Arabic source text

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

📘 الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (محمد مصطفى الزحيلي)

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا" (1).
وفي المعاملات بيَّن الله تعالى الهدف منها، وأنها لتحقيق مصالح الناس بجلب المنافع لهم ودفع المفاسد والأضرار والمشاق عنهم، وإزالة الفساد والغش وغيره من معاملاتهم، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ثم قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} إلى قوله تعالى محددًا الهدف والغاية من ذلك: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] ، وقال تعالى في النهي عن أكل المال بالباطل وأنه ظلم وإثم وطغيان ومفسدة: {ولَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} [البقرة: 188].
وبين تعالى الحكمة والهدف والمقصد من تحريم الخمر فقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 91].
وبين عز وجل الحكمة والغاية من مشروعية القصاص وأنها لتأمين الحياة البشرية، وحفظ الأنفس والأرواح فقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)} [البقرة: 179] ، وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حَدٌّ يُعمل به في الأرض خيرٌ لأهلِ الأرْض من أن يُمْطَروا أربعين صباحًا" (2).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم والحاكم وابن حبان وأبو عوانة عن أبي ذر مرفوعًا. (انظر الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية: ص 41).
(2) رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا. (انظر: سنن النسائي: 8 ص 68، سنن ابن ماجه: 2 ص 848).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

وبين تعالى أنه لا يهدف من التكليف الإرهاق، بل الهدف من الأحكامِ رفع الحرج والمشقة عن الناس، فقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] وقال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
وهكذا يثبت قطعًا أن الله تعالى شرع الأحكام لمقاصد، وأن هذه المقاصد منها كلية، ومنها جزئية، وأن العلماء بينوا معرفة المقاصد الكلية والجزئية (1).

‌‌ثالثًا: الفائدة من معرفة مقاصد الشريعة:
إن معرفة مقاصد الشريعة لها أهمية عظيمة، وفوائد كثيرة بالنسبة للطالب والفقيه والعالم والمجتهد.
أما فائدتها بالنسبة للطالب والباحث فتتحدد بما يلي:
1 - أن يعرف الطالب الإطار العام للشريعة، ويُكوِّن عند التصور الكامل للإسلام، ويحصل عنده الصورة الشاملة لتعاليمه، لتتكون لديه النظرة الكلية الإجمالية لأحكامه وفروعه، وبالتالي يدرك الطالب المكان--------------------------------------------
(1) انظر الموافقات: 2 ص 289، مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 22، شرح الكوكب المنير: 1 ص 314.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها". (الفتاوى الكبرى: 20 ص 48، السياسة الشرعية: ص 47).
وقال الإمام البيضاوي: "لكن نص في القياس على أن الاستقراء قال على أن الله سبحانه وتعالى لا يفعل إلا لحكمة وإن كان على سبيل التفضل" (نهاية السول، شرح منهاج الأصول: 1 ص 150).
وقال العلامة الشاطبي: "لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر، هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت من أجلها".
(الموافقات: 2 ص 283). وانظر: قواعد الأحكام: 1 ص 5 ، 10.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

الطبيعي لكل مقرر دراسي، ومادة علمية، ويعرف موقعها الحقيقي في ذلك، ومن ثم تتحدد لديه بشكل عام ما يدخل في الشريعة وما يخرج منها، فكل ما يحقق مصالح الناس في العاجل والآجل، في الدنيا والآخرة فهو من الشريعة، ومطلوب من المسلم، وكل ما يؤدي إلى الفساد والضرر، والاضطراب والمشقة فهو ليس من الشريعة، بل هو منهي عنه، وهذا يساعده على وضع اللبنات في أماكنها، ويقيم المواد على قواعدها (1).
2 - إن دراسة مقاصد الشريعة تبين للطالب الأهداف السامية التي ترمي إليها الشريعة في الأحكام، وتوضح للطالب الغايات الجليلة التي جاءت بها الرسل، وأنزلت لها الكتب، فيزداد إيمانًا إلى إيمانه، وقناعة في وجدانه، ومحبة لشريعته، وتمسكًا بدينه، وثباتًا على صراطه المستقيم، فيفتخر بدينه ويعتز بإسلامه، وخاصة إذا قارن ذلك مع بقية التشريعات والأنظمة الوضعية.
3 - إن مقاصد الشريعة تعين الطالب في الدراسة المقارنة على ترجيح القول الذي يحقق مقاصد الشريعة، ويتفق مع أهدافها في جلب المنافع ودفع المفاسد، وخاصة في قضاء المظالم والسياسة الشرعية فيما لا نص فيه.
4 - إن بيان مقاصد الشريعة يبرز للطالب الهدف الذي سيدعو الناس إليه بعد التخرج، وأن دعوته ترمي إلى تحقيق مصالح الناس ودفع--------------------------------------------
(1) يقول العلامة ابن القيم: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وان أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل اللهِ بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها"، (أعلام الموقعين: 3 ص 5 تحقيق الوكيل).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

المفاسد عنهم، وأنها ترشد إلى الوسائل والسبل التي تحقق لهم السعادة في الدنيا، والفوز برضوان الله في الآخرة، وأن مهمة الأنبياء والرسل كانت تهدف إلى تحقيق هذه المقاصد، والعلماء ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الصلاح والإصلاح، وتسعى للبر والفضيلة، وتحذر من الفساد والإثم والرذيلة والشر، ولذلك كانت وظائف الأنبياء أنبل الأعمال، وأشرف الأمور، وأسمى الغايات، وأقدس المهمات، ومن سار على طريقهم لحق بهم، ونال أجرهم.
أما أهمية معرفة مقاصد الشريعة بالنسبة للعالم والفقيه والمجتهد (1) فتظهر في الفوائد التالية:
1 - الاستنارة بها في معرفة الأحكام الشرعية الكلية والجزئية من أدلتها الأصلية والفرعية المنصوص عليها.
2 - الاستعانة بمقاصد الشريعة في فهم النصوص الشرعية وتفسيرها بشكل صحيح عند تطبيقها على الوقائع.
3 - الاسترشاد بمقاصد الشريعة عند تحديد مدلولات الألفاظ ومعانيها، لتعيين المعنى المقصود منها؛ لأن الألفاظ والعبارات قد تتعدد معانيها، وتختلف مدلولاتها -كما سبق بيانه في أسباب اختلاف الفقهاء- فتأتي المقاصد لتحديد المعنى المقصود منها.
4 - الرجوع إلى مقاصد الشريعة عند فقدان النص على المسائل والوقائع الجديدة، فيرجع المجتهد والفقيه والقاضي إلى مقاصد الشريعة لاستنباط الأحكام بالاجتهاد والقياس والاستحسان والاستصلاح وغيرها--------------------------------------------
(1) يقول السبكي رحمه الله تعالى: "واعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء. .. ، الثالث أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم بها مراد الشرع من ذلك" الإبهاج، له: 1/ 8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

بما يتفق مع روح الدين، ومقاصد الشريعة وأحكامها الأساسية.
5 - إن مقاصد الشريعة تعين المجتهد والقاضي والفقيه على الترجيح عند تعارض الأدلة، الكلية أو الجزئية في الفروع والأحكام، وكثيرًا ما يكون التعارض ظاهريًّا بين الأدلة، ويحتاج الباحث إلى معرفة السبل للتوفيق بينها، أو معرفة الوسائل للترجيح، وإن طرق الترجيح في الفقه وأصول الفقه كثيرة، ومنها الترجيح بمقاصد الشريعة.
وهذه الفوائد تحتم على الباحث والعالم والفقيه والمجتهد أن يضع مقاصد الشريعة نصب عينيه لتضيء له الطريق، وتصحح له المسار، وتعينه على الوصول إلى الحق والعدل، والصواب والسداد.
وقد لمس رجال التشريع هذه الأهمية والفوائد، ولجأت السلطات التشريعية في الدول المعاصرة إلى وضع المذكرات التفسيرية للقانون أو للنظام، لتبين للناس عامة المقصد الخاص لكل مادة، ليتمكن شراح القانون والقضاة والمحامون من حسن فهم القانون، وحسن تطبيقه وتنفيذه بما يتفق مع روح التشريع والقصد الذي وضع من أجله.
كما تطلب معظم الأنظمة في العالم من القضاة أن يحكموا بمبادئ العدالة وبما يتفق مع المبادئ العامة عندما يفقدون النص في النظام على أمر ما.
كما أن فقهاء الشريعة الإِسلامية اتفقوا على أن تصرفات الإِمام (الحاكم) منوطة بالمصلحة، أي إن جميع تصرفات الحكام مرتبطة بتحقيق مصالح الناس، فإن خرجت من المصلحة إلى المفسدة كانت باطلة، ويتعرض أصحابها إلى المسؤولية في الدنيا والآخرة (1).--------------------------------------------
(1) يقول العلامة الشيخ محمَّد الطاهر بن عاشور: "وليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة؛ لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع دقيق من أنواع العلم" ثم يقول: =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

‌‌رابعًا: تقسيم المقاصد بحسب المصالح:
قلنا: إن مقاصد الشريعة هي تحقيق مصالح الناس، ولكن مصالح الناس ليست على درجة واحدة من حيث الأهمية والخطورة وحاجة الناس إليها، وإنما هي على مستويات مختلفة، ودرجات متعددة، فبعض المصالح ضروري وجوهري يتعلق بوجود الإنسان ومقومات حياته، وبعضها يأتي في الدرجة الثانية ليكون وسيلة مكملة للمصالح الضرورية السابقة، وتساعد الإنسان على الاستفادة الحسنة من جوانب الحياة المختلفة في السلوك والمعاملات وتنظيم العلاقات، وبعض المصالح لا تتوقف عليها الحياة، ولا ترتبط بحاجات الإنسان، وإنما تتطلبها مكارم الأخلاق والذوق الصحيح والعقل السليم، لتأمين الرفاهية للناس، وتحقيق الكماليات لهم (1).
ومن هنا حصر العلماء مصالح الناس وقسموها بحسب أهميتها وخطورتها وأثرها في الحياة وحاجة الناس إليها إلى ثلاثة أقسام، وأن مقاصد الشريعة جاءت لتحقيق هذه المصالح بأقسامها الثلاثة وهي:

‌‌1 - المصالح الضرورية:
وهي التي تقوم عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، ويتوقف عليها وجودهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، وإذا فقدت هذه المصالح الضرورية اختل نظام الحياة، وفسدت مصالح الناس، وعمت فيهم الفوضى وتعرض وجودهم للخطر والدمار والضياع والانهيار.--------------------------------------------
= "وحق العالم فهم المقاصد، والعلماء في ذلك متفاوتون على قدر القرائح والفهوم"، (مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 18).
وانظر: علم أصول الفقه، للمرحوم خلاف: ص 198 ط 8، مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 15 وما بعدها.
(1) انظر: قواعد الأحكام: 1 ص 29 وما بعدها، 42 وما بعدها، 71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

وتنحصر مصالح الناس الضرورية في خمسة أشياء، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض أو النسب والمال (1)، وقد جاءت الشريعة الغراء لحفظ هذه المصالح الأساسية، وإن مقاصد الشريعة الأساسية مرتبطة بها، وهي:
1 - حفظ الدين، 2 - حفظ النفس، 3 - حفظ العقل، 4 - حفظ النسل أو العرض أو النسب، 5 - حفظ المال، وقد اتفقت الشرائع السماوية على مراعاة هذه الأصول الأساسية والمصالح الضرورية للناس.
قال حجة الإِسلام الغزالي رحمه الله: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (2).

‌‌2 - المصالح الحاجية:
وهي الأمور التي يحتاجها الناس لتأمين شؤون الحياة بيسر وسهولة، وتدفع عنهم المشقة وتخفف عنهم التكاليف، وتساعدهم على تحمل أعباء الحياة، وإذا فقدت هذه الأمور لا يختل نظام حياتهم، ولا يتهدد وجودهم، ولا ينتابهم الخطر والدمار والفوضى، ولكن يلحقهم الحرج والضيق والمشقة، ولذلك تأتي الأحكام التي تحقق هذه المصالح الحاجية للناس لترفع عنهم الحرج، وتيسر لهم سبل التعامل، وتساعدهم على صيانة مصالحهم الضرورية، وتأديتها، والحفاظ عليها عن طريق "الحاجيات" (3).--------------------------------------------
(1) انظر المستصفى: 1 ص 286، علم أصول الفقه، خلاف: ص 199 ط 8، الموافقات: 2 ص 4، الأصول العامة: ص 60، 61.
(2) المستصفى: 1 ص 287.
(3) انظر: المستصفى: 1 ص 289.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

‌‌3 - المصالح التحسينية:
وهي الأمور التي تطلبها المروءة والآداب، ويحتاج إليها الناس لتسيير شؤون الحياة على أحسن وجه وأكمل أسلوب، وأقوم منهج، وإذا فقدت هذه الأمور فلا تختل شؤون الحياة، ولا ينتاب الناس الحرج والمشقة، ولكن يحسون بالخجل، وتتقزز نفوسهم، وتستنكر عقولهم، وتأنف فطرتهم من فقدها.
وهذه الأمور التحسينية ترجع إلى ما تقتضيه الأخلاق والأذواق الرفيعة، وتكمل المصالح الضرورية والمصالح الحاجية على أرفع مستوى وأحسن حال (1).
وجاءت الشريعة الإِسلامية لتأمين هذه المصالح جميعًا، بأن نصت على كل منها، وبينت أهميتها وخطورتها ومكانتها في تحقيق السعادة للإنسان، ثم شرعت الأحكام لتحقيقها، كما سنفصله في الفقرة التالية.

‌‌خامسًا: الوسائل الشرعية لتحقيق المقاصد:
يدل الاستقراء والبحث والدراسة والتأمل على أن الشرع الحنيف جاء لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وأن الأحكام الشرعية كلها إنما شرعت لتحقيق هذه المصالح، وأنه ما من حكم شرعي إلا قصد به تحقيق أحد هذه المصالح أو أكثر، بحيث يكفل التشريع جميع المصالح بأقسامها الثلاثة.
وكان منهج التشريع لرعاية هذه المصالح عن طريقين أساسيين:
أ- الأحكام الشرعية التي تؤمن إيجاد هذه المصالح وتكوينها.--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات: 2 ص 6، علم أصول الفقه، خلاف: ص 200 ط 8، المستصفى: 1 ص 290.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

ب- الأحكام الشرعية لحفظ المصالح وصيانتها ورعايتها ومنع الاعتداء عليها أو الإخلال بها، أو ضمانها والتعويض عنها (1).
ونريد أن نفصل الكلام عن كل قسم مع بيان الأدلة لذلك، وضرب الأمثلة لكل منها بما يؤكد مقاصد الشريعة في حفظ هذه المصالح.

‌‌1 - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح الضرورية:
وردت أحكام كثيرة جدًّا تدعو لتأمين المصالح الضرورية للناس، وتسعى لإيجادها على أحسن وجه وأفضل طريقة، ثم تكفل حفظها ورعايتها.
فالدين مصلحة ضرورية للناس؛ لأنه ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بمجتمعه، وقد شرع الإِسلام أحكامًا كثيرة لتنظيم هذه العلاقات كلها، فبين أحكام العقيدة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره، وشرع أركان الإِسلام الخمس، وهي: الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام، وشرع أنواع العبادات وكيفيتها لتنمية الدين في النفوس، وترسيخه في القلوب، وإيجاده في الحياة والمجتمع، ونشره في أرجاء المعمورة، وأوجب الدعوة إليه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ثم شرع الجهاد لحفظه ورعايته وضمانه سليمًا وعدم الاعتداء عليه، ومنع الفتنة في الدين، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]، وشرع عقوبة المرتد عن دينه، وبيَّن عقوبة المبتدع والمنحرف عن دينه وطالب الأخذ على يد تارك الصلاة ومانع الزكاة،--------------------------------------------
(1) انظر الموافقات: 2 ص 5، علم أصول الفقه، خلاف: ص 201 ط 8، الأصول العامة: ص 65.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

والمفطر في رمضان، والمنكر لما علم من الدين بالضرورة … وغير ذلك، لإبعاد الناس عن الخبط في العقائد وحفظهم من مفاسد الشرك، وإنقاذهم من وساوس شياطين الإنس والجن، وعدم الوقوع في الضلال والانحراف، وحتى لا يسف العقل في عبادة الأحجار والأصنام، أو الأبقار والقرود والحيوان، أو الشمس والقمر والنجوم، أو تأليه الأشخاص وعبادة البشر، ولينقذ البشرية من طقوس العبادات المزيفة، والترانيم السخيفة، والاعتقادات الباطلة (1).
ويجب أن يعلم المسلم أن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى، وأن حفظه مقدم على بقية المصالح، بل إن الدين في ذاته حفاظ لجميع مصالح العباد في الدنيا والآخرة (2).
والنفس هي ذات الإنسان، وهي مقصودة بذاتها في الإيجاد والتكوين، وفي الحفظ والرعاية كما سبق بيانه.
وشرع الإِسلام لإيجادها وتكوينها الزواج للتوالد والتناسل لضمان النقاء الإنساني والوجود البشري، واستمرار النوع السليم على أكمل وجه وأفضله وأحسنه، ثم حرم الزنا وبقية أنواع الأنكحة الفاسدة الباطلة.
وشرع الإِسلام لحفظ النفس ورعايتها وعدم الاعتداء عليها وجوب تناول الطعام والشراب واللباس والمسكن، وأوجب القصاص والدية والكفارة (3).
والعقل أسمى شيء في الإنسان، وأبرز ميزة وصفة تميزه عن بقية--------------------------------------------
(1) انظر المستصفى: 1 ص 287، الموافقات: 2 ص، ضوابط المصلحة: ص 119.
(2) انظر: ضوابط المصلحة: ص 58 وما بعدها.
(3) انظر: علم أصول الفقه، خلاف: ص 201، ط 8، الأصول العامة: ص 130، الموافقات: 2 ص 5، قواعد الأحكام؛ 2 ص 5 والمستصفى: 1 ص 287.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

الحيوان، وهو أعظم منحة من رب العالمين للإنسان ليرشده إلى الخير ويبعده عن الشر، ويكون معه مرشدًا ومعينًا.
وإن وجود العقل جزء من إيجاد النفس، وأحكامها أحكامه، ولكن الحفاظ عليه يختلف عنها، ويختص بوسائل خاصة، فشرع الإِسلام أحكامًا للحفاظ على العقل، فدعا إلى الصحة الكاملة للجسم، لتأمين العقل الكامل، فالعقل السليم في الجسم السليم، وحرم الإِسلام الخمر وجميع المسكرات التي تزيل العقل، وتلغي وجوده، وتؤثر عليه، وشرع الإِسلام حد الخمر لمن يتناول هذه المشروبات النجسة الضارة، لأن الحفاظ على العقل مصلحة ضرورية للإنسان، وإلا فقد أعز ما يملك (1).
والعرض فرع من النفس الإنسانية (2)، وهو ما يمدح الإنسان به أو يذم، وهو أحد الصفات الأساسية المعنوية للإنسان، والتي تميزه عن بقية الحيوان، والقصد منه حفظ النسل والنسب بأرقى الوسائل، وأشرف الطرق ويعبر عنه العلماء بحفظ النسب أو النسل، وإن وجود النسب والنسل فرع عن وجود النفس الإنسانية التي شرع الله لوجودها الزواج، ويتأكد وجود النسل والنسب بأحكام الأسرة، وإن الحفاظ على العرض مقصود بذاته من جهة، وهو وسيلة لحفظ النسل والذرية من جهة أخرى، حتى لا تختلط الأنساب، وتضيع الذرية ويتشرد الأطفال.
وقد شرع الإِسلام للحفاظ على العرض ورعايته أحكامًا كثيرة تبدأ من غض النظر وتنتهي بإقامة الحد على الزاني الذي يعتدي ماديًا على العرض، وإقامة حد القذف على القاذف الذي يعتدي أدبيًّا على--------------------------------------------
(1) انظر: الأصول العامة: ص 136، والمراجع السابقة.
(2) يرى الطاهر بن عاشور رحمه الله أن الضروري هو حفظ النسل من التعطيل، وليس حفظ النسب أو العرض ضروريًّا، بل حاجيًا (مقاصد الشريعة، له: ص 81).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

العرض (1).
والمال شقيق الروح كما يقولون، وهو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره، وهو الوسيلة التي تساعد الناس على تأمين العيش وتبادل المنافع والاستفادة من جوانب الحياة الكثيرة، وما سخره الله تعالى للإنسان في هذا الكون، ولذلك كان المال مصلحة ضرورية للناس، وإلا صارت حياتهم فوضى وبدائية وهمجية.
وقد شرع الإِسلام لإيجاده وتحصيله السعي في مناكب الأرض والكسب المشروع والمعاملات الشرعية التي تكفل الحصول عليه وتوفيره للمسلم.
وشرع الإِسلام لحفظه وحمايته ومنع الاعتداء عليه أحكامًا كثيرة، فحرم السرقة، وأقام الحد على السارق، وحرم أكل أموال الناس بالباطل، واعتبر العقد عليها باطلًا، ومنع إتلاف أموال الآخرين وشرع الضمان والتعويض على المتلف والمتعدي (2).
وهكذا نلاحظ أن الإِسلام شرع لكل مصلحة ضرورية للناس أحكامًا تكفل إيجادها وتكوينها، وأحكامًا ترعى حفظها وصيانتها، ليؤمن لهم المصالح الضرورية، ويكفل لهم حفظها وبقاءها واستمرارها، ثم أباح الله تعالى المحظورات إذا تعرضت المصالح الضرورية للخطر والتهديد.

‌‌2 - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح الحاجية:
شرع الله تعالى أحكامًا لا حصر لها لرعاية المصالح الحاجية--------------------------------------------
(1) انظر الأصول العامة: ص 149، والمراجع السابقة.
(2) انظر الموافقات: 2 ص 5، علم أصول الفقه، خلاف: ص 201، ط 8، الأصول العامة: ص 153، قواعد الأحكام: 2 ص 5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

للناس، فشرع الرخص في العبادات والعقيدة لرفع الحرج والمشقة عن الناس للتخفيف عنهم، فأباح الفطر في رمضان، وشرع قصر الصلاة وجمعها للمسافر والحاج، وأجاز للعاجز صلاة الفرض قاعدًا ومستلقيًا وعلى جنب، وأباح التيمم والمسح على الجبيرة والمسح على الخفين للمعذور، وشرع البيوع والشركات والإجارة لتأمين التعامل الصحيح بين الناس وإرشادهم إلى القواعد السليمة والأسس العادلة في التبادل والأخذ والعطاء، لتأمين حاجيات الناس وجلب النفع لهم ودفع الضرر والظلم والغش عنهم.
وشرع للحفاظ على الحاجيات الضمان في المال، والبطلان والفساد في العقود، ورغب في الرخص، فرخص تعالى في بعض العقود التي لا تنطبق عليها الأسس العامة في العقود، فشرع السلم وهو بيع للمعدوم، وشرع الاستصناع والمزارعة والمساقاة … لرفع الحرج عن الناس في التعامل، كما شرع الطلاق كدواء لأمراض الزوجية المستعصية، وهو أبغض الحلال إلى الله، وأحل الله الصيد … ، وفي العقوبات فرض الدية على العاقلة في القتل الخطأ تخفيفًا على القاتل، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، ورغب ولي المقتول بالعفو عن القصاص والإحسان إلى الجاني (1).
وقد وردت النصوص الشرعية صريحة واضحة لتأكيد هذه المعاني، وبيان الحِكَم في مشروعية الأحكام التي تحقق المصالح الحاجية للناس، وترفع الحرج عنهم فقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ--------------------------------------------
(1) انظر الموافقات: 2 ص 5، علم أصول الفقه، خلاف: ص 202 ط 8، قواعد الأحكام 2 ص 8، المستصفى: 1 ص 289.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشروعية قصر الصلاة: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (1).

‌‌3 - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح التحسينية:
شرع الله تعالى أحكامًا كثيرة لتأمين المصالح التحسينية للناس، وتحقيق مصالحهم فيها، بما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق في مختلف فروع الشريعة، لتؤدى مصالح الناس على أكمل وجه وأحسنه.
فشرع الله في العبادات أحكامًا لتكون العبادة على أقوم السبل، كالطهارة في الجسم والثوب والمكان، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد، والتطوع بالصيام والصدقة، والحجاب.
وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والاحتكار، وحرم الإسراف والتقتير في الإنفاق، ونهى عن بيع الإنسان على بيع أخيه، ونهى عن بيع النجاسات.
وفي الجهاد حرم قتل النساء والصبيان والرهبان، ومنع قطع الشجر، ونهى عن الغدر والتمثيل بالقتلى، وطلب الإحسان في معاملة الأسرى، وعدم الإكراه في الدين.
وفي العقوبات والقصاص فرض المماثلة والإحسان في القتل وجعل حق الدم لأولياء القتيل، ولكن عن طريق القضاء والسلطان.
ثم أفاض الإِسلام في رعاية الأخلاق العامة، والآداب الراقية، والفضائل السامية (2)، وصرح الرسول الكريم بذلك فقال: "إنما بعثت--------------------------------------------
(1) رواه الإمام مسلم وأصحاب السنن عن عمر رضي الله عنه مرفوعًا، (انظر فيض القدير: 4 ص 191).
(2) انظر: الموافقات: 2 ص 9، علم أصول الفقه، خلاف: ص 204، ط 8، المستصفى: 1 ص 290.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

لأتمم مكارم الأخلاق" (1).

‌‌4 - الأحكام المتممة والمكملة لحفظ المصالح:
اقتضت الحكمة الإلهية أن تضع أحكامًا تشريعية إضافية مكملة للأحكام التي شرعت لحفظ نوع من أقسام المصالح، وقد شرعت هذه الأحكام المكملة لتحقيق مقاصد الشريعة على أكمل وجه وأتمه وأحسنه، ولتكون أمانًا احتياطيًا، وسياجًا واقيًا للحفاظ على مصالح الناس، دون أن تتعرض لنقص أو خدش أو خطر.
فشرع الإِسلام الصلاة لحفظ الدين، وشرع للصلاة أحكامًا تكميلية كالأذان لإعلانها، وصلاة الجماعة في المسجد، وخطبة الجمعة والعيدين لتعليم الناس أمور دينهم.
وشرع القصاص لحفظ النفوس، وشرع لإكماله التماثل في النفس والعضو والجروح، وحرم الزنا لحفظ العرض، وشرع لإكماله تحريم الخلوة ومنع النظر إلى الأجنبية، وحرم الإِسلام الخمر لحفظ العقل، وشرع لإكماله تحريم القليل منه ولو لم يسكر؛ لأنه يريد أن يسد منافذ الشيطان بشكل يقيني حاسم، كما طلب الشارع التورع عن الشبهات والمحرمات، وأن لا يحوم المسلم حول الحمى حتى لا يقع فيه، وشرع الإشهاد في المعاملات واشترط الكفاءة في الزواج، وأوجب النفقة الزوجية وطلب حسن المعاشرة لتأمين السعادة الكاملة في الأسرة.
وشرع الإِسلام لتكميل الحاجيات الشروط في العقود، ونهى عن الغرر والجهالة وكل ما يؤدي إلى التخاصم والاختلاف، لتتم مصالح الناس الحاجية دون أن تؤدي إلى الخصومات والخلافات والأحقاد--------------------------------------------
(1) رواه الإمام مالك وأحمد عن أبي هريرة بلاغًا ومرفوعًا. (انظر الموطأ: ص 564، مسند أحمد: 2 ص 281).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

والأضغان بين الأفراد.
وفي التحسينيات بيَّن الشارع شروط الطهارة، والإحسان بالتعامل، والتحلي السامي بمكارم الأخلاق، وأن يترفع المسلم عن المعاملة بالمثل، كما طلب الشارع الإنفاق من الطيب الحلال، وأن يحسن المسلم الأضحية والعقيقة ليقدمها بين يديه يوم القيامة (1).
ونبادر إلى التنبيه إلى أن هذا التقسيم للأحكام بحسب مقاصد الشريعة ومصالح الناس لا يعني أن الأحكام الضرورية فرض وواجب، وأن الأحكام الحاجية مندوبة وسنة، وأن الأحكام التحسينية مباحة، وإنما شرعت الأحكام لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وفي كل قسم منها فرائض ومندوبات ومباحات.

‌‌سادسًا: ترتيب الأحكام الشرعية بحسب المقاصد:
تبين لنا من النظر العقلي والواقع الملموس أن مصالح الناس متدرجة ومرتبة بحسب أهميتها ومكانتها في الحياة الإنسانية، وجاءت الأحكام الشرعية مطابقة لذلك، فجاءت على درجات مختلفة بحسب مصالح الناس، ويأتي ترتيبها بحسب أهميتها، فأهمها الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح الضرورية؛ لأنه يترتب على تركها وضياعها الاختلال في نظام الحياة، ثم تأتي الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح الحاجية؛ لأنه يترتب على عدم الأخذ بها وقوع الناس في الضيق والحرج، والشدة والمشقة والعسر، ثم تأتي الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح التحسينية، وأخيرا تأتي الأحكام المكملة لكل نوع من الأنواع السابقة.
ويظهر من ذلك أيضًا أن الأحكام الحاجية هي كالتتمة والتكملة--------------------------------------------
(1) انظر الموافقات: 2 ص 6.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

والصيانة للمصالح الضرورية وأحكامها، وأن التحسينيات مكملة للحاجيات، فالضروريات هي أصل المصالح كلها، وهي مقصود الشارع الأصلي، فشرع لها الأحكام الأصلية ثم صانها ورعاها وحفظها ببقية الأحكام.
وينتج عن ذلك أنه إذا تعرضت المصالح الضرورية أو إحداها للخلل أدى ذلك إلى اختلال المصالح الحاجية والتحسينية، وإذا اختل حكم حاجي أو تحسيني فإنه يؤثر بطريق غير مباشر على المصالح الضرورية بوجه من الوجوه، وينذرها بالخطر، لذلك تجب المحافظة على المقاصد الحاجية، والمقاصد التحسينية حتى لا تتعرض المصالح الضرورية للخلل، و"في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكَدُ منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حِمًى للآكَد، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (1).
وإذا تعارض حكمان من الأحكام الشرعية، فيقدم الأهم فالأهم، وقد وضع العلماء قواعد للترجيح في ذلك، منها:
1 - تقدم الأحكام المشروعة للمصالح الضرورية على الأحكام المشروعة للمصالح الحاجية والتحسينية، فالصلاة المفروضة لحفظ الدين مقدمة على البيع والشراء، والمعاملات المشروعة لحفظ المصالح الحاجية، ومقدمة على النوافل والذكر وتلاوة القرآن، والمؤمن يترك البيع والشراء في بعض الأوقات لأداء العبادات المفروضة من صلاة وصيام وحج حتى لا تفوت عليه هذه العبادات؛ لأن حفظ الدين--------------------------------------------
(1) الموافقات: 2 ص 13، وانظر المرجع نفسه: 2 ص 9، 10.
ويقول العز عبد السلام: (طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاقات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة، كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها؛ إذ لا تفاوت بين طلب وطلب" (قواعد الأحكام: 1 ص 22)،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

ضروري وأهم من ممارسة المعاملات وحفظ الحاجيات، وإذا مرض إنسان فإنه يباح له أن يكشف عورته على الطبيب للمعالجة وأخذ الدواء، ويرخص له أن يفطر في رمضان، ليحافظ على صحته، ولكي لا يعرض نفسه للخطر والهلاك، وليرفع عنها المشقة والحرج، ولأن حفظ النفس أهم من ستر العورة، قال تعالى في آية الصيام:
{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وأنه لا يصح الأخذ بحكم حاجي أو تحسيني إذا كان في تطبيقه مساس أو تأثير على حكم ضروري، فلا يصح البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى هدم أمر ضروري، وهو إقامة الدين وتأدية شعائره في الخطبة وصلاة الجمعة.
وإذا تعارض حكم مشروع لتحقيق الحاجيات مع حكم مشروع لتحقيق التحسينات فإنه يقدم الأول، فمن التحسينيات النهي عن بيع المعدوم، والنهي عن الجهالة في البيع، ولكن الشارع أباح ذلك في السلم والاستصناع لرفع الحرج والمشقة عن الناس.
2 - إن المصلحة العامة في كل قسم من أقسام المصالح تقدم على المصلحة الخاصة فيه، فالمصلحة العامة في أحد الضروريات تقدم على المصلحة الخاصة فيه، كما لو تترس الكفار وراء أسرى المسلمين، وكما يجوز الإقدام على القتل والقتال في المعركة للحفاظ على حياض المسلمين والدفاع عن أرواحهم، والمصلحة العامة في الحاجيات تقدم على المصلحة الخاصة في الحاجيات؛ فيحرم الاحتكار؛ لأن فيه ضررًا بمصلحة حاجية عامة، والمصلحة العامة في التحسينات تقدم على المصلحة الخاصة فيها، ولذلك ورد النهي عن التطويل في الصلاة، وأن من أمَّ في الناس فليخفف، والمصلحة العامة مثلًا في الجهاد لحفظ الدين مقدمة قطعًا على المصلحة الخاصة في حفظ النفس والمال،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

ولذلك شرع الجهاد في سبيل الله لإقامة الدين والحفاظ عليه، مع ما فيه من تعريض النفس والمال للقتل والهلاك والخطر (1).
والمصلحة العامة في الضروريات كلها تقدم بالأولى على المصلحة الخاصة في الحاجيات والتحسينات، فالجهاد مقدم على المعاملات وإقامة النوافل.
3 - إن الأحكام لرعاية المصالح الضرورية نفسها على درجات، فبعضها أهم من بعض، فيجب مراعاة الأهم فالمهم، فحفظ الدين أهم من حفظ النفس، فشرع الجهاد بالنفس والمال للحفاظ على الدين، وحفظ النفس أهم من حفظ العقل، فهذا تعرضت النفس للهلاك فيرخص بشرب الخمر، وتباح المحظورات عند الضرورة التي تهدد الإنسان بإتلاف نفسه أو عضو منه، مما يطول شرحه وتفصيله (2).
4 - ونختم هذه الفقرة بسرد أهم القواعد الفقهية التي وضعها العلماء لترجيح أحد الأحكام والمصالح على بعض، وهي:
1 - الضرورات تبيح المحظورات.
2 - يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
3 - يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما.
4 - يختار أهون الشرين.
5 - المشقة تجلب التيسير.
6 - الحرج مرفوع شرعًا.
7 - الحاجات تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات.--------------------------------------------
(1) انظر المستصفى: 1 ص 294 وما بعدها.
(2) انظر ضوابط المصلحة: ص 60.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

8 - الضرر يزال شرعًا.
9 - الضرر لا يزال بالضرر.
10 - دفع المضار مقدم على جلب المنافع.
11 - درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
ونكتفي بهذا العرض الموجز لمقاصد الشريعة، لنترك التفصيل والشرح للدراسات المعمقة والتخصصية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)