إن أسباب وقوع الاختلافات كثيرة جدًا يصعب حصرها، ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: ترجع إلى الرواة أنفسهم مما يؤدي إلى تفاوت رواياتهم.
المجموعة الثانية: ترجع إلى المروي عمومًا والصحيح خصوصًا.
المجموعة الأولى: أسباب تفاوت الرواة في الروايات وترجيح بعضهم على بعض (1)
إن مجال اختلاف الرواة عند المحدثين يدور في اختلافهم في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر العلماء أوجهًا للتفاوت بين الرواة، ويقصدون بقولهم: الرواة. أي: الرواة الواردون في أسانيد الأحاديث.
ولكن اختلافهم في الرواية عن مصنف والتفصيل بين هذه الروايات لم أجد من خصه بذكر، ويمكن اعتبار أقوال المحدثين والأصولين في التفاوت بين الأخبار والرواة، والاستفادة به في مجال اختلاف الرواة في رواية المصنفات.
وهذه الأوجه منها ما يتعلق بالمُصنِّف وهو الإمام البخاري ويشمل ذلك طريقة تأليفه وتحديثه بالكتاب وإسماعه.
ومنه ما يتعلق بالرواة أنفسهم ويشتمل ذلك على ما يتعلق بركني القبول وهما العدالة والضبط:
فمن المعلوم أن مجموع صفات من تقبل روايته ينحصر في أمرين أساسين:--------------------------------------------
(1) ينظر «معرفة مدار الإسناد وبيان مكانته في علم علل الحديث» لمؤلفه محمد مجير الحسني 2/ 80 وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 436)
أولًا: أن يكون الراوي عدلًا:
ثانيًا: أن يكون الراوي ضابطًا لم يرويه.
فلابد من تحقق العدالة والضبط في كل راو على حدة، ورواة «الصحيح» عن البخاري تحملوا «الصحيح» بأوجه الرواية المعتبرة عند المحدثين القدامى فهم من حيث كونهم رواة ينطبق عليهم ما اشترطه العلماء لقبول رواية الراوي قبل البخاري رحمه الله تعالى.
وهذا القسم يشمل أغلب المرجحات ويشترك النسخ فيه مع الروايات الأخرى عند المحدثين قبل التدوين.
ولا يخفى أن هذه الأمور التي ستذكر هي أمر زائد على القدر المعين الذي اشترطه المحدثون لقبول الراوي عمومًا.
أولًا: العدالة:
للحكم على الراوي بالعدالة شروط هي: الإسلام، والعقل، والسلامة من الفسق، والسلامة من خوارم المروءة.
الترجيح بين الروايات بهذه الصفات التي ترجع إلى ذات الراوي قليل جدًا، وإنما أكثر اعتماد الحفاظ في الترجيح بين الروايات على الصفات التي تعود إلى ضبط الراوي:
والصفات التي تعود إلى عدالة الراوي هي:
1 - حسن الاعتقاد:
وذلك يكون بسلامته التامة من البدع المحدثة، وقد فصل العلماء القول في رواية المبتدع، وانتهى القول الراجح إلى قبول رواية المبتدع بدعة غير مكفرة، ولم يكن ممن يستحل الكذب لنصرة بدعته، ولم يكن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 437)
داعية إليها، ولم يرو ما يؤيد بدعته (1).
2 - الورع: وهي في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منها، ثم استعير للكف عن المباح والحلال (2).
وهو بمعناه الأصلي ركن في العدالة، لكنه في المعنى الذي استعير له، يزيد في عدالة القائم به، وإنما تقدم رواية الأورع؛ لأنه أشد احتياطًا فيما يروي، وأبعد عن التساهل فيما ينقل.
لكن هذا الوجه قلما يرجح به منفردًا، فلابد من مراعاة علم الراوي وضبطه مع ذلك (3).
ومن الصفات التي تعود إلى ذات الراوي صفات ذكرها بعض الأصوليين في الترجيح بين الأخبار، لكنها لا تُعدُّ أوجهًا معتبرة، ولا نجد المحدثين يفاضلون بها بين الرواة، منها: الذكورة، والحرية، والنسب.
فمثلًا اعتبر بعض العلماء أن الذكورة من مرجحات الروايات (4).
وذهب الجمهور إلى أن الذكورة والأنوثة لا يدخلان في الترجيح، ولا تأثير لهما في قوة الخبر، ولذلك نجد روايات لنساء عرفن بالضبط والدقة، فاعتمد العلماء على روايتهن مثل رواية كريمة المروزية (463) هـ، بل اعتبرت من أشهر الروايات، كما نجد رواية وزيرة التنوخية التي روى من طريقها: العيني والقسطلاني وابن حجر وغيرهم.--------------------------------------------
(1) «معرفة مدار الإسناد» 2/ 109، وينظر: «نزهة النظر» لابن حجر 75 - 76.
(2) ينظر: «التقييد والإيضاح» للعراقي ص: 273 الوجة (56)، «النهاية في غريب الحديث» 5/ 174.
(3) «معرفة مدار الإسناد» لمحمد مجير الحسني 2/ 111، وانظر: «قواطع الأدلة» لأبي المظفر السمعاني 3/ 35.
(4) انظر: «التقييد والإيضاح» للعراقي ص: 273 الوجه (63).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 438)
ثانيًا: التفاوت في الضبط:
يعد التفاوت في الضبط أصلًا لوقوع كثير من الاختلاف بين الرواة؛ ذلك لأن شروط الضبط: اليقظة والحفظ، أو ضبط الكتاب، والعلم بما يحيل الألفاظ عن معانيها في حال الرواية بالمعنى، وقد لا تجتمع في بعض الحالات، كما أن كل شرط منها على حدة قابل للتجزؤ والتفاوت.
قال الشافعي (204) هـ رحمه الله تعالى:
وأهل الحديث متباينون: فمنهم المعروف بعلم الحديث، بطلبه وسماعه من الأب والعم وذوي الرحم والصديق، وطول مجالسة أهل التنازع فيه، ومن كان هكذا مقدمًا في الحفظ، إن خالفه من يقصر عنه كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه، ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له، وإذا اختلفت الرواية استدللنا على المحفوظ منها والغلط بهذا، ووجوه سواه تدل على الصدق والحفظ والغلط (1).
وأسباب اختلاف الرواة في الضبط يرجع إلى سببين إجماليين:
الأول: أمر يتعلق بالوَهْب من الله الوهاب، فالحفظ والضبط من نعم الله تعالى وفضله على خلقه، يتفضل بها على من يشاء من عباده.
الثاني: أمر يتعلق بالكسب والاجتهاد: وذلك أن تلقِّي الراوي عن شيخه يقع ضمن ظروف متعددة تحيط بكل من الشيخ والطالب، وهذه الظروف قد تكون شخصية، وقد تكون زمانية، وقد وتكون مكانية، وغير--------------------------------------------
(1) «الرسالة» ص: 381 - 383 (1045 - 1048).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 439)
ذلك مما يظهر آثارها في تفاوت الرواة (1).
ويعرف الضبط كما يرشد إليه كلام الشافعي السابق بعرض مرويات الراوي على مرويات الرواة الحفاظ، مما ينتج عنه موافقة أو مخالفة، وتظهر نسبة ما وافقهم فيه وما خالفهم، وكلما كانت نسبة المخالفة إلى الموافقة أقل كانت مرتبة الضبط أعلى (2).
فإن كانت موافقاته غالبة، ومخالفاته نادرة دل ذلك على ضبطه، فيقبل ما تفرد به - ومما لا تعرف فيه الموافقة والمخالفة - حملًا له على الغالب، وإن كانت مخالفاته غالبة أو كثيرة، وموافقاته نادرة أو قليلة دل على اختلال ضبطه، فلا يقبل ما تفرد به - مما لا تُعرَف فيه الموافقة والمخالفة - حملًا له على الغالب.
ومن الأمور التي يعرف بها معرفة ضبط الراوي فيما تفرد به: اعتبار روايات أصحابه عنه، فإن اتفقوا دل على ضبطه لذلك الحديث، وإن اختلفوا عليه وكانوا من الحفاظ الأثبات دل على عدم ضبطه له، وتحديثه به على أكثر من وجه.
قال عبد الرحمن بن مهدي (198) هـ رحمه الله تعالى: إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ (3).
والضبط عند المحدثين نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب، وقد سبق تفصيلهما في التمهيد العام للبحث.
وكلا النوعين من الضبط يعرض له الخلل.--------------------------------------------
(1) ينظر: «معرفة مدار الحديث» 2/ 118 - 119.
(2) «الرسالة» (371 - 463).
(3) رواه الخطيب في «الكفاية» ص: 609.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 440)
قال المزي (742) هـ رحمه الله تعالى في كتابه «تحفة الأشراف»: والوهم يكون تارة في الحفظ، وتارة في القول، وتارة في الكتابة (1) فقد يعرف التصحيف والوهم للكاتب عند كتابته، ولو صان كتابه بعد ذلك، كما يتطرق التصحيف إلى سمع الراوي للاشتباه، ولو حفظ بعد ذلك (2).
أسباب تفاوت الرواة في الضبط ووجوه الترجيح بينهم
إن أسباب التفاوت التي تعود إلى الضبط كثيرة جدًّا، بالنسبة إلى أسباب التفاوت التي تعود إلى العدالة، ولذا سأقتصر في ذلك على ما له تعلق بالروايات والنسخ، وإن وجد غير ذلك عند المحدثين في اعتبار الاختلاف بين الرواة، وممن اهتم بذكر جملة من ذلك الخطيب في «الكفاية» حين عقد بابًا في القول في ترجيح الأخبار (3).
ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى أنواع يندرج في كل قسم عدد من المرجحات أو الأسباب.
النوع الأول: ما يرجع إلى ذات الراوي:
1 - الحفظ:
وهي مظهر القوة الحافظة، وهي الملكة التي أكرم الله بها الإنسان ليتذكر بها في حاضره وما سبق أن أحسن به في ماضيه.
والرواية تعتمد على ما أحس به الإنسان بالسمع أو البصر، فكلما كان المرء أملك لاستعادة ما طرف سمعه كان أحفظ، وكلما كان أكثر نسيانًا كان أبعد عن الحفظ، وممن جعل الحفظ من مرجحات الرواة والتفاوت بينهم كثير من المحدثين ولذلك أمثله لا تعد ولا تحصى.--------------------------------------------
(1) 1/ 344 (4001).
(2) انظر: «كتاب المجروحين» لابن حبان 1/ 90.
(3) ص: 608 - 612.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 441)
2 - الفقه:
وهو عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه، وفي الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (1).
وكلما كان صاحب الرواية فقيهًا كانت روايته أرجح، وذلك لأن عناية الفقيه مما يتعلق من الأحكام أشد من عناية غيره بذلك (2).
وروى الخطيب في «الكفاية» عن علي بن خشرم قوله: قال لنا وكيع: أي الأسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش عن أبي وائل، فقال سبحان الله! الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديث تداوله الفقهاء خير من أن يتداوله الشيوخ (3).
ومن الروايات التي برز فيها دور الفقه في ترجيح الرواية مع المرجحات الأخرى رواية الفقيه أبي زيد المروزي (361).
3 - العلم بالعربية:
من المرجحات التي ذكرها الأصوليون والمحدثون: ترجيح رواية العالم بالعربية لغة ونحوًا على من دونه في العربية، وترجيح رواية الأعلم بالعربية على رواية العالم بها، وذلك لأن الواقف على اللسان يمكنه من التحفظ من مواضع الزلل ما لا يقدر عليه غير العالم به، كما إنه يميز بين--------------------------------------------
(1) «التعريفات» للجرجاني ص: 168، وانظر «الكفاية» للخطيب ص: 610.
(2) «الكفاية» ص: 610.
(3) «الكفاية» ص: 611، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» 1/ 25 لكن من غير رواية علي بن خشرم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 442)
صريح الكلام وظاهره، ومجمله ومبينه، وعامه وخاصه، وحقيقه ومجازه.
ومن الروايات التي تميزت بذلك رواية اليونيني، حيث بالغ في توثيقها، وعرضها على الإمام النحوي جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك (672) هـ.
النوع الثاني: ما يرجع إلى أحوال الراوي مع شيخه:
وهذا القسم إجمالًا مما اعتنى المحدثون بإفراده اعتناءً بالغًا، وأكثروا من التفضيل بين الرواة بسببه.
ومما يندرج تحت هذا القسم.
1 - البلديَّة:
والمراد بالبلديَّة أن يشترك الراوي مع شيخه، الذي روى عنه «الصحيح» في النسبة على بلد، والاشتراك قد يكون في المحلة أو المدينة أو الإقليم.
والغالب على الراوي إذا اشترك مع شيخه في النسبة إلى مكان أن يكون أضبط لحديثه وأتقن، فإذا خالفه الغرباء عن شيخه، كانت روايته مقدمة على رواية غيره، لغلبة الظن أن يكون أضبط منهم، وقد كان بعض المحدثين يؤثرون أهل بلدهم على الغرباء (1).
قال حماد بن زيد رحمه الله: كان الرجل يقدم علينا من البلاد، ويذكر الرجل ويحدث عنه، ويحسن الثناء عليه، فإذا سألنا أهل بلاده، وجدناه على غير ما يقول، قال: وكان يقول: بَلَديُّ الرجل أعرف بالرجل (2).--------------------------------------------
(1) «الاعتبار» للحازمي ص: 12 الوجه (12)، وانظر: «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» ص: 570 - 571، و «تاريخ بغداد» 3/ 42.
(2) رواه الخطيب في «الكفاية» ص: 175.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 443)
فالبلديَّة لها أثرها في ضبط المرويات، كما أن لها أثرًا في الجرح والتعديل.
وقد تكون البلدية باعثة على المنافسة والتنافر، لا سيما بين الأقران، كما حدث بين محمد بن عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله الحضرمي مُطيَّن رحمهما الله تعالى، حيث حط كل منهما على الآخر.
قال ابن عدي: وابتلي مُطيَّن بالبلديَّة، لأنهما كوفيان جميعًا قال فيه ما قال (1).
2 - القرابة:
القرابة بين الشيخ والراوي عنه قرينة تقوي الظن بضبط الراوي حديثَ شيخه، لقربه منه، ومعرفته بأحاديثه، وملازمته.
ومن أقوى الأمثلة على ترجيح الروايات بالقرابة، اشتهار رواية أبي ذر الهروي، من طريق ابنه أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، حيث اشتهرت عنه هذه الرواية في بلاد المغرب وغيرها.
كما فُضلت رواية ابن سعادة الأندلسي التي رواها عن شيخه وصهره أبي على الصدفي. وكثيرًا ما تجد المحدثين يؤثرون أبناءهم بأصح الروايات وأتقنها.
3 - تقديم الشيخ للطالب وإيثاره بالرواية:
لا يُنكر اختيار الشيخ لبعض أصحابه لمزيد فهم وعلم، واختصاص الطالب بالشيخ بحيث يروي عنه ما يرويه غيره.
والأصل في ذلك ما رواه البخاري في كتاب العلم، باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا: عن أنسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) «الكامل» لابن عدي 7/ 557.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 444)
وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ …» الحديث (1).
ومما يندرج في هذا الأصل إعطاء الشيخ لتلميذه نسخته الخاصة به، وذلك مثل اختصاص الفربري بالسماع من البخاري عدة مرات، وحصول الفربري على أصل البخاري بعد وفاته ليحدث منه.
النوع الثالث: ما يرجع إلى أحوال التحمل:
تحيط بالتحمل ملابسات وظروف كثيرة، تورث تفاوتاً بين المتحملين، بل التفاوت في تحمل الراوي نفسه، تبعًا لاختلاف المكان والزمان والأحوال، إضافة إلى التفاوت بين وجوه التحمل، فبعضها أقوى من بعض، وبعضها لا يعتبر به أصلًا.
لقد كان تحمل الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالسماع والرؤية، ثم تبعهم في ذلك التابعون، وبعد ذلك نشطت حركة التدوين في قرن التابعين، فتحمل عنهم أتباعهم بالسماع تارة، والقراءة تارة أخرى، ثم ظهرت بعد ذلك بدايات التحمل بالإجازة والمناولة، وغير ذلك من وجوه التحمل التي لم تكن شائعة قبل هذا، حتى ازدهر التصنيف في بدايات القرن الثالث، وأصبح العمدة في الرواية على السماع والعرض والقراءة.
ومن الملابسات التي اعتبرها المحدثون في أحوال الرواية:
1 - السن في حال التحمل:
لقد قَبِل المحدثون رواية الصبي، واعتبروا التمييز في صحة التحمل.
لكنهم قدموا رواية من تحمل بالغًا، على رواية من تحمل صبيًّا، في--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري» (128).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 445)
حال اختلاف الروايتين، لمظنة رجحان ضبط البالغ على ضبط الصبي.
وربما تطرقت تهمة إلى الراوي إذا روى عن شيخ لا يحتمله سنه ولُقِيّه. ومما يتعلق بسن الرواية قدم التحمل.
وقدم التحمل من أسباب التفاوت بين الرواة، فيكون ما رواه قدماء الرواة عن الشيخ، أرجح مما رواه المتأخرون من أصحابه، لأن القدماء أقرب عهدًا بسماع الشيخ أو تحمله عن شيخه، فيكون أضبط له.
ولهذا عَدَّ المحدثون من أنواع العلو، العلو المستفاد من تقدم السماع، والعلو المستفاد من تقدم وفاة الراوي.
ولهذا صلة بنوع السابق واللاحق حيث يشترك في الرواية عن الشيخ متقدمٌ ومتأخرٌ، تباين وقت وفاتيهما تباينًا شديدًا (1).
ومما لا بد من ملاحظته أن قِدَم التحمل أو السماع مقدمٌ في الطبقة التي تلي طبقة أصل الحديث، بمعنى أن المتأخر الذي روى عن الرسول في آخر حياته أولى من المتقدم، ولذلك فإذا اعُتبر أن البخاري هو مدار الإسناد، وكتابه هو أصل الرواية، أدى ذلك إلى تفضيل رواية المتأخر على المتقدم، فلا شك أن من تأخر سماعه من البخاري كان أفضل ممن تقدم لدلالة ذلك على اكتمال صورة «الصحيح» عند البخاري في آخر أمره. هذا بالنسبة للشيخ.
أما بالنسبة للراوي فلا شك أن من تقدم سماعه في صغر سنه أولى ممن سمع في حال كبره، ما دام التحمل كان بعد بلوغ سن التميز.
وتميزت لذلك رواية الفربري التي سمعها من البخاري ما بين سنوات (248 - 255) هـ في حين كانت وفاة البخاري سنة (256) هـ--------------------------------------------
(1) «علوم الحديث» لابن الصلاح ص: 317 - 318. … ،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 446)
ولذلك فإن كثيرًا من الروايات المشهورة من «صحيح البخاري»، - خاصة بعد طول الإسناد - كانت عالية الإسناد.
ومن أعلى الأسانيد في رواية «الصحيح» رواية ابن الملقن التي اعتمد عليها في شرحه «التوضيح».
وذلك لأن غالب رواته رووه في الصغر؛ فأبو الوقت سمعه في السابعة وكذا الحجار، والزبيدي في الثامنة، والداودي دون العشرين، ونحوه الفربري والحموي، وعمّروا أيضًا فالداودي وأبو الوقت جاوزا التسعين والباقون قاربوها، والحجار جاوز المائة (1).
وابن الملقن روى «الصحيح» عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار (730)، عن الزبيدي (631) هـ، عن أبي الوقت (553) هـ، عن الداودي (467) هـ، عن الحموي (381) هـ عن الفربري (230) هـ عن البخاري (256) هـ.
2 - وجه التحمل:
سبق أن ذكرت في التمهيد أن أوجه التحمل متفاوتة في القوة، وهي ثمانية أوجه، وبعض هذه الأوجه اتفق العلماء على العمل به وقبوله، وبعضها اختلف فيه العلماء بين القبول والردِّ، وبعضها ردَّه العلماء بالاتفاق.
ولا شك أن أرفعها: السماع من لفظ الشيخ، ثم القراءة على الشيخ وتسمى عرْضًا، ثم الإجازة، ثم المناولة .. إلخ أوجه التحمل.
فالرواية التي تحملها صاحبها بالسماع من لفظ شيخه أرفع من القراءة فقط وهكذا.--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة «التوضيح» 2/ 51 - 57.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 447)
والتفاوت بين أوجه التحمل مبحثٌ كبير بين العلماء قديمًا وحديثًا، ولا مجال هنا لبسط القول فيه (1).
واعتبره كثير من الأصوليين مرجحًا من مرجحات التفاوت بين الروايات المختلفة (2).
3 - حال الشيخ عن التحمل:
وذلك بمراعاة حال الشيخ من قوة حفظه وتمام يقظته، فإذا تعرض الشيخ لنوع من اختلال الضبط، كالاختلاط مثلًا أو ضياع أصوله أو فقده لها، كاحتراقها مثلًا، إذا تعرض الشيخ لمثل ذلك عده العلماء مختلطًا، فيراعى من تحمل عنه حال ضبطه، ومن تحمل عنه حال اختلاطه.
ومن تتبع صنيع المحدثين يجد أنهم ردوا روايات لبعض الرواة، لروايتهم لها في حالة الاختلاط.
ويلتحق بذلك إذا كان الشيخ متساهلاً في الإسماع، أو يغلبه النعاس أو النوم، أو ينشغل عمن يقرأ عليه، فرواية من تحمل بهذه الصفة مرجوحة، تُرَجَّحُ عليها رواية من تحمَّل حال السلامة من ذلك.
4 - الصحبة والملازمة:
هذا الوجه من أكثر الوجوه التي عول عليها المحدثون ترجيح بعض الروايات على البعض الآخر.
واعتبار الصحبة والملازمة من أقوى المرجحات، لأن ذلك يحصل--------------------------------------------
(1) «الإلماع» للقاضي عياض ص: 72 - 124، و «الكفاية» للخطيب البغدادي ص: 408 - 507، و «علوم الحديث» ص: 128 - 180.
(2) ينظر: في ذلك: «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» للحازمي 10 - 11، «الإحكام في أصول الأحكام» 3/ 271 - 274.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 448)
به زيادة الظن في معرفة أحوال المصحوب، ومجالسة المحدثين تزيد من الوقوف على مصطلحات الشيخ، وما يعتري الرواية من الخلل، والرجوع إلى الشيخ فيما يظهر فيه إشكال أو يحتاج إلى إيضاح.
ولعل الأصل في ذلك ما حدث مع أبي هريرة رضي الله عنه من كثرة روايته للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانفراده ببعض الأحاديث التي لا تروى إلا من خلاله، وذلك لشدة ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، وقد أفصح بذلك أبو هريرة نفسه، عندما بلغه إنكار البعض عليه كثرة رواياته.
روى البخاري في كتاب: العلم، باب حفظ العلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ (1).
ويترتب على كثرة الملازمة كثرة المرويات والمسموعات من الشيخ فيروي العدد من الأحاديث لا يشاركه فيها غيره.
كما يؤدي ذلك إلى تكرار سماع التلميذ الأحاديث من الشيخ، وفي ذلك فوائد لا تعد ولا تحصى، منها حصول معارضة المسموع أو المروي، مما يفيد التثبت في الرواية.
ومن أهم ما يترتب على الملازمة أيضًا: وقوف التلميذ على ما استجد عن الشيخ من رأي أو رواية، وذلك له أهميته خاصة في ما يحتاج إلى اجتهاد ونقد.
ولذلك فضل العلماء كثيرًا من روايات «الصحيح» التي عرف عن--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري» (118، 119) وينظر: (2047، 2350، 3648، 7354).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 449)
أصحابها ملازمتهم لشيوخهم في ذلك، ولعل الفربري (320) هـ من أكثر الأمثلة للدلالة على هذا الأمر حيث سمع «الصحيح» من البخاري في ثلاث سنين مرتين وقيل ثلاث مرات على ما سبق توضيحه في رواية الفربري.
ومن هذه الأمثلة أيضًا تفصيل العلماء الرواية ابن سعادة الأندلسي لملازمته، لشيخه وصهره أبي علي الصدفي وغير ذلك.
5 - عناية المحدث بكتابه:
كانت الرواية في القرنين الأول والثاني جل الاعتماد فيها على الذاكرة، فلما بعد الإسناد وقلت الهمم بدأ الاعتماد على الكتابة، ثم جاء عصر التصنيف، وأصبح المعول عليه الكتاب أو النسخة مضافًا إلى الحفظ، ولذلك نجد المحدثين اعتنوا عنايةً تامةً بكتابة الحديث وضبطه وتقييده، حتى جعلوه عِلمًا من علوم الحديث، وقد سبق في التمهيد الحديث عن ضوابط كتابة الحديث عند المحدثين.
فكانت عناية المحدث بنسخته ومعارضتها، من أهم عوامل الترجيح بين الروايات لـ «الصحيح»، ولا يتأتى ذلك إلا لمن رزقه الله التبحر في الحديث وعلومه.
فإذا انضم إلى المعارضة أو المقابلة اقتناء نسخة الشيخ التي حدَّث منها، كان لذلك الأثر البالغ في تقديم هذه الرواية، ولذلك كانت رواية الفربري (320) هـ الرواية عن البخاري أصح الروايات وأكثرها انتشارًا لوجود أصل «الصحيح» معه.
كما تميزت رواية أبي مكتوم ابن أبي ذر الهروي (497) هـ لوجود أصل أبيه معه حتى باعه لأحد أمراء المغرب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 450)
وبلي هذه المرتبة معارضة النسخة على أصل الشيخ المروي عنه.
ولذلك نجد القطعة الموجودة من رواية أبي زيد المروزي (371) هـ التي كتبت في حياة أبي زيد، وقوبلت على روايته اكتسبت أهمية كبيرة.
ولقد تميزت كريمة المروزية (463) هـ في إسماعها «الصحيح» أنها كانت لا تعطي إجازة بالرواية إلا بعد مقابلة النسخة التي كتبها التلميذ على نسختها، حتى اشتهر عنها ذلك وعرفت به.
ومما يدل على عناية بعض العلماء بروايتهم محاولة تعيين المهمل من الرواة، أو زيادة التعريف بهم، بما يمنع الالتباس بغيرهم، كما فعل ابن السكن (353) هـ في نسخته حيث نقل عنه الجياني (498) هـ في كتابه «تقييد المهمل» عدة نصوص تمثل قواعد في ذلك سبق ذكرها.
كما توجد بعض الزيادات من بعض الرواة على هامش نسخهم، وهذه الزيادات قد تكون تعريفًا لراو، أو وصلًا لمعلق، أو غير ذلك مما سبق بسطه عند الحديث عن وصف النسخ.
ومما يدخل في عناية المحدث بكتابه مقابلته على عدة روايات، ومحاولة الوصول إلى وجه الصواب في نسخته، كما فعل ذلك أبو ذر الهروي (434) هـ، فقد جمع في روايته ثلاث روايات، وقابل بينها، وعرفت هذه الرواية برواية أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة وهم: أبو إسحاق المستملي (376) هـ، وأبو محمد الحموي (381) هـ، وأبو الهيثم الكشميهني (389) هـ.
وأيضًا ما فعله شرف الدين اليونيني (701) هـ، فقد جمع كل ما وقف عليه من روايات لـ «الصحيح»، ورتبها على نسق لم يسبق إليه، بعد أن اختار أوثق الروايات وأصحها، ثم عرضها على الإمام اللغوي ابن مالك؛
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 451)
لتوجيهها من ناحية العربية، فبلغت نسخته مبلغا عظيمًا من الدقة والكمال، لما بذل فيها من عناية، فنالت منزلة عظيمة بين العلماء.
وعناية المحدثين برواية «الصحيح» ونسخه، لا يمكن استيعابها، وما ذكرته فيه إشارة سريعة، لتناسب المقام، وقد بسطت في كل رواية ما بذله صاحبها من عناية بها.
النوع الرابع: ما يرجع إلى أحوال الأداء (1).
أداء الرواية هو تبليغها وإلقاؤها للتلميذ بصورة من صور الأداء، وكما جعل المحدثون صورًا للتحمل جعلوا أيضًا صورًا للأداء، وكما يتفاوت الرواة في التحمل، يتفاوتون في الأداء.
ولقد عرفت بعض الأشياء عند المحدثين جعلوها من قبيل الاحتياط في الرواية والتشديد في إسماعها، فمن التزم بها عرف بضبطه وثقته، ومن عرف عنه عكسها نزل بسببها في رتبته عمن تمسك بها.
ومن هذه الأمور التي جعلها المحدثون من قبيل التساهل في الأداء:
النوم وهو يُقرأ عليه أو النسخ حال القراءة عليه، أو الانشغال بالتحدث عن الحديث. والتحديث من غير أصل مقابل، وقبول التلقين في الحديث.
ومن الاحتياط:
أن يكون أصل الراوي عند القراءة عليه بيده، أو بيد غيره وهو أهل لذلك.
أو عدم روايته من كتاب لم يعارضه، أو من نسخة ليس عليها سماعه، وعدم روايته إلا ما تحمله بطريق السماع أو العرض لاختلاف--------------------------------------------
(1) ينظر: «معرفة مدار الإسناد» 2/ 177 - 179.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 452)
المحدثين في جواز الرواية بالإجازة.
ومن الحيطة بيان ما عرض له في سماعه من وهن أو خلل كالسماع في مجلس مذاكرة وغير ذلك.
ومما يلاحظ أن نسخ «الصحيح» التي اشتهرت عرف عنها ذلك، ولا مجال لتفصيله هنا، وقد فصلته في وصف الروايات.
النوع الخامس: ما يرجع إلى صفة الرواية:
وهو اشتهار هذه الرواية وكثرة الناقلين لها.
وهذا وجه مهم جدًّا في أوجه التفاضل بين الروايات، فلا شك أن كثرة الرواة عن الراوي يدل على وثوقهم بهذه الرواية، فهو بمنزلة موافقه وقبول لهذه الرواية في الوقت الذي اشتهرت به، خاصة أن المحدثين لا يتحملون إلا الرواية التي تتميز بالضبط، والصحة، والوثوق بمن رويت عنه.
ولذلك نجد في كل طبقة من الطبقات بعد عصر الإمام البخاري رواة كثيرين، وتشتهر من بينهم في كل طبقة بعض الروايات التي يقبل عليها العلماء لأسباب عرفت عن هذه الروايات.
فمثلًا في الطبقة الأولى التي تلي البخاري اشتهرت فيها أربع روايات، واشتهرت بينهم رواية الفربري، وفي الطبقة التي تليها اشتهرت رواية ابن السكن، ورواية الكشمينهي ورواية المستملي ورواية الحموي ورواية أبي زيد المروزي … إلخ.
وفي الطبقة التي تليهم رواية أبي ذر الهروي، ورواية كريمة المرورية، ورواية الأصيلي وهكذا.
حتى عصر اليونيني فاشتهرت روايته وما تفرع عنها في بلاد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 453)
المشارقة.
كما اشتهرت رواية أبي علي الصدفي في بلاد المغرب والأندلس ..
فشهرة الرواية تدل على عناية المحدثين بهذه الرواية وغير ذلك.
المجموعة الثانية: أسباب الاختلافات التي تتعلق بالمروي وهو «الصحيح»:
أسباب اختلاف الروايات كثيرة جدًّا يصعب حصرها، وهذه الاختلافات منها ما يعود إلى منهج البخاري في «صحيحه»، ومنها ما يرجع إلى العوامل البشرية للرواة، أو العوامل الطبيعية، أو تقادم الزمان.
ولذا سأقتصر على أهمها مع ذكر بعض النماذج لما وقع في «الصحيح» منها، مع مراعاة أن كثيرًا من الأمثلة يدخل في أكثر من سبب.
1 - الاختلاف في النقل عن أصل البخاري نفسه:
سبق ذكر عناية البخاري بـ «صحيحه» وإسماعه لخلق كثيرين.
وممن اشتهر من الرواة عنه الفربري وروايته اشتهرت، وتميزت عن غيرها لأسباب سبق ذكرها في مبحث روايته.
ولقد بلغت عنايته بـ «الصحيح» أنه كتب نسخته منه بخطه، وكان الرواة عنه يقابلون نسخهم بنسخته عند المعارضة.
وهناك أسئلة - تحتاج إلى إجابة - والوصول إليها، يزيل كثيرًا من الإشكالات:
وهذه الأسئلة هي: هل كتب البخاري نسخة من «الصحيح» تامة تمثل الصورة النهائية لـ «الصحيح» أم لا؟
وإذا كتب فأين هي الآن؟ ولماذا وجدت هذه الاختلافات في الطبقة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 454)
الأولى والثانية عن البخاري إذا كانوا قد نسخوا من كتاب واحد؟
قلت (الباحث): من المؤكد أن الإمام البخاري كانت له نسخته الخاصة به من «الصحيح» فقد عرف ذلك واشتهر عنه، وهذه النسخة كتبها محمد بن أبي حاتم الوراق كاتب البخاري، وقد نص غير واحد على ذلك من أقدمهم أبو إسحاق المستملي (376) هـ.
وقد نقل أبو الوليد الباجي (474) هـ في كتابه «التعديل والتجريح» عن المستملي نصًّا، اختلف العلماء في توجيهه.
قال الباجي: وقد أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ رحمه الله حدثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد قال انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يُثبِت بعدها شيئا ومنها أحاديث لم يترجم عليها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض (1).
فهذا النص - وهو صحيح الإسناد إلى المستملي - يصرح فيه المستملي أنه انتسخ نسخته من أصل كتاب البخاري، الموجود عند محمد بن يوسف الفربري، ولا شك أن ذلك - على أدنى تقدير - الصورة التي روى عليها الفربري «الصحيح» من البخاري، وقد سمع الفربري الصحيح من البخاري في سنوات (248) هـ إلى (255) هـ وهو مقارب جدًا لوفاة الإمام البخاري المتوفي سنة (256) هـ.
وبناء تصبح رواية الفربري أقربَ الصور التي استقر عليها البخاري في «صحيحه».
وكلام المستملي يفيد صراحة أنه لم يِتَم بعد، وبقاء بعض المواضع--------------------------------------------
(1) «التعديل والتجريح» 1/ 310، 311.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 455)