فيما وافقوا فيه أهلَ السنة، ولا يكون إلا باطلاً فيما خالفوا فيه أهل السنة.
تنبيه: يخطئ من يظن أن موافقة بعض فرق الضلال لأهل السنة تعد عيباً على أهل السنة، وذلك أن موافقة بعض أهل البدع لأهل السنة - في غير ما ابتدعوا - أمر ظاهر، بل لا تكاد توجد فرقة مبتدعة تخالف أهل السنة والجماعة في كل شيء.
قال ابن تيمية رحمه الله عن الرافضة: " ليس كل ما أنكره بعضُ الناس عليهم يكون باطلاً؛ بل مِن أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعضُ أهل السنة ووافقهم بعضٌ، والصواب مع مَن وافقهم، لكنْ ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها " (منهاج السنة 1/ 44).
* أقول: وحقيقة هذا الفرق تتمثل في أن المرجئة تشترط الاعتقاد - كالاستحلال مثلاً - في جميع الأعمال التي تكفِّر بها، بينما يشترط أهل السنة الاستحلال في بعض الأعمال التي يكفِّرون بها، ولا يشترطونه في بعض.
فإن قيل: فما ضابط العمل الذي يشترط الاعتقاد في التكفير به؟
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 103)
فالجواب: الضابط في ذلك الدليل، فإن دل الدليل على أن هذا الأمر مكفر الكفر الأكبر؛ كفّر به أهلُ السنة ولم يشترطوا الاعتقاد للتكفير به، وأما الأمر الذي لم يدل الدليل على أنه مكفر - وهو الذنب -؛ فإن أهل السنة لا يكفرون به إلا بشرط الاعتقاد كاستحلال أو جحود.
مثال ذلك الزنا؛ فلم يأت ما يدل على التكفير به، فلذلك فإن قاعدة أهل السنة فيه
أن الزاني لا يكفر إلا إن استحل الزنا.
الوجه الثالث: أن قائل هذا لم يعرف آراء المرجئة ولا الأمور التي تنجي من الإرجاء، فقد نص أئمة الإسلام على بعض المسائل التي مَن قالها فقد فارق المرجئةَ وبرئ من الإرجاء، وهي خمس مسائل:
المسألة الأولى
من قال أن الإيمان قول واعتقاد وعمل؛ فقد فارق المرجئة
قال البربهاري رحمه الله: " ومن قال: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص)؛ فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره " (شرح السنة ص 123، رقم 161).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 104)
وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:
قال ابن باز رحمه الله تعليقاً على ما جاء في العقيدة الطحاوية (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان): " هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية … وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة " (الفتاوى 2/ 83).
وقال الألباني رحمه الله مُعلِّقاً على العبارة نفسها: " هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافاً للسلف وجماهير الأمة " (الطحاوية 1/ 51).
وقال ابن عثيمين رحمه الله: " الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو الإقرار بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح " (الفتاوى 1/ 49).
المسألة الثانية
من قال أن الإيمان يزيد وينقص؛ فقد فارق المرجئة
سُئل أحمد بن حنبل رحمه الله عمن قال: (الإيمان يزيد
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 105)
وينقص)؟ فقال: " هذا برئَ من الإرجاء " (" السنة " للخلال 2/ 581/1009، وانظر " السنة " لعبد الله 1/ 307/600).
وقال البربهاري رحمه الله: " ومن قال: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره " (شرح السنة ص 123، رقم 161).
وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:
قال ابن باز رحمه الله تعليقاً على ما جاء في العقيدة الطحاوية (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء): " هذا فيه نظر، بل هو باطل، فليس أهل الإيمان فيه سواء؛ بل متفاوتون تفاوتاً عظيماً … وهو قول أهل السنة، خلافاً للمرجئة " (الفتاوى 2/ 83).
وقال الألباني رحمه الله: " فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان لاتفقوا معهم في أن الإيمان يزيد وينقص … ، مع تظافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك " (الطحاوية 1/ 51).
وقال ابن عثيمين رحمه الله: " وقد جاء ذلك في القرآن والسنة، أعني إثبات الزيادة والنقصان؛ قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 106)
عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر 31] " (الفتاوى 1/ 50).
المسألة الثالثة
من قال بجواز الاستثناء في الإيمان؛ فقد فارق المرجئة
قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: " إذا ترك الاستثناء؛ فهو أصلُ الإرجاء " (" الشريعة " للآجري رحمه الله 2/ 664).
وقال ابن تيمية رحمه الله: " وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة … وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة: فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم " (الفتاوى 7/ 438).
وقال رحمه الله: " فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم" (الفتاوى 7/ 429).
* أقول: والاستثناء كأن يقول (أنا مؤمن إن شاء الله)، فأما أهل السنة فيجيزونه في حالات؛ منها: أن يقصد البعد عن تزكية النفس، أو عدم الجزم بقبول العمل .. ، لكنهم لا يجيزونه
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 107)
إن قاله شاكَّاً في إيمانه. وأما المرجئة فلا تجيز الاستثناء مطلقاً.
وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:
قال ابن باز رحمه الله: " أما في العبادات فلا مانع أن يقول: (إن شاء الله صلّيتُ)، (إن شاء الله صمتُ) لأنه لا يدري هل كمّلها وقُبلت منه؟ أم لا؟ وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم لأنهم لا يدرون هل أكملوا؟ أم لا؟، فيقول الواحد منهم: (صمتُ إن شاء الله) ويقول: (أنا مؤمن إن شاء الله) " (الفتاوى 5/ 403).
وقال الألباني رحمه الله مُستنكراً على الحنفية: " وبناءً على ذلك كله اشتطّوا في تعصبهم، فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر … " (الطحاوية 1/ 52).
وقال ابن عثيمين رحمه الله عن الاستثناء: " قول الإنسان: (أنا مؤمن إن شاء الله)؛ إن كان قصده بذلك التبرك، أو أنه: (إيماني وقع بمشيئة الله)؛ فهذا حق ولا إشكال فيه، جائز " (الباب المفتوح، لقاء 208، الوجه أ، الدقيقة 17، إصدار تسجيلات " الاستقامة ").
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 108)
المسألة الرابعة
من قال بأن الكفر يكون بالقول، أو بالعمل؛ فقد فارق المرجئة
وذلك أنهم لا يعدون الأعمال من الإيمان، فالعمل - عندهم - لا يؤثر على الإيمان قوةً ولا ضعفاً، وعليه: فلا طريق للكفر - عندهم - إلا بالاعتقاد.
قال ابن تيمية رحمه الله عمن يشترط الاستحلال في تكفير من سب النبيَّ صلى الله عليه وسلم: " رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم … فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم، وهم الذين يقولون الإيمان هو الاعتقاد والقول " (الصارم المسلول 3/ 964).
وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:
قال ابن باز رحمه الله تعليقاً على ما جاء في العقيدة الطحاوية (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه): " هذا الحصر فيه نظر … وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بيّنها أهل العلم في باب (حكم المرتد)، من ذلك طعنه في الإسلام أو في النبي صلى الله عليه وسلم " (الفتاوى 2/ 83).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 109)
وقال الألباني - مُلخِّصاً مُقرّاً كلامَ ابن القيم - رحمهما الله: " لقد أفاد رحمه الله أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد، وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمانَ وإلى ما لا يضاده؛ فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان " (السلسلة الصحيحة 7/ 134، تحت الحديث رقم 3054).
وقال ابن عثيمين رحمه الله مُعدِّداً شروط التكفير -: " دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر " (القواعد المثلى ص 149).
المسألة الخامسة
من قال بوجوب السمع والطاعة لولاة الأمر ولو جاروا؛ فقد فارق المرجئة
وذلك أنهم لا يرون لولاة الجور سمعاً ولا طاعة، بل يرون السيف.
قال عبد الله بن طاهر رحمه الله عن المرجئة: " لا يرون للسلطان طاعة " (" عقيدة السلف وأصحاب الحديث "
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 110)
للصابوني رحمه الله ص 68).
وقال سفيان بن عيينة والأوزاعي رحمهما الله: " إن قول المرجئة يخرج إلى السيف " (" السنة " لعبد الله بن أحمد رحمهما الله 1/ 218/368).
وقال سفيان الثوري رحمه الله: " يرون السيفَ على أهل القبلة " (" الشريعة " للآجري 2062، وانظر " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي 1834 رحمهما الله).
وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:
قال ابن باز رحمه الله: " ويجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعصية، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون في المعصية، لكنْ لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها " (الفتاوى 8/ 203).
وقال الألباني رحمه الله مُعلِّقاً على ما في العقيدة الطحاوية (ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة): " ومِن الواضح أن ذلك خاص بحُكام المسلمين منهم، لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء 59] " (الطحاوية 1/ 58).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 111)
وقال ابن عثيمين رحمه الله: " مهما فسق ولاة الأمور: لا يجوز الخروج عليهم. لو شربوا الخمر ، لو زنوا ، لو ظلموا الناس: لا يجوز الخروج عليهم " (شرح رياض الصالحين 1/ 702).
* أقول: فهذه هي أصول المرجئة التي حكاها عنهم ونقضها أهلُ السنة، والتي غابت عن كثير من طلاب العلم؛ فأصبحوا يرمون بالإرجاء من خالفهم ولو لم يكن متلبِّساً بشيء من آراء المرجئة! فترى آثار السلف تبرِّئ الرجلَ من الإرجاء؛ ثم يأتي من أهل عصرنا مَن يرميه به! فمَن أعلم بالإرجاء وأصوله؟ أئمة السلف؟ أم طلاب العلم هؤلاء؟!
* ثم أقول: وأشد من هذا؛ أن بعض طلاب العلم عمدوا إلى اختياراتهم الاجتهادية في بعض المسائل فجعلوها أصلاً من أصول السنة! واعتبروها من الفروق بين أهل السنة والمرجئة! فرموا مخالفهم فيها بالإرجاء! كمسألة تارك الصلاة تهاوناً، والتي - وإن كنتُ مع القول بأن تاركها كافر كفراً أكبر - إلا أنها محل خلاف بين المتقدمين من أهل السنة، ولا علاقة لها بالإرجاء لا من قريب ولا من بعيد ما دام
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 112)
الخلاف فيها مبنيّاً على الأدلة(1).
فليُتنبَّه لهذا.--------------------------------------------
(1) تنبيه: قد يكون للخلاف في (حكم تارك الصلاة تهاوناً) صلةٌ بالمرجئة والخوارج! وذلك فيما لو خرج الخلاف من دائرة النظر في الأدلة إلى الأخذ بالأصول الفاسدة!
1. فمن بنى عدم تكفيره لتارك الصلاة على أصله القائل بأنه (لا يكفر إلا المستحل) فهو مرجيء.
2. ومن بنى تكفيره لتارك الصلاة على أصله القائل بـ (كفر مرتكب الكبيرة) فهو خارجي.
3. أما من بنى قوله على الأدلة، مع سلامته من أصل المرجئة وأصل الخوارج فهو سني سلفي سواء كفَّر تارك الصلاة أم لم يكفِّره.
وعلماؤنا الثلاثة رحمهم الله مع اختلافهم في مسألة تارك الصلاة على القولين المعروفَين المأثورَين عن المتقدمين من أهل السنة؛ إلا أنهم بنوا اختياراتهم على الأدلة مع براءتهم من تلك الأصول الفاسدة، فلا سبيل للطعن فيهم بوجه من الوجوه.
* وهذا التفريع - على النحو المتقدم - يشمل كل المسائل التي اختلف أهل السنة فيما بينهم
في التكفير بها، إذ لا يقتصر الكلام على مسألة (تارك الصلاة) كما يتوهم البعض! وبراءة علماء السنة ظاهرة؛ فهم - وإن وافقهم بعضُ أهل البدع على القول بالتكفير أو القول بعدم التكفير -؛ إلا أن اجتهاداتهم تدور حول الدليل، وليس لهم من هذه الأصول الفاسدة شيء حتى يتهموا بفساد المعتقد أو ينسبوا لبدعة المرجئة أو الخوارج، وتقدم بيان خطأ من يعيب على أهل السنة موافقةَ بعض أهل البدع لهم في غير ما ابتدعوا (راجع ص 49).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 113)
المبحث الرابع
الجواب عن أهم أدلة المخالفين .. وهي أربعة عشر دليلاً
الدليل الأول
قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44].
فإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر بنص الآية.
فالجواب: أن الكفر هنا هو الكفر الأصغر لا الأكبر، وبرهان ذلك ثلاثة أمور:
1. إجماع أهل السنة على أن الآية ليست على ظاهرها، وقد تقدم (ص 24).
2. تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، وقد تقدم (ص 42).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 115)
3. تفسير بعض التابعين(1) (= أصحاب ابن عباس رضي الله عنه ورحمهم)، وقد تقدم (ص 41)، ولا يعلم لهم مخالف من عصرهم.
ثم إن قيل: الأصل عند الإطلاق انصراف الكفر للكفر الأكبر.
فالجواب: أن هذا الإيراد لا ثمرة منه؛ لأنه جاء ما يجعل المراد بالكفر في الآية: الكفر الأصغر، وهو تفسير ابن عباس وبعض أصحابه.
ثم إن قيل: قد استقرأ ابن تيمية رحمه الله لفظ (الكفر) المعرَّف بـ (أل) فوجد أنه لا يأتي إلا أريد به الكفر الأكبر، فقال:--------------------------------------------
(1) قال ابن تيمية عن تفاسير التابعين رحمهم الله: " إذا أجمعوا على الشيء فلا يُرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ويُرجَع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك " (الفتاوى 13/ 370).
وقال رحمه الله: " من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك: كان مخطئاً في ذلك، بل مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه " (الفتاوى 13/ 361).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 116)
" والكفر المعرَّف: ينصرف إلى الكفر المعروف، وهو المخرج عن الملة " (" شرح العمدة "، قسم الصلاة ص 82).
فالجواب: أن استقراءه رحمه الله جاء على المصدر (الكفر) بينما جاءت الآية باسم الفاعل (الكافر) وفرق بينهما؛ إذ المصدر يدل على الفعل وحده، أما اسم الفاعل فهو دال على الفعل وعلى من قام بالفعل (= الفاعل).
لذلك فقد جعل ابنُ تيمية - نفسه - القولَ بأن المراد بالكفر في الآية هو الكفر الأصغر؛ قولاً لبعض أئمة السنة، بل لعامة السلف، وتقدم كلامه (ص 44).
قال ابن عثيمين رحمه الله: " مِن سوء الفهم قول مَن نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال (إذا أُطلق الكفر فإنما يراد به كفر أكبر)؛ مستدلاً بهذا القول على التكفير بآية {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]! مع أنه ليس في الآية أن هذا هو (الكفر)! وأما القول الصحيح عن شيخ الإسلام فهو تفريقه رحمه الله بين (الكفر) المعرَّف بـ (أل) و (كفر) مُنكّراً. فأما الوصفُ فيصلح أن نقول فيه (هؤلاء كافرون) أو (هؤلاء الكافرون) بناءً على ما اتصفوا به من الكفر الذي
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 117)
لا يخرج من الملة، ففرْق بين أن يوصف الفعل وأن يوصف الفاعل " (فتنة التكفير ص 25، حاشية 1).
الدليل الثاني
قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65].
فإن قيل: إن الله نفى الإيمان عمن لم يحكّم الشريعة، وهذا يقتضي الكفر.
فالجواب: أن المنفي هو كمال الإيمان لا أصله (= لا كله)، فالآية تحكم بنقص الإيمان لا بزواله.
وبيان ذلك: أن نفي الإيمان جاء في الشريعة وأريد به نفي الكمال لا نفي الأصل.
ومن أمثلة ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (البخاري 13، مسلم 168). و قوله صلى الله عليه وسلم: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ". قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: " الذي لا يأمن جاره بوائقه " (البخاري 6016).
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 118)
* أقول: فإذا عرفت أن نفي الإيمان يأتي في الشريعة ويراد به نفي الكمال، وعرفت أن هذا الاحتمال يوجب التأنّي في التكفير بهذه الآية؛ فاعلم أنه جاء ما يصرف الإيمان المنفي في الآية من الأصل إلى الكمال، ومن هذه الصوارف صارفان اثنان:
الصارف الأول: أن نفي الإيمان في الآية جاء في حق ثلاثة:
1. من لم يحكّم الرسول صلى الله عليه وسلم.
2. من وجد في نفسه شيئاً على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
3. من لم يسلّم بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
* أقول: فمن جعل المنفي هو أصل الإيمان (= كله!) لزمه أن يكفر هؤلاء الثلاثة، مع أنه جاء ما يدل على عدم كفر الثاني والثالث، ومن هذه الأدلة دليلان ظاهران:
أما أولهما فما قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لمّا فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب! إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم! فبلغ ذلك
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 119)
رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم، فقال: " ما الذي بلغني عنكم؟ ". قالوا: " هو الذي بلغك "، وكانوا لا يكذبون. قال: " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس وادياً أو شِعْباً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً؛ لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار " (البخاري 3778، مسلم 2437). قالوا: " يا رسول الله؛ قد رضينا " (البخاري 4331، مسلم 2438) .. فرضي الله عن الأنصار وعن جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأرضاهم، فما أبرهم وأصدق إيمانهم وأحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما ثانيهما فحديث عائشة رضي الله عنها: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم جئنه يناشدنه العدلَ في بنت أبي قحافة (= عائشة رضي الله عنها (البخاري 2581، مسلم 6240) .. فرضي الله عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأرضاهن.
* أقول: فإن كان المنفي عن الثاني والثالث هو الكمال؛ فلا بد أن يكون كذلك في حق الأول، وإن كان الثاني والثالث لا يكفران؛ فالأول كذلك سواء بسواء؛ لأن الوعيد الوارد في حقهم واحد.
وإنْ قارنتَ هذا بقول ابن تيمية رحمه الله: " وهذه الآية مما
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 120)
يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله " (منهاج السنة 5/ 131) فقد تجلّى لك الأمر.
الصارف الثاني وفيه مبحث دقيق: أن الآية نزلت في رجل أنصاري بدري، والبدريون محفوظون من الوقوع في الكفر الأكبر، وذلك أنه جرت بين الزبير وذاك الرجل رضي الله عنهما خصومة، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء أغضب الأنصاري فقال: أنْ كان ابن عمّتك؟! (أخرج القصة البخاري: 2359، 2362، 2708، 4585، ومسلم 6065، وأبو داود 3637، والترمذي 1363، والنسائي 5431).
فانظر كيف غضب ذلك البدري رضي الله عنه ولم يقع منه التسليم الكامل بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر؟
قال ابن باز رحمه الله تعليقاً على قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65]:
" فمن زعم أنه يجوز الحكم بغيرها [أي: الشريعة]، أو قال: (إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء)، أو: (إلى الأجداد)، أو: (إلى القوانين الوضعية التي وضعها الرجال)، سواء كانت
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 121)
شرقية أو غربية، فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه، ويكون بذلك كافراً كفراً أكبر … أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله، ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع؛ فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان وهو بذلك كافر كفراً أصغر، وظالم ظلماً أصغر، وفاسق فسقاً أصغر " (الفتاوى 6/ 249).
بل قال ابن تيمية رحمه الله: " كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65] فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 122)
الغاية؛ دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وُعِد أهله بدخول الجنة بلا عذاب " (الفتاوى 7/ 37).
وقال رحمه الله: " فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته كقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65] " (الفتاوى 22/ 530).
فإن قيل: فما الدليل على حفظ الله لأهل بدر من الوقوع في الكفر؟
فالجواب: أن الله تعالى قد أوجب لهم الجنة، كما في قصة حاطب رضي الله عنه إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقهم: " لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة " (البخاري 6939).
* أقول: فمن لم يقل بخصوصيتهم وحفظ الله لهم من الوقوع فيما يخرج من ملة الإسلام؛ فقد أوجب تعارض الحديث مع قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
(খণ্ড: 1437) (পৃষ্ঠা: 123)