فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الاجتهاد على المتقدمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح وعقل سويّ" (1).
وبهذا يتأكد أن الاجتهاد فرض، وعلى العلماء الفقهاء المختصين أن يبذلوا أقصى جهدهم في معرفة الأحكام الشرعية للوقائع الطارئة، والمستجدات التي تواجه الناس في كل زمان.
وقال الماوردي رحمه اللَّه تعالى: "أن يكون الاجتهاد أصلًا يستخرج به حكم ما لم يرد فيه نص، ولا انعقد عليه إجماع" (2).
العلم بالاجتهاد:
متى تم الاجتهاد بشروطه التي سنذكرها وجب العمل به في الحوادث والقضايا، سواء بالنسبة للمجتهد نفسه، أو لمن سأله وعلم برأيه، إلا لمجتهد آخر، وذلك لإجماع الصحابة فمن بعدهم، ويسمى الحكم الاجتهادي حكمًا شرعيًّا في الصحيح، وهو دين اللَّه وشرعه (3).--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول ص 254.
(2) الحاوي (20/ 186)، وانظر: البحر المحيط (6/ 207)، إرشاد الفحول ص 253، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1070)، أصول الأحكام ص 372.
(3) البحر المحيط (6/ 198).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 285)
المبحث الثاني أركان الاجتهاد وشروطه
أركان الاجتهاد:
الاجتهاد له ثلاثة أركان، وهي:
1 - نفس الاجتهاد:
وهو العمل والفعل الذي يبذل فيه المجتهد وسعه لنيل حكم شرعي من الأدلة المقررة شرعًا عن طريق الاستنباط والاستدلال والقياس وغيره، مما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، أو مما لم يسبق فيه إجماع، وسبق تعريف الاجتهاد، وسيرد لاحقًا مجاله، وشروطه.
2 - المجتهد:
وهو الفقيه البالغ العاقل الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد، وصار عنده ملكة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها، وبشروطها التي سترد.
3 - المجتهد فيه:
وهو الحكم الشرعي العملي أو العلمي الذي ليس فيه دليل قطعي، فالحكم هو الوصف للحادثة أو الواقعة، والشرعي لإخراج الأمور العقلية التي لا تحتمل الاجتهاد، ولأن الحق فيها واحد لا يتعدد، ولا يحتمل الاختلاف، والعملي هو الذي يقتضي عملًا بالقلب أو اللسان أو الأعضاء والجوارح مما يدخل في كسب المكلف إقدامًا أو إحجامًا، والعلمي هو ما تضمنه علم الأصول من المظنونات التي يستند العمل إليها، وعبارة "ليس فيه دليل قاطع" لتخرج الأحكام الثابتة بالدليل القطعي، مما يحرم فيه الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد ظن، والظن لا يقوي ولا يعارض القطع، وذلك كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصيام رمضان، والحج، وما اتفقت عليه الأئمة، وأجمع عليه الفقهاء من أحكام الشرع الجلية، كما سنبينه في مبحث محل الاجتهاد، أو مجاله، أو .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 286)
نطاقه (1).
شروط الاجتهاد:
تنصب معظم شروط الاجتهاد على صفات المجتهد، أما شروط الاجتهاد نفسه فستأتي ضمنًا في شروط المجتهد، وفي شروط المجتهد فيه التي سنذكرها في مجال الاجتهاد ونطاقه، ولذلك نخصص هذه الفقرة لبيان شروط المجتهد المطلق الذي كان يطلق عليه سابقًا الفقيه.
يشترط في المجتهد أن تتوفر فيه الشروط التالية، حتى يسوغ له الاجتهاد، ويثاب على فعله، ويقبل قوله، ويعتد به، ويجوز اتباعه، أو تقليده، أو الأخذ به (2)، وهي:
1 - العلم بكتاب اللَّه تعالى:
يشترط في المجتهده أن يكون عالمًا بمعاني القرآن الكريم، ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب، بل ما يتعلق فيه بالأحكام العملية، وهي التي قدَّرها العلماء بخمس مئة آية في الغالب، ولا يشترط حفظه لها عن ظهر قلب، وإنما يكفي أن يكون عالمًا بموضعها، وإمكان الرجوع إليها عند الحاجة، واستحضارها للاحتجاج بها.
قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك، بل من له فهم صحيح وتدبر--------------------------------------------
(1) البحر المحيط (6/ 195، 227)، إرشاد الفحول ص 250، 252.
(2) انظر شروط المجتهد في: الرسالة ص 509، المستصفى (2/ 350)، المحصول (3/ 30)، الإحكام للآمدي (4/ 162)، نهاية السول (3/ 244)، فواتح الرحموت (2/ 363)، كشف الأسرار (4/ 15)، تيسير التحرير (4/ 180)، العضد على ابن الحاجب (2/ 290)، شرح تنقيح الفصول ص 437، البحر المحيط (6/ 199)، شرح الكوكب المنير (4/ 459)، الموافقات (4/ 67)، الرد إلى من أخلد إلى الأرض ص 113، مختصر الطوفي ص 173، المدخل إلى مذهب أحمد ص 180، إرشاد الفحول ص 250، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1043)، أصول الأحكام ص 365، الحاوي (20/ 179).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 287)
كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال، قيل: ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات، لا بطريق التضمن والالتزام" (1).
والمراد من العلم بالآيات من الناحية اللغوية، وذلك بمعرفة معنى المفردات والمركبات، وخواصها في إرادة المعنى إما بالسليقة العربية، وإما بتعلُّم علوم العربية في الصرف والنحو والمعاني والبيان وسائر فنون البلاغة، وكذلك معرفة الآيات شرعًا بإدراك العلل والمعاني المؤثرة في الأحكام، وأوجه دلالة اللفظ على المعنى مما سبق بيانه من العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء، والمنطوق والمفهوم، ومعرفة أقسام اللفظ التي سبق بيانها كالعام والخاص والمشترك والمجمل والمفسر والمحكم وغيرها، وأن يعلم الناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما سيأتي في قواعد أصول الفقه، وكذلك أسباب النزول للآيات، وأسباب الورود للأحاديث، ليستعين بها في معرفة المراد من النص، وما يتعلق به من تخصيص أو تعميم (2).
2 - العلم بالسُّنَّة المتعلقة بالأحكام:
وذلك بأن يعرف أحاديث الأحكام، لغة وشرعًا، كما سبق في القرآن، ولا يشترط حفظها، وإنما يكفيه العلم بمواقعها، والمعرفة بكيفية الرجوع إليها عند الاستنباط، ويعلم صحة الحديث وضعفه سندًا ومتنًا، ويتجنب الموضوع مطلقًا، وحدد ابن العربي أحاديث الأحكام بثلاثة آلاف، ونقل عن أحمد أنها ألف ومئتان، وشدد في رواية أنها خمس مئة ألف، وفي رواية--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول ص 250، وسبق إلى ذلك الزركشي رحمه اللَّه تعالى فقال: "ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات، لا بطريق الضمن والالتزام" البحر المحيط (6/ 199)، وقال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى مثل ذلك: "وقد ذكروا أن الآيات خمسمائة آية، وكأنهم أرادوا ما هو مقصود به الأحكام دلالة أولية بالذات، لا بطريق التضمن والالتزام، فغالب القرآن، بل كله لا يخلو شيء منه عن حكم يستنبط منه" شرح الكوكب المنير (4/ 460).
(2) الإحكام للآمدي (4/ 164)، جمع الجوامع والبناني عليه (2/ 384)، نهاية السول (3/ 245)، شرح الكوكب المنير (4/ 363).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 288)
ثلاث مئة ألف، ولعله أراد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين.
ووضح ذلك الشوكاني رحمه اللَّه تعالى فقال: "والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بدَّ أن يكون عالمًا بما اشتملت عليه مجاميع السنَّة التي صنَّفها أهل الفن، كالأمهات الست (وهي: صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وما يلحق بها (كالموطأ وسنن الدارمي والدارقطني والبيهقي) مشرفًا على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات (كمسند أحمد، ومستدرك الحاكم) والكتب التي التزم مصنفوها الصحة (مثل صحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، ومصنف عبد الرزاق) حتى لا يلجأ المجتهد إلى القول بالرأي والقياس مع وجود النص، وهذا ما يتعلق بمتن الحديث … وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف .. ، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل … " (1)، ويمكن الاعتماد على كتب أحاديث الأحكام، وكتب تخريج أحاديث الأحكام، وما ورد فيها من عزو وتخريج وبيان للصحيح والضعيف (2).
3 - العلم بالناسخ والمنسوخ:
يشترط في المجتهد معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنّة، وهي محصورة في آيات وأحاديث كما سبق، حتى لا يعتمد المجتهد على منسوخ متروك في القرآن والسنة، وذلك عند الاجتهاد والفتوى، وجمع ذلك في عدة كتب (3).
4 - معرفة مسائل الإجماع:
بدأ الاجتهاد في الجيل الأول قبل الإجماع، فإن اتفقت آراء المجتهدين صار إجماعًا، ويحتل مرتبة القطع، فلا يجوز خرقُه ولا مخالفته.--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول ص 251.
(2) انظر: المصادر والمراجع المذكورة قبل قليل.
(3) المستصفى (2/ 352)، المحصول (3/ 35)، نهاية السول (3/ 245)، تيسير التحرير (4/ 182)، الإحكام للآمدي (4/ 163)، شرح الكوكب المنير (4/ 461)، إرشاد الفحول ص 252، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1046)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 181.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 289)
ويشترط في المجتهد اللاحق أن يكون متمكنًا من معرفة مسائل الإجماع؛ ليكون رأيه موافقًا للإجماع، ويجتنب الاجتهاد والفتوى بخلاف ما أجمع عليه، فيكون قد خرق الإجماع، وبالتالي يكون رأيه باطلًا ومردودًا.
ولا يلزم المجتهد حفظ جميع مسائل الإجماع، ولكن يشترط أن يعلم أن المسألة التي يجتهد فيها ليس فيها إجماع، وأن فتواه ليست مخالفة للإجماع، بل موافقة لمذهب عالم، أو أنها حادثة جديدة، ولم يسبق بحثها أو الإجماع فيها (1).
ويتفرع عن ذلك أن يعرف المجتهد المسائل الخلافية التي اختلفت فيها وجهات النظر عند الاجتهاد فيها، وبيَّن الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى الحكمة من ذلك، فقال:
"ولا يكون لأحد أن يقيس (يجتهد) حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم … ، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتًا فيما اعتقد من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف أين قال ما يقول، وترك ما يترك، ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه، حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله" (2).
وهذا يبين أن دراسة أسباب اختلاف الفقهاء والإحاطة بأدلتهم، وأسس وجهات نظرهم المتفاوتة يربي ملكة الاستنباط والنقد والتمحيص للأدلة، والفحص للمعاني، وينمي في الشخص أهلية الاجتهاد والنظر والاستنباط الصحيح (3).--------------------------------------------
(1) المحصول (3/ 34)، جمع الجوامع والبناني عليه (2/ 384)، نهاية السول (3/ 244)، المستصفى (2/ 351)، شرح الكوكب المنير (4/ 464)، مختصر الطوفي ص 174، المدخل إلى مذهب أحمد ص 182، إرشاد الفحول ص 251، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1046)، أصول الأحكام ص 366.
(2) الرسالة فقرة 510 - 511.
(3) أصول الأحكام ص 367، وانظر فصل "أسباب اختلاف الفقهاء" من هذا الكتاب (1/ 77).=
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 290)
5 - معرفة القياس:
يشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بوجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وأن يعرف علل الأحكام، وطرق الاستنباط من النصوص والمصالح وأصول الشرع؛ لأن القياس أحد أبواب الاجتهاد الرئيسة، مع باقي أبواب أصول الفقه كما سنرى.
6 - معرفة علوم اللغة العربية:
يشترط في المجتهد أن يعرف علوم اللغة العربية من نحو وصرف ومعان وبيان، وأساليب الأدباء؛ لأن القرآن والسنة جاءا باللغة العربية، وبحسب دلالات أهل اللغة، وذلك لمعرفة مراد الشرع وقصده، بمقتضى أساليب العرب، وبالتالي فإن مبحث دلالات الألفاظ التي سبق بيانها تتوقف على معرفة كلام العرب وفهمه في الألفاظ والمفردات، والجمل والتراكيب، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والإطلاق والتقييد، والمجمل والمبين، والأمر والنهي، والاستثناء، ودليل الخطاب وفحواه ومفهومه، وغير ذلك؛ لأن بعض الأحكام تتوقف على ذلك توقفًا ضروريًّا، وقد يختلف الحكم بحسب حركة الإعراب بالرفع أو النصب أو الجر.
ولا يشترط حفظ لغة العرب عن ظهر قلب، ولكن يكفي أن يكون قادرًا على استخراج المراد من المظان والمؤلفات، وأن يعرف قدرًا كافيًا يستطيع به فهم الخطاب العربي، وعادات العرب، ومقاصد الألفاظ والمعاني؛ لأن اللغة هي الآلة والأداة التي يستعين بها لفهم النص وتحديد المراد منه؛ لاستنباط الأحكام والعلل، والقياس عليها، ويتقرر ذلك بمعرفة اللغة نثرًا وشعرًا، ونحوًا وصرفًا وغيره.
7 - العلم بأصول الفقه:
يشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بأصول الفقه؛ لأنه الأداة الثانية بعد اللغة؛ ليكون المجتهد قادرًا على استخراج أحكام الفقه من الأدلة الشرعية، وضمن مصادر التشريع الصحيحة المقررة في علم أصول الفقه، وبناء على
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 291)
قواعد الاستنباط والاستدلال التي حددها علم أصول الفقه، وسبق بيانها في الباب السابق، ولذلك أكد الفخر الرازي أن علم أصول الفقه أهم العلوم للمجتهد، وسبقه إلى ذلك الغزالي رحمه اللَّه تعالى مبينًا أن أعظم علوم الاجتهاد هي الحديث واللغة وأصول الفقه، وسبقهما إمام الحرمين الجويني رحمه اللَّه تعالى الذي قال: أهم العلوم للمجتهد أصول الفقه.
ويدخل في علم أصول الفقه معرفة مقاصد الشريعة العامة التي تنير الطريق عند استنباط الأحكام، حتى لا يجمد العقل والفكر على الظاهر، وحرفية النص، وقطعه عن سائر النصوص التي تحدد أسرار الشريعة وغاياتها العامة، مما يساعد على تحديد المراد من النصوص، وترجيح أحد المعاني التي تتفق مع المقاصد دون غيرها، وسبق في الجزء الأول بيان مقاصد الشريعة، وأنها تنحصر في تحقيق مصالح الناس، بجلب النفع لهم ودرء المفاسد عنهم، وتدور على حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال (1).
ولا يشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بفروع الفقه، ولا بعلم الكلام، لكن لا بدَّ من اعتقاد صحيح جازم، ولا يشترط معرفة العقيدة على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي يحررونها، ويحصل الاجتهاد بممارسة الفقه؛ لأنه طريق لتحصيل الدربة والمعرفة والخبرة للاجتهاد (2).--------------------------------------------
(1) الجزء الأول ص 101، وانظر: المستصفى (2/ 353)، المحصول (3/ 30)، الرسالة ص 509، الإحكام للآمدي (4/ 162)، نهاية السول (3/ 244)، فواتح الرحموت (2/ 363)، البحر المحيط (6/ 201)، تيسير التحرير (4/ 180)، الرد إلى من أخلد إلى الأرض ص 113، العضد على ابن الحاجب (2/ 290)، شرح تنقيح الفصول ص 437، مختصر البعلي ص 163، مختصر الطوفي ص 173، المدخل إلى مذهب أحمد ص 180، إرشاد الفحول ص 250، شرح الكوكب المنير (4/ 459)، الروضة ص 352، كشف الأسرار (4/ 15)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1043)، أصول الأحكام ص 367.
(2) المستصفى (2/ 253)، الإحكام للآمدي (2/ 163)، المحصول (3/ 36)، نهاية السول (3/ 245)، كشف الأسرار (4/ 16)، جمع الجوامع والبناني عليه (2/ 384)، مختصر البعلي ص 164، مختصر الطوفي ص 174، شرح الكوكب =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 292)
شروط المجتهد المقيد:
إن الشروط السابقة تختص بالمجتهد المطلق، وهو نادر الحصول في العصور المتأخرة والحاضرة، أما المجتهد المقيد، أو المجتهد الجزئي في مسألة أو بجانب فقهي كالمعاملات المالية، أو الجهاد وما يتعلق به، أو الجنايات، أو الإثبات، أو القضاء، أو الميراث، فلا يشترط فيه جميع الشروط السابقة، وإنما يشترط فيه أن يكون عالمًا بذلك الجانب الذي يجتهد فيه وما يتعلق بهذا الاختصاص، وهذا ما يؤدي إلى جواز تجزؤ الاجتهاد كما سنرى.
كما أن المجتهد في المذهب لا يشترط أن تتوفر فيه شروط المجتهد المطلق السابقة، وإنما يكفيه أن يكون ملمًّا بمذهبه، وقول إمام المذهب، وآراء علماء المذهب والمجتهدين فيه، وأصول المذهب التي اعتمد عليها الإمام، والأدلة الفرعية التي استدل بها الفقهاء على حكم معين، ليستطيع التخريج أو الترجيح في المذهب، وبالتالي بيان أحكام النوازل المستجدة حسب ذلك المذهب.
يقول الغزالي رحمه اللَّه تعالى: "وليس الاجتهاد عندي مَنْصبًا لا يتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض" (1).
ويقول الآمدي رحمه اللَّه تعالى: "أما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفًا بما يتعلق بتلك المسألة، وما لا بدَّ منه فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق بها" (2).
وهذه الشروط الخاصة للمجتهد المقيد، أو المجتهد في المذهب، هي المطلوبة الآن، مما يحصّلها الباحث والدارس المتخصص في الشريعة والفقه وأصول الفقه (3).--------------------------------------------
= المنير (4/ 466)، إرشاد الفحول ص 252، المدخل إلى مذهب أحمد ص 182.
(1) المستصفى (2/ 353).
(2) إحكام الأحكام، له (4/ 163).
(3) البحر المحيط (6/ 205)، شرح الكوكب المنير (4/ 467)، إرشاد الفحول =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 293)
وهذا يقودنا إلى معرفة مراتب المجتهدين، وأنواع الاجتهاد.
مراتب المجتهدين:
المجتهد إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، فتكون مراتب المجتهدين خمسًا، وهي:
1 - المجتهد المستقل المطلق:
وهو الذي توفرت فيه الشروط السابقة، وكان له قواعد لنفسه، وأصول خاصة يعتمد عليها، ويبني عليها أحكام الفقه، ويمارسها في الاجتهاد، وكان اجتهاده في عامة أبواب الفقه، ويبذل جهده في معرفة النوازل والوقائع وما يُسأل عنه، وهذا هو المجتهد المطلق المستقل.
وهذا الصنف لم يعد متوفرًا، ويمتنع على الإنسان أن تتوفر فيه هذه الصفات، وخاصة مع اتساع العصر، وتنوع العلوم، وكثرة الوقائع والنوازل، والاعتماد على التخصص العام، والتخصص الفرعي الدقيق في مختلف العلوم وفي شؤون الحياة.
ومن أمثلة المجتهد المطلق فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الذين جاؤوا بعدهم واشتهروا بالاجتهاد المطلق كالإمام زيد، ومحمد الباقر، وأبي حنيفة، وجعفر الصادق، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وابن جرير الطبري، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم كثير.
2 - المجتهد المطلق غير المستقل:
وهو الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد كالصنف السابق، لكن لم يضع لنفسه قواعد ينفرد بها، بل التزم طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مجتهد مطلق منتسب، فهو لم يقلد إمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقته في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرًا منه على أهله، فوجده صوابًا، وأولى من غيره، وذلك مثل أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم--------------------------------------------
= ص 252، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1051)، أصول الأحكام ص 369.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 294)
وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية.
3 - المجتهد المقيد:
ويسمى: المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج؛ لأنه مقيد في مذهب إمام معين، وعاملٌ على تقرير أصوله بالدليل، ولا يتعدى أصوله وقواعده، ويتقنها مع فقهها وأدلة مسائلها، وفي ذات الوقت فإنه يعرف القياس، ويقدر على التخريج والاستنباط على أصول إمامه، ويلحق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه (1)، كالحسن بن زياد الكرخي والطحاوي من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد من المالكية، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي إسحاق المروزي من الشافعية، وغيرهم.
ويقوم مجتهد التخريج بنشاط في أقوال إمامه، فإذا أفتى الإمام في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، نقل حكم كل منهما إلى الأخرى، وصار في كل مسألة قولان بالاجتهاد والتخريج، ما لم يفرق الإمام بينهما، أو يقرب الزمن.
4 - مجتهد الترجيح:
وهو فقيه النفس، الحافظ لمذهب إمامه، العارف بأدلته، القائم بتقريرها، ثم يصور ويحرّر للمسائل الجديدة، ويمهد لها ويقررها، ويزيف ما يخالفها، ويرجح بين أقوال الإمام، ووجوه الأصحاب، ولم يبلغ رتبة المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج؛ لاقتصاره على حفظ المذهب، وعدم الارتياض في الاستنباط، وعدم ممارسته، ولم يتبحر في أصول الفقه ونحوه، ولكن لا يخلو علمه عن معرفة أطرافه، مثل القدوري والمرغيناني صاحب "الهداية" من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب والشيخ خليل من--------------------------------------------
(1) قال ابن حمدان رحمه اللَّه تعالى: "وأما المجتهد في مذهب إمامه، فنظره في بعض نصوص إمامه وتقريرها، والتصرف فيها كاجتهاد إمامه في نصوص الكتاب والسنة" وقال مثل ذلك ابن الصلاح وغيره، انظر: صفة الفتوى لابن حمدان ص 20، المسودة ص 544، شرح الكوكب المنير (4/ 468).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 295)
المالكية، وأبي الطيب الطبري وأبي حامد الإسفراييني والرافعي والنووي من الشافعية، والقاضي أبي يعلى وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وغيرهم كثير في كل مذهب، ممن لم يخل منهم عصر.
5 - مجتهد الفتيا:
وهو الفقيه الذي يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، ويعتمد عليه في نقل المذهب والفتوى به فيما يحكيه من كتب المذهب، ومنصوصات الإمام، وتفريعات الأصحاب المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، فإن لم يجد حكمًا منقولًا في مذهبه، أعطى ما في معناه مما يدركه بأدنى فكر وتأمل، وأنه لا فارق بين الأمرين، وهذا النوع أكثر من أن يحصى في كل مذهب، وفي كل عصر ممن يتصدر للفتوى والتعليم (1)، وسوف نعود لبيانه في الفصل الثالث عن الإفتاء، وهم المسمَّون اليوم بالعلماء والفقهاء والمختصين بالشريعة، وهم القائمون على الاجتهاد الجزئي، وبيان أحكام النوازل والمستجدات، ويتولون الإفتاء وبيان الأحكام للناس.
أقسام المجتهدين:
تعارف العلماء من السلف في العصور الأولى على إطلاق اسم الفقيه على المجتهد، كما أطلقوا عليه لقب المفتي، وسار الأمر على هذا المنوال في القرون الثلاثة الأولى، ثم بدأ يظهر التمييز بين المجتهد والمفتي والفقيه والعالم، ولكن بقي التداخل بينهم موجودًا، لذلك قسم ابن القيم رحمه اللَّه تعالى المجتهدين أو المفتين إلى أربعة أقسام، يحسن بيانهم للمقارنة بينهم--------------------------------------------
(1) انظر مراتب المجتهدين وأصنافهم وحالاتهم في: المجموع للنووي (1/ 17) روضة الطالبين للنووي (11/ 101)، المسودة ص 547، رسائل ابن عابدين (1/ 11)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لابن حمدان ص 17، حاشية البناني على جمع الجوامع (2/ 385)، أعلام الموقعين (4/ 270)، الرد على من أخلد إلى الأرض ص 113، شرح الكوكب المنير (4/ 367)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 184، البحر المحيط (6/ 211)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1079)، أصول الأحكام ص 365، 374.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 296)
وبين مراتب المجتهدين عند الأصوليين، فقال: "المفتون الذين نَصبُوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام:
"أحدهم: العالم بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهادُه تقليدَه لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي رحمه الله ورضي عنه في موضع من الحج: "قلته تقليدًا لعطاء".
"فهذا النوع يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم، ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّه يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مئةِ سنةٍ مَنْ يجدّدُ لها دينها" (1)، وهم غرسُ اللَّه الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: "لن تخلُو الأرضُ من قائمٍ للَّه بحجته".
"النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتَّبه وقرَّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا، مثل القاضي أبي يعلى من الحنابلة".
"النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر به بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف".
"وكثير منهم من يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية،--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي في "المعرفة" عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 297)
لكونه مجتزيًا بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، وقد اكتفى بها مِن كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباط الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكمًا بدليله، فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له".
"وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة، وهؤلاء لا يدَّعون الاجتهاد، ولا يقرون بالتقليد" (1).
"النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنة يومًا في مسألة، فعلى وجه التبرك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفهم، أخذوا بفتيا إمامهم، وتركوا فتاوى الصحابة، قائلين: الإمام أعلم بذلك منا، ونحن قلّدناه، فلا نتعداه ولا نخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منا".
"ومن عدا هؤلاء فمتكلف متخلف، قد دنا بنفسه عن رتبة المشتغلين، وقصَّر عن درجة المحصلين، فهو مكذلك مع المكذلكين، وإن ساعد القدر واستقل بالجواب، قال: يجوز شرطه، ويصح شرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، ونحو ذلك من الأجوبة التي يستحسنها كل جاهل، ويستحي منها كل فاضل" (2).
مراتب العلماء اليوم:
إذا أردنا أن نطبق هذه الأسس على علماء الشريعة اليوم، فنستطيع أن--------------------------------------------
(1) انتقد ابن القيم رحمه اللَّه تعالى هذا القسم لبلوغهم درجة الاجتهاد، واستنباط الأحكام، وترجيح ما يشهد له النص، ثم يلزمون أنفسهم بمذهب إمام يعتبرونه أعلم من غيره، وأحق بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه.
(2) أعلام الموقعين (4/ 270) وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 298)
نصنفهم حسب الشهادات التي يحصلون عليها في الغالب، أي: إن المتخرج من الثانوية الشرعية، أو المعاهد الدينية، يمثل النوع الرابع الذي ينقل رأي إمام مذهبه ويفتي به، ولا قدرة له ولا طاقة على الاجتهاد للمسائل الجديدة، والمتخرج من كليّات الشريعة يعتبر من النوع الثالث ممن ينقل قول إمامه مع دليله، وقد يقيس عليه، والمتخرج من تخصص الماجستير في الشريعة فهو من النوع الثاني، فهو مجتهد مقيد في مذهب إمامه، وقد يختار ويجتهد في حدود ضيقة، والمتخصص في الشريعة مع البحث والدراسة ودرجة العالِمية الدكتوراه يعتبر من النوع الأول، فهو مجتهد غير مستقل، فيرجح ويفتي، ويجتهد في مجال اختصاصه، ويختار.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 299)
المبحث الثالث أهمية الاجتهاد والحاجة إليه
سبق في مطلع الباب الثالث إشارة إلى أهمية الاجتهاد، وأنه من المقرر شرعًا أن لكل حادثة أو واقعة في الكون حكمًا شرعيًّا، وأن نصوص الشرع الواردة في القرآن والسنة لبيان الأحكام محدودة، ولكن فيها إعجاز بلاغي، وشمولي، وموضوعي، وكلي لأحكام الذين عامة، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وجاءت السنة النبوية بجوامع الكلم، وبيان الأحكام الواردة في القرآن، وبيان أسس التشريع ومبادئه وقواعده، وحددت مقاصد التشريع وغاياته وأهدافه، ليأتي العلماء الفقهاء المجتهدون لمتابعة المسيرة، التي أقرها القرآن الكريم والسنة الشريفة في مشروعية الاجتهاد التي سبق بيانها.
وكان الاجتهاد أحد المصادر الرئيسة الثلاثة التي أقرها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ رضي الله عنه: "القرآن، والسنة، والاجتهاد".
وإن النصوص الشرعية -وهي الأصل والأساس- متوقفة ومعتمدة على الوحي، وقد انقطع الوحي بوفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وختمت الشريعة النضية، ولكنها أقرت الاجتهاد ليكون بابًا مفتوحًا أمام المجتهدين حتى تقوم الساعة؛ لتلبية حاجات الأمة في التشريع، وكشف أحكام اللَّه تعالى في كل ما يعرض للمسلمين خاصة، وللبشرية عامة، وإلا وقع النقص في التشريع، والجمود في البيان، وهو ما يأباه الذين، ويحمّل أتباعه مسؤولية التقصير في الدنيا والآخرة، ولذلك كان اتساع الاجتهاد ونشاطه وحركته وتطوره يتناسب طردًا مع حال الأمة الإسلامية في التقدم والرقي، والحضارة والثقافة، والحكم والدعوة، والتشريع والتنظيم، والعلم والتعليم، ونتيجة لذلك طرح فتح باب الاجتهاد في العصور الأولى، وشاع في عصر الجمود والتخلف والانحطاط فكرة سدّ باب الاجتهاد، ثم عادت الأمور إلى مجاريها للدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، والحرص على ممارسته، كما سنرى بعد قليل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 300)
مكانة الاجتهاد:
تظهر أهمية الاجتهاد ومكانته من خلال النقاط التالية:
1 - الاجتهاد حكم شرعي:
إن الاجتهاد -كما سبق في مشروعيته- حكم شرعي مقرر ثابت بالنصوص والإجماع، وهو مهم للغاية، ويجب ممارسته وتطبيقه والعمل به وجوبًا شرعيًّا، فيثاب فاعله، ويعاقب الأهل له بتركه، وإذا تركه الجميع أثموا، كما سبق في بيانا حكمه، فالاجتهاد -في حد ذاته- عبادة، وتعبد للَّه تعالى في وسائله وغايته، وتقرب لرضوانه في الدنيا والآخرة، ليفوز المجتهد بمكانة العلماء الثابتة شرعًا.
وإن تعطيل الاجتهاد، أو ادّعاء غلقه، والعزوف عنه، يعطّل حكمًا أساسيًّا مهمًا في الشرع، كإقامة الدولة الإسلامية، والجهاد، وأركان الإسلام، وينعكس أثره السيِّء على سائر المسلمين، والأمة، والمجتمع، والدعوة، والتطور، والحياة، ومستقبل المسلمين، ومكانتهم في الأرض، وتحت الشمس، وبين الأمم، كما حصل في العصور الأخيرة.
2 - أحكام النوازل والمستجدات:
إن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة للمسلمين لإيجاد الأحكام والحلول للمشكلات الطارئة، والنوازل الواقعة، والمستجدات المتلاحقة، بغية معرفة حكم اللَّه تعالى فيها، وتسهيل حياة المسلمين، وتيسير ظروفهم وأحوالهم وشؤونهم، وبيان مصالحهم في ضوء الشريعة الغراء، بجلب المصالح والمنافع لهم، ودفع المضار والمفاسد، والهلاك والضرر عنهم، وحمايتهم من السيطرة التشريعية الأجنبية، أو الاستعمار التشريعي، واستيراد الأحكام من الأعداء، وإبعاد الجمود الفكري والعقلي والشرعي عن حياتهم.
3 - صلاحية الشريعة:
إن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة التي تؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وتبين خصائص الشريعة وسماتها وواقعيتها ومرونتها
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 301)
وقدرتها على التطبيق، ومجاراتها لتطور الحياة، وكانت السلاح الوضاء أمام العلماء والدّعاة في الدّعوة لتطبيق شرع اللَّه وأحكامه ودينه في جميع الأعصار والأمصار، وإلا تعطلت الشريعة، وفقدت سر بقائها، وتعرض أهلها للغزو الفكري والتشريعي ليحل محل الفقه الإسلامي.
4 - الثروة الفقهية التشريعية:
إن الاجتهاد في العصور الأولى، وحتى في المراحل اللاحقة، كان الوسيلة الوحيدة حيث أعطى الأمة الإسلامية ثروة فقهية زاخرة، وتراثًا غزيرًا، تضاهي بها العالم، ويندر وجود مثيلها عند أمة أخرى، وزوَّد المسلمين بملايين المؤلفات والمصنفات والموسوعات والمجلدات والكتب الفقهية التي عوّل عليها العالم أجمع في العصور الحديثة، والنهضة المعاصرة، ويستفيد منها المسلمون، ويتخيرون ما يقوى دليله، ويصلح للعصر، ثم يجتهدون فيما وراءه.
ولا يزال الاجتهاد -بل يجب أن يكون- السلاح الذي يعوِّل عليه المسلمون اليوم في إغناء شعوبهم أولًا، وتزويد العالم ثانيًا، بالحلول الشرعية التي تنبثق من الأصول الشرعية، لتحقيق مصالح الناس بأفضل الوسائل، وأنجع المناهج، ويكفي أن نشير مثلًا إلى ما حققه الاجتهاد المعاصر في الاقتصاد الإسلامي، وبيان الأحكام الشرعية المؤصلة للمؤسسات المالية الإسلامية، كالمصارف، والتأمين، والسوق المالية، وسائر المعاملات المعاصرة، مما ينعم به المسلمون اليوم، وبربطهم بدينهم وعقيدتهم وتراثهم، ويحقق مصالحهم، ويدفع عنهم غائلة النظم المادية الأخرى.
5 - إعمال الفكر والعقل:
إن الاجتهاد -بحد ذاته- يغذي فكر المسلمين عامة، والعلماء خاصة، ويمنحهم الإثراء العقلي، والتفتح الذهني، وتشغيل الدماغ والعقل فيما يعود بالخير والنفع على الأمة والإنسانية، ويساهم في تطوير البحث النظري والشرعي، ويوسع مدارك المتعلمين والمتفقهين على جميع المستويات، ويعمق الحوار الجاد، والمناظرات العلمية الفاعلة والنافعة للناس، وبالتالي يتجدد الفكر بدلًا من الجمود والتعطيل، والمحاكاة والتقليد الذي يساهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 302)
بتهيئة النفوس للاستعمار الفكري والثقافي والتشريعي، فالاجتهاد يطرد ذلك، ويجعل العلماء والفقهاء والمجتهدين والأمة في المكان الذي يحبه اللَّه ويرضاه، ويدعو إليه ويرغب به.
6 - الارتباط بمصادر التشريع:
إن الاجتهاد العملي يعمق الارتباط بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، ويُحكم الصلة بآثار الصحابة والتابعين، ويتفاعل مع فتاوى السلف والخلف، ويوثق الصلة باللغة العربية والتراث العظيم، وتاريخ التشريع الإسلامي في مختلف أطواره، فيستفيد المجتهد من كل ذلك، ثم يبدع وينتج ويستخرج الأحكام الشرعية التي تنفع الناس، ويوجد الحلول الإسلامية لمجريات الحياة.
7 - الارتباط بالواقع والحياة:
إن المجتهد في قضايا عصره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة الناس، وهموم الأمة، والنوازل التي تقع، فيكون مجتهدًا وعالمًا واقعيًّا يفهم حياته وعصره، ولا يبقى في البرج العاجي الخالي من الناس، ويقطع عنه أحلام الماضي، والتغني بالآباء والأجداد، بل يعيش مع أهل العصر، ويكشف لهم الطريق الشرعي لمعاملاتهم على ضوء الكتاب والسنة وسائر مصادر التشريع الإسلامي.
وهذا يقودنا إلى دراسة الفتوى ل غلق باب الاجتهاد، ثم بيات الدعوة إلى فتحه، واستمرار الاجتهاد طوال العصور.
غلق باب الاجتهاد:
إن أهمية الاجتهاد، ومعرفة مكانته، وممارسته عمليًّا، يتوقف على توفر المجتهدين، وتحقق الشروط المطلوبة فيهم، حتى لا يكون الاجتهاد وسيلة للدس والتخريب، والهدم، وتحريف الدِّين، والعبث بأحكامه، والانحراف به نحو الهاوية بالاتجاه المعاكس لمشروعيته أصلًا.
وهذا ما خشي منه العلماء الغيورون على دينهم فيما بعد القرن الرابع، لما رأوا من ضعف الدولة الإسلامية، وانقسامها إلى دويلات وممالك، وتشرذم كثير من العلماء مع الحكام المتنفذين، وضعف الاستقلال الفكري،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 303)
وجمود النشاط العلمي، وشيوع المذاهب الفقهية واستقرارها، ونتج عن ذلك التعصب المذهبي، والعكوف على نصوص الأئمة والفقهاء السابقين، وإثارة الخلافات المذهبية، والمناظرات والمجادلات الضيقة، والوقوف على الفروع الفقهية والجزئيات الخلافية، مع ضعف الملكات، وغياب الحركة الاجتهادية، وضعف الوازع الديني، حتى وصل الأمر إلى ادّعاء الاجتهاد من غير أهله، والتصدي للفتوى وإبداء الآراء المخالفة لأبسط الأسس والقواعد الشرعية، ولذلك أعلن كثير من العلماء غلق باب الاجتهاد؛ لسد الطريق أمام الجهال أو أنصاف العلماء، للوقوف حصرًا على أقوال المذهب المنتشرة والسائدة، وذلك بحسن نية، ومن باب السياسة الشرعية التي تعالج حالة قائمة، أو أمرًا مؤقتًا، أو فوضى اجتهادية، وظرفًا طارئًا، وليس لها دليل شرعي صحيح، أو حجة قوية، ثم شاع ذلك وانتشر (1).
وكان من أثر هذه الدعوة، ورفع هذا الشعار أن فترت الهمّة، وجمد النشاط، وخف الاجتهاد إلى أدنى مستواه، وانصرف معظم الفقهاء إلى تدوين الكتب المذهبية والخلافية، واختصارها في متون، ثم وضع الشروح والحواشي عليها، وجمع أقوال إمام المذهب، ولمّ شتات الوجوه وأقوال الأصحاب والأتباع، مع الالتزام المذهبي والتعصب له، وعدم قبول رأي المذهب الآخر، حتى ضاق بعض الحكام والناس من الفراغ التشريعي لتطور، الحياة ومستجدات الزمن، واستغل أعداء الإسلام هذه الحالة، فجاؤوا بتشريعاتهم ونظمهم التي فرضوها على المسلمين.
فتح باب الاجتهاد:
إن الأسباب التي دعت بعض العلماء إلى الفتوى بقفل باب الاجتهاد لم تكن عامة، ولم يتم الاتفاق عليها، ولم تصدر بصيغة رسمية بمنع العلماء من--------------------------------------------
(1) يقول الشيخ محمد سعيد الباني رحمه اللَّه تعالى عن دعوى سد باب الاجتهاد: "دعوى فارغة، وحجة واهنة، أوهن من بيت العنكبوت؛ لأنها غير مستندة إلى دليل شرعي أو عقلي سوى التوارث" عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق ص 62، وانظر: إرشاد الفحول ص 253، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1085)، أصول الأحكام ص 363.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 304)