فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا، وأقبلوا على الله عز وجل بكنه اجتهادهم، كما نقل من سيرهم.
فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوا بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، واضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقى من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفوا الدين، ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا / طلبوا هربوا وأعرضوا، واضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم، فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل الغرور ودرك الجاه من قبل الولاة، فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله عز وجل في كل عصر من علماء دينه.
وقد كان أكثر الإقبال في تلك الإعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من سمع كلام الناس في الناس في قواعد العقائد، ومالت نفسه سماع الحجج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
فيها، فعلم رغبته في المناظرة والمجادلة في الكلام، فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضنا الذب عن دين الله عز وجل، والنضال عن السنة وقمع المبتدعة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين، وتقلد أحكام المسلمين إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما كان قد تولد في فتح بابه من التعصبات الفاحشة، والخصومات الناشئة المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهبي الشافعي وأبي حنيفة، فترك الناس الكلام في فنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية، وأكثروا فيها التصاريف والاستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن، وليس ندري ما الذي قدر الله سبحانه فيها بعدنا من الأعصار)).
قلت:
ما ازدادوا في ذلك إلا ضلالا، ما زال أهل [فن] الخلاف ينسلون من فقه المذهب انسلالا، حتى أورثهم العميدي بطريقته وبالا، وعلمهم محالا، لو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولكن الله تعالى تدارك أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأذهب شرهم، فأهلكهم وبددهم، وأفناهم وشردهم، ونرجو من الله تعالى أن يعيد عباده إلى خير ما عودهم.
ثم قال الغزالي رحمه الله:
((أما الخلاف المحض ومجادلة الكلام ومعرفة التفريعات الغريبة فلا يزيد التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب، وغفلة عن الله سبحانه، وتماديا في الضلال وطلب الجاه، إلا من تداركه الله برحمته، أو مزج به غيره من العلوم الدينية، ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة، فانظر واعتبر واستبصر تشاهد تحقيق ذلك في العباد والبلاد.
رئي سفيان الثوري رحمه الله حزينا، فقيل له: مالك؟ فقال: صرنا متجرا لأبناء الدنيا، يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل عاملا أو قاضيا أو قهرمانا)).
ثم قال الغزالي:
((أما علماء الدنيا فائنهم يتبعون غرائب التفريغ في الحكومات والأقضية، ويتبعون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع، وإن وقعت / فإنما تقع لغيرهم لا لهم، وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل والنهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم، وما أبعد من السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر، إيثار للقبول والتقرب من الخلق على التقرب من الله عز وجل، وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق، وجزاؤه من لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
ينتفع في الدنيا بقبول الخلق، بل يتكدر عليه صدره بنوائب الزمان، ثم يرد القيامة مفلسا متحسرا على ما يشاهده من ربح العاملين، وفوز المقربين، وذلك هو الخسران المبين.
ولقد كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة، اتفقت الكلمات في حقه على ذلك، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفوس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس. وقيل له يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام ليس يسمع من غيرك فمن أين أخذته؟ فقال من حذيفة بن اليمان)).
قلت:
كذا هو في كتاب " الإحياء "، والحسن يصغر عن لقاء حذيفة رضي الله عنهما، ولعله أراد: أخذته من كلامه ومن طريقته، أي سلكت مسلكه الذي روي لنا عنه والله أعلم.
وقال حذيفة: ((معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وإن منكركم معروف زمان قد أتى، وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق، وكان القائم فيكم غير مستخف به)).
قال أبو حامد: ((ولقد صدق فأكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة، إذ من غرر المعروفات في زماننا تزيين المساجد وتجنيدها، وإنفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها، وفرش البسط الرفيعة فيها، وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
/ كان يعد فرش البواري في المسجد بدعة، وقيل: إنه من محدثات الحجاج؛ فقد كان الأولون قلما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا. وكذلك الإشتغال بدقائق الجدل والمناظرة من أجل علوم الزمان، ويزعمون أنه أعظم القربات، وقد كان ذلك من المنكرات. ومن ذلك التلحين في الأذان والقرآن، والتعسف في النظافة، والوسوسة في الطهارة، وتقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب، مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها، إلى نظائر ذلك.
ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: ((انتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى)).
وكان أحمد يقول: تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم والله المستعان.
وقال مالك بن أنس: لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم، ولم يكن العلماء يقولون: حرام ولا حلال، أدركتهم يقولون: مكروه ومستحب.
ومعناه أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهية والاستحباب، فأما الحرام فكان تجنبه ظاهرا.
وكان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا فإنهم قد أعدوا له جوابا، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وقال بعض العارفين: إنما انقطع الأبدال في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء الوقت؛ لأنهم عندهم جهال بالله تعالى، وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء.
وقال سهل التستري: كل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغي إلى قوله؛ لأن كل إنسان يخوض فيما أحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه، ولذلك قال تعالى: {ولا تطع من / أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}.
وكتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي رحمهما الله: ما ظنك بمن بقي لا يجد أحدا يذكر الله تعالى معه إلا كان آثما، وكانت مذاكرته معصية، وذلك أنه لا يجد أهله.
قال أبو حامد: ((ولقد صدق فإن مخالطة الناس لا تنفك من غيبة أو سكوت على منكر، وأحسن أحواله أن يفيد علما، ولو تأمل لعلم أن المستفيد إنما يريد أن يجعل ذلك آلة إلى طلب الدنيا، ووسيلة إلى الشر، فيكون هو معينا له وردءاً وظهيرا ومهيئا لأسبابه، كالذي يبيع السيف من قطاع الطريق فالعلم كالسيف وصلاحه للخير كصلاح السيف للغزو)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
ثم قال: ((فكن أحد رجلين؛ إما متصفا بهذه الصفات - يعني صفات علماء الآخرة - أو معترفا بالتقصير مع الإقرار به، بالتقصير مع الإقرار به، وإياك أن تكون الثالث فتلبس على نفسك بأن تلقب آلة الدنيا بالدين، وسيرة البطالين بسيرة العلماء الراشدين الراسخين، فتلتحق - بجهلك وإنكارك - بزمرة الهالكين الآيسين، نعوذ بالله من خدع الشيطان فبها هلك الجمهور، ونسأل الله أن يجعلنا ممن لا تغره الحياة الدنيا ولا يغره بالله الغرور)).
قلت:
ونحن من المقرين بالتقصير المعترفين به، ونسأل الله حسن النية فيما قصدناه، وحسن العاقبة فيما تعبنا فيه ونويناه، وأن يوقفنا لتحصيل العلم النافع ونشره، ويجعلنا دعاة إلى سبيله وأمره، فمتى / حصل حسن النية أمنا كل هذه الآفات، فإن الأعمال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالنيات.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: قيل لحمدون القصار: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، وقبول الخلق.
ومما غلب على المتفقهة المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام وذلك مذموم منهي عنه، وقد بسط أبو حامد الغزالي رحمه الله الكلام فيه كتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)