Arabic source text

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

📘 الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (محمد مصطفى الزحيلي)

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
المبادئ الأساسية في أصول الفقه بتحديد مصادر الاجتهاد وترتيبها.
وكانت الملكة اللغوية والتشريعية عند الصحابة، والذوق الرفيع في تفهم معنى الآيات والأحاديث، والفطرة النقية في ترتيب المصادر، وصفاء الخاطر لمعرفة مقاصد الشريعة، وحدة الذهن في إدراك الأهداف والغايات -كان ذلك مرشدًا لهم في تتبع النصوص واستنباط الأحكام منها، والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص (1).
وقد وردت آثار كثيرة تؤكد سلامة الفطرة في الاستنباط، وأنهم كانوا يطبقون القواعد الأصولية بجوهرها، وإن لم ينصوا عليها، ويسيرون على منهج واضح في الاجتهاد والقضاء وبيان الأحكام، كما كانوا ينطقون بالفصحى، ويراعون الإعراب، قبل أن يوضع علم النحو والصرف، ونضرب عدة أمثلة على ذلك:
1 - أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا السنة العاشرة للهجرة، وسأله: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد رأي، ولا آلو، أي أقصر، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله (2) ".--------------------------------------------
(1) انظر نصًّا طريفًا ودقيقًا لإمام الحرمين في "غياث الأمم ص 292": ويقول ابن مسعود: اسألوني عن كتاب الله، فما من آية إلا وأنا أعرف متى نزلت، وأين نزلت، وكيف نزلت؟ (انظر البخاري 4/ 1912 تخريج أحاديث البزدوي ص 238).
(2) رواه أَبو داود في سننه: 2 ص 272، وانظر: الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: 6 ص 766، ورواه الترمذي: 4 ص 556، وروى مثله النسائي: 8 ص 308، وانظر: أدب القضاء، لابن أبي الدم: ص 7، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا قاضيًا إلى اليمن، وأرشده إلى المنهج السديد في القضاء، وأرسل عمر رضي الله عنه شريحًا =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

وهذه القصة تظهر السليقة السليمة في ترتيب المصادر عند الرجوع إليها، فيقدم القرآن الكريم، ثم السنة، ثم الاجتهاد، وهذا ما قعّده علم الأصول فيما بعد.
2 - أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسالة إلى أبي موسى الأشعري، يقول فيها: الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، فاعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق (1).
هذا الكلام يؤكد القاعدة الأصولية السابقة في ترتيب الفهم والاجتهاد، وأنه لا يصح الاجتهاد فيما ورد به الكتاب والسنة، وهو ما أرساه علماء الأصول بقولهم: "لا اجتهاد في مورد النص" ويؤكد آخر الكلام القواعد الأصولية في القياس ومعرفة العلة لقياس أمر على آخر، يشترك معه فيها.
3 - عرضت مسألة شاربِ الخمر على الصحابة لمعرفة عقوبة الشارب، فقضى علي رضي الله عنه بثمانين جلدة، قياسًا على عقوبة القذف، وبيَّن وجهة نظره واجتهاده في هذه العقوبة، وقال: إنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة (2).--------------------------------------------
= قاضيًا إلى بعض الولايات، وقال: بم تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجمع الناس، وأتحدث إليهم، وأبحث الأمر معهم، ولا آخذ بمفردي برأيي. انظر تاريخ القضاء في الإسلام، لنا ص 64، 111، 157.
(1) انظر سنن الدارقطني: ص 512، أعلام الموقعين 1 ص 19 وما بعدها، وقد شرحها ابن قيم الجوزية شرحًا مطولًا.
(2) رواه الدارقطني ومالك والشافعي (نيل الأوطار: 7 ص 152، الموطأ: ص 526، بدائع المنن: 2 ص 304).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

فقد بنى الإمام علي رضي الله عنه اجتهاده على مبدأ أصولي هو سد الذرائع، فاعتبر شرب الخمر وسيلة وذريعة إلى القذف (1) وكل ما أدى إلى الحرام فهو حرام، وأعطاه نفس الحكم الثابت في القرآن الكريم للقاذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].
4 - أراد الصحابة أن يعرفوا عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فاختلفوا في ذلك لقوله تعالى في سورة الطلاق: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)} [الطلاق: 4]، فالنص واضح في بيان عدة الحامل وأنها تنتهي بوضع الحمل، ولو بعد أُسبوع، والنص عام يشمل الحامل المطلقة، والحامل المتوفى عنها زوجها، وهذا يتعارض في ظاهره مع قوله تعالى في سورة البقرة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، فهذه الآية تبين أن عدة المتوفى عنها زوجها سواء أكانت حاملًا أم غير حامل، أربعة أشهر وعشر، فاختلف الصحابة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع الحمل، أخذًا بالآية الأولى، واستند رضي الله عنه لتأييد رأيه بقوله: أشهد أن سورة النساء الصغرى (الطلاق)، نزلت بعد سورة النساء الكبرى (البقرة)، أي إن النص المتأخر ينسخ، أو يخصص النص المتقدم، وهو مبدأ أصولي مسلم به، بينه علماء الأصول فيما بعد (2).--------------------------------------------
(1) مباحث الحكم، مدكور: ص 42، أصول الفقه أَبو زهرة: ص 11، أصول الفقه، البرديسي: ص 7، قارن نيل الأوطار للشوكاني: 7 ص 154.
(2) أخذ جماهير العلماء بمذهب ابن مسعود في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وأخذ به قانون الأحوال الشخصية السوري بالمادة 123، وخالف الإمام علي وابن عباس وغيرهما في ذلك، وقال ابن مسعود: من شاء لاعنته، لأُنزلت سورة النساء =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

وسار الأمر على هذا المنوال في التابعين الذين نهجوا طريق الصحابة، وتتبعوا خطاهم، وتتلمذوا على أيديهم، واستمر اجتهاد التابعين يغطي حاجات المجتمع الكثيرة المتجددة، وتبلورت فيه بعض المبادئ الأصولية الجديدة، فكان سعيد بن المسيب مثلًا يراعي المصلحة في الاستنباط عند فقد النص، بينما كان إبراهيم النخعي يعتمد على القياس، فيستخرج العلة في المسألة التي ورد فيها نص، ويطبقها على الفروع، وينقل حكم النص إلى حكم الفروع (1)، وكان مجاهد رحمه الله تعالى يعتمد على الرأي، ويطلق عنان العقل في البحث والاجتهاد، وفي تفسير القرآن.

‌‌التشريع في زمن الفتوحات:
بدأت الفتوحات خارج الجزيرة العربية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستمرت في اتساعها في عهد عثمان وعلي، ثم في--------------------------------------------
= القصرى بعد الأربعة أشهر وعشر، (انظر سنن أبي داود: 2 ص 536، مغني المحتاج: 3 ص 388، الرسالة: ص 573، فتح القدير: 3 ص 275، المغني، ابن قدامة: 8 ص 117، شرح قانون الأحوال الشخصية، لأستاذنا المرحوم الدكتور مصطفى السباعي: 1 ص 275، أصول الفقه، أَبو زهرة: ص 11، أصول الفقه، البرديسي: ص 7، سنن ابن ماجه: 1 ص 654).
قال ابن عباس لعثمان: أين تجد الاثنين جماعة في لسان قومك، فالأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة (وذلك في حجب الأم من الثلث إلى السدس لوجود أخوين فقط) فقال عثمان رضي الله عنه: "لا أستطيع أن أنقض ما كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث به الناس" وهو التزام الإجماع السابق، انظر المحلى لابن حزم: 9/ 258، الفرائض والمواريث والوصايا، لنا ص 112.
(1) مباحث الحكم: ص 43، مصادر التشريع الإسلامي: ص 26، أصول الفقه، خلاف: ص 16، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 15، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 85 وما بعدها، الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، الدهلوي: ص 10 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

عهد معاوية وبني أمية وبني العباس، وسارت شرقًا حتى الصين، وغربًا حتى جنوب فرنسا، وذلك خلال القرنين الأول والثاني من الهجرة.
ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ولبى نداءَ الله شعوبُ الأرض في هذه البلاد، وانخرط في سلك الدعوة غير العرب من جميع الأجناس واللغات من كل حدب وصوب، فاختلط العرب بغيرهم، وضعفت اللغة العربية في ربوع الدولة الإسلامية، وتسربت العجمة إلى مجالس العلم والعلماء، ولم ينحصر العلم باللغة العربية، بل لم تبق الفصحى لغة التخاطب والكتابة، وبرز من غير العرب أئمة وعلماء، لا يدخلون تحت الحصر، ولم يعد الاجتهاد ميسورًا وسهلًا كما كان في زمن الصحابة والتابعين، واستجدت قضايا ومشاكل ونظريات وحركة عمرانية، وتفتح العقل على أمور لم يرد عليها نص في القرآن الكريم ولا في السنة، ولم يترك الصحابة والتابعون فيها رأيًا، فاتسع الاجتهاد، وفتح الباب على مصراعيه، وأدلى كل عالم بدلوه، وقام بواجبه في استنباط الأحكام الشرعية لكل جديد، وشرع الناس أيضًا بتدوين الأحكام مع تدوين السنة، وظهرت في هذا العصر أيضًا الفرق المختلفة، كالروافض (1) والخوارج والشيعة والمعتزلة، فأدى ذلك إلى الاختلاف الواسع في الاجتهاد، وتأثر كل فريق من العلماء بما وصل إليه من تراث السلف رواية ودراية، وبرز إلى الوجود أئمة أعلام، يتميزون بالكفاءات العلمية والملكات الفريدة.
وكان من نتيجة ذلك أن تميزت مناهج العلماء والأئمة، واصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية بذكر الأدلة والحجج والعلل والأصول العامة،--------------------------------------------
(1) الروافض هم الذين كانوا مع زيد بن علي بن الحسين بن علي رحمهم الله تعالى، ثم تركوه لما رفض أن يتبرأ من الشيخين، وقال لهم: "كانا وزيري جدي" ثم أصبح هذ اللقب لكل من غلا من الشيعة (الوصول إلى الأصول 1/ 52 هامش).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

وانقسم العلماء إلى مدرستين:
الأولى: مدرسة الحديث، ومقرها الحجاز في مكة والمدينة، وتعتمد على الرواية والأثر، وشاع بين أهلها بعض الركود والكسل والعجز عن الجدل والنظر، ووقع بهم الارتباك عند نزول الوقائع الجديدة بهم، وظهر عليهم الضعف في الرد على الخصوم، أو الانتصار لطريقتهم.
والمدرسة الثانية: مدرسة الرأي، ومركزها العراق في الكوفة والبصرة، وتعتمد على الاجتهاد والعقل والفكر والاستنباط، وكانت تفتقر إلى الحديث، وتشدد في التثبت من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لشيوع الزندقة في العراق، وانتشار الوضع في الحديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتمدوا على النصوص لاستخراج الأحكام، ثم نشطوا في النظر والبحث، ومهروا في القياس، وقدموه في بعض الأحيان على الحديث، وردوا الخبر إذا كان في واقعة تعم بها البلوى.
وبدأ النقاش العلمي بين المدرستين، وعقدت المناظرات، واشتد الجدل على قدم وساق، وطعن كل منهما بالآخر، وعاب طريقته، وتشكك أن فيما وصل إليه من أحكام، وكان كل إمام أو مجتهد أو مناظر يحاول أن يدعم رأيه بالأدلة والبراهين العلمية والعقلية (1).
وشعر العلماء حينئذ بالحاجة الماسة لوجود ضوابط في الاستنباط يعتمدون عليها، ومنهاج للتفكير يبنون عليه، وشروط للاجتهاد والاستدلال، وقواعد لأساليب البيان العربي الذي وردت النصوص به، فجادت قرائح الأئمة والعلماء بمجموعة من ضوابط الاستنباط وشروط--------------------------------------------
(1) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 29، المختارات الفتحية في تاريخ التشريع وأصول الفقه، أحمد أَبو الفتوح: ص 93، مصادر التشريع الإسلامي: ص 30، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 93، وما بعدها، أصول التشريع الإسلامي: ص 5، الملل والنحل: 1/ 206.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

الاجتهاد وقواعد البيان والفهم والاستدلال، ومنهاج للتفكير، وهي في مجموعها براعم أصول الفقه.
وصار كل مجتهد يشير إلى دليل الحكم، ووجه الاستدلال به، ويحتج على مخالفه بوجوه من الحجج، فكان الإمام أبو حنيفة، رحمه الله، يصرح باعتماده على الكتاب فالسنة ففتاوى الصحابة إذا أجمعوا، فإن اختلفوا تخير من آرائهم، ولا يخرج عنهم، ولا يأخذ برأي التابعين لأنهم رجال مثله، ويحدد منهجه في القياس والاستحسان، فكان أصحابه ينازعونه بالقياس، فإن قال: أستحسن، لم يلحق به أحد (1)، ثم يقول: علمُنا هذا رأي، فمن جاء بأفضل منه تركناه، وقال الشافعي في عدم وقوع الطلاق في عدة طلاق الخلع، وقال: "حجتي فيه من القرآن والأثر والإجماع" (2).
وكان الإمام مالك يتبع منهجًا أصوليًّا واضحًا باعتماده على الكتاب والسنة، واحتجاجه بعمل أهل المدينة، وتقديمه على خبر الآحاد، وغير ذلك من القواعد والمبادئ التي نظمها علم الأصول ونص عليها (3).
قال الشيخ أبو زهرة: نشأ علم أصول الفقه مع علم الفقه، وإن كان الفقه قد دُوِّن قبله، لأنه حيث يكون الفقه يكون حتمًا منهاج للاستنباط، وحيث كان المنهاج يكون حتمًا لا محالة أصول الفقه (4).
ولكن هذه المبادئ وتلك القواعد كانت متناثرة هنا وهناك، وتختلف من عالم إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى، ولا ينتظمها--------------------------------------------
(1) مباحث الحكم: ص 45، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 12، علم أصول الفقه، خلاف: ص 107.
(2) الأم 5/ 123 طبع دار الفكر بدمشق.
(3) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 12، حجة الله البالغة: 1 ص 307.
(4) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 10.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

سلك، ولا يحوطها سور، ولا تشكل علمًا مستقلًا إلى أن جاء الإمام الشافعي فجمع شتاته، ودوَّن قواعده وأحكامه، وصنف أول كتاب في علم أصول الفقه، وهو الرسالة (1).

‌‌الشافعي وتدوين أصول الفقه:
الشافعي: هو أبو عبد الله، محمد بن إدريس، الشافعي القرشي، يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف باتفاق المؤرخين (2)، ولد--------------------------------------------
(1) يذكر ابن النديم في الفهرست أن أول من دون علم أصول الفقه في سفر مستقل هو الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وهذا الكلام ليس له دليل علمي، وإنما أثبتت الأدلة التاريخية والواقعية عكسه، وأن ابن خلدون وغيره أكدوا أن الشافعي هو أول من دون علم أصول الفقه، فإن أراد ابن النديم من كلامه وجود ضوابط ومبادئ ومناهج أصولية في مذهب الإمام أبي حنيفة وفي كلام أبي يوسف، فهذا لا يخالفه فيه أحد، فإن الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم ينطلقوا في اجتهادهم من هوى، أما إن أراد التعصب المذهبي فهذا غير مقبول، والواقع أن عبارة ابن النديم لا تدل على المعنى الذي ينقله عنه علماء الأصول، والعبارة لا توحي بأن للصاحبين كتابًا في أصول الفقه، وإنما يعدد -عند ترجمة الإمام أبي يوسف والإمام محمد- الكتب فيقول: ولأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب المناسك، الفهرست: ص 203، 204 تصوير مكتبة الخياط، وتدعي الشيعة الأمامية أن أول من دون أصول الفقه هو الإمام محمد الباقر، ولكن لم يصل إلينا شيء من ذلك، ولم يوجد سند تاريخي يؤيد هذا الادعاء، وإن أريد أن الإمام محمد الباقر وابنه الإمام جعفر الصادق أمليا على أصحابهما قواعده، ثم جاء المتأخرون فجمعوا مسائله، فهذا لا نزاع فيه، والله أعلم، (انظر: أصول الفقه، أبو زهرة: ص 14، مباحث الحكم، مدكور: ص 45، أصول الفقه، خلاف: ص 16، أصول الفقه، البرديسي: 9، 11، تاريخ التشريع الإسلامي، الخضري: ص 186)، وانظر: الشافعي، محمد أبو زهرة: ص 328، مفتاح الوصول: صفحة جـ، الفتح المبين: 1 ص 89، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أول من جرد الكلام في أصول الفقه من الأئمة الشافعي "مجموع الفتاوى 10/ 88، 19/ 178، 20/ 403.
(2) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد الله بن عبد =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

بغزة سنة 150 هـ، ثم انتقلت به أمه إلى مكة وعمره سنتان، وتوفي في فسطاط مصر، سنة 204 هـ، وقد تميزت حياة الإمام الشافعي بعدة أمور جعلته أهلًا لكتابة علم أصول الفقه وتدوينه، وهي:
1 - نشأ الإمام الشافعي في مكة المكرمة، وترعرع بجوار الكعبة المشرفة، وحفظ القرآن الكريم، وهو ابن سبع سنين، وأخذ تفسير القرآن الكريم عن علماء مكة الذين ورثوه عن ترجمان القرآن ومفسره: عبد الله بن عباس رضي الله عنه، عن طريق ابن جريج ومجاهد رحمهما الله، وقد اشتهرت مكة بهذا، وكانت مجمع العلماء من جميع الأقاليم، فأخذ الفقه والعلوم الشرعية عن جلة علمائها، وأذنوا له بالإفتاء، وهو ابن خمس عشرة سنة، قال له مسلم بن خالد الزنجي أحد علماء مكة: أَفْتِ يا أبا عبد الله، فقد -والله- آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة (1).
فجمع في مكة بين حفظ القرآن وتفسيره وعلومه وبين الفقه والأحكام.
2 - رحل الإمام الشافعي إلى المدينة المنورة، وقصد الإمام مالكًا، وأخذ عنه الموطأ مشافهة، بعد أن حفظه في مكة وهو ابن عشر سنين، ولازم الإمام مالكًا حوالي تسع سنوات متقطعة، وكان يتفقه عليه ويدارسه في كل مسألة يُستفتى فيها، ويراجعه فيما يحتاج إلى--------------------------------------------
= يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وكان السائب بن عبد الله صحابيًّا، ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي .. (انظر مناقب الشافعي، لأبي بكر البيهقي: 1 ص 76، سيرة ابن هشام: 1 ص 1، الشافعي، للشيخ محمد أبو زهرة: ص 14، الإمام الشافعي، عبد الحليم الجندي: ص 37، مناقب الشافعي، الرازي: ص 3).
(1) مناقب الشافعي، البيهقي: 1 ص 338، مناقب الشافعي، الرازي: ص 8، 9.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

المراجعة، واتصل بجميع علماء المدينة، وأخذ عنهم، واستفاد مما عندهم.
فأخذ من المدينة السُّنَّةَ وما يتعلق بها، وما أخرجته من علم، وأتقن علوم الحديث، فدافع عن السنة، وبيَّن مكانتها من القرآن الكريم، وردَّ شبه المنحرين عنها حتى لقب بناصر السنة، أو ناصر الحديث (1).
3 - خرج الإمام الشافعي من مكة إلى البادية، ولزم هذيلًا (2)، يتعلم كلامها، ويأخذ اللغة عنها، وكانت أفصح العرب، فاستفاد منها -مع كونه عربيًّا وقرشيًّا- المعرفة الواسعة باللغة والشعر، حتى أصبح الإمام الشافعي حجة في اللغة، ونقل عن الأصمعي شعر الهذليين كاملًا وشعر الشنفرى (3)، واكتسب الشافعي فصاحة اللسان، وجودة النطق، وأخذ اللغة العربية من ينابيعها، وفهم أسرارها، وأدرك مرامي ألفاظها وعباراتها وأسلوبها، فساعده ذلك على تفهم معاني القرآن والسنة، وأفاده قوة في التعبير، ورصانة في الأسلوب (4).
4 - سافر الإمام الشافعي في سبيل طلب العلم إلى العراق، وأخذ عن--------------------------------------------
(1) مناقب الشافعي، الرازي: ص 7، 10، الإمام الشافعي، الجندي: ص 91، محاضرات أستاذنا الشيخ جاد الرب في دبلوم الفقه المقارن عن الإمام الشافعي: ص 7، الشافعي، أبو زهرة: ص 143، الرسالة ص 6.
(2) هذيل قبيلة من القبائل العربية التي أعرقت في الشعر، والنسبة لها هُذَلي، وهذيل رجل من مضر.
(3) قال الأصمعي: صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس، انظر مناقب الشافعي، البيهقي: 2 ص 44، 47، الإمام الشافعي، الجندي: ص 47، 70، محاضرات جاد الرب: ص 13.
(4) قال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة، الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي، لسانه ينشر الدر، (انظر الإمام الشافعي، الجندي ص 70، مناقب الشافعي: 2 ص 51، مغيث الخلق في بيان الأحق، الجويني: ص 34)، ونقل عنه صاحب القاموس المحيط كلمة "النذارة" بمعنى الإنذار.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

الإمام محمد بن الحسن فقه العراقيين (1)، وكان -سابقًا- قد أخذ الحديث والتفسير عن الإمام مالك وعلماء المدينة، فجمع بين علم الحجاز وعلم العراق، وكان فقهه يجمع بين علم أهل الحديث وعلم أهل الرأي، وجمع بين علم العقل وعلم النقل.
وقال ابن حجر رحمه الله: انتهت رياسة الفقه في المدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رئاسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملًا ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول، وقعّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار (2).
وأتاحت له هذه الدراسة أن يقف على فقه أهل الرأي ومناهجهم في الاستدلال والاستنباط، كما كان واقفًا على مناهج أهل الحديث وفقههم، ثم اتخذ مذهبًا مغايرًا لهما، بين الجمع والترجيح، وبين الاجتهاد الشخصي، فأصبح نسيج وحده (3).
5 - وأخيرًا فقد درس الإمام الشافعي علم الجدل والمناظرة والمنطق،--------------------------------------------
(1) يقول الشافعي: لقد حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير، ليس فيه إلا سماعي منه، ويقول أيضًا: ما أحد في الرأي إلا وهو عيال على أهل العراق، ويقول: الناس عيال على أهل العراق في الفقه، (مناقب الشافعي: 1 ص 162 وما بعدها)، وقال عبد الملك بن هشام: الشافعي بصير باللغة، يؤخذ عنه، ولسانه لغة، فاكتبوه، وقالوا: إن لغة الشافعي وحدها يحتج بها، وقال الزعفراني: ما رأيت الشافعي لحن قط (تهذيب التهذيب: 9/ 27).
(2) الشافعي، أبو زهرة: ص 18، وهذا مأخوذ من كلام ابن أبي الجارود المكي (انظر: الرسالة ص 7).
(3) محاضرات جاد الرب: ص 70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

وأصبح مناظرًا من الطراز الأول، فيجادل أهل العراق لإلمامه بالقرآن والسنة وبلاغتهما، ويناظر أهل الحجاز لإدراكه الحِكَم الشرعية والعلل القياسية، ولم يناظر أحدًا إلا وظهر عليه (1)، وكان يستفيد من موسم الحج في أثناء إقامته في مكة وقدومه عليها، ليجتمع مع كبار العلماء المسلمين في العقيدة والحديث والفقه واللغة، فيأخذ منهم، ويأخذون منه، ويجادلهم ويناظرهم، فاجتمع فيه رجاحة العقل، وسعة الاطلاع، وفصاحة اللسان، وقوة البيان، ورصانة الأسلوب، وصدق فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها، وتعلموا منها ولا تعالموها" (2)، ويضاف إلى ذلك التقوى والورع، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] (3).
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (4).
هذه الصفات والخصائص السابقة التي امتاز بها الإمام الشافعي رحمه الله، مع ما فطره الله تعالى عليه من رصانة العقل، وقوة الحفظ، وجودة الذاكرة، وصفاء القريحة، وشدة الذكاء، جعلته مؤهلًا لكتابة--------------------------------------------
(1) كان الإمام الشافعي يبتغي من مناظراته الوصول إلى الحق، وكان يقول: ما جادلت أحدًا إلا ورجوت أن يكون الحق معه، ويقول: رجوت أن يأخذ الناس عني هذا العلم على ألَّا ينسب إلي منه شيء .. ، (مناقب الشافعي:1 ص 173 وما بعدها).
وانظر مقدمة ابن خلدون: ص 457 في موضوع علم الجدل والمناظرة.
(2) رواه الطبراني والشافعي والديلمي، وانظر ما ورد في فضل قريش في كتاب (مناقب الشافعي، للبيهقي: 1 ص 16 وما بعدها).
(3) قال الإمام مالك للشافعي عندما جاءه فتى يطلب العلم: "يا فتى إني أرى الله قد ملأ قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية" ويقول الشافعي رحمه الله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور … ونور الله لا يهدى لعاصي
(4) مناقب الشافعي، البيهقي: 2 ص 41، مناقب الشافعي. الرازي: ص 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

علم الأصول، وتدوين قواعده، ووضع ضوابط الاجتهاد، فأصَّل الأصول، وقعَّد القواعد، ليعصم أهل الاجتهاد والخلاف والمناظرة من الخطأ والانحراف في الاستنباط، ويضع بين أيديهم الموازين لبيان الخطأ من الصواب، فكان بحق أول من وضع علم الأصول (1).
قال أبو ثور رحمه الله: لولا أن الله تعالى منَّ عليَّ بالشافعي للقيت الله تعالى، وأنا ضال، ولما قدم علينا ودخلنا عليه كان يقول: إن الله تعالى قد يذكر العام، ويريد به الخاص، وقد يذكر الخاص، ويريد به العام، وكنا لا نعرف هذه الأشياء، فسألناه عنها … فعلمنا أن كلامه ليس على نهج كلام غيره (2).
ويقول الإمام أحمد بن حنبل: ما كنت أعرف قبل الشافعي ناسخًا ولا منسوخًا (3).

‌‌كتب الإمام الشافعي في الأصول:
صنف الإمام الشافعي عدة كتب في الأصول وهي:
1 - الرسالة: وهي أكبر الكتب وأهمها وأشهرها، وقد كتب الإمام الشافعي رحمه الله فصول الرسالة في مكة المكرمة بعد تجواله في الأقطار، وعندما قدم بغداد في المرة الثانية طلب منه الفقيه الحافظ عبد الرحمن بن المهدي (4) أن يضع كتابًا في معاني القرآن والسنة والناسخ--------------------------------------------
(1) انظر وصف شخصية الشافعي في كتاب الشيخ محمد أبو زهرة، الشافعي: ص 35، وكتاب مناقب الشافعي، للبيهقي.
(2) محاضرات الشيخ جاد الرب: ص 73، مناقب الشافعي، الرازي: ص 20.
(3) المرجع السابق: ص 1، وانظر مباحث الحكم: ص 46، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 13.
(4) عبد الرحمن بن مهدي، الحافظ الإمام، ولد سنة 135 هـ، ومات سنة 198 هـ، قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا. (الرسالة: ص 11 هامش).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

والمنسوخ وحجية الإجماع، وأجاب الشافعي لذلك، وكتب له الرسالة، ولما استقر في مصر أعادها، وأملاها على الربيع بن سليمان، وجعلها مقدمة لكتابه الأم (1).
واستهل الإمام الشافعي الرسالة بموضوع البيان (ص 21)، فعرفه وبيَّن أنواعه، وهي: بيان القرآن للقرآن، وبيان السنة للقرآن، وبيان الأحكام بالاجتهاد والقياس، وانتقل رحمه الله تعالى إلى مباحث القرآن والسنة (ص 53) فبين أن بعض نصوص القرآن الكريم عام يراد به العموم، وبعضها عام يدخله الخصوص، وبعضها عام من حيث الظاهر وهو يجمع العام والخاص، وبعضها عام من حيث الظاهر والمراد منه الخاص، وبين المشترك والمجمل والمفصل، ثم أسهب الكلام عن أكثر الموضوعات أهمية منذ عصره حتى اليوم، وهو حجية السنة ووجوب اتباعها (ص 73)، وأن ذلك فرض بنصوص القرآن الكريم، وبيَّن مكانة السنة في التشريع، ومراتب السنة بالنسبة للقرآن الكريم ودرجتها بعد القرآن الكريم، وتطرق بشكل خاص إلى حجية خبر الواحد في إثبات الأحكام الشرعية، ثم تكلم رحمه الله عن الناسخ والمنسوخ (ص 106)، ثم استعرض مصادر التشريع (ص 471)، فبيَّن حقيقة الإجماع وحجيته، ووضع الضوابط للقياس، وتعرض لرد الاستحسان (2).--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة الرسالة، تحقيق محمد أحمد شاكر: ص 1، الإمام الشافعي، الجندي: ص 273، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 30، مناقب الشافعي، البيهقي: 1 ص 230، 2 ص 244، مناقب الشافعي، الرازي: ص 55، 57، الفتح المبين: 1 ص 127.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله يسمي الرسالة "الكتاب" أو "كتابي"، وسميت الرسالة في عصره لأنه أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي، فغلبت هذه التسمية على الكتاب، انظر: الرسالة ص 12.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي، الخضري: ص 186، مناقب الشافعي، الرازي: ص 57 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

كانت الرسالة المحجة للمخالفين، والموئل للمتنازعين، فوحَّدت شملهم، وخففت من أثر الخلاف بينهم، وساروا على نهج الرسالة في أعمالهم.
قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلام رجل فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له (1).
وكانت الرسالة أول كتاب أصولي، فلم تشتمل على جميع بحوث الأصول، شأن كل عمل جديد، يكون في الغالب غير منظم ولا مستوفى، وقد وصلت إلينا الرسالة كاملة، وطبعت عدة طبعات (2).
قال ابن خلدون رحمه الله: وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله عنه، فأملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي، والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس (3).
وقال الرازي رحمه الله: أعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول--------------------------------------------
(1) الرسالة: ص 1.
(2) شرح الرسالة الإمام أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبد الله، المتوفى سنة 330 هـ، وأبو الوليد النيسابوري، حسان بن محمد، المتوفى سنة 349 هـ، والقفال الشاشي الكبير، محمد بن علي بن إسماعيل، المتوفى سنة 365 هـ، وأبو بكر الجوزقي، محمد بن عبد الله الشيباني النيسابوري، المتوفى سنة 388 هـ، والجويني أبو محمد، عبد الله بن يوسف والد إمام الحرمين، المتوفى سنة 438 هـ، وغيرهم، (انظر كشف الظنون: 1 ص 555 وما بعدها).
وقد طبعت الرسالة مع كتاب الأم، وطبعت طبعة مستقلة عدة مرات، وأهم طبعة كانت بتحقيق العلامة المرحوم أحمد شاكر، فقد أخرجها بحلة قشيبة مقرونة بتحقيق الأحاديث والموضوعات الأصولية، فجزاه الله خيرًا، وبعد نفاد هذه الطبعة تطاول شخص آخر اسمه: سيد كيلاني، فاقتبس بعض تحقيقات موجزة من تحقيق أحمد شاكر، ونسبها لنفسه، وطبع الرسالة بشكل ممسوخ تقشعر له الأبدان.
(3) مقدمة ابن خلدون: ص 455.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض (1).
2 - كتاب جماع العلم: وقد كتبه الشافعي لإثبات حجية خبر الآحاد، ووجوب العمل به، والرد على من أنكره، وقد أفرده لأهميته وشدة الاختلاف فيه (2).
3 - كتاب إبطال الاستحسان: بيَّن فيه الإمام الشافعي معنى الاستحسان، ورد على القائلين به، وأن الواجب اتباع ما شرع الله تعالى، وأن الاستحسان احتكام للعقل والهوى والشهوة، وقال: من استحسن فقد شرَّع (3).
4 - كتاب اختلاف الحديث الذي وضعه للجمع بين الأحاديث التي يبدو عليها التعارض، وهو أول كتاب من نوعه في هذا الموضوع (4).
5 - كتاب أحكام القرآن، وهو في أصول الفقه، وكذا كتاب القياس للشافعي (5).
وقد وضع الإمام الشافعي علم الأصول ليكون ميزانًا وضابطًا لمعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد، والصحيح من غير الصحيح من الآراء، وأن يكون قانونًا يلتزم به المجتهد عند الاستنباط، ويقيس به الأمور، ويوزن فيه أحكام غيره، وقد طبق الإمام الشافعي رحمه الله--------------------------------------------
(1) مناقب الشافعي، له: ص 56.
(2) هذا الكتاب مطبوع مع كتاب الأم، الجزء السابع ص 250، كما أفرده أحمد شاكر بالنشر، ثم حققه الأستاذ محمد أحمد عبد العزيز، ونشرته دار الكتب العلمية، بيروت- 1405 هـ / 1984 م.
(3) هذا الكتاب مطبوع أيضًا مع كتاب الأم: ص 267 - 277.
(4) هذا الكتاب مطبوع على هامش الجزء السابع من كتاب الأم.
(5) انظر مقدمة الرسالة: ص 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

تعالى- هذه القواعد والضوابط والموازين والقوانين في مناقشة آراء الأئمة والفقهاء، فكتب كتابًا في اختلاف الإمام مالك، وكتابًا في اختلاف محمد بن الحسن وأهل الرأي، وكتابًا في الرد على سير الأوزاعي ورد الإمام أبي يوسف عليه (1)، كما التزم الإمام الشافعي في مذهبه بهذه القواعد والضوابط والموازين، وقيد نفسه بها، وسار عليها، فكانت الرسالة هي أصول المذهب الشافعي، وكانت أصولًا نظرية وعملية في أن واحد، ولم تكن دفاعًا أو دليلًا وتسويغًا لفروعه الفقهية (2).
وكانت الرسالة المنارة الباسقة لدعوة العلماء للتأليف والكتابة في أصول الفقه، وكانت حجر الأساس في بناء صرح هذا العلم، فشمر العلماء والأئمة عن ساعد الجد، وحرروا المصنفات، وأكملوا البناء الذي أقام أساسه الإمام الشافعي، وكان لهم فضل نماء هذا العلم وتحرير مسائله، ووافقوه في أكثرها، وخالفوه في بعضها، وزادوا عليه، فزاد الحنفية الاستحسان والعرف، وزاد المالكية إجماع أهل المدينة، وعمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة، والذرائع، وكتب الإمام أحمد في ذلك كتاب العلل، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب طاعة الرسول، وكتب كثير من فقهاء المذاهب الأخرى في أصول الفقه، وتناوله العلماء أيضًا بالبحث والتأليف (3).

‌‌تدوين الفقه والأصول:
نلاحظ من النظرة التاريخية السابقة أن أحكام الفقه بدأت بالظهور مبكرًا، ونشأ الفقه في حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخذ--------------------------------------------
(1) هذه الكتب مطبوعة مع كتاب الأم في الجزء السابع.
(2) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 16.
(3) أصول الفقه، شعبان: ص 16، الشافعي، أبو زهرة: ص 338.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)

بالتوسع والتطور والنقل في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبدأت أحكامه بالتدوين في نهاية القرن الهجري الأول، ووصل إلى طور النضج والكمال في القرن الثاني عند ظهور الأئمة، بينما تأخر علم الأصول في الظهور إلى القرن الثاني، ووضعت قواعده ومبادئه وتدوينه في نهاية القرن الثاني الهجري، فما هو السبب في سبق الفقه للأصول؟ مع أنه أساس الفقه؟
الجواب أن علم أصول الفقه عبارة عن موازين لضبط الاستنباط ومعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد، فهو علم الضوابط لمادة الفقه، والضابط يأتي بعد وجود المادة في كل العلوم، فعلم النحو والإعراب الذي وضع أساسه الإمام علي وأبو الأسود الدؤلي، جاء متأخرًا عن النطق بالفصحى، وعلم العروض الذي وضع أصوله الخليل بن أحمد الفراهيدي جاء متأخرًا عن قول الشعر وقرضه موزونًا، وعلم المنطق الذي دونه أرسطو جاء متأخرًا عن الجدل والتفكير والمناظرة التي رافقت نشوء البشرية (1).
والسبب الرئيسي أن الفقه وأحكام الشرع الأولى نزلت مباشرة من السماء، واعتمد على الوحي لتغطية أحكام الناس في زمن البعثة، مع بيان القواعد والأسس والمناهج لما يحتاجه الناس في المستقبل، وفي القرآن والسنة منهج الأصول والاستدلال، ولما استحدثت القضايا والمسائل واحتاج الناس إلى الاجتهاد لتغطية الأحكام احتاج الناس إلى معرفة المنهج والقواعد والضوابط، فجاء علم أصول الفقه.
وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: الأمر الذي لا شك فيه أن علم الفقه سابق على علم أصول الفقه، فالفقه نشأ بالاستنباط والفتيا--------------------------------------------
(1) مناقب الشافعي، الرازي: ص 57، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 13، الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، الدهلوي: ص 17، 36. =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)

والاجتهاد، … ولا غرابة أن يكون الفقه متقدمًا على علم أصول الفقه، لأنه إذا كان علم أصول الفقه موازين لمعرفة الصحيح من الآراء من غير الصحيح فالفقه هو المادة التي توزن، والمادة سابقة على الميزان (1).
قال ابن خلدون رحمه الله: واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصًا، فمنهم أخذ معظمها .. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنًّا قائمًا برأسه سموه: أصول الفقه … وحين كان الكلام ملكة لأهله لم تكن هذه علومًا ولا قوانين، ولم يكن الفقه حينئذ يحتاج إليها، لأنها جبلة وملكة، فلما فسدت الملكة في لسان العرب قيدها الجهابذة المتجردون لذلك بنقل صحيح، ومقاييس مستنبطة صحيحة، وصارت علومًا يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله (2).

‌‌طرق التأليف في الأصول:
إن أسلوب الكتابة في الأصول اختلف بعد الشافعي، فبعض العلماء سار على منهج الإمام الشافعي في الرسالة؛ بتقرير المسائل، والتدليل عليها، وإقامة الحجج، واتخاذ السؤال والجواب أساسًا في البيان على طريقة علماء الكلام، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتكلمين، أو بطريقة الشافعية، وهي الطريقة التي اختطها الإمام الشافعي في الرسالة، وكتب بها أكثر الشافعية والمالكية والحنابلة والمعتزلة وعلماء الكلام.--------------------------------------------
(1) الشافعي، أبو زهرة: ص 328.
(2) مقدمة ابن خلدون: ص 454، 455.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)

وبعض العلماء سار في كتابة الأصول على طريقة التأليف في الفقه، فسبك قواعد الأصول بأسلوب متتابع ومتسلسل، وسميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء أو طريقة الحنفية، وسار عليها أكثر علماء المذهب الحنفي.
وامتازت كل طريقة ببعض المزايا والخصائص، وشابها بعض العيوب، فجاء المتأخرون وجمعوا بين الطريقتين باتباع مزايا وفوائد كل طريقة، وتجنب عيوبها، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتأخرين.
فما هي ميزات كل طريقة، وما هي الكتب التي دونت في كل منها؟

‌‌أولًا: طريقة المتكلمين أو الشافعية:
تمتاز طريقة علماء الكلام أو طريقة الشافعية بأنها تحقق قواعد هذا العلم تحقيقًا منطقيًّا نظريًّا، وتقرر القواعد الأصولية وتنقحها، وتثبت ما أيده البرهان العقلي والنقلي، وتنظر إلى الحقائق المجردة، ولم تلتفت هذه الطريقة إلى التوفيق بين القواعد وبين الفروع التي استنبطها الأئمة في الفقه، ولا تعنى بالأحكام الفقهية؛ لأن الأصول علم مستقل عن الفقه، فكانت هذه الطريقة تهتم بتحرير القواعد وتنقيحها.
فما أيده العقل، وقام عليه البرهان، فهو الأصل والقاعدة، سواء أوافق الفروع المذهبية أم خالفها، وسواء أوافق الأصل الذي وصل إليه الإمام أم لا (1)، ولذا نلاحظ مثلًا أن الآمدي اعتبر الإجماع السكوتي حجة، خلافًا لأصل إمامه الشافعي رحمه الله، لأن الدليل والحجة أوصلاه إلى ذلك (2).--------------------------------------------
(1) يقول إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى: "على أنَّا في مسالك الأصول لا نلتفت إلى مسائل الفقه، فالفرع يصحح على الأصل، لا على الفرع" البرهان، له: 2/ 1363.
(2) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 180، وانظر المسائل التي خالف فيها الجويني إمامه الشافعي في (البرهان 2/ 1442).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)