المسألة الرابعة:
قد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بمساواة طاعة الشيطان بطاعة الله وذلك بالنظر لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجوداً - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به.
الحالة السادسة: التبديل
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله.
حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.
دليل ذلك: الإجماع، قال ابن تيمية رحمه الله: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء " (الفتاوى 3/ 267).
وتتعلق بهذه الحالة ست مسائل
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 43)
المسألة الأولى:
الكفر في هذه الحالة له تعلق بحالة الجحود؛ فإن نسبته حكمَه إلى حكم الله تعالى تتضمن جحده حكم الله تعالى الذي تركه.
المسألة الثانية:
يكون الحاكم كافراً في هذه الحالة ولو بدل في مسألة واحدة، أو مرة واحدة، فلا عبرة بالعدد؛ لأن الإجماع لم يُقيَّد بذلك، ولا يصح تقييد الدليل بلا دليل.
المسألة الثالثة:
يخطئ من يظن أن التبديل لا يلزم فيه نسبة الحكم الجديد للدِّين، وبيان ذلك من أربعة أوجه:
الوجه الأول: قال ابن العربي - ونقله الشنقيطي عن القرطبي مُقرّاً له -: " إنْ حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر " (أحكام القرآن 2/ 625)، (أضواء البيان 1/ 407).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 44)
الوجه الثاني: قال ابن تيمية رحمه الله: " الشرعُ المبدَّل: وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البيِّن، فمن قال: (إن هذا من شرع الله) فقد كفر بلا نزاع " (الفتاوى 3/ 268).
* أقول: فقد فسر المبدل بأنه الحكم المزعوم بأنه من عند الله، وسماه كذباً على الله ورسوله، ونص على قول الزاعم: (هذا من شرع الله).
الوجه الثالث: لو كان التغيير المجرد هو التبديل للَزِم من هذا تعارض إجماعين:
1. الإجماع على كفر المبدل، وهو إجماع مطلق لا قيد فيه، قال ابن تيمية رحمه الله: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء " (الفتاوى 3/ 267).
2. الإجماع على عدم كفر من جار في الحكم، قال ابن عبد البر رحمه الله: " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به " (التمهيد 16/ 358).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 45)
* أقول: فوجب القطع بأن صورة التبديل ليست استبدالاً مجرداً، لإطلاقهم الإجماع على التكفير بالتبديل، مع إجماعهم على عدم التكفير بالجور الذي هو استبدال مجرد من نسبة الحكم الجديد للدين. فاحفظ هذا فإنه مهم.
الوجه الرابع وله تعلق بما قبله: لو لم يكن التبديل غير الاستبدال، للزِم من هذا تكفير أصحاب الذنوب، كحالق اللحية ومسبل الإزار خيلاء؛ لأن كل واحد منهم قد قام بالاستبدال؛ حيث أبدل حكم الله بحكم هواه.
قال ابن حزم رحمه الله: " فإن الله عز وجل قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة 45]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة 47]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله " (الفصل 3/ 278).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 46)
المسألة الرابعة:
اعترض بعضُ الفضلاء على تقرير صورة التبديل على النحو الذي تقدم بأنه لا وجود للتبديل بهذه الصورة، وهذا الاعتراض مردودٌ لأمرين:
1. أما القول بعدم وجوده الآن فقد يكون له حظ من الصواب، وأما القول بعدم وجوده مطلقاً فلا يستقيم؛ وذلك أنه وقع من اليهود تحميم الزاني (= تسويْد وجهه بالفحم) مع ترك إقامة الحد عليه، فقد سألهم النبي صلى الله عليه وسلم: " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " قالوا: نفضحهم، ويجلدون (البخاري 3635)، وفي لفظ: " لا تجدون في التوراة الرجم؟ " قالوا: لا نجد فيها شيئاً (البخاري 4556)، ولما قرأ قارؤهم من التوراة وضع يده على آية الرجم، وقرأ ما قبلها وما بعدها (البخاري 4556)، فقد جحدوا حكم الله تعالى، وأتوا بحكم آخر مكانه، وزعموا أن ما جاؤوا به هو حكم الله تعالى.
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 47)
2. ليست الغاية أن تنزل صورة التبديل على الحكام المعاصرين ولو بتغيير صورة المسألة! بل المراد ضبط الصورة التي قصدها أهل العلم المتقدمون وحكوا الإجماع على التكفير بها ولو كانت قليلة الوقوع أو نادرة أو حتى معدومة.
المسألة الخامسة:
استشهد بعضُ من يخالف في تقرير صورة التبديل بقول البخاري رحمه الله: " فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين " (" صحيحه " قبل الحديث رقم 7369).
والحق أن هذا الاستشهاد لا يستقيم؛ لأن البخاري أراد قوماً وقعوا في التبديل بالمعنى الذي قررته؛ حيث زعموا أن ترك الزكاة من الدين، واستدلوا على أن الزكاة لا تُؤدَّى إلا للرسول صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة 103].
وبرهان ذلك فيما قال ابن حجر رحمه الله: " قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الردة ثلاثة أصناف … وصنف ثالث
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 48)
استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب " (فتح الباري 12/ 288، قبل الحديث رقم 6924).
الحالة السابعة: الاستبدال
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله مجرداً عما تقدم.
بمعنى أنه يُبْدِل حكم الله تعالى بحكم غيره، ولا يكون مستحلاً، ولا جاحداً،
ولا مكذباً، ولا مفضلاً، ولا مساوياً، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.
حكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).
دليل ذلك أمران:
1. إجماعهم على عدم تكفير الجائر، قال ابن عبد البر رحمه الله: " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به " (التمهيد 16/ 358)، والجائر هو المستبدل، فلا فرق بينهما؛ حيث إنه
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 49)
ما أصبح جائراً إلا بعدما استبدل حكمَ الله بحكم غيره.
2. عدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر، بحيث نرد به الإجماع المتقدم ونخرج به هذا المسلم من إسلامه الذي دخله بيقين.
وتتعلق بهذه الحالة ست مسائل
المسألة الأولى:
هناك فرق بين التبديل والاستبدال، وقد تقدم (ص 20 وما بعدها)، ويمكن إجمال الفرق في وجهين:
الأول وهو في صورة المسألة: أن المبدل يزعم أن ما جاء به هو حكم الله تعالى، أما المستبدل فلا يزعم ذلك.
والثاني وهو في حكم المسألة: أن المبدل كافر بإجماع أهل العلم، أما المستبدل فلا دليل على تكفيره.
المسألة الثانية:
من كفر بالاستبدال لزمه التكفير بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله، لأنه لا يتصور
أن يكون المرء حاكماً وتاركاً
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 50)
لحكم الله عز وجل، ثم يجلس بين قومه دون أن يحكم بشيء! فأصبح حكم الاستبدال كحكم الترك - تماماً - بلا فرق.
* أقول: والتكفير بالترك المجرد لم يقل به أحد من أهل السنة، بل يتعارض مع أثر عبد الله بن شقيق رحمه الله: " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (الترمذي 2622، الحاكم 1/ 7/12، المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " 948، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، كما صححه الألباني في صحيح الترغيب 564).
فإن قيل: أليس التكفير بالترك هو ظاهر قول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]؟
فالجواب: بلى، هو ظاهر الآية، ولكن أهل السنة والجماعة أجمعوا على عدم الأخذ بهذا الظاهر، بل نسبوا أخذ الآية على ظاهرها إلى الخوارج والمعتزلة.
قال الآجري رحمه الله: " ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 51)
الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، ويقرؤون معها: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام 1]، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر! ومن كفر فقد عدل بربه! فهؤلاء الأئمة مشركون! فيخرجون فيفعلون ما رأيتَ، لأنهم يتأولون هذه الآية " (الشريعة 44).
وقال ابن عبد البر رحمه الله: " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآياتٍ ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44] " (التمهيد 16/ 312).
وقال القرطبي رحمه الله: " {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]: يحتج بظاهره من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حُجَّة لهم فيه " (المفهم 5/ 117).
وقال أبو حيان الأندلسي رحمه الله: " واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر، وكل من
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 52)
أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله؛ فوجب أن يكون كافراً " (البحر المحيط 3/ 493).
وقال محمد رشيد رضا رحمه الله: " أما ظاهر الآية لم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد(1) " (تفسير المنار 6/ 336).
المسألة الثالثة:
من كفر بالاستبدال لزمه التكفير بكل صورة من صور الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا ما أجمع أهل السنة على خلافه، وبرهان ذلك من جهتين:
1. أنهم اتفقوا على أن من صور الحكم بغير ما أنزل الله ما لا يكون كفراً أكبر، قال ابن عبد البر رحمه الله: " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به " (التمهيد--------------------------------------------
(1) قوله: (لم يقل به أحد) محمول على أحد وجهين؛ فإما أنه ينقل قول أهل السنة ولم يتعرض لرأي الخوارج، أو أن الصغائر والكبائر تدخلان في عموم الآية، والخوارج لا يكفرون إلا بالكبائر.
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 53)
16/ 358).
2. أن كل من حكم بغير ما أنزل الله لا بد أن يكون مستبدلاً حكم الله بحكم غيره، ولا يتخلف عنه وصف الاستبدال بحال.
المسألة الرابعة:
من كفر بالاستبدال لزمه تكفير من أجمع أهل السنة على عدم كفرهم؛ وهم أصحاب الذنوب؛ لأن العاصي قد استبدل حكم الله بحكم غيره (= الهوى والشيطان).
قال ابن حزم رحمه الله: " فإن الله عز وجل قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة 45]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة 47]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله " (الفصل 3/ 278).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 54)
المسألة الخامسة:
يرى بعض الفضلاء أن الحاكم المستبدل يكون كافراً الكفر الأكبر إذا استبدل كل الشريعة، وهذا مردود؛ لأن الأدلة الشرعية لم تقل بوجود فرق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، ولا يجوز أن يعلق الكفر بشيء لا دليل عليه .. صحيح أن من استبدل الشريعة كلها فقد يكون أكثر جرماً من الذي استبدل أقل من ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد جرماً.
ولذلك فإنه يقال: إنْ كان مستبدل الشريعة كلها كافراً، فما حكم من استبدل
ربعها؟ .. نصفها؟ .. ثلثيها؟ .. وهكذا .. ، إلى أن نصير إلى السؤال الذي يكشف عدم وجود الدليل، وهو: ما حكم من استبدل الشريعة كلها إلا حكماً واحداً؟ .. فإن كفره فقد خالف ما قرره من أن مناط (= سبب = علة) التكفير هو: استبدال الكل! وإن لم يكفره فقد أتى بما لا يتوافق مع العقل الصحيح!
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 55)
* أقول: فإذا تبيَّن أن الاستبدال الكلي لا يمكن ضبطه؛ فاعلم أنه لا يمكن التكفير به عند من يراه كفراً أكبر! وذلك أن بلدان المسلمين - التي لا تحكم بالشريعة - لا تخلو من الحكم بدين الله تعالى ولو في جزء يسيرٍ، قل أو كثر، فانتفت علة التكفير التي قال بها وهي (ترك الكل).
المسألة السادسة:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بعقيدة التلازم بين الظاهر والباطن التي قررها أهل السنة، وهذا الاستدلال لا يستقيم لأمرين:
1. لأنه استدلال بما لا دلالة فيه على المراد.
2. ولأنه استدلال بمحل النزاع.
وبيان ذلك أن يقال: إن اعتقاد أهل السنة في هذه المسألة يقتضي أن يكون عند المرء من الصلاح أو الفساد في الظاهر بقدر ما عنده من الصلاح أو الفساد في الباطن.
قال ابن تيمية رحمه الله: " ثم القلب هو الأصل؛ فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، ولا يمكن أن
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 56)
يتخلف عما يريده القلب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب) … فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الأعمال علماً وعملاً قلبياً، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد " (الفتاوى 7/ 187).
وتطبيقاً لهذا الأصل فإنه يقال: لا شك أن من استبدل الشريعة كلها فإن لديه من الفساد في الباطن قدر كبير يساوي ذلك القدر الذي في ظهر منه وهو: استبدال شريعة الله كلها.
لكن محل البحث هو أن يُنظر لهذا الفساد الذي في الظاهر - والذي نتج عن فساد مثله في الباطن - هل بلغ بصاحبه حد الكفر الأكبر ليحكم عليه بالكفر الأكبر؟ أم لا؟ ..
إن الجواب على هذا السؤال يدعو للنظر في الأدلة الشرعية
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 57)
الأخرى التي حكمت على هذا الظاهر، ولا علاقة له من قريب ولا من بعيد بقاعدة التلازم بين الظاهر والباطن.
ثم إن المخالف قد يقول: ذلك القدر الذي في الظاهر حكمه الكفر الأكبر.
فيقال له: فما الدليل على أن ذلك القدر أوصل صاحبه للكفر الأكبر؟ .. فإن استدل بعقيدة التلازم؛ فقد استدل بمحل النزاع، وبما لا دلالة فيه على المقصود، فلزمه أن يستدل بدليل آخر، وهذا هو المراد.
ويزداد شرح عقيدة التلازم بهذا التطبيق: لو نظرنا إلى لص قاطع طريق لوجدنا أنه لم يقدم على تلك المعصية إلا لخلل في إيمانه، ويزداد ذلك الخلل اتساعاً بقدر ما ازداد من هذا الذنب، ولكن للحكم على ذلك الخلل بالإخراج عن ملة الإسلام أو عدمه فنحن محتاجون للنظر في الأدلة الشرعية التي حكمت على ذلك الذنب الذي ظهر لنا (= قطع الطريق)، فنظرنا فوجدنا أن الأدلة تحكم عليه بنقص الإيمان لا بزواله فلم نكفره.
ثم يزداد الأمر وضوحاً بهذا التطبيق الآخر: لا يختلف أهل
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 58)
السنة في عدم تكفير الزاني ولو زنا ألف مرة! .. فأنت ترى أن ازدياده في الذنب (= الزنا) قد حكم بزيادة فساده في الباطن، ولكن إيصال هذا الفساد لحد الكفر المخرج من الملة لا تعلق له بعقيدة التلازم، بل يؤخذ من الأدلة الشرعية الأخرى التي بينت حكم هذا الظاهر.
وأختم هذا المبحث بما علق به الألباني رحمه الله على قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]: " من آمن بشريعة الله تبارك وتعالى، وأنها صالحة لكل زمان ولكل مكان، ولكنه لا يحكم - فعلاً - بها؛ إما كلاً وإما بعضاً أو جزءاً، فله نصيب من هذه الآية! له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج من دائرة الإسلام " (سلسلة الهدى والنور، الشريط 218، الدقيقة 29).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 59)
الحالة الثامنة: التقنين
صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله بحكم هوَ أتى به من عنده.
بمعنى أنه هو الذي اخترع ذلك الحكم أو القانون، ولا يكون مستحلاً، ولا جاحداً، ولا مكذباً، ولا مفضلاً، ولا مساوياً، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.
حكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).
دليل ذلك: عدم وجود دليل يوجب تكفيره، فالشريعة لم تعلق الكفر الأكبر على مصدر الحكم، كما أن الأدلة لم تفرق بين من حكم بحكم غيره ومن حكم بحكم نفسه.
* أقول: ولو كان هذا التفريق حقاً لما أغفلته الشريعة، ولورد في الأدلة الشرعية ما يعضده.
وتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 60)
المسألة الأولى:
أن الحاكم المخترِع للأحكام المخالفة للشريعة قد يكون أشد جرماً من الحاكم الذي لم يفعل ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد أو الأخف جرماً.
المسألة الثانية:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بأن اختراعه لذلك القانون يُعد منازعة لله تعالى في شيء من خصائصه وهو: التشريع.
* أقول: والحق أن يُفصَّل في حاله، وذلك لأن المقنِّن لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يقوم بالعمل ويدعي لنفسه حق التشريع بالتصريح لا بمجرد الفعل؛ فهذا كافر الكفر الأكبر بلا شك؛ لأنه مستحل لأمر حرمه الله تعالى.
الحالة الثانية: أن يقوم بالعمل ولا يدعي لنفسه ذلك؛ فهذا لا يكفر لثلاثة أمور:
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 61)
1. لا دليل على كفره.
2. عدم تكفير أهل السنة لصديق السوء الذي يقنن للذنب ويزينه ويدعو له .. فهو كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.
3. عدم تكفير أهل السنة للمصورين الذين لا يستحلون التصوير المحرم، فقد قال الله عنهم في الحديث القدسي: " من أظلم ممَّن ذهب يخلق كخلقي؟ " (البخاري 5953، مسلم 5509). وقال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " (البخاري 5954، مسلم 5494). ولا فرق بينهما؛ إذ المصور جعل نفسه خالقاً مع الله، والمشرع جعل نفسه مشرعاً مع الله، فمن كفر المشرع مع الله فليكفر الخالق! سواء بسواء .. فالمصور كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.
* أقول: واتفاق أهل السنة على عدم كفر صديق السوء والمصور دليل قاطع على ما قررته آنفاً. فاحفظه فإنه مهم.
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 62)