3 - الاتفاق في الحكم مع اتحاد الوقت والمحل والجهة:
فإذا اختلف الحكم بحسب الوقت أو المحل أو الجهة، فلا تعارض، ولا ترجيح، فلا تعارض بين النهي عن البيع مثلًا في وقت النداء للجمعة، مع الإذن به في وقت آخر، ولا تعارض بين النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة والترغيب بها في وقت آخر، وكذا النهي عن صيام التطوع للمرأة المتزوجة إلا بإذن زوجها والترغيب به لغير المتزوجة، وهكذا.
4 - عدم إمكان الجمع بين الدليلين:
إذا ورد دليلان متعارضان فيشترط للترجيح بينهما عند جمهور الأصوليين عدم إمكان الجمع بينهما؛ لأنه يجب -حسب طريقة الجمهور تقديم الجمع بين الدليلين على الترجيح، كما سبق؛ لأن في الجمع عملًا بكلا الدليلين، وفي الترجيح يعمل بأحدهما ويهمل الآخر، وإعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، حسب القاعدة الفقهية: "إعمال الكلام خير من إهماله".
وقال الحنفية: لا يشترط ذلك، ويجب تقديم الترجيح على الجمع؛ لأن العمل بالراجح أولى عقلًا؛ ولأن الدليل المرجوح يفقد حجيته عند معارضته للدليل الراجح، فلم يبق دليلًا معتبرًا حتى يجمع بينه وبين الدليل الراجح، وهو ما سبق بيانه.
5 - عدم النسخ:
يشترط في الترجيح ألا يكون أحد الدليلين ناسخًا للآخر؛ لأنه إذا تحقق النسخ، فلا مجال للترجيح، ويعمل بالناسخ ويترك المنسوخ، وهذا شرط عند بعض العلماء.
وقال آخرون: إن التعارض حاصل بين الدليلين، ويطلب من المجتهد البحث عن الترجيح بينهما، فإن تأكد من تاريخ النصين، وسبق أحدهما، وتأخر الآخر، رجح الناسخ على المنسوخ، وزال التعارض.
6 - استقلال المرجح وعدمه:
اشترط الحنفية أن يكون المرجح لأحد الدليلين وصفًا قائمًا بالدليل، كأن يكون الراوي أفقه من الآخر، أو تكون دلالة الراجح بالمنطوق والآخر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 425)
بالمفهوم، فإن كان المرجح مستقلًا، فلا يرجح به، كحديث آخر، وكثرة الأدلة، أو كثرة الرواة؛ لأن الرجحان في نظر الحنفية وصف للدليل، والمستقل ليس وصفًا له، ولأن المستقل إن كان فوق الدليل المراد ترجيحه، فيؤخذ به فقط، ولا حاجة للترجيح، وإن كان مثله، فلا ترجيح بالعدد.
ولم يشترط الجمهور هذا الشرط، وأجازوا الترجيح بالوصف القائم بالدليل، أو بالدليل المستقل؛ لأن المستقل أقوى من غير المستقل، والترجيح بالمستقل فيه كثرة للنظائر، وهذا بحد ذاته يعتبر وصفًا للدليل، ولذلك يجوز الترجيح عند الجمهور بكثرة الأدلة، وكثرة الرواية، وبالقياس مع أحد الدليلين، أو بقربه من القواعد (1)،
وسيرد المزيد من ذلك مع الأمثلة عند عرض طرق الترجيح.
حكم الترجيح:
أي: الأثر الذي يترتب على القيام بالترجيح، واتفقت المذاهب الأربعة، وجماهير الأصول أن حكم الترجيح هو العمل بالدليل الراجح (2)، وذكر--------------------------------------------
(1) المحصول (5/ 540)، نهاية السول (3/ 189)، جمع الجوامع والبناني (2/ 361)، كشف الأسرار (4/ 78)، فواتح الرحموت (2/ 205)، البحر المحيط (6/ 131) وما بعدها، (137)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1185، 1186).
(2) أنكر بعض الظاهرية العمل بالراجح، وأنه يلزم عند التعارض التخيير، أو التوقف، أو العمل بالمرجوح، لقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، فأمر بالاعتبار مطلقًا، ولا وجه لوجوب العمل بالراجح دون المرجوح، فالعمل بالمرجوح ضرب من الاعتبار، وأن الأمر بالحكم بالظاهر، والمرجوح ظاهر فجاز العمل به، والأدلة الراجحة والمرجوحة سواء في وجوب الطاعة والاستعمال؛ لأنها كلها من عند اللَّه، واعترض العلماء على هذه الاستدلالات وأنها باطلة، ونسب هذا القول لأبي عبد اللَّه الحسين البصري المعتزلي، ولكن إمام الحرمين أنكر ذلك وقال: لم أجده في مصنفاته، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: لا يجوز العمل بالمرجح المظنون، وإنما أقبل الترجيح بالمقطوع به، لتقديم الظن على القياس، لا بالأوصاف ولا الأحوال ولا بكثرة الأدلة ونحوها، فلا يجب العمل به، فإن الأصل امتناع العمل بالظن، وردَّ العلماء قوله أيضًا بأدلة كثيرة (انظر آراء الجماهير وأدلتهم والمخالفين والرد عليهم في: الإحكام للآمدي (4/ 239)، المحصول (5/ 529)، المستصفى (2/ 394)، جمع الجوامع والبناني (2/ 361)، نهاية السول (3/ 189)، =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 426)
بعض العلماء الإجماع عليه (1)، وقال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "هذا متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح" (2)، وقال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "ثم اعلم أن العمل بالراجح فيما له مرجح هو قول جماهير العلماء، سواء كان المرجح معلومًا أو مظنونًا، حتى إن المنكرين للقياس عملوا بالترجيح في ظواهر الأخبار" (3)، ولهذا جاء في تعريف الترجيح النصُّ على العمل به، وهو الهدف والغاية من الترجيح.
واستدل الجمهور على وجوب العمل بالدليل الراجح وترك الموجوع بالسنة والإجماع والمعقول.
1 - السنة:
أرسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا السنة العاشرة للهجرة، وسأله: "كيف تقضي إذا عَرَضَ لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب اللَّه تعالى، قال: "فإنْ لم تجدْ في كتاب اللَّه؟ "، قال: فبسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: "فإنْ لم تجدْ في سنَّة رسول اللَّه، ولا في كتاب اللَّه؟ "، قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلُو، أي: لا أقصر" فضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: "الحمد للَّه الذي وفق رسولَ رسولِ اللَّه لما يُرضي اللَّه" (4).--------------------------------------------
= فواتح الرحموت (2/ 420) تيسير التحرير (2/ 153)، كشف الأسرار (4/ 76)، العضد على ابن الحاجب (2/ 309)، البرهان (2/ 1140)، شرح تنقيح الأصول ص 420، المسودة ص 309، العدة (3/ 1019)، شرح الكوكب المنير (4/ 619)، مختصر الطوفي ص 186، إرشاد الفحول ص 273، 276، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1186)، منهج التوفيق والترجيح ص 346، المدخل إلى مذهب أحمد ص 197.
(1) البرهان (2/ 1142)، المستصفى (2/ 394)، المحصول (5/ 529)، فواتح الرحموت (2/ 204).
(2) إرشاد الفحول ص 276.
(3) شرح الكوكب المنير (4/ 619)، وقال الرازي: "الأكثرون اتفقوا على جواز التمسك بالترجيح، وأنكره بعضهم" المحصول (2/ 529).
(4) هذا الحديث أخرجه أبو داود (2/ 272) والترمذي (4/ 556) والنسائي (8/ 308) =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 427)
2 - الإجماع:
أجمع الصحابة ومن بعدهم على وجوب العمل بالدليل الراجح، حتى ولو كان من الأدلة الظنية في وقائع مختلفة، إذا اقترن به ما يتقوى به على معارضه، وستأتي أمثلة كثيرة عند عرض طرق الترجيح بين النصوص.
فمن ذلك أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم قدَّموا خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين "إذا التقَى الختَانانِ وجبَ الغسلُ، فعلتُه أنا ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا" (1)، على حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الماءُ من الماء" (2)، أي: إنما الغسل عند نزول المني، ووجه الترجيح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بفعله من الرجال، ولكون عائشة أعرف بذلك منهم.
ولذلك قدم الصحابة خبر عائشة رضي الله عنها: "أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَ يُصبحُ جُنُبًا وهو صائم" (3)، على حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أصبحَ جُنُبًا فلا صومَ له" (4)؛ لأن عائشة أعرف بحال النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه قبل خبر المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في ميراث الجدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس (5)، ورجحه على قول ابن عباس رضي الله عنهما أنها بمنزلة الأم فتقوم مقامها، كالجد يقوم مقام الأب.--------------------------------------------
= وسبق بيانه مرارًا.
(1) هذا الحديث رواه مسلم (4/ 40) وعنون به البخاري (1/ 110) رواه الشافعي (بدائع المنن 1/ 36) والترمذي (1/ 362) والبيهقي (1/ 163).
(2) هذا الحديث رواه مسلم (4/ 36) والبيهقي بلفظ "الماء من الماء" (1/ 165).
(3) هذا الحديث رواه البخاري (2/ 679) ومسلم (7/ 220) ورواه البخاري ومسلم أيضًا من رواية أم سلمة رضي الله عنها، ورواه أحمد بلفظ: "كان يصبح جنبًا ثم يصوم" (6/ 34، 36، 38).
(4) هذا الحديث رواه أحمد (2/ 248، 286، 314).
(5) هذا الحديث أخرجه أبو داود (2/ 109) والترمذي وصححه (6/ 277) وابن ماجه (2/ 909) ومالك (الموطأ ص 317) وأحمد (5/ 327) والبيهقي (6/ 384) والدارمي (2/ 815).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 428)
ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه عمل بخبر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في الاستئذان عندما وافقه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وقوّى روايته (1).
وكان علي رضي الله عنه يقوّي خبر أبي بكر رضي الله عنه ويعمل به، ولم يحلفه، مع أنه حلَّف غيره لقبول خبره.
والأمثلة على ذلك كثيرة، وأن الصحابة كانوا في اجتهاداتهم يوجبون العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما.
3 - المعقول:
إن العقل يوجب العمل بالراجح في الحوادث والأخبار والأدلة، وإذا لم يُعمل بالراجح لزم العمل بالمرجوح، وهو ترجيح للمرجوح على الراجح، وذلك ممتنع عقلًا، وإن العمل بالراجح متعين عرفًا، وتتقبله النفوس، فيجب العمل به شرعًا؛ لأن الأصل تنزيل الأمور الشرعية منزلة التصرفات العقلية، لكونها أسرع للقبول والتسليم والانقياد، لما ورد في الأثر: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن" (2)، وهذا ما تتقبله الطباع السليمة.
فإذا ظهر الترجيح لأحد الدليلين، أو لإحدى البينات، كان العمل بالراجح هو الواجب، قال الطوفي رحمه اللَّه تعالى: "لأن العمل بالأرجح متعين عقلًا وشرعًا، وقد عملت الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، والترجيح دأب العقل والشرع، حيث احتاجا له" (3).--------------------------------------------
(1) هذا الحديث أخرجه البخاري (5/ 2305) ومسلم (14/ 130) بلفظ "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع".
(2) هذا الحديث موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه، رواه أحمد (1/ 379) وسبق بيانه.
(3) مختصر الطوفي (ص 186) مع الاختصار والتصرف، وانظر: الإحكام، للآمدي (4/ 239)، المستصفى (2/ 394)، كشف الأسرار (4/ 76)، فواتح الرحموت (2/ 204)، شرح الكوكب المنير (4/ 619، 621)، إرشاد الفحول ص 274، علم أصول الفقه ص 230، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1186)، منهج التوفيق والترجيح ص 347.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 429)
وهذا ما يجري عليه العمل في جميع جوانب الحياة الاجتماعية والعلمية والتشريعية والقضائية والسياسية وغيرها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 430)
الفصل الثالث طرق الترجيح
رأينا أنه كثيرًا ما يقع التعارض -ظاهرًا- بين الأدلة، وأنه يجب على المجتهد أن يرفع هذا التعارض، ويعمل على إزالته، ثم يجب عليه وعلى الكافة العمل بالراجح.
ولكن الترجيح لا يكون حسب الهوى، أو بدون علم واجتهاد، لذلك بيَّن العلماء طرق الترجيح، وهي الوسائل التي يستعملها المجتهد عمليًّا لإزالة الترجيح.
وإن كثيرًا من طرق الترجيح متفق عليها بين علماء الأصول وعلماء الفقه، وعلماء السُّنة في الترجيح بين مختلف الحديث، ولكنهم يختلفون في ترتيبها، أو وصفها.
وإن طرق الترجيح لا تدخل تحت الحصر؛ لأنها تابعة لبحث المجتهد، وحالة التعارض، والعوامل المحيطة بالتعارض والترجيح معًا.
ولسهولة الضبط والدراسة والتنظيم فإننا نقسم طرق الترجيح إلى ثلاثة أقسام، وهي: الترجيح بين النُّصوص، والترجيح بين الأقيسة، والترجيح بين نصّ وقياس.
قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "ويكون الترجيح بين دليلين منقولين كنصّين، وبين معقولين كقياسين، وبين منقول ومعقول، كنصّ وقياس، فهذه ثلاثة أقسام" (1).
القسم الأول: الترجيح بين النصوص:
المراد من النصوص هي النصوص الشرعية، وهي القرآن والسنة، وقد--------------------------------------------
(1) شرح الكوكب المنير (4/ 627)، وانظر: المستصفى (2/ 397)، البرهان (2/ 1162، 1184)، المحصول (5/ 535)، فواتح الرحموت (2/ 208)، تيسير التحرير (3/ 169)، كشف الأسرار (4/ 79)، التلويح على التوضيح (3/ 61)، ابن الحاجب والعضد (2/ 310)، شرح تنقيح الفصول ص 423، نهاية السول (3/ 203)، المسودة ص 305، الروضة ص 387، مختصر البعلي ص 169، العدة (3/ 1019)، مختصر الطوفي ص 188، إرشاد الفحول ص 275، المدخل إلى مذهب أحمد ص 198، جمع الجوامع والبناني (2/ 365)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1188)، وسائل الإثبات (2/ 810)، منهج التوفيق والترجيح ص 331، 354، علم أصول الفقه ص 231. =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 431)
يقع التعارض الظاهري قليلًا بين نصوص القرآن الكريم في آيتين مثلًا، ويتم الجمع حصرًا بينهما عن طريق الدلالات في العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والحقيقة والمجاز، والناسخ والمنسوخ، وسبق بيان ذلك تفصيلًا في باب الدلالات، أو دلالات الألفاظ، أو تفسير النصوص، وسنشير إليها فيما بعد.
وتستخدم هذه الطريقة في التعارض الظاهري بين الأحاديث، ويتم الجمع بينها بالطرق السابقة، ويضاف لها طرق الترجيح الخاص بالأخبار أو الروايات.
وطرق الترجيح بين الأخبار أو الروايات قد يكون باعتبار السند، وقد يكون باعتبار المتن، وقد يكون باعتبار مدلول اللفظ وهو الحكم، وقد يكون باعتبار أمر خارج (1)، فهذه أربعة أنواع (2).--------------------------------------------
(1) بيَّن ابن النجار رحمه اللَّه تعالى باختصار شديد أساس الترجيح في السند، فقال: "أما وقوعه في السند فلكونه طريق ثبوته، وأما وقوعه في المتن فباعتبار مرتبة دلالته، وأما وقوعه في مدلول اللفظ وأمر خارج فلما يترتب على اللفظ، وما ينضم إليه من أمر خارج من أحد الأحكام الخمسة المدلول عليها بها شرح الكوكب المنير (4/ 624).
(2) صنف الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى كتابًا في "اختلاف الحديث" وهو أول كتاب من نوعه، وبيّن فيه عدم وجود اختلاف حقيقي بين الأحاديث، وعرض ما ظاهره الاختلاف وجمع بينها، ثم عرض في كتابه الرسالة نماذج كثيرة منها، وكشف الغطاء عن ذلك فقال: "ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول القول عامًّا يُريد به العام، وعامًّا يريد به الخاص، ويُسأل عن الشيء فيجيب على قدر المسألة، ويؤدي عنه المخبر الخبر مبعّضًا، والخبر مختصرًا، والخبر يأتي ببعض معناه دون بعض، ويحدّث الرجل عنه الحديث قد أدرك جوابه، ولم يدرك المسألة على حقيقة الجواب لمعرفة السبب الذي يخرج عليه الجواب، ويَسنّ في الشيء سنة وفيما يخالفه أخرى، فلا يخلص بعض السامعين من اختلاف الحالتين اللتين سنَّ فيهما، ويسن سنة في نص معناه، فيحفظهما حافظ آخر في معنى، يخالفه في معنى، ويجامعه في معنى سنه غيرها لاختلاف الحالين، فيحفظ غيره تلك السنة، فإذا أدى كل ما حفظ رآه بعض السامعين اختلافًا، وليس فيه شيء، ويسن بلفظ، مخرجه عام، جملة بتحريم شيء أو تحليله، وليس في غيره خلاف الجملة، فيستدل على أنه لم يُرد بما حرم ما أحل، ولا بما أحل ما حرّم" ثم قال: "ولم نجد عنه شيئًا مختلفًا فكشفناه إلا وجدنا له وجهًا يحتمل به ألا يكون مختلفًا، وأن يكون داخلًا في الوجوه التي وصفت" ثم قال: "ولم نجد مختلفين إلا ولهما مخرج، أو على =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 432)
النوع الأول: الترجيح باعتبار السند:
السند هو الطريق الذي وصل به الحديث الشريف إلى الأمة بالإخبار عن المتن وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره وصفته.
ويقع الترجيح باعتبار السند بوجوه كثيرة، وضابطها ما كان أكثر إفادة للظن فهو الراجح، ويكون ذلك بأربعة أشياء: الراوي، والرواية، والمروي، والمروي عنه.
أولًا: ترجيح السند باعتبار الراوي:
إن الترجيح باعتبار الراوي له طرق عديدة، يفصلها علماء الحديث والمصطلح، وعلماء الأصول والفقه، نعرضها باختصار شديد.
1 - الترجيح لعدالة الراوي المتفق عليها:
إذا ورد حديثان صحيحان متعارضان، وكان راوي أحدهما متفقًا على عدالته، والآخر مختلفًا في عدالته، فيرجح الحديث الذي اتفق على عدالة راويه على الحديث الآخر.
2 - الترجيح بكثرة الرواة:
يرجح الحديث الذي رواته أكثر على ما رواته أقل؛ لقوة الظن به عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين لا يرجحون بكثرة الرواة ما لم تصل حد الشهرة، واستدلوا بأدلة غير مقنعة حتى قال كثير من محققي الحنفية، ومنهم صاحب مسلم الثبوت الحنفي: "ولا يخفى على الفطن ضعف هذه الوجوه" (1)، وذلك لأن العدد الكثير أبعد عن الخطأ من العدد القليل، وفي ذلك أدلة شرعية،--------------------------------------------
= أحدهما دلالة إما موافقة كتاب اللَّه أو غيره من السنة أو بعض الدلائل" وقال ابن خزيمة رحمه اللَّه تعالى: "لا أعرف أنه روي عن الرسول حديثان بإسنادين صحيحين متضادين، ومن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما" انظر: البحر المحيط (6/ 148، 149)، الرسالة ص 55، 63، 270، ط دار النفائس.
(1) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (2/ 210)، وانظر: فتح الغفار بشرح المنار (3/ 53)، تيسير التحرير (3/ 169)، التلويح على التوضيح (3/ 61)، كشف الظنون (4/ 79).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 433)
وعملية (1).
3 - الترجيح بوصف في الراوي:
إذا كان أحد الراويين راجحًا على الآخر في وصف يغلب على الظن صدقه فيرجح، كالأزيد ثقة، أو فطنة، أو ورعًا، أو علمًا، أو ضبطًا، أو لغة، أو نحوًا، أو غير ذلك، فإن تساويا في الوصف، فيرجح الأشهر بأحد الأوصاف المذكورة، ولا ترجح رواية الذكر على رواية الأنثى عند الجماهير.
4 - الترجيح لقرينة في الراوي:
إذا اقترن مع الراوي قرينة تؤكد روايته، فيرجح على غيره، كالأحسن سياقًا، واعتماد الراوي على حفظه دون الكتابة، وعمل الراوي بروايته، والمباشرة لما رواه من فعل، وصاحب القصة، أو قلة الوسائط وهو علو الإسناد، أو المشافه بالرواية، أو الأقرب عند سماعها، أو كان من أكابر الصحابة كالخلفاء الراشدين والأقرب فالأقرب، ورواية متقدم الإسلام على متأخره في قول، وفي قول عكسه، والأكثر صحبة، ومشهور النسب، ومن سمع بالغًا، وكثرة المزكين في قول (2).
ثانيًا: ترجيح السند باعتبار الرواية:
أي: الترجيح بنفس الرواية، أي: بطبيعة الرواية، وذلك من عدة وجوه:
1 - يُرجح الحديث المتواتر في سنده وروايته على الحديث المشهور (عند الحنفية)، ويقدم المتواتر والمشهور على خبر الآحاد؛ لأن المتواتر يفيد اليقين،--------------------------------------------
(1) شرح الكوكب المنير (4/ 628)، وما بعدها، المستصفى (2/ 397)، الإحكام للآمدي (4/ 242)، البرهان (2/ 1162)، نهاية السول (3/ 202)، المحصول (5/ 535، 553)، العضد على ابن الحاجب (2/ 310)، البحر المحيط (6/ 150)، المسودة ص 305، الروضة ص 387، مختصر البعلي ص 169، العدة (3/ 1019)، مختصر الطوفي ص 187، المحلي على جمع الجوامع (2/ 361)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 197، إرشاد الفحول ص 276، وسائل الإثبات (2/ 811)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1188)، منهج التوفيق والترجيح ص 354.
(2) المراجع السابقة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 434)
والمشهور قريب منه (عند الحنفية)، أما حديث الآحاد فيفيد الظن.
2 - يرجح الحديث المسند على الحديث المرسل عند جماهير العلماء؛ لأن فيه مزيّة الإسناد لتحقق المعرفة برواته، أما المرسل فقد يكون في روايته مجهول، وهو مختلف في حجيته، أما المسند فمتفق على حجيته.
3 - ويرجح مرسل التابعي على مرسل غيره؛ لأن الظاهر أن التابعي رواه عن صحابي، والصحابة كلهم عدول.
4 - يرجح الحديث المسند الأعلى إسنادًا (كما سبق في القربنة) لقلة عدد الطبقات إلى منتهاه، ويُرجح الحديث المسند بالعنعنة على المسند إلى كتاب أحد المحدثين، ويُرجح الحديث المسند إلى أحد كتب المحدثين على الحديث الثابت بكتاب مشهور وبدون سند.
5 - يرجح الحديث المسند إلى الصحاح على غيره، كصحيح البخاري ثم صحيح مسلم، على كتب السنن والمسانيد وكتب الصحاح الأخرى.
6 - ويرجح ما صُحّح من الكتب على ما لم يصحح.
7 - يرجح الحديث المرفوع المتصل على الموقوف والمقطوع.
8 - يرجح المتفق على رفعه ووصله على الحديث المختلف فيه.
9 - ترجح الرواية التي تتفق ألفاظها ومعناها، على رواية مختلفة أو مضطربة، وهكذا، والأمثلة كثيرة في كتب السنة والحديث وأصول الفقه (1).--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (4/ 247، 248)، المحصول (5/ 553)، فواتح الرحموت (2/ 207)، تيسير التحرير (3/ 163)، مختصر ابن الحاجب (2/ 311)، المسودة ص 310، شرح الكوكب المنير (4/ 648)، الروضة ص 390، مجموع الفتاوى (13/ 116)، مختصر الطوفي ص 187، مختصر البعلي ص 170، البحر المحيط (6/ 157)، نهاية السول (3/ 203) وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص 423، إرشاد الفحول ص 178، المدخل إلى مذهب أحمد ص 197، شرح النووي على صحيح مسلم (1/ 20)، مقدمة ابن الصلاح ص 14، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1190)، منهج التوفيق والترجيح ص 398.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 435)
ثالثًا: الترجيح باعتبار المروي وكيفية الرواية:
وذلك من وجوه، أهمها:
1 - يرجح الحديث المسموع من النبي صلى الله عليه وسلم على المنقول من كتاب؛ لأن السماع فيه دقة، ويبعد عن احتمال التصحيف والغلط، وكذا يرجح الحديث المسموع على المحتمل سماعه أو عدم سماعه.
2 - يرجح الحديث المسموع من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله، على المروي من صحابي حاكيًا عما جرى في مجلسه أو زمانه أو سكت عنه، فيرجح قوله صلى الله عليه وسلم على فعله، وفعله على تقريره.
3 - يرجح الحديث المؤدى بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم على المروي بمعناه، وكذلك يرجح الخبر الذي اتفقت رواته على أنه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم.
4 - يرجح حديث الآحاد -عند الحنفية والحنابلة- الذي لا تعم به البلوى على حديث آحاد آخر تعم به البلوى؛ لتوفر الدواعي على نقله ولم ينقله إلا آحاد.
5 - يرجح الخبر الذي حكى الراوي سبب وروده عدى ما لم يحكه؛ لزيادة الاهتمام من الحاكي.
6 - يرجح الخبر الذي أسند بلفظ حدثنا أو أخبرنا على من أسنده بلفظ أنبأنا، وقيل: يرجح لفظ حدثنا على لفظ أخبرنا.
7 - يرجح الحديث المتفق على رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على المختلف في رفعه، وعلى المتفق على وقفه (1).--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 395)، الإحكام للآمدي (4/ 248)، المحصول (2/ 563)، تيسير التحرير (3/ 148، 165)، فواتح الرحموت (2/ 202)، المعتمد (1/ 390)، الإحكام لابن حزم (1/ 171، 432)، مختصر ابن الحاجب (2/ 311)، شرح تنقيح الفصول ص 422، التلويح على التوضيح (3/ 52)، شرح الكوكب المنير (4/ 653)، البحر المحيط (6/ 159)، المسودة ص 309، العدة (3/ 1029)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 199، إرشاد الفحول ص 279، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1191)، منهج التوفيق والترجيح ص 428.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 436)
رابعًا: الترجيح باعتبار المروي عنه:
وفيه وجوه، منها:
1 - يرجح الخبر الذي لم يتردد فيه الأصل في رواية الفرع، على الرواية التي يتردد الأصل في رواية الفرع عنه، وكذا كل خبر لم يقع فيه إنكار لرواية المروي عنه الحديث على الخبر الذي وقع فيه إنكار.
2 - يرجح الخبر الذي وقع فيه إنكار من الأصل على الفرع إنكار نسيان، على ما فيه إنكار تكذيب وجحود.
3 - يرجح الخبر الذي سمعه الراوي شفاهًا من المروي عنه، عن الخبر الذي سمعه من وراء حجاب، فالمشافهة تقدم على رواية الآخر.
4 - يرجح الحديث الذي يرويه الراوي عن حفظه وكتابه، عما يرويه عن أحدهما.
5 - يرجح الحديث الذي رواه بسماعه من لفظ الشيخ، على الحديث المسموع بالقراءة على الشيخ.
6 - يرجح الحديث الذي يرويه بالسماع على ما يرويه بالإجازة (1).
قال عضد الدين: "الترجيح بحسب المروي عنه: هو ألا يثبت إنكارُه لروايته على ما ثبت إنكاره لروايته، وهذا يحتمل وجهين: ما لم يقع لراويه إنكار له، وما لم يقع للناس إنكار لروايته" (2).
النوع الثاني: الترجيح باعتبار المتن:
المراد من المتن هو اللفظ الثابت بالنصوص، وهي الكتاب والسنة، ويلحق بها الإجماع، ويشمل ذلك الترجيح بحسب اللفظ، وهو المراد هنا،--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (4/ 249)، المحصول (2/ 564)، فواتح الرحموت (2/ 206)، تيسير التحرير (3/ 161، 165)، التلويح على التوضيح (3/ 53)، جمع الجوامع والبناني (2/ 365)، العضد على ابن الحاجب (2/ 312)، شرح الكوكب المنير (4/ 657)، إرشاد الفحول ص 278، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1191).
(2) العضد على ابن الحاجب (2/ 312).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 437)
والترجيح بحسب المدلول والحكم، وهو النوع الثالث.
وإن وجوه الترجيح باعتبار لفظ المتن كثيرة، كالأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، وغيرها. ونذكر أهمها:
1 - يرجح اللفظ الفصيح على الركيك إن قبل، وقيل: يرجح الأفصح على الفصيح، والصحيح أنه لا يرجح؛ لأن البليغ يتكلم بهما.
2 - يرجح النهي على الأمر؛ لشدة إلطلب في النهي واقتضائه للدوام؛ ولأن دفع المفاسد في النهي، مقدم على جلب المصالح بالأمر.
3 - يرجح الخبر الذي فيه أمر على الخبر الذي فيه مبيح؛ لاحتمال الضرر بتقديم المبيح، فيؤخذ بالاحتياط، ولأن العامل بالأمر عامل بالمبيح أيضًا ضمنًا، ولا عكس.
4 - تُرجح الحقيقة على المجاز؛ لأنها الأصل، وعدم حاجتها لقرينة، وهي التي تتبادر للذهن، ولذلك قالوا: الأصل في الكلام الحقيقة.
5 - يرجح اللفظ الخاص على اللفظ العام، فالخاص يقضي على العام، والخاص أقوى في الدلالة، وأخص بالمطلوب، وأقرب إلى التعيين، وذلك إذا كان العموم والخصوص مطلقًا، فإن كان وجهيًا، ووجد ما يرجح أحدهما على الآخر بأمر خارج عنهما، عُمل بخصوصه، وإن لم يوجد، كان المجتهد مخيرًا بالعمل بأيهما شاء عند الشافعية، أو بما تطمئن به نفسه عند الحنفية، ولا يعمل بالخاص منهما؛ لأن الخصوص ثابت لكل منهما، فهو عام من وجه، خاص من وجه آخر، فلا يعمل بأحدهما دون الآخر؛ لما في ذلك من التحكم، وهو العمل بدون دليل.
6 - يُقدّم العام الذي لم يُخصص على العام الذي خُصّ؛ لأن دخول التخصيص يضعف اللفظ ويصير به مجازًا.
7 - يتقدم العام المطلق على العام الوارد على سبب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، والثاني يوهنه ويحطه عن رتبة العموم المطلق.
8 - الجمع المعرف يقدم على الجمع المنكر؛ لأن الأول لا يدخله
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 438)
الإبهام، بخلاف الثاني.
9 - اللفظ المشتمل على الحقيقة الشرعية أو العرفية يقدم على المشتمل على الحقيقة اللغوية التي صار لها حكم شرعي.
10 - يُرجح القول على الفعل؛ لأن القول أبلغ في البيان من الفعل.
11 - يُرجح اللفظ المقرون بالتأكيد كالتكرار على الآخر الذي لم يؤكد؛ لأن التأكيد يبعد احتمال المجاز والتأويل، وهكذا، ويرجح مجاز على مجاز آخر لأسباب، وغير ذلك (1).
النوع الثالث: الترجيح بحسب المدلول أو الحكم:
إن الترجيح بين النصوص المنقولة يتم بحسب ما دلّ عليه اللفظ من الأحكام الخمسة، وهي: الإباحة، والكراهة، والتحريم، والندب، والوجوب، ويتم الترجيح في ذلك بوجوه عدة، أهمها:
1 - يُرجح الحظر على الإباحة والكراهة والمندوب والوجوب، عند جماهير العلماء (2)؛ لأن فعل المحظور يستلزم مفسدة، بخلاف غيرها، فالإباحة لا يتعلق بفعلها ولا بتركها مصلحة ولا مفسدة، وفي الكراهة كذلك؛ لتغليب الحرام على الحلال؛ لأنه أحوط، ولأن الندب لتحصيل مصلحة، والحظر لدفع مفسدة، ودفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة في نظر العقلاء، ويرجح الحظر على الوجوب (3)؛ لأن إفضاء الحرمة إلى--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (4/ 250)، جمع الجوامع (2/ 368)، مختصر ابن الحاجب (2/ 312)، البحر المحيط (6/ 165)، شرح الكوكب المنير (4/ 659)، مختصر البعلي ص 170، نهاية السول (1/ 369)، فواتح الرحموت (2/ 205)، تيسير التحرير (3/ 157)، المحصول (5/ 574)، إرشاد الفحول ص 278، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1192)، منهج التوفيق والترجيح ص 429.
(2) هناك أقوال أخرى بتقديم المبيح على المحرم؛ لأنه تقوى بالأصل وهو الإباحة، وفي قول: يستويان ويسقطان.
(3) قال الرازي والإسنوي: يتعارض الحظر والوجوب، ولا يعمل بأحدهما إلا بمرجح، لكن جزم الآمدي وابن الحاجب بترجيح الحظر، المراجع الآتية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 439)
مقصودها أتم لحصوله بالترك، وللاعتناء بدفع المفاسد، ولأن الاحتياط في ترك الفعل عند الحظر يوجب الأخذ بالتحريم.
2 - يرجح الإثبات على النفي عند الشافعية والحنابلة وجمهور الفقهاء؛ لأن معه زيادة علم، وقال بعض العلماء: يقدم النفي على الإثبات لاعتضاد النافي بالأصل، وأيده الآمدي، وقيل: هما سواء، فيتعارضان، ويطلب الترجيح من وجه آخر.
3 - يُرجح الخبر النافي للحد والعقاب على الموجب لهما؛ لأن العقاب ضرر، والضرر منفي في الإسلام، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات.
4 - الحكم المثبت للحكم الوضعي أولى من الحكم المثبت للحكم التكليفي؛ لأن الوضعي لا يتوقف على أهلية المخاطب وفهمه وتمكّنه، وقال آخرون: يقدم الحكم التكليفي على الوضعي؛ لأن التكليفي أكثر مثوبة، وهي مقصودة للشارع.
5 - الحكم الأخف يرجح على الحكم الأثقل، لأن الشريعة قائمة على التخفيف بنصوص كثيرة، وقيل: يقدم الأثقل؛ لأنه أشقّ وأكثر ثوابًا.
وهناك ترجيحات كثيرة تتعلق بالمدلول والحكم، كالخبر المثبت للطلاق مقدم على النافي له؛ لأن الأصل عدم التغيير، والخبر الذي يوجب حكمين أولى من الخبر الذي يوجب حكمًا واحدًا؛ لاشتمال الأول على زيادة علم ينفيها الثاني (1).--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (4/ 259)، المعتمد (2/ 848)، المحصول (5/ 587)، جمع الجوامع والبناني (2/ 367)، تيسير التحرير (3/ 144)، فواتح الرحموت (2/ 206)، مختصر ابن الحاجب (2/ 315)، البحر المحيط (6/ 169)، شرح الكوكب المنير (4/ 679)، مجموع الفتاوى (20/ 262)، المسودة ص 312، العدة (30/ 1041)، الروضة ص 391، نهاية السول (3/ 216)، التلويح على التوضيح (3/ 46، 52)، مختصر الطوفي ص 188، إرشاد الفحول ص 279، 283، شرح تنقيح الفصول ص 418، المدخل إلى مذهب أحمد ص 199، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1194)، منهج التوفيق والترجيح ص 458، علم أصول الفقه ص 232.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 440)
النوع الرابع: الترجيح بين النصوص بأمر خارج:
وهو الترجيح بين الدليلين بدليل آخر خارج عنهما، أي: لا يتعلق بالسند ولا بالمتن، وإنما بوجود دليل آخر خارج عن الدليلين المتعارضين، وفيه وجوه كثيرة، أهمها:
1 - يرجح أحد الدليلين بموافقة دليل آخر له من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، أو عقل، أو حسّ؛ لأنه يفيد ظنًّا أقوى من معارضه الذي لم يوافقه دليل آخر، فيعمل بالأقوى لكونه أقرب إلى القطع، وهذا ما يعمله العقلاء، ويجري عليه العرف، ولأن في مخالفة الدليلين محذورًا أكثر من مخالفة الدليل الواحد، وهذا عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه تعالى: لا يُرجح بذلك، وإنما يتساقط الدليلان، ويترك العمل بهما، فلا ترجيح عندهم بكثرة الأدلة، قياسًا على عدم الترجيح عندهم في الشهادة بكثرة العدد، ولأنه يؤدي إلى ترجيح القياس على الخبر عند تعارضهما؛ لأن القياس يوافقه قياس آخر.
وردَّ الجمهور عليهم هذا الرأي والاستدلال بوجود القول في ترجيح الشهادة بكثرة العدد عند بعض الفقهاء، وأن القياس المخالف للخبر ليس دليلًا أصلًا؛ لأن من شروط صحة القياس عدم معارضته للنص، والراجح قول الجمهور؛ لحصول القوة بالدليل الآخر، وهو ما يفعله الحنفية في فروعهم.
2 - يرجح الدليل الذي عمل به الخلفاء الراشدون، أو أهل المدينة، وإن لم يكن عمل أهل المدينة حجة عند الجمهور، ولكنه يُقوى به؛ لأن الظاهر بقاؤهم على ما كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وللحث على اتباع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ولأن الظاهر أنهم لم يتركوا النص الآخر إلا لحجة عندهم.
3 - يرجح الدليل الذي عمل به أكثر السلف؛ لأن الأكثر يُوفق للصواب ما لا يوفق له الأقل، وكذلك إذا عمل بالدليل بعض الأمة، فيرجح؛ لأنه يكون أغلب على الظن قبوله.
4 - يرجح الدليل الذي ذكر فيه الحكم الشرعي معلّلًا بعلة على الحكم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 441)
المذكور بدون علة؛ لأن الأول أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع، والنفس له أقبل بسبب تعقل المعنى، وكذا إذا علّل حكمان، وكانت علة أحدهما أرجح، فيرجح على الثاني، كما سيأتي في الأقيسة.
5 - يرجح الدليل الموافق للقياس على الدليل المخالف للقياس، والمراد بالقياس هنا القواعد العامة والمبادئ المستقرة في الشرع، فيكون الدليل المعقول المعنى أغلب شرعًا، فالإلحاق بالغالب أولى من الإلحاق بالنادر.
6 - يقدم الدليل الذي يكون أقرب للاحتياط وبراءة الذمة؛ لأنه يتفق مع تحصيل المصالح ودفع المضار.
7 - يرجح الدليل الذي يكون تأويله أرجح من الدليل الذي يكون تأويله أقل؛ لأن في الأول مزية بذلك.
8 - يُرجح الدليل الذي فسّره الراوي بفعله أو قوله على الدليل الذي لم يفسره راويه؛ لأن تفسير الأول يفيد ظنًّا أوثق؛ لأنه أعرف بما رواه، كحديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما في حديث خيار المجلس: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" (1)، فيبن ابن عمر أن المراد بالتفرق بالأبدان (2)، فاشتمل على فائدة زائدة.
9 - يرجح الخبر الذي ذكر الراوي سببه على الخبر الذي لم يبين راويه سببه؛ لأن ذكر السبب يدل على زيادة اهتمام الراوي بروايته.
10 - يرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيّق، كأول شهر كذا من سنة كذا على الخبر المؤرخ بتاريخ موسّع؛ لأن الأول يدل على زيادة اهتمام راويه به، وأن الثاني يحتمل كونه قبل الشهر المذكور في المضيق أو بعده، فيقدم ذو التاريخ المضيّق.--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه البخاري (2/ 732، 743) ومسلم (10/ 173) والترمذي (4/ 448).
(2) قال الترمذي رحمه اللَّه تعالى: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق … ، وقال بعض أهل العلم … الفرقة بالكلام، والقول الأول أصح؛ لأن ابن عمر هو الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أعلم بمعنى ما روى عنه" جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي (4/ 450).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 442)
11 - يرجح الدليل الذي قصد به بيان الحكم المختلف فيه على الآخر؛ لأن الأول يكون أمس بالمقصود، أو أقرب إليه، مثل قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23]، وقوله تعالى: {إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فالأولى تحرم الجمع بين الأختين في الوطء بعقد النكاح وبملك اليمين، والثانية أفادت عموم الوطء بملك اليمين، فالأولى قصد بها تحريم الجمع بين الأختين، والثانية لم يقصد بها بيان الجمع (1).
القسم الثاني: الترجيح بين الأقيسة:
وهي الأدلة المعقولة سواء كانت أقيسة أو استدلالات، ويكون الترجيح من وجوه كثيرة، وتصنف إلى أربعة، وهي الترجيح من جهة الأصل، والترجيح من جهة الفرع، والترجيح بحسب العلة، والترجيح من جهة أمر خارج.
أولًا: الترجيح من جهة الأصل:
المراد من الأصل هو الحكم المنصوص عليه، ويقاس عليه غيره، فإذا وجد قياسان، فينظر إلى الأصل المقيس عليه، فإن وجد فيه ما يرجّحه بكون دليل أصله أقوى، ترجح على القياس الثاني، وذلك أنواع كثيرة، أهمها:
1 - حكم الأصل قطعي: فإنه يرجح على القياس الذي يكون حكم أصله ظنيًّا؛ لأن القطعي لا يتطرق إليه الخلل، فيقدم على الظني، مثل لعان الأخرس، فيقاس على يمينه أو على شهادته، والأرجح قياسه على اليمين التي تصح من الأخرس بالإجماع، وأما شهادته ففيها خلاف بين الفقهاء--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (4/ 264)، البرهان (2/ 1178)، جمع الجوامع والبناني (2/ 370)، نهاية السول (3/ 212)، تيسير التحرير (3/ 166)، أصول السرخسي (3/ 212)، المحصول (5/ 541)، المستصفى (2/ 396)، فواتح الرحموت (2/ 206)، المسودة ص 311، الروضة ص 390، العدة (3/ 1046)، مختصر البعلي ص 171، شرح الكوكب المنير (4/ 695)، البحر المحيط (6/ 175)، إرشاد الفحول ص 279، المدخل إلى مذهب أحمد ص 199، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1199)، منهج التوفيق والترجيح ص 528. =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 443)
فيجيزها المالكية، ويمنعها الجمهور.
2 - قوة دليل الأصل: يرجح القياس الذي يكون دليله أقوى؛ لأن صحته أغلب في الظن.
3 - ثبوت العلة بالإجماع أو بالنص: قال أكثر العلماء: يرجح ما ثبتت عليته بالإجماع على ما ثبتت عليته بالنص، لقبول النص للتأويل والتخصيص والنسخ بخلاف الإجماع، وقال بعضهم بالعكس؛ لأن الإجماع فرع عن النص؛ لأنه ثبت به واعتمد عليه، والأصل يقدم على الفرع، وهذا قول الحنابلة والأرموي والبيضاوي من الشافعية.
4 - الدليل الخاص على التعليل: يرجح ما دل دليل خاص على تعليله وجواز القياس عليه، دون غيره؛ لأن الأول أبعد في الاحتمال بوروده بمعنى التعبد واقتصار الأصل عليه.
5 - الأصل الذي لا يدخله النسخ: يرجح الأصل الذي لم يدخله النسخ بالاتفاق على ما هو مختلف في نسخه؛ لأن الأصل في الشرع عدم النسخ فيرجح على ما يحتمله.
6 - يرجح القياس الخاص بالمسألة على القياس العام بحسب القواعد (1).
ثانيًا: الترجيح من جهة الفرع:
الفرع هو المسألة أو القضية التي لم يثبت حكمها بنص، وإنما يؤخذ حكمها بقياس على الأصل المنصوص عليه، وإذا وجد قياسان متعارضان فيرجح أحدهما على الآخر بحسب الفرع بوجوه، منها:--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 399)، الإحكام للآمدي (4/ 268)، المعتمد (2/ 847)، المحصول (5/ 617)، تيسير التحرير (4/ 90)، مختصر ابن الحاجب (2/ 317)، جمع الجوامع والبناني (2/ 373)، شرح الكوكب المنير (4/ 714)، نهاية السول (4/ 269)، البرهان (2/ 1285)، إرشاد الفحول ص 282، المدخل إلى مذهب أحمد ص 200، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1201)، المغني (10/ 171)، وسائل الإثبات (1/ 130)، البحر المحيط (6/ 186)، علم أصول الفقه ص 232.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 444)