بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد للَّه الذي تتم بنعمته الصالحات، وتفضَّل بالنعم الكثيرة التي لا تحصى، القائل: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)} [إبراهيم: 34].
والصلاة والسلام على الرسول خاتم النبيين، وعلى آله المطهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد أكرمنا اللَّه تعالى بإتمام هذا الكتاب في أصول الفقه الإسلامي، بشكل موجز ومبسط، وعرضنا في الجزء الأول منه بابًا تمهيديًّا عن المدخل إلى علم أصول الفقه، والباب الأول في مصادر التشريع الإسلامي، والباب الثاني في الأحكام الشرعية.
وجاء الجزء الثاني في ثلاثة أبواب أيضًا، مكملة لما سبق، فالباب الثالث في تفسير النصوص أو دلالات الألفاظ، والباب الرابع الاجتهاد والتقليد، والباب الخامس في التعارض والترجيح.
والتزمت في الجزء الثاني المنهج الذي سرت عليه في الجزء الأول في التنظيم والتقسيم والموضوعية، والجمع بين القواعد والضوابط والأحكام الفقهية، وتجنب الموضوعات الأصولية الجزئية، مع العرض المبسط، وتنظيم الآراء والأقوال المختلفة في المسألة، وبيان أصحاب كل رأي مع دليله، ومناقشة الأدلة بإيجاز، مع ما يترتب على الاختلاف من فروع فقهية، والاعتماد بشكل مباشر على المراجع الأصيلة في الموضوع، والاستفادة من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 5)
الكتب المعاصرة، وتثبيت ذلك في الهوامش؛ لإرشاد من يريد التوسع في البحث.
وإن بحث تفسير النصوص أو دلالات الألفاظ الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وسائر النصوص التشريعية، هي أهم موضوعات هذا الجزء، وهي ذات صلة مباشرة بالقرآن الكريم والسنة النبوية؛ لبيان مرادها، وفهم معتاها، واستنباط الأحكام منها، مما يشعر القارئ بالصلة المباشرة مع كلام اللَّه تعالى المعجز، ومع البيان النبوي الفصيح، وكذلك التعامل مع سائر النصوص التشريعية، مما سيلحظه القارئ، ثم جاء بحث التعارض والترجيح وكأنه مكمل لذلك، ولكنه يعتمد على الاجتهاد، وتوفر شروط المجتهد لبيان التعارض والترجيح.
ونسأل اللَّه تعالى أن يتقبله عنده، وأن ينفع به، وأن يجعله في صحائف أعمالنا، وأن يرزقنا خيره، ويجنبنا شره وخطاه، وما ذاك إلا بتوفيق اللَّه وعونه وتسديده، وعلى اللَّه الاعتماد، وإليه الرجعى والمآب، والحمد للَّه رب العالمين.
الشارقة في 12/ 6 / 1424 هـ
10/ 8 / 2003 م
الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الشارقة - دولة الإمارات العربية المتحدة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 6)
الباب الثالث تفسير النصوص أو دلالات الألفاظ
مقدمة: التفسير والدلالات:
المراد من تفسير النصوص: معرفة معنى النص التشريعي الذي ورد فيه الشرع أو التشريع، والنص الشرعي هو القرآن والسنة، والنص التشريعي في العصر الحاضر هو جميع التشريعات التي تصدر عن الجهات المختصة في الدولة، سواء كانت تشريعية اصطلاحًا أو قوانين، وهي التي تصدر عن مجلس الأمة، أو المجلس النيابي، أو مجلس الشعب، أو مجلس الشورى، أو مجلس الشيوخ، أم إدارية تصدر عن الوزارات كالمراسيم، أو عن الإدارات كالقرارات وغيرها.
وبحث علماء الأصول هذه الأمور بعدة عناوين، كالدلالات، أي: دلالة الألفاظ على المعاني، أو طرق الاستنباط من النصوص.
وإن قواعد تفسير النصوص أو الدلالات، أو طرق الاستنباط، واحدة بين العلماء في أصولها، وقد تختلف المصطلحات، أو التقسيمات، وهذه القواعد تطبق على نصوص الشرع، وعلى نصوص القوانين والمراسيم والقرارات، ولذلك يحتاجها المختص في الشريعة، والمختص في القانون، ولذلك نقدمها لطلبة الشريعة وطلبة القانون، ونذكر الأمثلة من الجانبين، ولهذا قررت جميع كليات القانون والحقوق تدريس علم أصول الفقه؛
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 7)
للاستفادة منه، والاستعانة به علميًّا في فهم النصوص التشريعية وتطبيقها.
وظهرت عند علماء الأصول مدرستان، أو اتجاهان في تفسير النصوص.
الأولى: مدرسة المتكلمين، وتمثل الجمهور، ويتبعها غالبًا علماء المالكية والشافعية والحنابلة.
والثانية: مدرسة الحنفية، ويتبعها أغلب علماء الحنفية.
ولكل مدرسة اصطلاحاتها الخاصة أحيانًا، وقد تتفق الاصطلاحات، وقد تختلف، والاختلاف غالبًا ظاهري وصوري وشكلي ونظري؛ لأنه لا يترتب عليه في ذاته ثمرة، أو اختلاف في الحكم الشرعي، وإنما قد يختلف الحكم الشرعي لأسباب أخرى (1)، ونحاول أن نجمع بين الطريقتين، ونبين الدلالات بالتسلسل، وذلك في الفصول التالية.
المنطلقات الأساسية في تفسير النصوص:
قبل تفسير النص، والسعي لمعرفة دلالاته، واستنباط الحكم منه، يجب اتباع الأمور التالية؛ ليكون العمل صحيحًا ومقبولًا، وهي:
1 - ثبوت النص وصحته:
يجب التأكد من ثبوت النص وصحته، وهذا ينطبق في الشرع في ثبوت أحاديث الآحاد فقط؛ لأن نص القرآن الكريم ثابت قطعًا؛ لأنه منقول بالتواتر والإجماع، ومحفوظ من قبل اللَّه تعالى في الصدور والمصاحف، ولأَنَّ السنة المتواترة ثابتة أيضًا بالقطع؛ لأن العلماء رووها جمعًا عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وحفظت في الصدور وكتب السنة، أما أحاديث الآحاد ففيها الصحيح والحسن والضعيف، ولا تؤخذ الأحكام إلا من الصحيح والحسن.
كما يجب على المختص بالقانون أن يتأكد من صحة صدوره، ووجوده؛ لدراسته وبيان الحكم منه.--------------------------------------------
(1) مناهج الأصوليين، خليفة بابكر ص 20 وما بعدها، 59.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 8)
2 - جمع النصوص في الموضوع الواحد:
يجب جمع النصوص ذات الموضوع الواحد في القرآن والسنة، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، ويقيد بعضه بعضًا كما سنرى، والسنة بيان وتوضيح وشرح للقرآن في بيان معانيه وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه، وتفسير مجمله، كما سنرى.
وينطبق ذلك على القانون فيجب جمع النصوص القانونية ذات العلاقة في الموضوع الواحد، فقد يكون بعضها أعلى من بعض، وقد يكون بعضها ناسخًا والآخر منسوخًا، فالمتأخر ينسخ المتقدم، فيجب الجمع بين النصوص، والمقارنة بينها.
3 - فهم النصوص وَفْق اللغة:
يجب فهم النصوص وفق أساليب اللغة التي صدرت بها، والالتزام في النصوص الشرعية، والقانونية العربية، بطرق دلالة اللفة العربية فيها، وبحسب مفرداتها وتراكيبها، وقواعدها وأساليبها، من الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والواضح والمبهم، أو حسب الوضوح والخفاء، وغير ذلك مما قرره علماء الأصول بعنوان الدلالات، أو القواعد الأصولية اللغوية، أو مباحث الكتاب والسنة، (باعتبارهما النصوص التي هي مصدر الأحكام الشرعية) وذلك كما قررها علماء اللغة أنفسهم، ومن ذلك معاني الحروف التي تتعلق بها الأحكام كالباء، والواو، والفاء، وثمَّ، وغيرها.
وهذا يوجب معرفة اللغة وإتقانها التي صدر فيها النص، ومعرفة قواعدها وأساليبها وصيغها.
4 - سبب النزول أو الورود:
يجب فهم النص في ضوء سبب نزوله أو وروده، لكن بدون حصر النص بالسبب فقط، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن معرفة السبب تساعد فقط في توضيح المعنى المراد مما يزيده وضوحًا وجلاءً، وتبين الحكمة الباعثة على تشريع الحكم منه، وهذا يوجب معرفة الظروف، أو أسباب النزول أو أسباب الورود التي جمعها العلماء، وبعد التأكد من ثبوتها وصحتها.
وفي القانون قد يصدر التشريع لأسباب خاصة يجب أخذها بالاعتبار
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 9)
لتلقي الضوء على فهمه، وتحديد المراد منه.
5 - سياق اللفظ في النص:
يجب فهم اللفظ بحسب سياقه في النص، ومراعاة ما قبله وما بعده، لتحديد دلالة اللفظ ومعناه، وبيان المراد منه، مع مراعاة القرائن اللفظية السابقة أو اللاحقة في النص، فإن قرينة السياق تساعد على دلالة المراد من الكلام، كالصفة التي تقع في سياق المدح فهي مدح، وإن كانت في أصلها قدحًا، والصفة التي تقع في سياق الذم فهي قدح، وإن كان أصلها مدحًا، كقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)} [الدخان: 49]، فمعناها الذليل المهان؛ لوقوع ذلك في سياق الذم، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم؛ "ثكلتك أمك يا معاذ" فاللفظ دعاء عليه، ولكن السياق يدل على الدعاء له، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "تربت يداه" أي: لصقت بالتراب، وهو إهانة، ولكن السياق يدل على التكريم، ومن القرائن اللفظية قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] بعد قوله تعالى: {فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، فاللفظ أمر يدل على الوجوب، ولكن القرينة صرفته للندب والإرشاد، فلا يصح بتر اللفظ عن سياقه.
6 - الواقع والظروف:
يجب فهم النص في ضوء الواقع والمرحلة التي نزل فيها، والظروف التي أحاطت به، وذلك يساعد على إنزال الأحكام على الواقع الحقيقي؛ لأنه قد يتغير الواقع، فيجب تغيير الحكم، وهو المراد من قاعدة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان" والمكان والأعراف والأحوال.
وفي القانون قد يصدر التشريع لظروف معينة محالة حرب أو استنفار، أو مجاعة، أو ضائقة، أو للتشجيع على التعليم ومحو الأمية، أو ترشيد الاستهلاك، أو شيوع الزواج من أجنبيات … ، فيكون الواقع والظروف القائمة عند صدور التشريع مؤثرًا على تطبيق الأحكام والقرارات.
7 - المقاصد العامة:
يجب فهم النص في ضوء المقاصد العامة للشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح العباد في جلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، وذلك في كل نص جزئي ليتفق مع المبادئ العامة في الشرع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 10)
وكذلك في القوانين يجب فهمها بحسب المبادئ الأساسية للدولة، والأهداف العامة لها، حتى لا يقع تناقض بين الجزء والكل، والفرع والأصل (1).
مباحث الدلالات أو تفسير النصوص:
ونعرض مباحث دلالة الألفاظ أو تفسير النصوص في الفصول التالية:
الفصل الأول: كيفية استعمال اللفظ للمعنى.
الفصل الثاني: صيغ التكليف.
الفصل الثالث: دلالة اللفظ لغة على المعنى باعتبار الشمول وعدمه.
الفصل الرابع: وضوح الألفاظ وخفاؤها.
الفضل الخامس: طرق دلالة اللفظ على المعنى.
الفصل السادس: حروف المعاني.
الفصل السابع: النسخ.--------------------------------------------
(1) انظر كتب أصول الفقه عامة، ومنها:
تفسير النصوص للأستاذ الدكتور محمد أديب صالح (رسالة دكتوراة)، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، للأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني، مناهج الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ على الأحكام، للأستاذ الدكتور خليفة بابكر الحسن، الضوابط المنهجية للاستدلال بالنصوص الشرعية، بحث في مجلة الشريعة والقانون بجامعة الإمارات، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية للدكتور مصطفى سعيد الخن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 11)
الفصل الأول كيفية استعمال اللفظ للمعنى
إن الألفاظ المركبة من حروف لها دلالات، ولكن تتنوع كيفية دلالة اللفظ على المعنى في اللغة.
فالأصل أن يدل اللفظ على المعنى بحسب الحقيقة، ويقابلها المجاز، وقد يدل اللفظ على المعنى بأسلوب صريح، ويقابله الكناية.
ولذلك تنقسم دلالة اللفظ باعتبار استعماله في المعنى إلى أربعة أنواع:
الأول: الحقيقة، ويقابلها المجاز.
والثاني: الصريح، ويقابله الكناية.
ونعرض كلًّا منهما في مبحث.
المبحث الأول الحقيقة والمجاز
تعريف الحقيقة:
الحقيقة: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغة، وذلك أن المتكلم يصدر عنه اللفظ، ويريد المعنى الذي وضعه أهل اللغة، كلفظ الشمس للكوكب الذي يضيء النهار، والقمر للكوكب الذي ينير الليل، والإنسان للحيوان الناطق (1).
أنواع الحقيقة:
تنقسم الحقيقة اللفظية إلى ثلاثة أنواع:
الأول: الحقيقة اللغوية: وهي الأصل، وهي التي وضعها واضع اللغة للفظ، كالأمثلة السابقة.
الثاني: الحقيقة الشرعية: وهي اللفظ المستعمل في المعنى المراد له--------------------------------------------
(1) المستصفى (1/ 341)، الفصول (1/ 46)، أصول السرخسي (1/ 175)، كشف الأسرار (1/ 61).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 12)
شرعًا، والواضع لها هو الشرع، كالصلاة للعبادة المخصوصة، والزكاة للجزء المطلوب من الغني ليخرجه من ماله، وهكذا الحج، والشفعة، والجهاد.
والغالب أن يكون هناك علاقة بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي، فالصلاة لغة الدعاء، وهذا المعنى وارد في المعنى الشرعي الذي يشتمل على الدعاء، والزكاة لغة النماء والزيادة، وهذا المعنى مقصود في المعنى الشرعي، ويصبح المعنى الشرعي مجازًا في اللغة عند استعماله شرعًا.
الثالث: الحقيقة العرفية: وهي التي لم يتعين واضعها، وإنما توافَقَ الناس عامة على استعمالها للدلالة على شيء معين، وقد تكون عامة مثل لفظ الدابة، فهي في اللغة لكل ما يدب على الأرض، ولكن خصها العرف بالمخلوق الذي له حافر، أو بما يمشي على أربع، وقد تكون خاصة، وهي المصطلحات التي تطلقها كل طائفة من أصحاب العلوم والفنون والحرف والمهن والبلدان على معنى معين يخصهم، ويتعارفون به، وتسمى حقيقة اصطلاحية، كالولد فهو في اللغة لكل مولود ذكر أو أنثى، فخصه العرف في بعض البلاد بالذكر، وفي بعض البلاد يطلقونه على الرجل، والصبي في اللغة هو الولد الذكر الذي لم يبلغ، ويتعارفون عليه في بعض البلاد على الرجل الخادم الذي يخدم في البيت والمطبخ، ولفظ الاستحسان عند علماء الأصول، والعقد عند الفقهاء، وكلمة التمييز يختلف المراد منها في اللغة والفقه عن القضاء (1).
والأصل أن يستعمل اللفظ في المعنى اللغوي والحقيقة اللغوية إلا إذا وردت قرينة تصرفه إلى المعنى الشرعي أو العرفي؛ لأن الحقيقة اللغوية هي الأصل، والأصل عدم النقل إلى غيره.
ومن القرائن استعمال الشارع للألفاظ الواردة في نصوصه، فإن المراد هو الحقيقة الشرعية؛ لأن الشرع استعملها بحسب مراده إلى أن ترد قرينة معاكسة تصرفه إلى المعنى اللغوي، فالزكاة هي الركن الثالث في الإسلام، وحيثما وردت في القرآن والسنة فهذا هو المراد، وقد يراد معناها اللغوي في مثل قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)} [الأعلى: 14]، وقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)--------------------------------------------
(1) مثل كلمة مدرسة التي استعملناها سابقًا، وهي غير المدرسة في وزارة التربية، ومثل الكلية والجزئية والابتدائية والاستئناف والتمييز في المحاكم، ومثل لفظ مستشار في الطب فهو غير المستشار في القضاء، ولفظ مدرس يختلف المراد منه من وزارة التربية إلى الجامعة، ولقب أستاذ مساعد يختلف المراد منه من دولة إلى أخرى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 13)
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)} [الشمس: 7، 9].
وكذلك الحال في النصوص القانونية عامة كانت أم خاصة بفئة، فالمراد من اللفظ المعنى القانوني أو الاصطلاحي إلا إذا دلت قرينة أن المراد بها الحقيقة اللغوية، كلفظ "الفائدة" فالمراد منها الربا، إلا إذا جاءت في عقد عمل مثلًا فالمراد منها الحقيقة اللغوية، وهي ما يعود على شخص من منفعة.
وإذا تعارضت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية فتقدم الحقيقة العرفية عند أهل ذلك العرف، كمن حلف ألا ياكل لحمًا، فأكل سمكًا، فإنه لا يحنث؛ لأن السمك لا يسمى لحمًا في عرف أكثر البلاد (1).
تعريف المجاز:
المجاز: هو اللفظ المستعمل فيما لم يوضع له لغة، فالمتكلم يستعمل المجاز ويريد به معنى غير موضوع له، لقرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، لكن يوجد علاقة بين الحقيقة والمجاز، فيقال عن المرأة الجميلة: شمس، وعن الطفل الوسيم: قمر، ويقال عن الرجل الشجاع: أسد.
والأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز عارض، وإذا احتمل اللفظ المعنى الحقيقي والمجازي حمل على الحقيقة؛ لأن المجاز خلاف الأصل.
والمجاز له أنواع كثيرة مذكورة في كتب اللغة وكتب أصول الفقه، وكل مجاز له حقيقة، وليس كل حقيقة لها مجاز، فاسماء الأعلام كزيد وعمرو لا يدخلها المجاز؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات، لا للفرق بين الصفات.
وذهبت جماهير العلماء إلى وقوع المجاز في نصوص القرآن والسنة (2)،--------------------------------------------
(1) المستصفى (1/ 341)، الفصول للجصاص (1/ 46)، أصول السرخسي (1/ 170)، كشف الأسرار (1/ 61)، فواتح الرحموت (1/ 211)، نهاية السول (1/ 315)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 292)، أصول الأحكام، كبيسي ص 300، الدلالات وطرق الاستنباط ص 183، 186.
(2) نفى بعض العلماء وجود المجاز في القرآن والسنة، لأنه دليل عجز عن استعمال الحقيقة، وأنه من قبيل الكذب، لأنه قد ينكر شخص حقيقته وهو صادق، وأنه يخل بالتفاهم ويؤدي =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 14)
بدليل وقوعه فعلًا، كقوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} [البقرة: 19]، فالأصبع لا تدخل في الأذن، والمراد بعض الأصبع، وهو مجاز مرسل من إطلاق الكل وإرادة البعض، لقرينة عدم إدخال الأصبع في الأذن لاستحالته، فتبين أن المراد هو البعض، وقصد منه المبالغة في شدة حرصهم على عدم سماع الحق، وإصرارهم على إدخال الأصبع لذلك.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلًا فله سلبه" (1)، فلفظ قتيل مجاز مرسل، لأنه بمعنى مقتول، والمقتول لا يقتل، فالمراد ليس حقيقة القتل، بل المراد المشرف على القتل، فهو قتيل باعتبار ما سيكون.
ولأن المجاز فيه بلاغة، ولذلك قال علماء اللغة: المجاز أبلغ من الحقيقة، وإن المجاز شطر الحسن، ولأن القرآن والسنة جاءا بلغة العرب وأسلوبهم، والمجاز موجود في اللغة العربية (2).
حكم الحقيقة والمجاز:
إذا ورد اللفظ بمعناه الحقيقي فيثبت له المعنى الذي وضع له، سواء كان اللفظ أمرًا أو نهيًا، عامًّا أم خاصًّا.
قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33]، فهذا نهي عن حقيقة القتل، وهو إزهاق الروح، وهو خاص به، ولكن النهي--------------------------------------------
= إلى اللبس لاحتمال خفاء القرينة، وهذا قول ضعيف، ورده العلماء بأدلة جازمة انظر: المستصفى (1/ 342)، فواتح الرحموت (1/ 211، 212)، أصول السرخسي (1/ 172)، نهاية السول (1/ 334)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 292)، أصول الأحكام ص 302.
(1) هذا الحديث أخرجه البخاري (3/ 1144) ومسلم (12/ 51) وأبو داود (2/ 64).
(2) فواتح الرحموت (1/ 212)، العضد على ابن الحاجب (1/ 170)، الإحكام للآمدي (1/ 25)، نهاية السول (1/ 266)، المعتمد (1/ 31)، أصول السرخسي (1/ 170)، الفصول (1/ 46)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 294)، أصول الأحكام ص 302، الدلالات وطرق الاستنباط ص 187.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 15)
موجه إلى جميع المخاطبين، فكان عامًّا.
ومن أحكام الحقيقة أنها ترجح على المجاز؛ لأنها لا تفتقر إلى قرينة، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة، أما المجاز فإنه يفتقر إلى القرينة، وهو بدل عن الحقيقة.
ومن أحكامها امتناع نفي المعنى عن اللفظ، فلا يقال للأب: ليس بأب، وإنما يقال للجد: ليس باب، لأن الجد مجاز بمعنى الأب، فيجوز نفيه.
وإذا ورد المجاز في النص فيثبت له المعنى الذي قصد منه، خاصًّا كان أو عامًّا، وأنه يجوز نفي المعنى الحقيقي عند مسمى المجاز، فلو قيل عن رجل: هذا أسد، فيصح أن يقال: ليس بأسد، والمجاز خلف للحقيقة أو فرع لها؛ لأنه لا يثبت إلا عند تعذر العمل بالحقيقة، ولهذا يحتاج إلى قرينة، ففي مجال وجوب الوضوء قال تعالى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43]، فالغائط حقيقة في اللغة هو المكان المنخفض، ثم أطلق مجازًا على قضاء الحاجة، وهو المعنى المراد هنا، أي الحدث الأصغر الذي يوجب الوضوء للصلاة (1).
الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد:
اختلف علماء الأصول في جواز إطلاق اللفظ الواحد على مدلوله الحقيقي ومدلوله المجازي في وقت واحد، واعتبار كل معنى منهما مُتَعَلَّقًا للحكم.
فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك بشرط أن لا يكون المعنيان متضادين، ويكون إطلاقه عليهما معًا مجازًا، بدليل أن المتكلم قد يقصد الأمرين معًا، مثل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11]، فإنه حقيقة في ولد الصلب، ومجاز في ولد الابن، والآية تشمل الأمرين، ومثل قوله تعالى في أسباب الوضوء: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 43]، فيراد منه اللمس باليد، واللمس بالجماع، فيحمل عليهما، ويجب الوضوء منهما، لأن اللمس حقيقة في لمس اليد، ومجاز في--------------------------------------------
(1) كشف الأسرار (2/ 40، 70)، نهاية السول (1/ 278) أصول السرخسي (1/ 171)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 295)، أصول الأحكام ص 304، الدلالات وطرق الاستنباط ص 199.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 16)
الجماع، ومثل لفظ "نكح" في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22]، يصح أن يراد منه العقد، والجماع؛ لأنه لا تدافع بينهما، باعتبار أن النكاح حقيقة في الأول، مجاز في الآخر عند الشافعية، وعكسه عند الحنفية، ومثله قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)} [الحج: 77]، فإنه حقيقة في الوجوب، ومجاز في الندب، والآية تشمل الأمرين، ومنه قولهم: "القلم أحد اللسانين" ويراد من اللسان الجارحة المخصوصة، وهو حقيقة، والآلة التي يكتب بها، وهو مجاز، واستعمل اللفظ الواحد في الأمرين (1).
وقال الحنفية وبعض العلماء كالباقلاني: يمنع إطلاق اللفظ على المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في وقت واحد، بحيث يعتبر كل منهما مقصودًا في الحكم، للتعارض بين الأمرين، فهما متناقضان، لأن الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له بمجرد إطلاقه، والمجاز استعمال اللفظ فيما لم يوضع له، ويحتاج إلى قرينة تدل عليه، فلا يكون مطلقًا ومقيدًا ودالًّا على الأمرين في حالة واحدة، ولذلك قال الحنفية: إذا أوصى لأولاده، وله أولاد، فيشمل الأولاد من الصلب حصرًا؛ لأنه الحقيقة، ولا يشمل أولاد الأولاد؛ لأنه مجاز إلا إذا لم يكن له أولاد، فتصرف الوصية لأولاد الأولاد حملًا للفظ على الاستعمال حتى لا يهمل (2).
عموم المجاز:
إذا استعمل المجاز في الكلام هل يعم الأفراد الذين يدخلون تحته أم لا؟ اختلف العلماء فيه على قولين:--------------------------------------------
(1) فواتح الرحموت (1/ 216)، الفصول (1/ 46، 47، 48)، جمع الجوامع مع البناني (1/ 298)، العضد على ابن الحاجب (2/ 113)، المسودة ص 166، العدة (2/ 702)، شرح الكوكب المنير (3/ 195) وما بعدها، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 305)، أصول الأحكام ص 304.
(2) كشف الأسرار (2/ 45)، فواتح الرحموت (1/ 216)، شرح الكوكب المنير (3/ 195) أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 305)، أصول الأحكام ص 305.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 17)
القول الأول: إن المجاز لا عموم له؛ لأنه لا يحمل اللفظ على المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، فهو من باب الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع بها، وهو قول بعض العلماء من الشافعية (1).
القول الثاني: إن المجاز له عموم إذا توفر الموجب لعمومه كالألف واللام، والإضافة، والوقوع فيه سياق النفي، كما سيرد في صيغ العموم؛ لأن المجاز نوع من الكلام، فكان كالحقيقة في إرادة العموم، ولوقوع المقتضي لذلك، وعدم المانع منه لغة وشرعًا، وهو قول الجمهور (2).
وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام، ففي الحديث "لا تبيعوا الصاع بالصاعين" (3)، فالصاع مجاز في المكيلات، أي لا تبيعوا ملء الصاع بملء الصاعين.
فعلى القول الأول فإن النهي خاص بالمطعومات؛ لأن النهي عن الزيادة فيها ثابت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" (4).
وعلى القول الثاني فإن النهي عام؛ لأن لفظ "الصاع" معرف بلام الجنس، فيستغرق جميع ما يحل به من المطعوم وغيره، وبالتالي يجري الربا في غير المطعوم لعموم المجاز.
ومن حلف ألا يضع قدمه في دار فلان، فهو مجاز للدخول، ولا يراد مجرد وضع القدم، فيشمل المجاز الدخول ماشيًا، أو منتعلًا، أو راكبًا (5).--------------------------------------------
(1) كشف الأسرار (2/ 40)، فواتح الرحموت (1/ 215)، أصول السرخسي (1/ 175)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 301)، الدلالات ص 202.
(2) كشف الأسرار (2/ 41)، فواتح الرحموت (1/ 215)، أصول السرخسي (1/ 174)، أصول الأحكام ص 306، الدلالات ص 202.
(3) هذا الحديث رواه البيهقي (5/ 315) وانظر: جامع الأصول (1/ 454).
(4) هذا الحديث رواه البيهقي (5/ 315) وانظر: جامع الأصول (1/ 470).
(5) المراجع السابقة هامش 3 من الصفحة السابقة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 18)
المبحث الثاني الصريح والكناية
إن تبادر المعنى من اللفظ إما أن يكون صريحًا، أو كناية، سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازًا.
تعريف الصريح:
اللفظ الصريح: هو ما ظهر المراد منه ظهورًا بينًا لكثرة الاستعمال فيه، حقيقة كان أو مجازًا.
ومثاله في الحقيقة: إذا قال رجل لزوجته: "أنت طالق" فهو صريح أن مراده هو الطلاق بالحقيقة الشرعية، ومثله: بعت، واشتريت، وتزوجت، وأجرت.
ومثاله في المجاز: قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] فإنه صريح أن المراد منها أهلها، وهو مجاز (1).
حكم الصريح:
إن اللفظ الصريح يثبت الحكم الشرعي منه بمجرد التلفظ به، دون توقف على النية، وذلك كصيغ العقود السابقة، وصيغ الفسوخ كقوله: أنت طالق، وفسخت العقد (2).
تعريف الكناية:
الكناية: هي ما استتر المعنى المراد من اللفظ بالاستعمال، سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازًا.
مثالها في الحقيقة: قول القائل: وكلت فلانًا في الخصومة، ويريد بذلك التوكيل في رفع الدعوى والمنازعة أمام القضاء، دون الإقرار بدعوى الخصم.--------------------------------------------
(1) أصول السرخسي (1/ 187)، فواتح الرحموت (1/ 226)، التلويح على التوضيح (1/ 72)، أصول الأحكام ص 307، الدلالات ص 205.
(2) المراجع السابقة، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 308).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 19)
ومثالها في المجاز: قول الرجل لزوجته: اعتدِّي، فهو حقيقة في الأمر بالعدّ والحساب، أي تعداد الأيام، والمراد منه مجازًا هو الطلاق، فاللفظ كناية عن الطلاق؛ لأنه سبب العدة، فهو مجاز مرسل من إطلاق السبب وإرادة المسبب (1).
حكم الكناية:
إن الحكم الشرعي لا يثبت في الكناية إلا بالنية، أو بالقرينة التي تدل على تعيين المراد؛ لأن المراد مستتر، والأصل في الكلام أن يراد منه المعنى الصريح، فإذا قال رجل لامرأته: أنت عليَّ حرام، فلفظ "حرام" كناية عن الطلاق، فلا يقع إلا إذا نواه، وهكذا بقية ألفاظ الطلاق بالكناية، كقوله: الحقي بأهلك.
وبما أن الكناية أقل درجة من الصريح، فلا يثبت الحكم بها إلا بالنية من جهة، ولا يثبت بها القذف مثلًا من جهة ثانية، لأنها تتوقف على النية بإرادة معناها، والنية ترجع إلى القاذف، وهو ينكرها، والحدود تدرأ بالشبهات (2).--------------------------------------------
(1) كشف الأسرار (2/ 203)، فواتح الرحموت (1/ 226)، أصول السرخسي (1/ 188)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 310)، أصول الأحكام ص 307، الدلالات ص 206.
(2) القذف بالكناية كقول الشخص لآخر: أنا أبي معروف، فالصريح هو إثبات نسب المتكلم، والكناية أن الآخر غير معروف الأب، أو قال: أنا لست بزان، فالصريح أنه يدفع عن نفسه الزنا، والكناية: أنه تعريض بالآخر بالزنا، وهذا يتوقف على النية، والإرادة حكم خفي فهو في حكم العدم.
انظر: المنهاج ومغني المحتاج (ج 3/ 367، 370)، المهذب (5/ 402) وما بعدها، المجموع (22/ 107)، المحلي وقليوبي (4/ 28)، الروضة (8/ 311)، الحاوي (14/ 113) وما بعدها، الأنوار (2/ 308).=
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 20)
الفصل الثاني صيغ التكليف
إن الألفاظ والكلمات هي الوسيلة التي يعبر بها المشرع للتكليف بالأحكام، وتنقسم الألفاظ باعتبار صيغتها التي تدل على الحكم إلى خمسة أنواع، وهي: الأمر، والنهي، والمطلق، والمقيد، وحروف المعاني.
وإن أهم صيغ التكليف، وأكثرها شيوعًا وانتشارًا هي صيغة الأمر، وصيغة النهي، وتتمثل صيغة الأمر بوزن "افعل" الذي يدل على طلب الفعل، وقد يكون طلبًا جازمًا، وقد يكون غير جازم، وهذان يشملان الواجب والمندوب، وتتمثل صيغة النهي بوزن "لا تفعل" الذي يدل على طلب الترك، إما بشكل جازم، أو غير جازم، وهذا يشمل الحرام والمكروه، لذلك اهتم الأصوليون بالأمر والنهي؛ لأن التكليف يتعلق بهما في الأصل لمعرفة الحلال والحرام، ويتبعهما صيغة المطلق وهو الاقتصار على اللفظ دون زيادة عليه، والمقيد وهو إضافة زيادة على اللفظ؛ لأن كلًّا من الأمر أو النهي قد يكون مطلقًا، وقد يكون مقيدًا، ويلحق بهما حروف المعاني (1).
ونؤجل الكلام على حروف المعاني، ونعرض في هذا الفصل الصيغ الأربع الأخرى، ونخصص كل واحدة في مبحث.
وإن الأمر والنهي، والمطلق والمقيد، من أقسام اللفظ الخاص الذي وضع لمعنى واحد منفرد، ويقابله العام، الذي يدل على متعدد غير محصور دفعة بوضع واحد، مثل كلمة الرجال، كما يقابله المشترك الذي يدل على معنيين فأكثر في آن واحد، لكن مع تعدد الوضع مثل لفظ العين، كما سنبينه لاحقًا.--------------------------------------------
(1) أصول الأحكام ص 309.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 21)
المبحث الأول الأمر
تعريفه وصيغته:
الأمر: هو طلب الفعل على جهة الاستعلاء (1)، فالأمر طلب لأداء الفعل والقيام به في المستقبل بعد الأمر، ويكون من جهة من له سلطة الأمر.
والمطلوب تحصيل المأمور به سواء كان الأمر بصيغة الأمر، مثل قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، أو كان بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر؛ كقوله سبحانه: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7]، وقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29]، أو كان بالجملة الخبرية التي يقصد منها الطلب، كقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]، فالمقصود الأمر بالإرضاع وطلبه من الوالدات، ومثل قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، فالمقصود أمر المؤمنين بألا يمكنوا الكافرين من التسلط عليهم، أو كان بالمصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4]، أي: فاضربوا رقابهم. وكل ما وضع للطلب حقيقة مما كان على وزن افعل، فهو أمر، ويشترط في الأمر إرادة النطق بالصيغة، وإلا فلا يعتبر طلبًا (2).--------------------------------------------
(1) هذا التعريف للآمدي في الإحكام (1/ 137)، وانظر: البحر المحيط (2/ 348)، أصول السرخسي (1/ 11)، كشف الأسرار (1/ 101)، فواتح الرحموت (1/ 367)، شرح الكوكب المنير (3/ 10)، تيسير التحرير (1/ 336)، إرشاد الفحول ص 91، المحصول (1/ 19)، المستصفى (1/ 411)، العضد على ابن الحاجب (2/ 77)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 218)، أصول الأحكام ص 310، نهاية السول (2/ 11).
(2) ترد صيغة افعل لمعان كثيرة، انظر: البحر المحيط (2/ 352، 356)، أصول السرخسي (1/ 14)، التوضيح على التنقيح (2/ 51)، كشف الأسرار (1/ 107)، المعتمد (1/ 49)، فواتح الرحموت (1/ 372)، نهاية السول (2/ 14)، العدة (1/ 219)، مختصر البعلي ص 98، العضد والتفتازاني على ابن الحاجب (2/ 78)، إرشاد الفحول ص 92، الإحكام =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 22)
دلالة الأمر وموجَبه:
قال جمهور العلماء: إن الأمر يدل على وجوب المأمور به، ولا يصرف عن الوجوب إلى غيره إلا بقرينة تدل على ذلك؛ لأن العرب تستعمل الأمر للطلب الجازم، وهو ما جاء في النصوص الشرعية، فإن قصد به غير ذلك فهو على سبيل المجاز، وإلا فالأصل أنه للوجوب شرعًا (1).
الدلالات المجازية للأمر:
ويدل الأمر عند وجود القرينة على أحد الأمور التالية، بحسب القرينة التي تصرفه من الوجوب إلى غيره، ويكون مجازًا، فمن ذلك:
1 - الندب والاستحباب، مثل قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، فالأمر بالمكاتبة مندوبة بقرينة أن المالك حر التصرف في ملكه.
2 - الإرشاد مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، فالأمر بكتابة الدين يدل على مجرد الإرشاد للأحسن وللاحتياط، للقرينة في الآية التالية: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]، أي: عند الثقة بالمَدين الأمين فلا حاجة للكتابة؛ لأن اللَّه أمره بأداء الأمانة ولو بدون كتابة.
3 - الإباحة: مثل قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: 187]، فإنها للإباحة بقرينة أن الأكل أو الشرب تستدعيه الفطرة عند كل مخلوق حي، ومثل قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10]، فالأمر بالانتشار والسعي بعد صلاة الجمعة يفيد الإباحة، والقرينة إما عامة، وهي عدم مؤاخذة أو تأثيم من بقي في المسجد بعد الصلاة، وإما خاصة، بأن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة عند بعض المذاهب، أو يعيد الأمر إلى ما كان قبله عند آخرين، والانتشار قبل الصلاة مباح، ثم حظر بسبب صلاة--------------------------------------------
= للآمدي (2/ 144)، شرح تنقيح الفصول ص 127، تفسير النصوص (1/ 241)، المسودة ص 13، علم أصول الفقه ص 194.
(1) المراجع السابقة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 23)
الجمعة، ثم عاد إلى أصله، كما سيأتي.
4 - التأديب: كقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أم سلمة: "يا غلام! سمّ اللَّه، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يَليك" (1)، فالأمر هنا للتأديب بقرينة الحال، وسبب الورود الذي ذكره عمر رضي الله عنه.
5 - الإنذار: مثل قوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [إبراهيم: 30]، فهذا إنذار للكفار لكي يتمتعوا في الدنيا وليس لهم نصيب في الآخرة.
6 - الدعاء: كقوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]، وقوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147]، فهذا دعاء للَّه تعالى، وهو كثير في القرآن الكريم والسنة الشريفة (2).
دلالة الأمر على المرة أو التكرار:
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن صيغة الأمر موضوعة للطلب على سبيل الإلزام، وأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، ولكنه يحتمل التكرار إذا وجدت قرينة أحاطت به، فيكون التكرار مستفادًا من القرينة، كأن يكون الأمر معلقًا على شرط هو علة للمأمور به، كقوله تعالى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، فيجب تكرار الطهارة كلما وقعت الجنابة، ومثل قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
(2) عدد بعض العلماء دلالات الأمر المجازية، وأوصلها إلى ستة وعشرين معنى، منها ما سبق، ويضاف لها: الامتنان، والإكرام، والامتهان، والتكوين، والتعجيز، والإهانة، والتسوية، والتمني، والاحتقار، والخبر، والاعتبار، والتعجب، والتكذيب، والمشورة، وإرادة الامتثال، والإذن، والإنعام، والتفويض، انظر: البحر المحيط (2/ 357)، شرح الكوكب المنير (3/ 43)، نهاية السول (2/ 22)، البناني على جمع الجوامع (1/ 376)، المحصول (2/ 62، 66)، المعتمد (1/ 57)، الإحكام للآمدي (2/ 144)، كشف الأسرار (1/ 107) وما بعدها، أصول السرخسي (1/ 15)، فواتح الرحموت (1/ 373)، شرح تنقيح الفصول ص 127، المسودة ص 5، العدة (1/ 229)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 102، علم أصول الفقه ص 195، إرشاد الفحول ص 94، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (1/ 219).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 24)