وقال الآخر:
دين النبي محمد أنوار. . . نعم المطية للفتي أثار
لا ترغبين عن الحديث وأهله. . . فالرأي ليل والحديث نهار
ولبعض فضلاء المغاربة:
أنظر بعين الهدى إن كنت ذا نظر. . . فإنما العلم مبنى على الأثر
لا تر غير رسول الله متبعا. . . ما دمت تقدر في حكم على خبر
/ ومن شعر القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري الشافعي رحمه الله:
أقول بالأثر المروي متبعا. . . وبالقياس إذا لم أعرف الأثرا
وما أبالي إذا ما العلم صاحبني. . . ثم التقى فيه أن لا أصحب البشرا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
فصل
لم أزل منذ فتح الله على الاشتغال بعلم الشريعة، وفهم ما ذكرت من الاتفاق والاختلاف ولالات الكتب والسنة، مهتما بجمع كتاب يجمع ذلك أو يقاربه، توفيقا من الله تعالى لمعاود الأمر الأول، وهو ما كان عليه الأئمة المتقدمون من استنباط الأحكام من الأصلين مستظهرين بأقوال السلف فيها طلبا لفهم معانيها، ثم يصار إلى الراجح منها بطريقة وددت لو كان كفاني ذلك غيري ممن هو في زمني، أو وجدت أحدا من أصحابنا فعله قبلي، بل دأب كل مصنف من أصحابنا ومن غيرهم التعصب لمذهبه وترجيح قول إمامه في كل ما أتى به، وكان الواجب على الجميع نظرهم بعين الإنصاف، في كل ما وقع فيه الاختلاف، والصيرورة إلى القول الراجح وهو الأقرب إلى ما دل عليه الأصلان الكتاب والسنة، فيزول الخلاف في كثير من المسائل، ولا يبقى منها إلا القليل على ما ستراه من السبيل إن شاء الله تعالى.
وهذا الكتاب المشار إليه أرجوا أن أكون الممت فيه بامتثال أمر الله عز وجل في قوله سبحانه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}.
قال الشافعي رحمه الله في كتاب " الرسالة ":
((يعني - والله أعلم - إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه، وإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه. ومن تنازع من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رد الأمر إلى قضاء الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
ثم قضاء رسوله، فإن لم يكن فيما يتنازعون فيه قضاء فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسا على أحدهما))
قلت: ولم يختلف المفسرون فيما وقف عليه من كتبهم في أن معناها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وتقدير ذلك: فردوه إلى قول الله تعالى وقول الرسول، فيجب رد جميع / ما اختلف فيه إلى ذلك، فما كان أقرب إليه اعتقد صحته وأخذ به؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((ردوا الجهالات إلى السنة)). وفي رواية: ((يرد الناس من الجهالات إلى السنة)).
وهذه كانت طريقة العلماء الأعلام أئمة الدين كما سبق ذكره، وهي طريقة إمامنا أبي عبد الله الشافعي رحمهم الله، فإنه تعقب على من تقدمه من العلماء بذلك السبب، ولهذا قال فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله: ما من أحد وضع الكتب حتى ظهرت أتبع للسنة من الشافعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ثم إن الشافعي رحمه الله احتاط لنفسه وعلم أن البشر لا يخلو من السهو والغفلة وعدم الإحاطة، فصح عنه من غير وجه أنه أمر إذا وجد قوله على مخالفة الحديث الذي يصح الاحتجاج به أن يرد قوله ويؤخذ بالحديث.
أنبأنا القاضي أبو القاسم، عمن أخبره الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول:
إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوا ما قلت.
قال البيهقي: ((وقد يثق - يعني الشافعي - ببعض من هو مختلف في عدالته على ما يؤدي إليه اجتهاده كما يفعله غيره، ثم لم يدع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بلغته وثبتت عنده حتى قلدها، وما خفي عليه ثبوته علق به ــ يعني - على ثبوته، وما عسى لم يبلغه أوصى من بلغه باتباعه وترك خلافه، وذلك بين في كتبه وفيما ذكر من أقاويله.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو زكريا العنبري، أنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي فيما ذكره من فضائل الشافعي رحمه الله ومناقبه قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
((ثم بلغ من حرصه - يعني من حرص الشافعي - على إفهام المسترشدين أني سمعت ربيعا يقول: قال الشافعي رحمه الله: " وددت أن الناس نظروا في هذه / الكتب ثم نحلوها غيري "؛ طلبا منه للنصيحة لهم، وأن قصده أنما كان من وضع الكتب وتسييرها في الناس أن يفهموها، ليدلهم البيان فيها على الأرجح من المذاهب التي هي أتبع للكتاب والسنة وما أشبه الكتاب والسنة، تبرأ إلى الله جل ذكره من حوله وقوته، غير ملتمس بها ذكرا ولا في الدنيا شرفا. قال: وهذه صحة النية، ومشكور الطوية، وما يحمد من الصالحين من الضمير والعزيمة)).
قلت:
وعلى هذا المعنى كان وضع الشافعي وغيره من الأئمة الكتب إرشادا للخلق إلى ما ظنه كل واحد منهم صوابا، لا على أنهم أرادوا تقليدهم ونصرة أقوالهم كيفما كانت، فقد صح أن الشافعي رحمه الله نهى عن تقليده وتقليد غيره.
قال صاحبه أبو إبراهيم المزني في أول " مختصره ": ((اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه)).
أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره. هذا أحسن ما أول به هذا الكلام. وانظروا رحمكم الله إلى قوله: ((لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه)) أي ليسترشد بذلك إلى الحق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
قال صاحب " الحاوي " وهو القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: ((وقوله: " ويحتاط لنفسه " أي ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب، وترك التقليد بطلب الدلالة)).
قلت:
فعلى هذا كان السلف الصالح يتبعون الصواب حيث كان، ويجتهدون في طلبه وينهون عن التقليد.
وقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص صاحب أبي العباس بن سريج في أول كتاب " التلخيص " له:
((ذكر المزني في كتابه المترجم بـ:" الجامع الكبير " في المتيمم إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء أن الشافعي / نهى عن التقليد نصحا منه لكم، فله أجر صوابكم وهو بريء من خطئكم رضي الله عنه وقبل منه نصحكم)).
قال الشيخ أبو علي [السنجي] في كتاب " شرح التلخيص ":
((وإنما ذكر المزني هذا في هذه المسألة لأنها أول مسألة خالف الشافعي فيها في " جامعيه الصغير والكبير " حيث ذهب فيها إلى مذهب أهل الكوفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أنه يخرج من صلاته ويتوضأ ويستأنف. فبسط العذر لنفسه في مخالفة الشافعي لأنه منعه من تقليده وتقليد غيره.
قلت:
فالمزني رحمه الله امتثل أمر إمامه في النهي عن تقليده، فخالفه في هذه المسألة لما ظهر له من جهة النظر والرأي، فما الظن به لو وجد حديثا مصرحا بخلاف نصه، فهو إن شاء الله حينئذ كان أشد مبادرة إلى مخالفة نص إمامه، وإن كان في الحقيقة موافقا لا مخالفا لأنه قد أمر إذا وجد الحديث على خلاف قوله أن يترك قوله، فهو إنما ترك قوله بقوله فهو موافق ممتثل للأمر.
وقد فعل هذا صاحبه أبو يعقوب البويطي رحمه الله في مسألة التيمم إلى الكوعين فخالفه وصار إليه كما سيأتي.
وإذا كشفت واعتنيت بهذا وكانت لك همة في التنقيب عنه وعناية بظهور الحق، وجدت جماعة من أهل العلم والتحقيق والمصنفين على مذهب الشافعي رحمهم الله قد نصروا مذهبه، وامتثلوا ما أمر به من مخالفة قوله لحديث يصح الاحتجاج به، وهذا مأمور به من جهة الشارع ولو لم يقله الشافعي.
فذكر كل واحد منهم ما أمكنه مما وصل إليه علمه على قلة ذلك وعزته في كتبهم، وإنما يكثر ذلك في كتب المتضلعين من الحديث الباحثين عن فقهه ومعانيه، الذاكرين لأقوال العلماء ومذاهبهم من غير تقيد، كأبي بكر بن المنذر وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وغيرهم رحمهم الله.
ونبه صاحب "التهذيب" من أصحابنا وهو أبو علي / الحسين بن مسعود البغوي على مواضع حسنة منها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
تصحيحه للقول القديم أن وقت المغرب يمتد إلى وقت مغيب الشفق فقال: وهو الصحيح لحديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في يومين في وقتين.
ووافقه على ذلك إمام الحرمين أبو المعالي ابن الجويني في "مختصره"
الذي اختصر فيه كتاب "النهاية"، وإن لم يكن ما نذكره في نفس كتاب "النهاية"، فقال في "المختصر": والظاهر عندنا القول الثاني - يعني القديم -، فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب عند اشتباك النجوم
قال: وفي نصرة هذا القول نصوص ولذلك اختاره الإمام أحمد، ولولا صحة الأخبار عنده لما رأى ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
ونقل أيضا إمام الحرمين في باب التعزيز من كتاب "النهاية" عن صاحب "التقريب" كلاما حسنا في هذا المعنى وإن كان فيما استنبطه نظر فقال: ولما ذكر صاحب "التقريب" مقالات الأصحاب في التعزيزات ومبالغها روى عن أبي بردة بن نيار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجلد فوق العشرة إلا في حد)). قال صاحب "التقريب": هذا خبر صحيح لو بلغ الشافعي لقال به.
وقد صح من أقوال الشافعي رضي الله عنه أن من يبلغه مذهبه عنه ويصح عنده خبر على خلافه فحق عليه أن يتبع الخبر ويعتقد أنه مذهب الشافعي، فإن كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر، وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت:
وهذا الحديث متفق عليه في "الصحيحين" ولكن له عندي تأويل وهو أن المراد به ضرب التأديب الصادر من غير الولاة؛ كضرب السيد عبده والزوج امرأته، والأب ولده، والمعلم / والمؤدب من تحت أيديهما من الصبيان المتعلمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إلا في حد)) يعني ما يضربه الولاة على الجرائم فإنها حدود شرعية أي موانع وزواجر. وهي مقسمة إلى حد مقدر كحد الزنا والقذف، وإلى [حد] غير مقدر وهي التعزيزات على الجرائم التي لا مقدر في حدها من جهة الشرع، وإنما هو موكول إلى اجتهاد ولاة الأمر يفعلون من ذلك ما هو الرادع الزاجر لصاحب تلك الجريمة مما هو لائق به، وذلك يختلف باختلاف الجرائم؛ فمنها كبائر كأكل الربا، ومال اليتيم، والغصب، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، فكيف يسوى بين هذه وبين الصغائر في أن لا يبلغ بالجميع عشرة أسواط؟ فأي انزجار يحصل بذلك؟ لا سيما من الأراذل والسفل، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إن الناس قد تتايعوا في شرب الخمر، واستقلوا الحد)) ، هذا مع كونه أربعين جلدة لم يبالوا بها وانهمكوا على الشرب الذي هو متلف للأموال، ومذهب للعقول، وحامل على كثرة المعاصي، فكيف بمن تمرد وتمرن على عقوق الوالدين والسحر، وشرهت نفسه في جمع الأموال من الربا والغصب، أيزجر بتسعة أسواط مثلا، هذا مناف لحكمة شرعية الحدود والتعزيزات، فليس لهذا الحديث الصحيح محمل إلا ما ذكرته وهو معنى حسن جيد. والحمد لله على فهمه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه، وإنما قدمته هنا خوفا من اخترام المنية قبل الوصول إليه لأنه في أواخر الكتاب، واستطرد الكلام بنا إليه فذكرته، ولم يكن الغرض هنا إلا ذكر ما نقله إمام الحرمين عن صاحب "التقريب" في تقرير جواز مخالفة نصوص الشافعي المخالفة لما صح من الحديث وإن لم يكن هذا منها وبالله التوفيق.
فصل:
ثم إن المصنفين من أصحابنا المتصفين بالصفات المتقدمة من الاتكال على نصوص إمامهم، معتمدين عليها اعتماد الأئمة قبلهم على الأصلين الكتاب والسنة، قد وقع في مصنفاتهم خلل كثير من وجهين عظيمين:
الأول أنهم يختلفون كثيرا فيما ينقلون من نصوص الشافعي رحمه الله، وفيما يصححونه منها ويختارونه، وما ينسبونه إلى القديم والجديد ولا سيما المتأخرين منهم، وصارت لهم طرق مختلفة خراسانية وعراقية، فترى هؤلاء ينقلون عن إمامهم خلاف ما ينقله هؤلاء، والمرجع في هذا كله إلى إمام واحد، وكتبه مدونة مروية موجودة، أفلا كانوا يرجعون إليها، وينقون تصانيفهم من كثرة اختلافهم عليها.
وأجود تصانيف أصحابنا من الكتب الكبار فيما يتعلق بصحة نقل نصوص الشافعي رحمه الله هو كتاب "التقريب" ، أثنى عليه بذلك أخبر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
المتأخرين بنصوص الشافعي وهو الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله، ذكر ذلك في رسالة له كتبها إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين ناصحا له فيها، ومنكرا عليه ما وقف عليه من تصنيف له في الفقه شرع فيه وسماه "المحيط" فقال فيها:
((وكنت أنظر في كتب بعض أصحابنا حكايات من حكى منهم عن الشافعي رضي الله عنه نصا، وأبصر اختلافهم فيه بعضها، فيضيق قلبي بالاختلاف، مع كراهية الحكاية من غير ثبت، فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني رحمه الله على ترتيب "المختصر". ثم نظرت في كتاب "التقريب"، وكتاب "جمع الجواميع"، و "عيون المسائل"، وغيرها فلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
أر أحدا منهم فيما حكاه أوثق من صاحب "التقريب"، رحمنا الله وإياه، وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي رحمه الله منه في أكثرها وذهاب بعضها في عصرنا - عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها لئلا نجتريء على تخطئة المزني في بعض ما نخطئه فيه، وهو عندي بريء، ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا))
وقال البيهقي في موضع آخر: ((وجدت في بعض ما نقل من كتب الشافعي وحول منها إلى غيره خللا في النقل، وعدولا عن الصحة بالتحويل، فرددت مبسوط كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب "المختصر"؛ ليتبين لمن تفكر في مسائله من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل، ويظهر لمن نظر في أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
قلت:
فلا بد لنا إن شاء الله من إيضاح الحق فيما اختلفوا فيه إن قدرت على ذلك في هذا الكتاب، وإلا أوردت اختلافهم على وجهه، ونسبت كلا إلى قائله في كتابه.
وإذا كان هذا الخلل قد وقع منهم في نقل نصوص إمامهم فما الظن بما ينقلونه من نصوص باقي المذاهب؟ فترى في كتبهم من ذلك أشياء ينكرها أصحاب تلك المذاهب، وكأن الخلل إنما جاءهم من تقليد بعضهم بعضا فيما ينقله من مذهب غيره أو من نص إمامه، ويكون الأول قد غلظ فيتبعه من بعده، والغلط جائز على كل أحد إلا من عصمه الله تعالى، ولكن لو أن كل من ينقل عن أحد مذهبا أو قولا راجع في ذلك كتابه إن كان له منصف أو كتب أهل مذهبه كما نفعله نحن إن شاء الله في هذا الكتاب، لقل ذلك الخلل، وزال أكثر الوهم وبطل، والله الموفق.
الوجه الثاني: ما فعلونه في الأحاديث النبوية والآثار المروية من كثرة استدلاهم بالأحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه نصرة لقولهم، ومن تغيير لفظ ما صح منها / والزيادة فيه والنقص منه لقلة خبرتهم بذلك وما أكثره في كتب أبي المعالي وصاحبه أبي حامد نحو: ((إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا))
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
ومن العجيب ما ذكره صاحب "المهذب" في أول باب إزالة النجاسة
قال: ((وأما الغائط فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم لعمار: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمنى والدم والقيء". ثم ذكر بعد ذلك طهارة منى الآدمي ولم يتعرض للجواب عن هذا الحديث الذي هو حجة خصمه، ولم يكن له حاجة إلى ذكره أصلا فإن الغائط لا ضرورة إلى الاستدلال على نجاسته بهذا الحديث الضعيف المنتهض حجة عليه في أمر آخر والله الموفق.
ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفهم لخبر يحتج به بعض مخالفيهم، ثم يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى، فيوردونه معرضين عما كانوا ضعفوه به، ففي كتابي "الحاوي" و "الشامل" وغيرهما من ذلك شيء كثير.
هذا وهم مقلدون لإمامهم الشافعي رحمه الله، فهلا اتبعوا طريقته في ترك الاحتجاج بالضعيف، وتعقبه على من احتج بذلك، وتبيين ضعفه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
ثم إن من مذهبه رحمه الله ترك الاحتجاج بالمراسيل إلا بشروط سنذكرها في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى.
ولو ذكر سند الحديث وعرفت عدالة رجاله إلى التابعي وسقط من السند ذكر الصحابي كان مرسلا، ويورد هؤلاء المصنفون هذه الأحاديث محتجين بها بلا إسناد أصلا، فيقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظنون أن ذلك حجة، وإمامهم رضي الله عنه يرى أنه لو سقط من السند الصحابي وحده لم يكن حجة، وكذا لو سقط غير الصحابي من السند، فليتهم إذ عجزوا عن أسانيد الحديث ومعرفة رجالها عزوها إلى الكتب التي أخذوها منها، ولتكن من كتب الحديث المعتمد عليها، ولكنهم لم يأخذوا تلك الأحاديث إلا من كتب من سبقهم من مشايخهم ممن هو على مثل حالهم، فبعضهم يأخذها من بعض / فيقع التغيير والزيادة والنقصان فيما صح أصله، ويختلط الصحيح بالسقيم، وهذا كله غير مستقيم، بل الواجب في الستدلال على الأحكام، وبيان الحلال والحرام، أن من يستدل بحديث يذكر سنده ويتكلم عليه بما يجوز الاستدلال به، أو يعزوه إلى كتاب مشهور من كتب أهل الحديث المتعمدة، فيرجع من يطلب صحة ذلك الحديث وسقمه إلى ذلك الكتاب وينظر في سنده، وما قال ذلك المصنف أو غيره فيه. وما أحسن ما قال الحافظ البيهقي للشيخ أبي محمد الجويني في "رسالته" التي كتبها إليه ونصحه فيها قال: ((وكنت أسمع رغبة الشيخ-أدام الله أيامه-في سماع الحديث والنظر في كتب أهله، فأسكن إليه، واشكر الله تعالى عليه، وأقول في نفسي ثم فيما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
بين الناس: قد جاء الله عز وجل بمن يرغب في الحديث ويرغب فيه من بين الفقهاء، ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم من جملة العلماء، وأرجو من الله سبحانه أن يحي به سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار، حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار، بعد من مضى من الأئمة الكبار، الذين جمعوا بين نوعي علم الفقه والأخبار.
ثم لم يرض بعضهم بالجهل به حتى رأيته حمل على العالم به، والوقوع فيه، والإزراء به، والضحك منه، وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه ويجله، ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله، ثم يدعي في كيفية قبول الحديث ورده طريقته، ولا يسلك فيها سيرته، لقلة معرفته بما عرف، هلا نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره، واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره، فيرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبا على كل من انتصب للفتيا، فإما أن يجتهد في تعلمه، أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه. فلا يجتمع / عليه وزران، حيث فاته الأجران، والله المستعان)).
وقال قبل ذلك:
((قد علم الشيخ اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه، ومعظم مقصودي منه في الابتداء التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها، من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها. ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله أخذوا في تعليله بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليدا، ولو عرفوه معرفتهم لميزوا به صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به وإن كان يطابق آراءهم، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم، وما رد من الأخبار لضعف رواته وانقطاع إسناده كثير))
قلت:
وقد يسر الله تعالى - وله الحمد - الوقوف على ما ثبت من الأحاديث وتجنب ما ضعف منها بما جمعه علماء الحديث في كتبهم من الجوامع والمساند.
فالجوامع: هي المرتبة على الأبواب من الفقه والرقائق والمناقب وغير ذلك؛ فمنها ما اشترط فيه الصحة أي لا يذكر فيه إلا حديث صحيح شرط مصنفه، كـ: "كتابي البخاري ومسلم" وما ألحق بهما واستدرك عليهما، وكـ: "صحيح إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة"، و"كتاب أبي عيسى الترمذي"، وهو كتاب جليل مبين فيه الحديث الصحيح والحسن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
والغريب والضعيف، وفيه عن الأئمة فقه كثير، ثم "سنن" أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، ممن هو في زمن هؤلاء المذكورين وفي طبقتهم، ففي ذلك العصر أكثر من تدوين كتب الحديث وجمعت ونقحت وميزت. ومن بعدهم "سنن أبي الحسن الداراقطني"، و"التقاسيم" لأبي حاتم بن حبان، وغيرهما.
ثم ما / رتبه وجمعه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في "سننه الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير" التي أتى بها على ترتيب "مختصر المزني"، وقربها إلى الفقهاء بجهده. فلا عذر لهم ولا سيما الشافعية منهم في تجنب الاشتغال بهذه الكتب أو ببعضها. وكثر النظر فيها وسماعها، والبحث عن فقهها ومعانيها، ومطالعة الكتب النفيسة المصنفة في شروحها وغريبها، بل أفنوا زمانهم وعمرهم في النظر في أقوال من سبقهم من متأخري الفقهاء، وتركوا النظر في نصوص نبيهم المعصوم من الخطأ صلى الله عليه وسلم، وآثار الصحابة الذين شهدوا الوحي وعاينوا المصطفى، وفهموا أنفاس الشريعة؛ فلا جرم حرم هؤلاء رتبة الاجتهاد، وبقوا مقلدين على الآباد.
وقد كانت العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك ما لم يفقهوا عليه من الحديث؛ لأن الأحاديث لم تكن حينئذ فيما بينهم مدونة، إنما كانت تتلقى من أفواه الرجال وهم متفرقون في البلدان، ولو كان الشافعي رحمه الله وجد في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
زمانه كتابا في أحكام السنن أكبر من "الموطأ" لحفظه مضافا إلى ما تلقاه من أفواه مشايخه، فلهذا كان الشافعي بالعراق يقول لأحمد بن حنبل رحمهما الله: أعلموني بالحديث الصحيح أصر إليه.
وفي رواية: إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا حتى أذهب إليه.
ثم قد زال العذر ولله الحمد بجمع الحفاظ الأحاديث المحتج بها في كتب، نوعوها وقسموها، وسهلوا الطريق إليها فبوبوها وترجموها، وبينوا ضعف كثير منها وصحته، وتكلموا في عدالة الرجال وجرح المجروح منهم، وفي علل الحديث، ولم يدعوا لمشتغل شيئا يتعلل به، وفسر القرآن والحديث، وتكلم على غريبهما وفقههما، وكل ما يتعلق / بهما، في مصنفات عديدة جليلة، فالآلات متهيئة لذي طلب صادق وهمة ذكاء وفطنة.
وأئمة الحديث المعتبرون هم القدوة في فنهم، فوجب الرجوع إليهم في ذلك، وعرض آراء الفقهاء على السنن والآثار الصحيحة، فما ساعده الأثر فهو المعتبر وإلا فلا.
ولا نبطل الخبر بالرأي بل نضعفه إن كان على اختلاف وجوه الضعف من علل الحديث المعروفة عند أهله، أو باجماع الكافة على خلافه، وقد يظهر ضعف الحديث وقد يخفى. وأقرب ما يؤمر به في ذلك أنك متى رأيت حديثا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)