في اختيار لفظة المعرفة، دون لفظة العلم، لأن البيضاوي يحصر معنى العلم بالتصديق على سبيل القطع. ويخرج من التعريف علم الله تعالى بالأدلة، لأن علمه تعالى قطعي، وليس ظنيًّا (1).
2 - دلائل: جمع دلالة بمعنى دليل، أو جمع دليل، والدليل في اللغة: المرشد إلى الشيء، والكاشف عن حقيقته (2).
وفي الاصطلاح: هو ما يمكن بالنظر فيه التوصل إلى إدراك حكم شرعي على سبيل العلم أو الظن (3)، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [يونس: 87]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190].
فهذه الآيات الكريمة أدلة عند الأصوليين، لأنهم ينظرون إليها بأنها أوامر شرعية، ويتوصلون منها إلى إدراك الأحكام الشرعية بوجوب الوفاء بالعقد، وإقامة الصلاة، والجهاد في سبيل الله.
والصحيح عند جمهور الأصوليين أن الدليل إما أن تكون دلالته على الحكم قطعية بأن ينتج حكمًا قطعيًّا، وإما أن تكون ظنية بأن ينتج حكمًا ظنيًّا، بينما قصر بعض الأصوليين الدليل على ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي قطعي، أو ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي ظني فهو أمارة (4).--------------------------------------------
(1) المعرفة أعم من العلم من حيث إنها تشمل اليقين والظن، أما العلم فلا يطلق إلا على اليقين، كما أن المعرفة أخص من العلم لأنها تشمل العلم المستحدث أو بعد انكشاف، أما العلم فيشمل العلم غير المستحدث، وهو علم الله تعالى، فإنه لم يسبقه جهل، ويشمل العلم المستحدث بعد الجهل، وهو علم العباد، انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 65، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 10.
(2) القاموس المحيط: 3 ص 377، المصباح المنير: 1 ص 270.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 52.
(4) نهاية السول: 1 ص 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
والدليل إما أن يكون مجملًا، كمطلق الأمر والنهي، الذي ينتج حكمًا كليًّا، هو الوجوب والحرمة، ويندرج تحته أدلة جزئية، وإما أن يكون دليلًا جزئيًّا تفصيليًّا يدل على الحكم في مسألة بذاتها، ويندرج تحت دليل كلي، كالأمر بإقامة الصلاة، الذي يدل على وجوبها، وهذه من مباحث الفقه، وتذكر استطرادًا في الأصول (1).
والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها، وأن الأمر مثلًا للوجوب، ولا يقصد حفظ الأدلة.
ويخرج من التعريف معرفة غير الأدلة، كمعرفة أحكام الفقه، وقواعد النحو، ومبادئ البلاغة، وأسباب الخلاف؛ فإنها ليست أدلة.
3 - الفقه: لغةً الفهم، وإصطلاحًا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، ومر شرحه في المبحث السابق.
وإن إضافة الدلائل للفقه تفيد العموم، لأنه جمع مضاف، فيعم جميع الأدلة سواء كانت متفقًا عليها أو مختلفًا فيها (2).
ويخرج من التعريف دلائل غير الفقه، كالنحو والقانون، فلا تدخل في موضوعنا.
4 - إجمالًا: حال من الدلائل، أي دلائل الفقه الإجمالية الكلية غير المعينة، التي يدخل تحتها جزئيات كثيرة، مثل كون الإجماع حجة، وأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد ما يؤيده بشريعتنا، وأن النهي يفيد التحريم.
فلا يدخل في علم أصول الفقه الدليل التفصيلي للأحكام الجزئية في--------------------------------------------
(1) مباحث الحكم عند الأصوليين: ص 10.
(2) نهاية السول: 1 ص 20، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
علم الفقه وعلم الخلاف، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "لا وصية لوارث" (1) فهو دليل على نسخ الوصية للوارث.
5 - كيفية الاستفادة منها: أي معرفة ما يميز الدليل الصحيح من الدليل الباطل، والدليل القوي من الدليل الضعيف (2)، وذلك أن أدلة الفقه التفصيلية ظنية من جهة دلالتها على الأحكام الشرعية، أو من جهة ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو من الجهتين معًا، وقد يتعارض الدليل الظني مع دليل آخر فيحتاج الفقيه إلى معرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الأسباب التي يرجح بها بعض الأدلة على بعض، وهذا ما يدرسه الأصولي في باب التعارض والترجيح الذي يعين المجتهد، ويستفيد منه لبيان الدليل الصحيح المثبت للأمر أو النهي.
6 - وحالة المستفيد: أي معرفة صفة المستفيد، وهو المجتهد، وذلك أن استنباط الأحكام من أدلتها، وترجيح الدليل على غيره عند التعارض، لا يتسنى لكل إنسان، ولذا يشترط في المجتهد أن تتوفر فيه صفات وشروط كثيرة حتى يستطيع القيام بهذا العمل الخطير، وهي شروط المجتهد، وقد بحثها الأصوليون في باب شرائط الاجتهاد (3)، وأهمها:--------------------------------------------
(1) رواه الشافعي وأحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن جابر، وهو ما تلقته الأمة بالقبول، وأصبح مشهورًا، انظر تخريج هذا الحديث في هامش الرسالة: ص 141.
(2) ذكر الأسنوي في شرح التعريف أن المراد من هذه الجملة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة وهذا معنى لازم للتعريف، وقد رجح العلماء المعنى الأول في الأعلى، وهو المرجحات، لعطفها على الدلائل، والعطف يقتضي المغايرة، انظر: نهاية السول: 1 ص 21، وأصول الفقه لغير الحنفية: ص 12.
(3) ذهب الأسنوي رحمه الله إلى أن المراد من عبارة "حال المستفيد" أنها تشمل المجتهد والمقلد، وأن شرائط الاجتهاد والتقليد تدخل في علم الأصول، والصحيح أنه لا يصح إدخال المقلد في الأصول أصلًا، لأن الاستفادة من الدليل هو استنباط الأحكام ومعرفتها وتمييز الصحيح منها، والمقلد قاصر عن القيام بهذا، فلا يدخل =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
العلم بكتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس، وإتقان اللغة العربية، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد، وصحيح السنة وسقيمها، ومتواترها وآحادها، ومسندها ومنقطعها، ومعرفة شروط القياس وطرق العلة وغير ذلك.
ونخلص من هذا التعريف إلى أن علم أصول الفقه هو العلم الذي يكسبنا معرفة مصادر التشريع الإسلامي، ويبين لنا الدليل الصحيح المرشد إلى حكم الله تعالى، وسبب ترجيحه على غيره، وكيفية استخراج الأحكام الشرعية من المصادر، ويرشدنا إلى شرائط الاجتهاد، والطريق الذي يسلكه المجتهد في الاستنباط ضمن الحدود الشرعية.
ثانيًا: تعريف الجمهور:
عرف الحنفية والمالكية والحنابلة أصول الفقه بقولهم: "هو العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (1).
شرح التعريف:
1 - القواعد: جمع قاعدة، وتعني قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة (2)، مثل قاعدة "الأمر للوجوب" فإنها قضية كلية يدخل تحتها عدد--------------------------------------------
= في التعريف، وإنما يبين علماء الأصول نبذة عن التقليد والمقلد، في أثناء كلامهم عن الاجتهاد والمجتهد للمناظرة على سبيل التبعية والاستطراد، أخذًا بقاعدة "وبضدها تتميز الأشياء" وانظر: نهاية السول: 1 ص 21، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 18، أدب القضاء، ابن أبي الدم: ص 27.
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 14، التلويح على التوضيح: 1 ص 8، ط صبيح، المدخل إلى مذهب أحمد، ابن بدران ص 58، شرح الكوكب المنير: 1 ص 44.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 14، التعريفات: ص 149، كشاف اصطلاحات الفنون: 5 ص 1176.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
لا يحصى من الجزئيات كقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190].
2 - يتوصل بها إلى استنباط الأحكام: أي إن المجتهد يصل إلى استخراج الأحكام الشرعية بوساطة هذه القواعد، ويستدل بها على اجتهاده، مثل قاعدة "النهي يفيد التحريم" فإنه يتوصل بها إلى بيان حكم الله تعالى من الآية الكريمة: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة 188] بأنه حرام، لأنه منهي عنه.
3 - الشرعية: أي الأحكام التي تتوقف على الشرع؛ فتخرج الأحكام العقلية واللغوية والحسية وغيرها.
4 - العملية: وهي صفة للأحكام التي تقتضي عملًا وفعلا من أفعال المكلفين، سواء كان من عمل القلب، كوجوب النية فيها، أو من عمل اللسان، أو من عمل الجوارح.
وتخرج الأحكام الاعتقادية والأخلاقية، كما تخرج الأحكام النظرية كما مر سابقًا.
5 - من أدلتها التفصيلية: أي الدليل التفصيلي الجزئي على حادثة معينة، مثل آية {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الاسراء: 32] فإنه دليل جزئي على حكم خاص وهو حكم الزنا.
وخلاصة التعريف أن علم أصول الفقه هو العلم بالقواعد والضوابط الكلية التي يستطيع المجتهد بوساطتها أن يعرف الأحكام الشرعية، ويستخرجها من الآيات والأحاديث وغيرها من مصادر التشريع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
المبحث الثالث في موضوع علم أصول الفقه
لكل علم من العلوم موضوع خاص، وهو عبارة عن مجموعة من المسائل الكلية التي يدور فيها البحث عن الأحوال الذاتية.
ويظهر من التعريفات السابقة لأصول الفقه أن موضوعه يتكون من خمسة أجزاء، وهي (1):
1 - مباحث الأدلة التي توصل إلى الأحكام الشرعية، وهي مصادر التشريع الإسلامي الذي يستقي منها المسلم حكم الله تعالى، وهذه الأدلة قسمان: قسم متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وقسم مختلف فيه يعتمد عليه بعض الأئمة دون بعض.
2 - مباحث التعارض والترجيح.
3 - مباحث الاجتهاد، وشروط المجتهد وصفاته.
4 - مباحث الحكم الشرعي سواء أكان اقتضاء أم تخييرًا أم وضعًا.--------------------------------------------
(1) المستصفى: 1 ص 7، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 9، التلويح على التوضيح: 1 ص 8، ط صبيح، إرشاد الفحول: ص 5، غاية الوصول: ص 5، تسهيل الوصول: ص 11، شرح الكوكب المنير: 1 ص 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
5 - كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، أي وجوه دلالة الأدلة بالصيغة والنظم، أو بالفحوى والمفهوم، أو بالاقتضاء والضرورة، أو بالمعقول وغير ذلك من مباحث الكتاب والسنة التي سندرسها في الدلالات، أو دلالات الألفاظ.
أما موضوع علم الفقه فهو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من أحكام شرعية في عباداته وتصرفاته وأخلاقه، وهل هي واجبة عليه أم مندوبة له أم مباحة أم مكروهة أم محرمة.
فالأصولي يبحث في الدليل الكلي والقواعد الكلية، بينما يبحث الفقيه في الأدلة الجزئية والتطبيق في الفروع (1).
وقد تباينت آراء علماء الأصول في تحديد المسائل الأصلية التي يتناولها موضوع أصول الفقه، واختلفوا على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة التي تثبت الأحكام بها، فالموضوع هو الأدلة، وينتج عن دراسة أدلة التشريع، أو يتفرع عنها الحكم الشرعي .. ، وهو رأي الجمهور.
المذهب الثاني: يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأحكام التي تثبت بالأدلة، فالموضوع هو الأحكام الشرعية، ولكن معرفة الحكم الشرعي يتوقف على معرفة المصادر أو الأدلة، فتكون دراسة الأدلة مقدمة ووسيلة لدراسة الأحكام، وهو رأي بعض الحنفية.
المذهب الثالث: يرى أن موضوعه هو الأدلة والأحكام معًا، وهو رأي صدر الشريعة وغيره من الحنفية.
المذهب الرابع: يرى أن موضوعه الأدلة والمرجحات وصفات المجتهد، وهو رأي بعض الشافعية.--------------------------------------------
(1) انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
ونتج عن الاختلاف السابق اختلافهم في ترتيب المباحث الأصولية، فبعضهم يقدم الحكم الشرعي، ثم يتبعه بالأدلة، وبعضهم يبدأ بالأدلة ثم بالأحكام (1).
والواقع أن مباحث الأصول متفق عليها، ولكن الاختلاف في اعتبار أحد الأبواب أصلًا، والآخر تبعًا، أو أن أحدها جوهر والآخر تقديم له، أو أن بعضها يدرس من الناحية الذاتية، والآخر من الناحية العرضية، وهكذا.
ويستمد هذا العلم مادته من علم اللغة، وعلم الفقه، وعلم الكلام، ويستند إلى المنطق والعقل (2).--------------------------------------------
(1) انظر تفصيل الآراء في كتاب أصول الفقه لغير الحنفية: ص 22 - 26.
(2) انظر: الوصول إلى علم الأصول 1/ 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
الفصل الثاني في فائدة علم أصول الفقه
إن علم أصول الفقه من أشرف العلوم، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، ولا تظهر فائدته إلا بعد بيان الغاية منه.
والغاية من علم أصول الفقه هي الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية (1)، أي أحكام الله تعالى في أفعال العباد، سواء أكانت اعتقادًا بالقلب، أم نطقًا باللسان، أم عملًا بالأعضاء، وسواء أكانت في العقيدة أم العبادات، أم المعاملات، أم الأخلاق، أم العقوبات، وذلك ليلتزم المكلف حدود الله تعالى، ويبتغي مرضاته، ويؤدي واجباته، وينتهي عن المحارم، وباختصار ليكون المكلف في المكان الذي أمره الله به، ويتجنب معاصيه وما نهاه عنه.
وبناء على ذلك فإن علم أصول الفقه ليس غاية في ذاته، وإنما هو--------------------------------------------
(1) الأحكام: الآمدي: 1 ص 9، مختصر ابن الحاجب: ص 3، تسهيل الوصول: ص 20، المقدمة، ابن خلدون: ص 452، طبع المكتبة التجارية بمصر، الوصول إلى علم الأصول 1/ 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
طريق ووسيلة إلى معرفة حكم الله تعالى في الوقائع، وإن دراسة القواعد والأدلة، ومعرفة طرق الاستنباط ليست مقصودة بذاتها، وإنما تقصد لما وراءها، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يغيب ذلك عن ذهن الطالب والعالم والمجتهد الذين يدرسون الأصول ويدركون فائدته وأهميته ومكانته الرفيعة بين العلوم، وأنه لا يقصد منه الحفظ والتلقي، وإنما يقصد منه أن يكون سلاحًا ماضيًا، ومفتاحًا سديدًا في يد الباحث.
وبعد هذه المقدمة نذكر أهم فوائد علم الأصول:
1 - إن علم الأصول يرسم للمجتهد الطريق القويم الموصل إلى استنباط الأحكام، ويضع أمامه منهجًا واضحًا ومستقيمًا في كيفية الاستنباط، فلا ينحرف يمينًا أو يسارًا، ولا يخبط خبط عشواء، ولا يزل به العقل والهوى عند أخذ الأحكام من الأدلة، فيضع عالم الأصول القواعد الكلية لمعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة والنصوص (1).
2 - كان علم الأصول الوسيلة الناجحة لحفظ الدين من التحريف--------------------------------------------
(1) تظهر هذه الفائدة بشكل جلي في السبب الذي دعا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لوضع وتأليف أول كتاب أصولي وهو الرسالة، فقد كان النزاع على أشده بين أهل الرأي وأهل الحديث، وكان أهل الرأي على جانب عقلي بارع، وتفكير جدلي واسع، ومقدرة على المناظرة والجدل، وكانوا يزدرون أهل الحديث ويطعنون فيهم وينتقصون من قدرهم وقيمتهم، وكان أهل الحديث على علم كبير بالرواية وجمع الآثار والتقيد بالمأثور، ويقدمونه على الفكر والعقل، وكانوا يهاجمون أهل أصحاب الرأي ويعيبون عليهم تقديم الرأي، وبرز التعصب للفريقين، واشتد الخلاف بينهم فجاء الشافعي وكتب الرسالة وبين تنظيم الأحكام ورسم منهج البحث والنظر والجدل، وقعد القواعد، وحدد الأدلة والمصادر، ونظم العلاقة بينها، وبيَّن مكان كل منها ومرتبتها، وعين الضوابط التي يجب السير عليها في الاستنباط، فقرب بين الفريقين، وأذعن له المخالف والموافق، وسوف نرى تفصيل ذلك في الفصل القادم إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
والتضليل، فصان أدلة الشريعة، وحفظ حجج الأحكام، وعرف الناس بمصادر التشريع الأصلية التي يجب الالتزام بها والرجوع إليها، كما بيّن المصادر الفرعية والتبعية التي كانت المجال الرحب لاتساع الشريعة، وتلبية حاجات المجتمع والأمة فيما يعتريها من وقائع وأحداث، وكان علم الأصول العقبة الكأداء في وجه المنحرفين والمضللين والمشعوذين الذين حاولوا الدسّ في الأحكام، وتشويه مقاصد التشريع والمراوغة في التضليل والدعوة (1)، كمن ينفي حجية خبر الآحاد، أو ينكر السنة، أو ينفي حجية الإجماع والقياس، ومن يدعي أنه لا دلالة في ألفاظ القرآن على شيء، ومن يدعي أن في القرآن ألفاظًا مبهمة، ومن يتلاعب بالأحكام، وأن الخمر مثلًا ليست محرمة لعدم النص على التحريم بلفظ يحرم.
وقد بيّن علماء الأصول مصادر التشريع وبينوا دلالات الألفاظ وتفسير النصوص، ونصوا على قوة الأدلة القطعية والظنية، والعلاقة بين النص السابق واللاحق في التخصيص والنسخ، كما بينوا لنا طرق الاجتهاد وشروط المجتهد، فكان علم الأصول سلاحًا ذا حدين يعين المخلصين على معرفة أحكام الله، ويرد كيد الكائدين في نحورهم (2).--------------------------------------------
(1) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 28، الوصول إلى علم الأصول: 1/ 53، التمهيد للإسنوي، مقدمته في فوائد علم أصول الفقه.
(2) إن علم أصول الفقه الذي وضع القواعد والأسس للاجتهاد والاستنباط، وحدد الطريق للباحثين، علم فريد في تاريخ الأمم والشرائع القديمة والحديثة، ويحاول الآن بعض علماء القانون مجاراة هذا العلم، وإيجاد مثيل له، تحت عنوان أصول القانون أو طرق التفسير، مع الفارق الكبير بينها وبين أصول الفقه الإسلامي، يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري والدكتور حشمت أَبو ستيت عن الفقهاء المسلمين: قد امتازوا على الرومان وعلى غير الرومان من الأمم التي تفوقت في القانون بوضع علم أقرب ما يكون لعلم أصول القانون، وهو علم أصول الفقه، بحثوا فيه مصادر الشريعة الإسلامية، وكيفية استنباط الأحكام التفصيلية من هذه المصادر، وهذا =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
3 - إن علم الأصول يبين للأمة عامة، ولأتباع المجتهد، ودارسي الفقه خاصة، المنهج الذي سلكه الإمام المجتهد، ويرسم أمامهم معالم الطريق الذي سار عليه في الاستنباط والاجتهاد لتطمئن قلوبهم لعلمه، وتزداد ثقتهم بالحكم الذي وصل إليه، وتستقر نفوسهم إلى مسلك الإمام وأساس الاختلاف، وأن المجتهد يقصد وجه الله تعالى ويبغي مرضاته في عمله، دون أن يدفعه لذلك الهوى الجامح، أو المصلحة الشخصية، أو القصد المادي، أو التطلع إلى منصب أو جاه.
وأتباع كل مذهب -وإن لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد، ولم ينزلوا إلى درجة العوام- يرغبون بطبيعة الحال في معرفة أساس الاجتهاد عند الأئمة، وكيف وصلوا إلى استنباطها، ولا يتمكنون من ذلك إلا بدراسة علم أصول الفقه، وإن فعلوا ذلك فقد نفوا عن أنفسهم وصمة التقليد الأعمى للإمام.
والعلماء -إن عرفوا مناط الأحكام وسبل الاجتهاد وأساس التشريع- إن ورد أمامهم رأيان استطاعوا أن يختاروا الرأي الأقرب إلى قواعد المذهب، وإن اعترضتهم جزئية صغيرة استطاعوا تخريجها على أصول المجتهد (1).
4 - إن علم أصول الفقه يكوِّن عند الطالب والدارس والباحث ملكة--------------------------------------------
= العلم يميز الفقه الإسلامي عن أبي فقه آخر. (أصول القانون لهما: ص 11)، وانظر: مصادر التشريع الإسلامي للدكتور محمد أديب صالح: ص 12 - 14، مباحث الحكم للأستاذ محمد سلام مدكور: ص 38، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، للدكتور وهبة الزحيلي: ص 5، المدخل إلى علم أصول الفقه، الدواليبي ص 8، 10، ولذلك يدرس علم أصول الفقه في كليات الحقوق والقانون.
(1) أصول الفقه: أَبو زهرة: ص 17، تسهيل الوصول: ص 20، مقاصد الشريعة الإسلامية ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
عقلية وفقهية تصحح تفكيره، وتعبد الطريق أمامه للاجتهاد والاستنباط والإدراك الصحيح والفهم التام للحكم على الأشياء، ليكون في المستقبل القريب من علماء الأمة ورجال الغد، وحملة الرسالة السماوية والأمانة الإلهية في التشريع، ويصبح قادرًا على استنباط الأحكام من الأدلة.
5 - يرسم علم أصول الففه الطريق للعلماء، في كل عصر لمعرفة حكم الله تعالى في المسائل المستجدة، والوقائع الحادثة التي لم يرد فيها دليل شرعي، ولم ينص عليها الأئمة في كتبهم، فيخوض العالم غمار هذه الأحداث فيعرف ما يتفق منها مع حكم الله تعالى، وما يحقق شريعته، ويحفظ مقاصده الأصلية، فيبقى التشريع مسايرًا لتطورات الزمن، ولا شك أن الحاجة ملحة للتشريع الدائم، والاجتهاد المستمر، لأن التشريع نفسه وليد الحاجة، وإذا كان من الترف الفكري والعقلي وجود الفقه الافتراضي، فإنه من الخطأ الفادح، والتقصير الآثم جمود الفقه والتشريع عن مجاراة العصر وبيان كل ما يقع فيه من جديد، لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ومن ذلك طفل الأنابيب، وموانع الحمل، والتأمين على الحياة، والتعامل مع المصارف، ونقل الأعضاء، وموت الدماغ، والتجارة الدولية، وحوادث السير، ونظام المرور، والاتصالات الحديثة، والأعمال المصرفية، والمواصلات الدولية، وغيرها كثير.
وإن علم أصول الفقه هو الذي يعرفنا على الأحكام الشرعية في كل حادث وطارئ، فقد قال علماء الأصول: إن لكل واقعة حكمًا لله تعالى، وإن كل مجتهد مأجور، وهذا يبين السبب في غلق باب الاجتهاد الذي أوصده العلماء أمام الجهال والدجالين، وأنصاف المتعلمين، خشية أن يتولوا كرسي الاجتهاد، ويدسُّوا في الدِّين ما ليس فيه، فيَضلوا ويُضلوا، كغلق المدرسة إذا لم يتوفر طلاب أو أساتذة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وغلق معمل إذا لم يتوفر فيه مهندس أو اختصاصي، أو مواد أولية.
وعلى الرغم من القول بقفل باب الاجتهاد في فترة زمنية، فلم تتوقف دراسة أصول الفقه، ولم يَحرم الاطلاع عليه، ولم يُلغ من حلقات الدرس، بل بقي هذا العلم على مر الأزمان والعصور علمًا شرعيًّا يتبوأ الدرجة العليا في الدراسة والتدريس والتأليف، وما ذلك إلا لأن هذا العلم يؤكد صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، ويظهر مرونة التشريع الإسلامي ومسايرته لمصالح الناس، وإن الشريعة الغراء تلبي حاجات المجتمع كيفما كان.
6 - إن علم أصول الفقه يضبط الفروع الفقهية بأصولها، ويجمع المبادئ المشتركة، ويبين أسباب التباين بينها، ويظهر أساس الاختلاف (1).
مثال ذلك القاعدة الأصولية "الأمر للوجوب"، فإنها تشمل جميع النصوص في القرآن الكريم والسنة الشريفة التي جاءت بصيغة الأمر، فإنها تفيد الوجوب، ما لم يوجد قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة، وإن القاعدة الأصولية "لا اجتهاد في مورد النص" قاعدة أساسية تعتبر شعار المجتهد والمتبع والمقلد والباحث والمناظر، فحيثما ورد النص في القرآن والسنة فلا مجال لإعمال الرأي والاجتهاد والاستنباط.
7 - إن علم أصول الفقه هو الدعامة الرئيسية والركيزة الأساسية لدراسة المذاهب المختلفة والمقارنة بينها، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي شاع فيه البحث المقارن، وانتشرت الدراسات المقارنة لبيان ما يتفق مع الدليل الراجح، وما يوافق مقاصد الشريعة، ويحقق مصالح--------------------------------------------
(1) كشف الأسرار: 1 ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الناس، ويؤكد هذه الأهمية أن القوانين والفتاوى والاجتهادات والدراسات تتجه للأخذ من مختلف المذاهب، باعتبار أن الشريعة الإسلامية بمذاهبها المتعددة مصدر للتشريع وأخذ الأحكام، ولم تعد تقتصر على مذهب معين، بل تبحث في المذاهب، وتطوف بين الأدلة والأحكام لاختيار ما يؤيده الدليل القوي، وما يصلح للأمة (1).
ويأتي علم أصول الفقه في قمة الوسائل التي يستخدمها الباحث في المقارنة فيتعرف على الدليل، ومنهج الاستنباط، ومسلك الاجتهاد، ثم يختار الأحكام التي يرجحها على غيرها، ويكون علم أصول الفقه هو المقياس الذي توزن به الآراء عند الاختلاف (2).
8 - إن علم أصول الفقه يعطي الدليل الجازم لعظمة الثروة الفقهية من جهة، ويؤكد للباحث المجرد، والمطلع الحيادي أن أسباب الاختلاف بين الأئمة هي أسباب موضوعية علمية، وليست أسبابًا شخصية أو عشوائية، وهذا ما نفصله في الفصل الرابع من هذا التمهيد إن شاء الله تعالى.
هذه الفوائد -وغيرها كثير- تثبت أهمية أصول الفقه، وضرورة دراسته وتعلمه، والاطلاع عليه، والتزود بقواعده، والتمرس بأسلوبه، والاهتداء به في معرفة تراث الأمة السابق، واستنباط الأحكام للوقائع--------------------------------------------
(1) أخذت قوانين الأحوال الشخصية في البلاد العربية من مختلف المذاهب، ولم تقتصر على المذهب الحنفي، كما كان سابقًا، وهي الأحكام الوحيدة التي لا تزال مأخوذة من الشريعة الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية.
(2) لقد زالت -والحمد لله- العصبية العمياء للمذهب، وانقرضت المذهبية الضيقة، بين العلماء والطلاب والناس، ومن يلتزم بمذهب معين فإنه يأخذ أحكامه بدون تعصب ولا تزمت، مع الاحترام والتقدير للمذاهب الأخرى، وكانت هذه النزعة المذهبية قد استشرت بين العلماء والعوام ووصلت إلى الحد الذي يتنافى مع العقل والشرع معًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
في الحاضر، وتوضيح الرؤية لمستقبل المسلمين الذين يأملون في تطبيق شريعة ربهم والرجوع إلى كتابهم وسنة رسولهم بمشيئة الله تعالى (1).--------------------------------------------
(1) إن الفئة الوحيدة التي لا تستفيد من علم أصول الفقه فئة العوام الذين يكتفون بمعرفة الحكم الشرعي لتطبيقه دون أن يحتاجوا لمعرفة دليله وأساسه ومأخذه، (انظر: أصول الفقه، أَبو النور: 1 ص 3، أصول الفقه، الخضري: ص 20، أصول الفقه، خلاف: ص 13، 19، أصول الفقه البرديسي: ص 35، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 14، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 29، مباحث الكتاب والسنة، للدكتور فوزي فيض الله: ص 7، أبحاث في علم أصول الفقه، للدكتور أحمد الكردي: ص 7، أصول التشريع الإسلامي، علي حسب الله: ص 7، مقدمة ابن خلدون: ص 456).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
الفصل الثالث في لمحة تاريخية عن أصول الفقه نشأة علم أصول الفقه وتطوره
إن الدراسة التاريخية تقتضي أن نسير مع سير التاريخ وأحداثه (1)، فنبدأ بإعطاء صورة عن التشريع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في زمن الصحابة والتابعين، ثم عن حالة التشريع في زمن الفتوحات الإسلامية، ودخول الناس من جميع الأجناس والأقوام في الإسلام، وظهور مدرستي الرأي والحديث، ثم قيام المذاهب الفقهية، ثم نبين نشأة أصول الفقه، وأول من أرسى أسسه، ثم عن ظهور علم أصول الفقه بشكل مستقل ومدون على يد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ونكمل الصورة عن تطور هذا العلم وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب والمراجع التي يستحسن الاعتماد عليها (2).--------------------------------------------
(1) إن الدراسة التاريخية لأي علم من العلوم ذات فوائد كثيرة، ومنافع جمة، منها أنه يكشف عن حقائق هذا العلم، وينسبها لأصحابها، ويعطي كل ذي حق حقه، ويزيل الشبه والافتراءات، والأوهام التي تلحق به، عن قصد أو غير قصد.
(2) انظر في تاريخ علم الأصول والمؤلفات فيه: الفتح المبين في طبقات الأصوليين، للشيخ عبد الله مصطفى المراغي: 1 ص 5 وما بعدها، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني المالكي، تقديم الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
التشريع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم -:
الوحي هو مصدر التشريع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان جبريل عليه السلام ينزل بالآية والآيتين، والسورة والسوريتن حسب مقتضيات الحاجة التشريعية للأمة الناشئة، وحسب أصول التدرج في التشريع، وحسب المناسبات التي كانت تقتضي معرفة حكم الله تعالى في القضايا.
وكلما دعت الحاجة إلى تثبيت العقيدة أو تهذيب النفس، أو ترسيخ الأخلاق، أو بدء عبادة، كان الوحي ينزل لسد هذه الحاجات في تربية وتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ومن اتصل بهم.
وكذا كان التشريع ينزل بالتدرج في تحريم المحرمات، وفرض الواجبات، وبناء صرح المجتمع الإسلامي بإقامة العلاقات الإسلامية التي تنظم علاقة المسلم بنفسه، وعلاقة المسلم بأخيه المسلم، وعلاقة الأمة الإسلامية بالأمم الكافرة، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها.
وكانت تنزل الواقعة بالمسلمين، أو يعرض السؤال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي الوحي مبينًا الحكم في ذلك.
فالتشريع كان معتمدًا على نصوص القرآن الكريم أو على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، عن طريق الفتوى، أو القضاء في خصومة، أو الجواب عن سؤال، وكان مصدر التشريع هو القرآن والسنة، وكانت العلاقة بينهما أن السنة مبيِّنة للقرآن الكريم، لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
وكانت مجموعة الأحكام الشرعية في القرآن الكريم والسنة الشريفة هي المادة الرئيسية للفقه في معرفة أحكام الله تعالى، وتشتمل في جوهرها على الأسس العامة، والقواعد والمبادئ الأصولية التي ترسم--------------------------------------------
= صفحة جـ، مرجع العلوم الإسلامية، لنا ص 567.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
منهج الله للناس (1).
الاجتهاد في زمن الصحابة:
كان الصحابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقون الأحكام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن غابوا عن مجلسه، ولم يعلموا حكمًا شرعيًّا في واقعة، اجتهدوا فيها، وسعوا في استنباط الأحكام لها، وقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حضوره وغيابه، فقال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (2)، وأقر معاذ على الاجتهاد عند عدم النص، كما سيرد بعد قليل، وكان الصحابة سرعان ما يعرضون اجتهادهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان صوابًا أقره وباركه ودعا لصاحبه، وإن كان خطأ أنكره وبيَّن بطلانه، ولذلك فإن اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجع إلى القسم الأول، فكأن الحكم صادر عن رسول الله بإقراره أو إبطاله أو إلغائه.
روي عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمرو: "اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما"، وأنت حاضر يا رسول الله؟ قال: "نعم، على أنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر" (3).--------------------------------------------
(1) مقدمة ابن خلدون: ص 453، أصول الفقه، الخضري: ص 3، المدخل إلى علم أصول الفقه، الدواليبي ص 53، الفتح المبين: 1 ص 16.
(2) رواه أصحاب الكتب الستة والحاكم والشافعي وأحمد عن عمرو بن العاص وأبي هريرة، (انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي: 4 ص 268، سنن الترمذي: 3 ص 307، سنن النسائي: 8 ص 197، سنن ابن ماجه: 2 ص 776، المستدرك: 4 ص 88، بدائع المنن: 2 ص 231، التلخيص الحبير: 4 ص 180، سبل السلام: 4 ص 160، تخريج أحاديث البزدوي: ص 230).
(3) رواه الحاكم في المستدرك: 4 ص 88، وانظر أصول الفقه، الخضري: ص 410، تخريج أحاديث البزدوي ص 230، مسند أحمد: 2 ص 187، 4 ص 205، وروى =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
ولكن هذه الفترة أعطت الصحابة تجربة حية، وملكة ناصعة، فقد عاصروا نزول القرآن الكريم، وعرفوا حكمة التشريع، واطلعوا على أسرار الشريعة، وعرفوا قسطًا من تفسير القرآن الكريم من رسول الله، وأدركوا أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، وصاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورشفوا من نوره، وتدربوا على مواجهة القضايا والمشاكل، وتمرنوا على الاجتهاد والاستنباط، ويضاف إلى ذلك الفطرة السليمة والذهن الصافي، والفكر المستقيم، وفصاحة اللسان الذي نزل القرآن به، كل ذلك كان مؤهلًا لهم لاستلام الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولي الحكم، وتدبير أمور الدولة، ومواكبة شؤون التشريع والاجتهاد.
فإذا نزلت بهم الوقائع، أو طرأت عليهم الأمور في مجال القضاء والفتيا والاجتهاد والتشريع، رجعوا إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه الحكم أخذوا به ووقفوا عنده، وإن لم يجدوا لجؤوا إلى السنة، وسألوا من يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئًا، فإن وجدوا ضالتهم في السنة التزموا بها، وإن لم يجدوا بحثوا ونظروا واجتهدوا واستنبطوا حكم الله تعالى، معتمدين على المؤهلات العلمية والشخصية التي توفرت فيهم، فإن اتفقوا على أمر كان إجماعًا، وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي (1)، وإن لم يتفقوا بقي في حيز الاجتهاد والاستنباط، وهو المصدر التشريعي الرابع الذي عرف بالقياس (2)، وهذا أحد--------------------------------------------
= الدارقطني مثل هذه القصة عن عقبة بن عامر (سنن الدارقطني: 4/ 203).
(1) انظر ما رواه الدارمي (1/ 58) عن ميمون بن مهران أنه قال ذلك عن أبي بكر رضي الله عنه.
(2) الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: 6 ص 768 ومقدمة ابن خلدون: ص 453، أصول التشريع الإسلامي، حسب الله: ص 5، أصول الفقه، البرديسي: ص 8، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 54، 64 وما بعدها، الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، الدهلوي: ص 19، حجة الله البالغة: 1 ص 296، الفتح المبين: 1 ص 9، 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)