إعجاز القرآن الكريم، وكان الاختلاف الواقع في اللغة مؤديًا إلى الاختلاف في فهم النص ودلالته، وإلى الاختلاف في استنباط الحكم الشرعي منه، مثل لفظ: النكاح والقرء واليد واللمس والنبيذ وحروف الجر والعطف، وقد وضع علماء الأصول بعض المبادئ اللغوية التي تطبق على فهم النصوص، ودخلت هذه المبادئ في قواعد علم أصول الفقه (1).
3 - اختلاف البيئات والعصور والمصالح، وذلك أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن المصالح الثابتة والمقاصد الشرعية الرئيسية لا اختلاف فيها ولا نزاع، وأما الأحكام الجزئية والتفصيلية فقد تحقق المصلحة في مكان دون مكان، وقد تلبي حاجات الناس في زمان دون زمان، فلو كانت الأحكام التفصيلية الفرعية واحدة لأدى ذلك إلى الحرج، وانتفت مصالح الناس، وتوقفت أعمالهم، ولحقهم الضجر الذي يدفعهم إلى التحايل والتهرب من التشريع بشتى الوسائل، فالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت في الحجاز تختلف تمامًا عنها في العراق أو الشام أو مصر، وما ألفه الناس من عادات وتقاليد وأعراف صحيحة في صدر الإسلام يستغربها المسلم في العصور الأخيرة، وإن بعض الأحكام والشروط التي نص عليها الأئمة في القرون الأولى لتحقيق المساواة والعدالة بين أطراف العقد تعتبر عبئًا عليهم اليوم بدون هدف ولا غاية ولا فائدة.--------------------------------------------
(1) الفقه المقارن، الزفزاف: ص 41، 56، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ص 131، أصول الفقه، خلاف: ص 329، أبحاث في علم أصول الفقه: ص 15، 18، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء: ص 68، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف: ص 32 وما بعدها، ص 69 وما بعدها، ص 159، الاعتصام، الشاطبي: 2 ص 165، فقه الكتاب والسنة في القصاص، المرحوم محمود شلتوت: ص 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
كل هذه الأسباب دعت الأئمة إلى الاختلاف في الأحكام الفرعية حسب البيئات والعصور والمصالح، وكان الإمام الواحد إذا تغيرت هذه الظروف لم يبق شامخ الرأس، متحجر العقل، متغطرس التفكير، بل كان واقعيًا وحساسًا لهذه الأمور فيرعاها ويغير من اجتهاده على مقتضاها، كما حصل مع الإمام الشافعي، وكما حدث مع الصاحبين بعد وفاة الإمام أبي حنيفة، وكما نرى في كثير من الأحكام المختلف فيها بين المتأخرين والمتقدمين في المذهب الواحد، ويقولون: "إنه اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان" ووضعوا القاعدة الفقهية: "لا ينكر تغير الأحكام لتغير الأزمان" لتأكيد صلاحية الشريعة في كل زمان ومكان، وأنها خالدة وحجة على المؤمنين بها والحاقدين عليها على حد سواء (1).
4 - الاختلاف في فهم المراد من النص عندما تكون دلالة النصوص ليست قطعية، ويكون المعنى خافيًا، أو محتملًا للتأويل، أو قابلًا للنسخ، وظهر هذا السبب منذ عصر الصحابة الذين اختلفوا في فهم النص القرآني، ثم جاء علماء التفسير وحاولوا بيان معنى الآيات فاختلفوا في ذلك، كالاختلاف في القراءات، والقراءة الشاذة، وألفاظ القرآن المشتركة، والعام الذي يدخله التخصيص، والمطلق الذي يلحقه التقييد، كما اختلف علماء الحديث في فهم المراد من الحديث عند غموض النص، أو احتمال تأويله، أو تعارضه مع نص آخر، كما اختلفوا في المراد من السنة الفعلية ودلالتها على الأحكام، كالاختلاف في حكم طواف القدوم، وحكم الأفعال الجبلية التي صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الاختلاف في فهم المراد من النص مؤديًا إلى الاختلاف في الأحكام بين الفقهاء (2).--------------------------------------------
(1) محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء، الخفيف: ص 195 وما بعدها.
(2) الفقه المقارن، الزفزاف؛ ص 10، 11، 15، محاضرات في أسباب اختلاف =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
القسم الثاني:
أسباب الاختلاف التي ترجع مباشرة إلى علم أصول الفقه:
1 - الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع، إما من حيث ثبوتها، كالسنة غير المتواترة، وإما من حيث كونها مصدرًا تشريعيًّا عند عدم وجود النص.
فقد اتفق الأئمة على حجية القرآن والسنة، وكاد الأمر أن يكون كذلك في الإجماع والقياس، ثم نشأ الخلاف في حجية بقية مصادر التشريع، وسوف يضع القارئ يده على هذا الاختلاف وحقيقته عند دراسة كل مصدر منها، وكان الاختلاف في حجية المصدر من جهة، ثم في فروعه وقواعده من جهة أخرى، كالاختلاف في أنواع الإجماع، والاختلاف في علة القياس ..... وهكذا (1).
2 - الاختلاف في علوم الحديث الذي ظهر في زمن الصحابة، وتفاقم واشتد في عهد التابعين ومن بعدهم، وتكرس في قواعد ومبادئ في علم الأصول، وقد اتفق المسلمون على أن السنة حجة،--------------------------------------------
= الفقهاء: ص 103، 147، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 38، 60، الرسالة: ص 560، مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية، تحقيق الزميل الدكتور عدنان زرزور: 79، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 116 وما بعدها، المختارات الفتحية، أحمد أبو الفتح: ص 77، وانظر تفصيل هذا الموضوع بشكل وافٍ وكامل في رسالة الدكتور محمد أديب صالح، تفسير النصوص: ص 81 وما بعدها، الإنصاف، ابن السيد البطليوسي: ص 211.
(1) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، الدهلوي: ص 15، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 12 وما بعدها، الإحكام، الآمدي: 2 ص 93، محاضرات في أسباب الاختلاف، الخفيف: ص 180، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 111، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف، ابن السيد البطليوسي: ص 171 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
وأن الحجة فيما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل صحيح، ومع ذلك ظهر الاختلاف في عدة حالات أهمها:
أ - عدم العلم بالحديث من الصحابي أو من غيره، لعدم الإحاطة بالسُّنة، فيقضي العالم بظاهر آية، أو بحديث آخر، أو يجتهد رأيه، فأبو بكر لم يعلم بحديث ميراث الجدة (1)، وعمر لم يبلغه حديث الاستئذان، وحديث إرث المرأة من دية زوجها، وحديث الجزية على المجوس، وعثمان لم تبلغه السُّنَّة في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعليّ لم يعلم بصلاة التوبة (2)، ولا بعدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وغير ذلك من الأحاديث التي لم تصل إلى الخلفاء الراشدين بينما علمها غيرهم، وهكذا الأمر في بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ب - عدم ثبوت الحديث عند الصحابي بعد علمه به لعدم ثقته بالراوي، بينما ثبت عند غيره، وبرز هذا الاختلاف في عهد التابعين ومن بعدهم، لكون أحد رجال السند مجهولًا أو متهمًا أو سيئ الحفظ، أو كان السند منقطعًا أو مضطربًا وغير ذلك من علل الحديث، بينما ثبت الحديث عند آخر صحيحًا متصلًا مقبولًا، وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام.
ج- الاعتقاد بضعف الحديث لمعرفة خاصة بأحد رجال السند، فيَرُدُّ حديثه، في حين يخفى الأمر على آخر، فيقبله، أو عرف كل منهما--------------------------------------------
(1) تذكرة الحفاظ 1/ 2.
(2) عن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى إلا غفر له" ثم قرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} .. إلى آخرها، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
سبب الجرح فاعتقد أحدهما أنه علة تؤثر في الراوي، واعتقد الآخر أنه لا يجرحه ولا يؤثر فيه، أو لاختلاف حالة الشخص الواحد من ضبط إلى اضطراب، ومن حفظ إلى نسيان، وهذا معروف في مصطلح الحديث، فالاختلاف في قواعد المصطلح يؤدي إلى الاختلاف في الحكم على الحديث صحة وضعفًا، وقبولًا ورفضًا، وانتقل إلى علم الأصول، فاختلفوا في أنواع الحديث المتواتر والمشهور والآحاد، وحجية كل منها، وخاصة في حديث الآحاد إذا خالف القياس، أو كان فيما تعم به البلوى، كما اختلفوا في أنواع أخرى من الأحاديث كالحديث المرسل، والعمل بالحديث الضعيف.
د - وضع الشروط لقبول خبر الآحاد، وسوف نفصل الاختلاف في حجية خبر الآحاد والاختلاف في شروطه في مبحث السنة إن شاء الله تعالى (1).
هـ - نسيان الحديث، لأن السُّنة لم تكن مدوَّنة، وكان الاعتماد فيها على الحفظ، والإنسان قد ينسى، فقد نسي عمر بن الخطاب حديث التيمم من الجنابة عند عدم الماء، فذكَّره به عمار، والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا يؤدي إلى الاختلاف في الحكم، ثم تكرس هذا الخلاف فيما بعد (2).
3 - الاختلاف في القواعد والمبادئ الأصولية، اختلف علماء--------------------------------------------
(1) المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول من هذا الكتاب.
(2) انظر تفصيل هذا الموضوع مع الأمثلة في رفع الملام، ابن تيمية: ص 4 وما بعدها، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ص 16 وما بعدها، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 16، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ص 24، الفقه المقارن، حسن الخطيب: ص 21، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، الدكتور مصطفى الخن: ص 42، الأحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: 2 ص 238، حجة الله البالغة: 1 ص 313.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
الأصول في القواعد والضوابط التي وضعوها في علم الأصول، ونتج عن هذا الاختلاف في القواعد اختلاف بين الفقهاء في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية (1)، ونذكر بعض الأمثلة:
أ- الاختلاف في القواعد الأصولية في دلالة الألفاظ على الأحكام، فقال الجمهور: إن دلالة اللفظ تكون بالمنطوق والمفهوم، وقال الحنفية: إن دلالة اللفظ تكون إما بالعبارة أو الإشارة أو النص أو الاقتضاء، واختلفوا اختلافًا واسعًا في المفهوم، ونتج عن ذلك اختلاف في الفروع.
ب- الاختلاف في القواعد الأصولية في شمول الألفاظ وعدمها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والزيادة على النص، وهذا الاختلاف نشأ عن الاختلاف في اللغة، والاختلاف في معرفة المراد من النص، وترتب عليه الاختلاف بين الفقهاء.
ج- دلالة الأمر والنهي، ودلالة العام القطعية والظنية، مثلًا: هل الأمر يفيد الوجوب أم الإباحة؟ وهل النهي يفيد التحريم أم الكراهة، وهل دلالة العام قطعية أم ظنية … ؟
د- قواعد التعارض والترجيح، سواء كان التعارض بين نصين في القرآن الكريم، أو بين نصين في الحديث، أو بين آية وحديث، أو كان التعارض بين قاعدتين في الترجيح، وقد اختلف العلماء في هذه القواعد، ونتج عنها اختلاف في الأحكام.--------------------------------------------
(1) لخص ابن رشد هذه الأسباب فقال: (إن أسباب الاختلاف ستة، أحدها: تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًّا … ، وثانيًا: الاشتراك .. ، والثالث: اختلاف الأعراب، والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو المجاز .. ، والخامس: عدّه اللفظ مطلقًا .. ، والسادس: التعارض بين القياسات أو الإقرارت … " بداية المجتهد، له 1/ 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
هـ- الاختلاف في قواعد تخصيص العام، وقواعد تقييد المطلق، وقواعد النسخ، وغير ذلك من المباحث التي تتعلق بالكتاب والسنة مما سيطلع عليه القارئ فيما بعد، فيرى هذه القواعد، وأثر الاختلاف فيها على اختلاف الفقهاء (1).
وأكتفي بهذا العرض الموجز لأضرب مثالين للتطبيق، أحدهما من القرآن، والآخر من السنة، ليكونا صلة الوصل بين هذا الباب التمهيدي وبين الباب الأول في بحث المصدرين الرئيسيين وهما الكتاب والسنة.
الاختلاف في القراءة الشاذة:
القرآن الكريم منقول إلينا بالتواتر، كما سيأتي تفصيله في البحث التالي، أما ما نقل بغير المتواتر فلا يعتبر قرآنًا، ولا تصح به الصلاة، ولا يتعبد بتلاوته، ويعرف بالقراءة الشاذة أو المشهورة، كما ورد في مصحف ابن مسعود في كفارة اليمين: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89]، بزيادة لفظ "متتابعات" ومثل قراءة ابن مسعود في آية السرقة "فاقطعوا أيمانهما" بدلًا من {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وقراءة أبيّ "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعات" [البقرة: 184]، بزيادة كلمة "متتابعات".--------------------------------------------
(1) ألف الأستاذ الفاضل الدكتور مصطفى الخن رسالة دكتوراه في هذا الموضوع بعنوان: "أثر اختلاف القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء" فأبلى فيها بلاء حسنًا، وأجاد فيما كتب، فجزاه الله خير الجزاء، وانظر رفع الملام عن الأئمة الأعلام: ص 25، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ص 8، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 44 وما بعدها، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء، الخفيف: ص 110، تنقيح الفصول، القرافي: ص 127، الفقه المقارن، حسن الخطيب: 17، تفسير النصوص: ص 339 وما بعدها، الميزان الكبرى، للشعراني، الموافقات، الشاطبي: 4 ص 138، الاعتصام، الشاطبي: 2 ص 165، فقه الكتاب والسنة، شلتوت: ص 61، الإسلام عقيدة وشريعة: ص 434.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
اختلف العلماء في حجية القراءة الشاذة على قولين:
القول الأول: أن هذه القراءة حجة يجب العمل بها، وهو رأي الإمام أبي حنيفة والإمام أحمد، لأن هذه القراءة لا بد أن تكون مسموعة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون سنة بيانية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة يجب الاعتماد عليها، وإلا فلا يجوز للصحابي أن ينقلها، ولا يحتمل أن تكون مذهبًا للصحابي، لأن الصحابي نقلها وكتبها في القرآن، ولو كانت مذهبًا له كان عمله افتراء وكذبًا منه، مع أن الصحابة عدول لا يكذبون في القرآن، ولا في الحديث، ولا في غيرهما.
القول الثاني: أن القراءة الشاذة ليست حجة ولا يعتمد عليها، وهي رأي أكثر الشافعية المالكية ورواية عن أحمد، لأنها ليست قرآنًا باتفاق، وأن الصحابي لم يصرح بأنها سنة، فتكون تفسيرًا واجتهادًا من الصحابي، فلا يُلزم الاحتجاج بها.
وترتب على هذا الاختلاف اختلاف الأئمة في أحكام فقهية كثيرة، منها: الاختلاف في وجوب التتابع في صيام الكفارة أو عدم وجوبه.
فذهب الحنفية والحنابلة في ظاهر المذهب إلى اشتراط التتابع في كفارة اليمين، فلو صام متفرقًا لم يصح، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقالوا: إن هذه القراءة تنزل منزلة الحديث الصحيح، وبما أنها مشهورة عن ابن مسعود فيمكن الزيادة بها على النص.
وقال الشافعية والمالكية -وأحمد في رواية- بعدم اشتراط التتابع في كفارة اليمين، والمكلف حر ومخير بين الصيام المتتابع أو المتفرق، وإن قراءة ابن مسعود ليست حجة، ولا يلزم العمل بها، وتُحمل على معرض البيان منه (1).--------------------------------------------
(1) أصول السرخسي: 1 ص 281، المستصفى: 1 ص 102، فواتح الرحموت: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
الاختلاف في الحديث المرسل:
اختلف علماء الأصول في حجية الحديث المرسل، ونتج عن ذلك اختلافهم في الأحكام الفقهية التي تؤخذ منه، كما اختلف علماء الحديث وعلماء الأصول في تعريفه.
فعرفه علماء الحديث بأنه: ما يقوله التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يذكر الصحابي الذي نقل عنه، وسمي مرسلًا لأنه أرسل الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يذكر من سمعه منه (1).
وعرفه علماء الأصول بأن يقول الراوي الذي لم يلق رسول الله، سواء كان تابعيًّا أم غيره: قال رسول الله كذا (2).
والمرسل عند علماء الأصول يشمل المرسل عند علماء الحديث ويشمل غيره، وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بالحديث المرسل عند المحدثين على قولين:
القول الأول: أن الحديث المرسل حجة، وهو قول الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد، وأخذ به الآمدي الشافعي، وقد يرجح الحنفية أحيانًا الحديث المرسل على المسند عند التعارض (3)، واحتجوا بأن كثيرًا من صغار الصحابة نقلوا أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،--------------------------------------------
= 2 ص 16، روضة الناظر وجنة المناظر، لموفق الدين عبد الله بن قدامة: ص 34، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 177، أثر اختلاف القواعد الأصولية: ص 388، الوسيط في أصول الفقه: ص 21، أصول الفقه، شعبان: ص 37، أصول الفقه، البرديسي: ص 184، القواعد والفوائد الأصولية، ابن اللحام الحنبلي: ص 155، البرهان: 1/ 666.
(1) أصول الحديث، للدكتور محمد عجاج خطيب: ص 334.
(2) الإحكام، للآمدي: 2 ص 112.
(3) يقولون: من أرسل لك فقد كفاك، ومن أسند لك فقد أحالك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
ولم يسمعوها منه، ولم ينكر عليهم أحد.
ويرد على هذا الدليل أن قياس الحديث المرسل من التابعين ومن بعدهم على مرسل الصحابة قياس مع الفارق؛ لأن مرسل الصحابي مقبول باتفاق العلماء ما عدا الظاهرية لأن الصحابة عدول باتفاق، وأن الصحابي لا يروي إلا عن صحابي.
واحتجوا أيضًا بأن أكثر التابعين كانوا يرسلون الأحاديث عن رسول الله، دون أن ينكر عليهم الصحابة والتابعون، وأن التابعين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية.
واحتجوا بأن العدل الضابط الثقة في الحديث لا يرسل الحديث إلا إذا علم، أو غلب على ظنه، أنه صحيح عن رسول الله، فالراوي جازم بنسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1).
القول الثاني: أن الحديث المرسل ليس حجة، إلا إذا تقوى من طريق آخر، وهو رأي الإمام الشافعي، لأن الإمام الشافعي عند جمعه طرق الحديث ظهر له أنه كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف الحديث المسند، ولأن العدالة شرط في صحة الخبر، وعندما ترك الراوي تسمية من حدثه به، فيجوز أن يكون المجهول عدلًا، ويحتمل أن يكون ليس بعدل، فلا يقبل خبره حتى يعلم المجهول.
والحديث المرسل يتقوى بأحد الأمور التالية:
1 - أن يؤيده حديث مسند.--------------------------------------------
(1) الإحكام، الآمدي: 2 ص 113، تيسير التحرير: 3 ص 102، فواتح الرحموت: 2 ص 174، تنقيح الفصول، القرافي: ص 119، روضة الناظر: ص 64، المستصفى: 1 ص 169، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 396 وما بعدها، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 34، أصول الفقه، الخضري: 256.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
2 - أن يوافقه حديث مرسل من طريق آخر.
3 - أن يعضده قول صحابي.
4 - أن يتفق مع قول أكثر أهل العلم بأن يفتوا بمعناه.
5 - أن يكون المرسِل من كبار التابعين الذين لا يَروون إلا عن ثقة، أو عند صحة السند، مثل مراسيل سعيد بن المسيب والزهري اللذين تتبع الإمام الشافعي أحاديثهما المرسلة، فوجدها كلها صحيحة ومسندة من طرق أخرى (1).
وترتب على هذا الاختلاف اختلاف الفقهاء في عدة أحكام وردت في الأحاديث المرسلة، فردها الشافعية، وعمل بها الجمهور، إن لم تتعارض مع دليل آخر عندهم، منها:
1 - الاختلاف في الحد الأعلى للتعزير بالضرب.
2 - الاختلاف في تحريم الزواج بسبب الزنا (2).
3 - الاختلاف في انتفاع المرتهن بالرهن.
4 - الاختلاف في نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة (3)، فأمر من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة.
5 - الاختلاف في وجوب قضاء صوم التطوع إذا أفسده بعد الشروع فيه لحديث "اقضيا يومًا مكانه" ..
6 - الاختلاف في نقض الوضوء بلمس المرأة، للحديث المرسل--------------------------------------------
(1) الرسالة، للإمام الشافعي: ص 462 - 463، المستصفى: 1 ص 169، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء: ص 97، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 396، هامش 3، اللمع، للشيرازي: ص 44.
(2) الأم للشافعي 5/ 27 ط دار الفكر.
(3) رواه الدارقطني (1/ 171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
"كان يقبل أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ" (1).
وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي اختلف فيها الفقهاء بسبب اختلافهم في حجية الحديث المرسل وليس بسبب آخر.
ثالثًا: صلة أسباب الاختلاف بعلم الأصول:
الواقع أن علم الأصول ساهم مساهمة بناءة في القضاء على أسباب الاختلاف الباطلة التي لا تقوم على أساس، ولا تنسجم مع هدف المشرع، أو مقاصد الشريعة، ولا توافق الإيمان بأصول الدين وأركانه، ولذا فقد وفع علم الأصول حدًّا للترهات، وكان سلاحًا في وجه من تسول له نفسه الولوج إلى شريعة الله ليحرف فيها، أو يغير في أصولها، أو يدس فيها ما ليس منها، أو يحاول هدم وبذر الشقاق والخلاف الشخصي فيها (2)، وكان علم أصول الفقه حجر عثرة في وجه الطامعين في الإساءة إلى كتاب الله وسنة نبيه، فكانت قواعد الأصول وضوابطه ميزانًا لسبر الأحكام والآراء والاختلافات، بل كانت مساعدًا للحكم على الرجال والعاملين في هذا المضمار، لتمييز الخبيث من الطيب، والغث من الثمين، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17].
ونضرب مثالًا لذلك أنه ظهر في القرن الثاني بدعة خطيرة، وملة ضالة، أرادت تقويض دعائم الإسلام بهدم أحد ركنيه وهو السنة، فأنكرت حجيتها، وحاولت تغطية مآربها الخبيثة بحجة الاكتفاء بالقرآن الكريم الذي أكمله الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، {مَّا مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، فوضع الإمام الشافعي "الرسالة" وغيرها من كتب--------------------------------------------
(1) انظر تفصيل هذه المسائل في المراجع السابقة، في الصفحة السابقة.
(2) انظر كتاب الاعتصام، للإمام الشاطبي: 2 ص 166 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
الأصول وأفاض في الكلام عن حجية السنة ومكانتها في التشريع، ورد الشبه والأوهام والأباطيل التي أثارها منكرو السنة، فتأكد هذا الأصل، واتفق المسلمون على حجية السنة، ولم يجرؤ أحد على إنكارها، أو الحياد عنها (1)، وانقرضت تلك الفئة الباغية دون أن تترك أثرًا في التاريخ الذي لم يحفظ لنا اسمها واسم الداعين إليها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن علم أصول الفقه جعل الاختلاف بين الفقهاء منضبطًا، فنظم هذا الاختلاف وحدد قواعده، وكان حَكَمًا على الفقهاء في اختلافهم، وهو دليل على أن الاختلاف بين الأئمة والفقهاء مبني على اختلافهم في المبادئ والأصول التي قامت عليها أحكام المذاهب، وليس بسبب التعصب الباطل والتقليد الأعمى، وإن كل باب من أبواب الأصول يعطي الدليل على ذلك، سواء في مصادر التشريع، أم في فهم النصوص وتفسيرها في القرآن والسنة، أم في تعارض الأدلة، مما يؤكد صدق النوايا، والإخلاص لله في العمل، والتوجه إلى مرضاته في الاستدلال والاستنباط والاجتهاد.
ونختم الكلام عن أسباب الاختلاف بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيقول: "وبعد: فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون ما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا" (2).--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة: ص 443، 756.
(2) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، له: ص 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
فالاختلاف في الفروع لا يضر في الأمة، ولا يفرق شملها، ولا يشتت قوتها، وإنما الخطر كل الخطر في الاختلاف في العقيدة وأصول الشريعة، وهذا لم يحصل، والحمد لله، وإذا رأينا تعصبًا مقيتًا، أو شقاقًا مفرقًا، فإن الأئمة بريئون منه براءة الذئب من دم يوسف، وإن السبب يرجع إلى الجهل بالشريعة أولًا، وبسيرة الأئمة وآرائهم ثانيًا، وإلى اليد العاتية الدخيلة التي تريد تمزيق الأمة ثالثًا.
نرجو الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما يعلمنا، وأن يلهمنا السداد في القول والعمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
الفصل الخامس في مقاصد الشريعة
نتناول دراسة مقاصد الشريعة إجمالًا بحسب المخطط التالي:
1 - تعريف المقاصد.
2 - تحديد مقاصد الشريعة بتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة.
3 - فائدة دراستها ومعرفتها.
4 - أقسام المصالح بحسب أهميتها وخطورتها وأثرها في الحياة.
5 - وسائل تحقيق المقاصد بالتشريع.
6 - ترتيب الأحكام بحسب المقاصد، ومعرفة الراجح منها عند التعارض.
أولًا: تعريف المقاصد:
المقاصد لغة: جمع مقصد من قصد الشيء، وقصد له وقصد إليه قصدًا من باب ضرب، بمعنى طلبه وأتى إليه واكتنزه وأثبته، والقصد هو طلب الشيء أو إثبات الشيء، أو الاكتناز في الشيء أو العدل فيه (1).--------------------------------------------
(1) انظر القاموس المحيط: 1 ص 327 ومعجم مقاييس اللغة: 5 ص 95، المصباح المنير 2 ص 691، مختار الصحاح: ص 536، تهذيب الأسماء واللغات: 2 ص 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
ومقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة، وأثبتتها في الأحكام، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان (1).
ثانيًا: تحديد مقاصد الشريعة:
إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على أحسن تقويم، وكرم بني آدم غاية التكريم، وفضلهم على سائر المخلوقات، وسخر لهم ما في الأرض جميعًا وما في السماوات، وجعلهم خلفاءه في الأرض.
وفوق كل ذلك فإن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا، ولم يتركه سدى، وإنما أرسل له الرسل والأنبياء، وأنزل عليه الكتب والشرائع، إلى أن ختم الله الرسل والأنبياء بسيدنا محمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام، وختم الكتب والشرائع بالقرآن العظيم وشريعة الإِسلام.
وتهدف هذه الشريعة إلى تحقيق السعادة للإنسان في هذه الدنيا لتحقيق خلافة الله في أرضه، فجاءت الشريعة لتحقيق مصالح الإنسان، وهي جلب المنافع له، ودفع المضار عنه، فترشده إلى الخير، وتهديه سواء السبيل، وتدله على البر، وتأخذ بيده إلى الهدي القويم، وتكشف له المصالح الحقيقية، ثم وضعت له الأحكام الشرعية لتكون له هاديًا ودليلًا لتحقيق هذه المقاصد والغايات، وأنزلت عليه الأصول والفروع لإيجاد هذه الأهداف، ثم لحفظها وصيانتها وتأمينها وعدم الاعتداء عليها.
وحدد العلماء مقاصد الشريعة بأنها تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة (2)، في العاجل والآجل، ومصالح الناس في الدنيا: هي كل ما--------------------------------------------
(1) انظر مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 13، الأصول العامة لوحدة الدين الحق: ص 61.
(2) قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: "اعلم أن الله سبحانه لم يشرع حكمًا من أحكامه إلا لمصلحة عاجلة أو آجلة أو عاجلة وآجلة تفضلًا منه على عباده" ثم =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
فيه نفعهم وفائدتهم وصلاحهم وسعادتهم وراحتهم، وكل ما يساعدهم على تجنب الأذى والضرر ودفع الفساد، إن عاجلًا أو آجلًا، ومصالح الناس في الآخرة هي الفوز برضاء الله تعالى في الجنة، والنجاة من عذابه وغضبه في النار.
وقد وردت الأحكام الشرعية لجلب المصالح للناس، ودفع المفاسد عنهم، وأن كل حكم شرعي إنما نزل لتأمين أحد المصالح، أو دفع أحد المفاسد، أو لتحقيق الأمرين معًا، وأنه ما من مصلحة في الدنيا والآخرة إلا وقد رعاها المشرع، وأوجد لها الأحكام التي تكفل إيجادها والحفاظ عليها، وإن المشرع الحكيم لم يترك مفسدة في الدنيا والآخرة، في العاجل والآجل، إلا بينها للناس وحذرهم منها، وأرشدهم إلى اجتنابها والبعد عنها (1).
والدليل على ذلك الاستقراء الكامل للنصوص الشرعية من جهة، ولمصالح الناس من جهة ثانية، وأن الله تعالى لا يفعل الأشياء عبثًا في الخلق والإيجاد والتهذيب والتشريع، وأن النصوص الشرعية في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات المالية والعقوبات وغيرها جاءت معللة بأنها لتحقيق المصالح ودفع ...................................--------------------------------------------
= يقول: "وليس من آثار اللطف والرحمة واليسر والحكمة أن يكلف عباده المشاق بغير فائدة عاجلة ولا آجلة، لكنه دعاهم إلى ما يقربهم إليه"، شجرة المعارف والأحوال، له: ص 401، وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "جاءت هذه الشريعة لتحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد وتعطيلها" الفتاوى: 20/ 48، 234، السياسة الشرعية، له: ص 47، وقال الشاطبي رحمه الله: "إن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد" الموافقات، له 1/ 195.
(1) انظر بيان ذلك بإسهاب وتفصيل في (ضوابط المصلحة في الشريعة الإِسلامية، للدكتور محمَّد سعيد رمضان البوطي: ص 45 وما بعدها، 73) وقال القرافي: "الشرائع مبنية على المصالح" شرح تنقيح الأصول: ص 427.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
المفاسد (1).
فالعقيدة بمختلف أصولها وفروعها إنما جاءت لرعاية مصالح الإنسان في هدايته إلى الدِّين الحق، والإيمان الصحيح، مع تكريمه والسمو به عن مزالق الضلال والانحراف، وإنقاذه من العقائد الباطلة والأهواء المختلفة والشهوات الحيوانية، فجاءت أحكام العقيدة لترسيخ الإيمان بالله تعالى واجتناب الطاغوت، ليسمو الإنسان بعقيدته وإيمانه، وينجو من الوقوع في شرك الوثنية، وتأليه المخلوقات من بقر وقرود، وشمس وقمر، ونجوم وشياطين، وغير ذلك.
قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)} [الزمر: 17، 18].
وقال تعالى مبينًا الحكمة والفاية من خلق الإنسان: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ--------------------------------------------
(1) اختلف علماء الأصول في اعتبار الأحكام معللة أم لا، على قولين، فذهب الجمهور إلى أن جميع الأحكام الشرعية معللة بمصالح العباد، ولكن معظمها معلل بعلة ظاهرة، وبعضها معلل بعلة غير ظاهرة، وهي التي يسمونها "الأحكام التعبدية" أي الأحكام التي تعبدنا الله تعالى بها، لتنفيذها وإرضاء الله تعالى بها، ولو لم نعرف لها علة وحكمًا وسببًا، كاوقات الصلاة، وأعداد الركعات، ونصاب الزكاة، وقال بعض العلماء: إن الأحكام الشرعية كلها غير معللة، قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: "لأهل السنة في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه قولان، والأكثرون على التعليل" (منهاج السنة النبوية: 2 ص 239 مط المدني) وانظر تحقيق هذا الموضوع مع مراجعه وأدلته في "شرح الكوكب المنير: 1 ص 312 وما بعدها، الموافقات: 2 ص 3، الأحكام، للآمدي: 2 ص 252، 271، مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 13 و 20، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 2 ص 5، 71، ضوابط المصلحة: ص 73 وما بعدها، ص 88).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)} [الذاريات: 56، 57] والعبادة هنا بمعناها العام الشامل لكل عمل قصد به وجه الله تعالى.
وبين تعالى أن الحكمة والغاية والهدف من ابتعاث الرسل هي تحقيق هذه المصلحة الكبرى للإنسان في عبادة الله واجتناب الطاغوت في الدنيا، والفوز برضاء الله في الجنة، وأن لا يبقى للإنسان حجة على الله تعالى بكفره وضلاله وانحرافه، قالِ تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وقال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].
وصرح القرآن الكريم بالحكمة والمصلحة في بعثة محمَّد صلى الله عليه وسلم خاصة فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107] ، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة وصريحة.
وبين تعالى أن الغاية والهدف من إنزال الكتب هي تحقيق مصالح الناس، بتحقيق السعادة لهم في الدنيا، والفوز والنجاة بالآخرة لإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)} [إبراهيم: 1].
وجمع الله تعالى في آية واحدة الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، ليقوم الناس بالقسط والعدل والاستقامة، فقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] ثم بين الله تعالى وظيفة القرآن بشكل عام وشامل، فقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)} [الإسراء: 9، 10] وغير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ذلك من بقية فروع العقيدة.
وفي مجال العبادات وردت نصوص كثيرة تبين أن الحكمة والغاية من العبادات إنما هي تحقيق مصلحة الإنسان، وأن الله تعالى غني عن العبادة والطاعة، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فقال عز وجل عن الهدف من العبادة عامة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة: 21] فالقصد من العبادة التزود بالتقوى للإنسان، وهو ما جاء مفصلًا في كل عبادة من العبادات، ففي الصوم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183] ، وفي الحج قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)} [البقرة: 197] فالحج دورة تدريبية وتربوية للمسلم في التعود على الفضائل والأخلاق الكريمة، والبعد عن الفساد والرذائل، فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل، وإنما يجب عليه التزود بالتقوى في مناسك الحج.
وقال تعالى عن الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] فالزكاة تزكية للمسلم وتطهير له، لتعود الفائدة الخالصة للمزكي.
وقال تعالى عن الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا" (1). وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله تعالى: "يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم--------------------------------------------
(1) رواه الطبراني عن ابن عباس بإسناد ضعيف، ورواه علي بن معبد من حديث الحسن مرسلًا بإسناد صحيح (انظر فيض القدير: 6 ص 221).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)