2 - النسخ بالزيادة على النص:
إذا وردت زيادة غير مستقلة، ومتأخرة عن النص، فتكون نسخًا عند الحنفية، وليست نسخًا عند الجمهور، وإنما يعمل بها وتضاف لما سبق دون نسخ، مثل حديث "إنما الأعمال بالنيات" (1)، فهو زيادة على مضمون آية الوضوء، ومثل حديث التغريب للزاني غير المحصن (2)، فهو زيادة على حد الجلد في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، واشتراط الطهارة في الطوات في قوله صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاة" (3)، فهو زيادة على قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، ومثل وصف الرقبة بالإيمان للعتق في كفارة اليمين وكفارة الظهار، فهو زيادة على النص القرآني المطلق عن التقييد بهذا الوصف {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، [المجادلة: 3، المائدة: 89].
وهذا خلاف اصطلاحي، فالجمهور يعتبرونه تخصيصًا، والحنفية يعتبرونه نسخًا مع بعض الآثار في ذلك كقبول خبر الواحد في التخصيص دون النسخ، ولكل أدلته ومناقشته (4).
3 - نسخ الأخبار:
إذا كان الخبر يتضمن حكمًا شرعيًّا تكليفيًّا، فيجوز نسخه باتفاق؛ لأنه--------------------------------------------
(1) هذا حديث مشهور، اتفق العلماء على صحته، ورواه أصحاب الصحاح والسنن.
(2) وهو الوارد في حديث عبادة رضي الله عنه "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وسبق بيانه.
(3) هذا الحديث رواه الحاكم وصححه، والبيهقي وحسنه، والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) انظر: كشف الأسرار (2/ 911)، أصول السرخسي (2/ 82)، المعتمد (1/ 437)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 98، إرشاد الفحول ص 194 وما بعدها، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 981)، الفصول (2/ 315)، شرح الكوكب المنير (3/ 581)، العضد (2/ 201)، المحصول (3/ 542)، شرح تنقيح الفصول ص 317، نهاية السول (2/ 190)، المسودة ص 207، روضة الناظر ص 79، المستصفى (1/ 117).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 265)
في معنى الأمر، أو النهي، كما لو قال أمرتكم، أو نهيتكم.
أما إذا كان الخبر حقيقيًّا لبيان المخبر عنه، فقال الجمهور: لا يصح نسخه بتكليف المكلف بما ينافي الخبر، واعتقاد عكس المخبر به، فكأنه تجويز للكذب والغلط، ويؤدي إلى البَداء والجهل، وفصل آخرون في نوع الأخبار، فأجازوا نسخ بعضها دون الآخر، ولكل دليله ومناقشته، ولا فائدة عملية من ذلك (1).
4 - نسخ المنطوق والمفهوم:
ذكرنا سابقًا أن دلالة اللفظ على الحكم إما أن تكون بمنطوقه، وتسمى دلالة المنطوق، وإما أن تكون بمفهومه، وتسمى دلالة المفهوم، والمفهوم إما أن يكون حكمه موافقًا لحكم المنطوق، ويسمى -عند المتكلمين- مفهوم الموافقة، أو فحوى الخطاب، أو تنبيه الخطاب، ويسمى عند الحنفية دلالة النص، كقوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فيدل بمنطوقه على تحريم التأفف، وبمفهومه على تحريم الضرب، وإما أن يكون المفهوم مخالفًا لحكم المنطوق، ويسمى مفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب، أو لحن الخطاب.
ودلالة المنطوق تغاير دلالة المفهوم، لكن بينهما تلازم، فهل يمكن نسخ أحدهما دون الآخر؟
اتفق الأصوليون على جواز نسخ حكم المنطوق والمفهوم الموافق معًا، ثم اختلفوا في جواز نسخ أحدهما دون الآخر، فقال بعضهم: يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، وقال آخرون لا يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، وقال--------------------------------------------
(1) المعتمد (1/ 419)، أصول السرخسي (2/ 59)، إرشاد الفحول ص 188، الفصول (2/ 205)، شرح الكوكب المنير (3/ 538، 541)، فواتح الرحموت (2/ 75)، الإحكام للآمدي (3/ 144)، المعتمد (1/ 421)، العضد على ابن الحاجب (2/ 195)، الإحكام لابن حزم (3/ 144)، المسودة ع 196، العدة (3/ 825)، شرح تنقيح الفصول ص 309، المحصول (3/ 486)، نهاية السول (2/ 178)، كشف الأسرار (3/ 163)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 990).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 266)
فريق ثالث: إن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق، وأما نسخ المنطوق فلا يستلزم نسخ المفهوم، وقال فريق رابع: إذا نسخ المنطوق نسخ مفهوم الموافقة؛ لأن الأول أصل للثاني، ولكن إذا نسخ المفهوم، فلا يلزم نسخ أصله المنطوق؛ لأن المفهوم فرع، ونسخه لا يلزم منه نسخ حكم الأصل، ولكل رأي تعليله، مما لا فائدة عملية من ذلك، فهو بحث نظري فكري مما لا طائل تحته (1).
وبعد:
فإننا نلاحظ أن مباحث النسخ مهمة، وأنها تطبق عمليًّا في الحياة في جميع الأنظمة واللوائح والقوانين، ولكن النسخ في الشرع انتهى أمده، وأغلق بابه بختم النبوة، وانقطاع الوحي، وأن بعض العلماء توسع في النسخ كثيرًا حتى اعتبر أكثر أنواع التخصيص نسخًا، وقيده آخرون وحصروه في حالات، وهو الراجح في نظري، ويجب ألا يفتح باب النسخ بمعناه الاصطلاحي أو العرفي تجاه النصوص الشرعية، ويكفي معرفة الأحكام المنسوخة حتى لا يفتى بها أو يعمل بها.--------------------------------------------
(1) انظر: المعتمد (1/ 436)، الإحكام للآمدي (3/ 165)، إرشاد الفحول ص 194، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 987)، شرح الكوكب المنير (3/ 576)، فواتح الرحموت (2/ 87)، شرح العضد (2/ 200)، المحصول (3/ 539)، نهاية السول (2/ 188)، شرح تنقيح الفصول ص 315، المسودة ص 221، روضة الناظر ص 88.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 267)
الباب الرابع الاجتهاد والتقليد والإفتاء
تمهيد:
إن من المقرر شرعًا أن كل حادثة أو واقعة في الكون أو أمر في الدنيا يتعلق بالإنسان له حكم شرعي عند اللَّه تعالى، عَرَفه من عَرَفه، وجهله من جهله، وأنه يجب على علماء الأمة أن يبيِّنوا ذلك حتمًا لازمًا، وفرضًا مؤكدًا، وهذا أمر غير محدود ولا محصور، ولا ينتهي مع التقدم والتطور.
وإن النصوص الواردة في القرآن والسنة لبيان الأحكام الشرعية محدودة ومحصورة، وإن أحداث الكون التي تتلعق بالإنسان في مختلف الأزمنة والأمكنة، ومع تطور الحياة، وتقدم العلوم، ورقي الأمم والحضارات، غير محدودة ولا محصورة.
وإن المحدود والمحصور لا يحيط بغير المحدود وغير المحصور، وهذا يقتضي حتمًا أن يكون مع القرآن والسنة مصدر شرعي مقرر ومقبول يبين أحكام الحوادث التي لم يرد فيها نص، ويوجب حتمًا أن يوجد في الأمة من تتوفر فيه الأهلية لذلك.
وهذا ما أدركه صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الذين تربوا في مدرسة النبوّة، وتخرجوا على يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعرفوا مقاصد الشريعة وأهدافها وغاياتها وأسرارها، ولذلك لما عيَّن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مُعاذَ بن جَبَل رضي الله عنه على القضاء أراد اختباره، وسأله: "كَيْفَ تقضي إنْ عَرَضَ لك القضاءُ يا معاذُ؟ " فأجابَ: أقضي بكتابِ اللَّه تعالى، قالَ: "فإنْ لم تجِدْ في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنَّةِ رسولِ اللَّه، قال: "فإنْ لم تجدْ في سنهِ رسولِ اللَّه؟ "، قال: أجتهدُ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 268)
رأيي، ولا آلُو، أي: لا أُقصِّر، فسرّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من هذا الفهم الدقيق، والجواب الحصيف، والمنهج القويم، وأقره على مبدأ الاجتهاد عند عدم النص في القرآن والسنة، وقال عليه الصلاة والإسلام: "الحمدُ للَّه الذي وَفَّق رسولَ رسولِ اللَّه، لما يُرْضي اللَّهَ ورسولَه" (1)، وأصبح هذا المبدأ مقررًا في الشرع، ومنهجًا للأمة والعلماء، وهو المعروف بالاجتهاد، وهو المصدر الرئيسي الثالث في الشريعة، ومنه يتفرع الإجماع وسائر المصادر.
ولكن ليس كل مسلم مؤهلًا للاجتهاد، وليس كل المسلمين علماءَ وفقهاء لبذل الجهد لمعرفة حكم اللَّه تعالى، ولم يكلفهم الشرع -أصلًا- بذلك، بل قرر المبدأ الإسلامي الخالد، والعام الشامل، وهو وجوب سؤال أهل العلم والاختصاص، وهم المجتهدون والعلماء والفقهاء، فقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43، الأنبياء: 7]، وقال تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، ولذلك يسأل المسلمُ العادي، أو الأمي والجاهل، يسأل الفقيه العالم المجتهد عن حكم اللَّه تعالى، ويتبعه فيه ويقلده، وهو ما يعرف بالتقليد الذي يعتبر مقابلًا للاجتهاد.
والسائل عن الحكم الشرعي يسمى مُسْتفتيًا، والمسؤول عن الحكم يُسمّى مفتيًا بأن يخبر عن حكم، ولذلك يلحق الإفتاء بالاجتهاد والتقليد.
وهذه المبادئ والمناهج الثلاثة: الاجتهاد، والتقليد، والإفتاء، يضبطها علم أصول الفقه، ويضع مبادئها، وقواعدها، وأصولها، وأحكامها، ولذلك كانت مباحث الاجتهاد والتقليد والإفتاء من المباحث المهمة الأساسية في علم أصول الفقه، وهذا ما ندرسه في هذا الباب، وذلك في ثلاثة فصول، وهي:
الفصل الأول: الاجتهاد.
الفصل الثاني: التقليد.--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والدارمي والبيهقي وغيرهم، وقال الشوكاني: "وقد قيل: إنه مما تلقته الأمة بالقبول" وسبق مرارًا، وانظر: الحاوي (20/ 186).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 269)
الفصل الثالث: الإفتاء.
ونسأل اللَّه التوفيق، ونستمد منه العون والتأييد، فهو نعم المولى والنصير والمجيب، وعليه الاعتماد والتكلان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 270)
الفصل الأول الاجتهاد
نبذة تاريخية عن الاجتهاد:
بدأ الاجتهاد الجزئي في العهد النبوي، سواء كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم على قول، كما سنرى، أم كان من الصحابة الذين كانوا يعْرِضون اجتهاداتهم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فيقر الصواب الذي يتفق مع الشرع، وينكر الخطأ الذي يخالف الدِّين.
ثم مر الاجتهاد في ثلاثة أطوار رئيسة، وهي:
الطور الأول: بدأ الاجتهاد رويدًا رويدًا بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وانتقاله للرفيق الأعلى، فتصدّى كبار الصحابة وعلماؤهم، وفقاؤهم وقضاتهم وولاتهم للاجتهاد، لبيان حكم اللَّه تعالى فيما يستجد من أحداث، مما ليس له حكم في الكتاب والسنة، وأدَّوْا وظيفتهم كاملة، وغَطَّوا أحكام ما وقع في عصرهم، وإن كان قليلًا إلى حد ما.
ولما انتشر الإسلام، وزادت الفتوحات، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وامتدت الدولة الإسلامية إلى عواصم الأمم الأخرى، وبلاد الحضارات السائدة، توسع الصحابة ثم التابعون غب الاجتهاد، وادهرت الركة الفقهية، وبرز الفقهاء المجتهدون من التابعين إلى أن بلغوا الذروة والقمة في القرن الثاني الهجري (1).--------------------------------------------
(1) قال أبو بكر الجصاص رحمه اللَّه تعالى: "لا خلاف بين الصدر الأول والتابعين وأتباعهم في إجازة الاجتهاد والقياس على النظائر في أحكام الحوادث، وما نعلم أحدًا نفاه وحظره من أهل هذه الأعصار المتقدمة، إلى أن نشأ قوم ذوو جهل بالفقه وأصوله، لا معرفة لهم بطريقة السلف، ولا توقي للإقدام على الجهالة واتباع الأهواء البشعة التي خالفوا فيها الصحابة ومن بعدهم من أخلافهم" الفصول (4/ 23)، والمراجع المشار إليها في هامشه، وانظر كتب تاريخ التشريع الإسلامي، والمداخل للفقه الإسلامي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 271)
وسار الاجتهاد بعد ذلك على وتيرة واحدة، وزخم كبير طوال قرنين تقريبًا، وبلغ الفقه الإسلامي أوجَهُ، ونما، وازدهر، واستجاب لحاجات الناس ومقتضيات تطور الحياة، وأنتج ثروة فقهية زاهرة، مع بعض الخمول أحيانًا، وتراجع بعض الفقهاء والعلماء عن مسابقة الركب، واللحاق بالمقدمة، وفي ذات الوقت بدأ يظهر التقليد للأئمة والعلماء والمذاهب في مختلف الأصقاع والبلدان (1)، ولكن كان أكثر العلماء والفقهاء مجتهدين، حتى المحدثون منهم، كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، وجميع القضاة، ومعظم الولاة والخلفاء، وأكثرهم يجتهد ويستنبط الأحكام من المصادر المختلفة بطرق الاجتهاد السليمة، وكانت جماهير الأمة يستفتونهم، ويأخذون عنهم، ويتبعون آراءهم وأحكامهم.
الطور الثاني: وذلك ابتداء من منتصف القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، أي: حوالي ألف سنة، وبدأ الاجتهاد في أول هذا الطور يتراجع، ويتجزأ، ويضطرب، ويتخلخل، ثم بدأ يتسرب إليه أنصاف العلماء ومن دونهم الذين بدؤوا يتطاولون على الاجتهاد، ويعبث بعضهم فيه، ويخرج على الأمة والناس بالأوهام والسخافات، وما يتناقض مع الشرع، ويتعارض مع قواعد أصول الفقه، ويتجاوز ضوابط الاجتهاد، وضعفت الأمة، وبدأ الانحطاط في المجتمع والدولة، مما دعا العلماء الغيورين على الدِّين أن يتصدَّوْا لهذه الآراء الواهية، وأن يقفوا أمام أدعياء العلم، وأن يعلنوا إغلاق باب الاجتهاد ليوصدوا هذا الباب أمام من ليس أهلًا للاجتهاد والنظر، ويقطعوا الطريق أمام أصحاب الأهواء من مختلف الفرق والمذاهب، وانحصر الاجتهاد غالبًا في مجتهد المذهب، ومجتهد المسائل، ومجتهد التخريج، ومجتهد الترجيح … ، وأصبح أكثر الفقهاء والعلماء من هذه الطبقات، وإن ظهر لبعضهم اجتهادات قيمة، وآراء سديدة، وبزغ بينهم مجتهدون، ولكنهم قلة.--------------------------------------------
(1) نقل الزركشي عن ابن حزم أنه قال: "والتقليد إنما ابتُدئ به بعد المائة والأربعين من الهجرة، ولم يكن في الإسلام قبل ذلك مسلم واحد فصاعدًا يقلد عالمًا بعينه لا يخالفه" البحر المحيط (6/ 292).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 272)
ونتج عن ذلك جمود الفقه الإسلامي، وركود الحركة الفقهية، وطغيان التقليد، والاقتصار على المتون، واختصار الكتب، وتدوين الشروح والحواشي والموسوعات المذهبية، أو المقارنة بين المذاهب، والتزام جماهير الأمة اتباع المذاهب المتعددة التي استقرت وشاعت، ثم اختفى بعضها وانقرض كمذهب الأوزاعي، والمذهب الظاهري، وسيطرت المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي على معظم أرجاء البلاد الإسلامية، وبقي إلى جانبهم المذهب الزيدي، والإمامي الجعفري، والإباضي.
ونتج عن هذه الحالة -مع إقفال باب الاجتهاد- البقاء على وحدة الأمة الإسلامية، والحفاظ على الثروة الفقهية الموروثة من الطور الأول، وفي ذات الوقت وقف الفقه عن مجاراة الحياة، ووقف الفقهاء والعلماء وراء الراكب، وأحس الناس بعجز العلماء، وقصور الأحكام، وخاصة مع التعصب المذهبي، والالتزام بمذهب دون غيره، ورافق ذلك الضعف السياسي، وتسلط الدول الأخرى على البلاد الإسلامية شيئًا فشيئًا، فتحلّل الناس والحكام من الأحكام الشرعية جزئيًّا، والتمسوا الحلول المستوردة من القوانين والأنظمة الأجنبية، إلى أن غابت معظم الأحكام الشرعية عن معظم البلاد الإسلامية، وتسرب الغزو الفكري، والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الغربية، حتى وصل الأمر إلى التشكيك بالإسلام، وفصل الدِّين والشرع عن الدولة والمجتمع، والهجوم على القرآن والسنة، والطعن أو الغمز أو اللمز صراحة أو ضمنًا بالفقه الإسلامي، وانتهى معظم المسلمين إلى الحضيض، مع تسرب ومضات خاطفة لظهور بعض المجتهد الذين يصرون على استمرار الاجتهاد (1).
الطور الثالث: أحسَّ العلماء الغيورون بالوضع الراهن السيِّء، وتلمسوا الحلول لإنقاذ الأمة، وأيقنوا أن فتح باب الاجتهاد هو أحد الوسائل المهمة--------------------------------------------
(1) أكد السيوطي رحمه اللَّه تعالى بقاء الاجتهاد واستمراره مع تفاوت حالته، وصنَّفَ كتابه القيم ليدل على ذلك بعنوانه "الردّ على مَنْ أخلدَ إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فَرْض" وهو مطوع عدة مرات.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 273)
لحل المشكلة، وعادوا إلى إحياء قواعد أصول الفقه، والاجتهاد في القضايا المعاصرة والمستجدة، وفتحت الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة، وظهرت كوكبة من العلماء في القرن الرابع عشر تدعو للصحوة الإسلامية والتشريعية، والعودة إلى الينابيع، وإكمال العمل الذي كان في العهود السابقة للسلف الصالح، وانشئت المجامع الفقهية، ومجمع البحوث، والمؤتمرات والندوات التي ضمت في جنباتها كبار علماء العصر الذين أدلَوْا بدلوهم، وأثبتوا أن فضل اللَّه لا ينقطع؛ ولا ينحصر بجيل وأفراد، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، لكن ولجه من هو له أهل، واندس فيه من ليس أهلًا له، بل هجم عليه غير المختصين أصلًا بالدين والشريعة، ثم بدأ الأمر يتمحص لمن يستحق أن يكون أهلًا للاجتهاد بجدارة، حتى قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "ومن حصر فضل اللَّه على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على ما تقدم عصره، فقد تجرأ على اللَّه عز وجل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبّدهم اللَّه بالكتاب والسنة" (1).
وعادت دراسة أصول الفقه ليتم تطبيقها، ومنها أهلية الاجتهاد وشروطه وضوابطه، ليمارسها العلماء، ويعملوا بموجبها، ويؤكدوا صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، وأن كل واقعة في الكون تتصل بالإنسان لها حكم شرعي يجب على العلماء والفقهاء بيانه.
وهذا ما سنعرضه في هذا الفصل عن الاجتهاد وأحكامه، وذلك في المباحث التالية.--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول ص 254، وانظر: أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1033)، أصول الأحكام ص 362، وسيرد مزيد من البيان، مع المصادر والمراجع إن شاء اللَّه تعالى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 274)
المبحث الأول تعريف الاجتهاد، ومشروعيته، وحكمه
تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد لغة: افتعال من الجُهدْ -بالضم والفتح- وهو الطاقة والمشقة، من جَهَد أي: جدَّ وطلب الأمر حتى بلغ المشقة، ووصل إلى الغاية، وهو بذل المجهود واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور، ويختص بما فيه كلفة ومشقة، ويخرج عنه ما لا مشقة فيه (1).
والاجتهاد اصطلاحًا: هو استفراغ الفقيه وسعه لدَرْك حكم شرعي (2)، فالاستفراغ معناه بذل الوسع والطاقة، من ذي الفقه، بحيث تحسُّ نفسه بالعجز عن الزيادة للمعرفة الظنية أو القطعية فيما يسوغ فيه الاجتهاد، لتحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.--------------------------------------------
(1) القاموس المحيط (1/ 286)، المصباح المنير (1/ 155)، المعجم الوسيط (1/ 142)، مادة: جَهد، أساس البلاغة ص 144، معجم مقاييس اللغة (1/ 487)، كما أن جهاد العدو من إجهاد النفس في قهر العدو، انظر: الحاوي (20/ 178).
(2) هذا تعريف ابن النجار الفتوحي في: شرح الكوكب المنير (4/ 458)، وهو مقتبس من تعريف البيضاوي، وهو "استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية" نهاية السول، شرح المنهاج (3/ 233)، وعرفه الآمدي بقوله: "هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه" ولكنه غير جامع لإخراجه العلم بالأحكام، وغير مانع لإدخاله الظن غير المعتبر، انظر: الإحكام للآمدي (4/ 62)، والاجتهاد له تعريفات كثيرة، انظر: المستصفى (2/ 350، 354)، الإحكام للآمدي (1/ 164، 4/ 62)، المحصول (3/ 7، 39)، التعريفات للجرجاني ص 8، كشف الأسرار (4/ 14)، فواتح الرحموت (2/ 362)، البحر المحيط (6/ 197)، شرح تنقيح الفصول ص 429، مختصر ابن الحاجب مع العضد (2/ 289)، الروضة ص 352، تيسير التحرير (4/ 179)، الإحكام لابن حزم (1/ 41، 2/ 155)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 179، الفصول (3/ 11)، إرشاد الفحول ص 250، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1037)، أصول الأحكام ص 365.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 275)
والمراد من الفقيه عند الأصوليين قديمًا: المجتهد، وأما إطلاقه على من يحفظ الفروع الفقهية فهو اصطلاح عند غيرهم، وكان لفظ الفقيه والمجتهد مترادفين في العصور الأولى، ثم انفصلا، وصار الفقيه هو المجتهد عند الأصوليين، والعالم بالفقه هو الفقيه عند الفقهاء.
والاجتهاد ينتج عنه الاستنباط، والاستدلال عامة، أو من دلالات النصوص، أو مما لم يرد فيه نص، وينتج عن جميع ذلك القياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب، وسد الذرائع، وغيرها، وسيرد تفصيل مجال الاجتهاد، أو وجوهه أو محله أو نطاقه الذي يستعمل فيه، مما يدل على اتساع دائرة الاجتهاد، وأنه أوسع من القياس، وأوسع من الرأي (1).
مشروعية الاجتهاد:
الاجتهاد مطلوب في الشرع، وهو أصل من أصول الشريعة، كما سبق في حديث معاذ، ووردت فيه أدلة كثيرة تدل على طلبه إما صراحة، وإما إشارة، سواء في القرآن والسنة والإجماع والمعقول.
أولًا: الكتاب:
وردت آيات كثيرة تأمر بالنظر والبحث وإعمال العقل والفكر لمعرفة أحكام اللَّه تعالى، وتدل على أن الاجتهاد أصل من أصول الشريعة إما بطريق التصريح أو الإشارة والتنبيه، فمن ذلك:
1 - قال اللَّه تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}--------------------------------------------
(1) قال بعض الفقهاء: الاجتهاد هو القياس، ونسبه ابن أبي هريرة للشافعي، قال الغزالي: "وهو خطأ"، وقال الماوردي؛ "اشتبه عليه ذلك، فالاجتهاد أعم من القياس، وإن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص عليه، مع فروق بينهما" (الحاوي 20/ 178)، المستصفى (2/ 300)، ونقل الزركشي عن أبي بكر الرازي أن اسم الاجتهاد يقع في الشرع على القياس الشرعي، وما يغلب على الظن من غير علة كالاجتهاد في المياه والوقت والقبلة وتقويم المتلفات ومهر المثل والمتعة والنفقة، والاستدلال بالأصول، البحر المحيط (6/ 197) بتصرف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 276)
[النساء: 105]، فهذه الآية تتضمن إقرار الاجتهاد بطريق القياس، والقياس نوع من الاجتهاد، ومثل ذلك الآيات الكريمة التي سبق بيانها في مشروعية القياس، فإنّها تدل على جواز الاجتهاد كقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3]، وما ورد بعدها: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4، النحل: 12]، وغير ذلك مما ورد فيه قوله تعالى: {يَعْقِلُونَ}.
2 - قال اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59]، فالأمر بطاعة اللَّه والرسول هو باتباع نصوص الكتاب والسنة، والمراد بالردّ إلى اللَّه والرسول عند التنازع فيما لم يرد فيه نص هو النظر في الكتاب والسنة لمعرفة علل الأحكام، ومقاصد الشريعة، وقواعدها العامة للاستنباط والاجتهاد والاستدلال على الأحكام الشرعية، وهذا هو الاجتهاد الشرعي الذي أوجبه اللَّه تعالى لبيان الحكم لما يحدث بين الناس من قضايا لم يرد فيها نص، فيعملون بشرع اللَّه، ويتجنبون الهوى والباطل.
3 - قال اللَّه تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه فيما لم يوح إليه منه بشيء، ثم يختار من آرائهم ما كان عنده أقرب للصواب في أمر الحروب، ومكائد العدو، وفي أشياء كثيرة، مما يرد في الشورى والمشاورة مما لا وحي فيه، وكان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يظهرون آراءهم، وما يؤدي إليه اجتهادهم، ويجتهد معهم، ويختار الصواب عنده منها، كرأي الحُباب في بدر، ورأي الأنصار في عدم إعطاء عُيَيْنة بن حصن نصف ثمار المدينة يوم الأحزاب، وغير ذلك، وأمر اللَّه بالتشاور والتراضي بين الزوجين عند الفصال وإرضاع المولود، ويتم ذلك بالاجتهاد واستخراج الرأي على غالب الظن، وهو الاجتهاد (1).
4 - وردت آيات كثيرة يتوقف العمل بها على الاجتهاد فيها لتطبيقها، فمن--------------------------------------------
(1) انظر: الفصول في الأصول (4/ 25، 26).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 277)
ذلك قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 236]، وقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241]، والمعروف يحتاج إلى اجتهاد وتقدير، وقال تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ} [الأحزاب: 49]، ولا يعرف مقدار المتعة إلا بالاجتهاد وغالب الظن؛ لاختلاف أحوال الناس في اليسار والإعسار، وقال تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، ومن غاب عن الكعبة فلا تصح صلاته بالتوجه إليها إلا عن طريق الاجتهاد وغالب الظن، وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]، وإصلاح مال اليتيم إنما يكون بتحري الاحتياط في تمييزه وحفظه وإحرازه، ويكون ذلك بغالب الظن، ومعظم آيات الأحكام تحتاج إلى النظر والاجتهاد وإعمال الفكر والذهن لمعرفة مرادها بغالب الظن، وهذا هو الاجتهاد وما يدخل فيه (1).
ثانيًا: السنة:
وردت أحاديث كثيرة جدًّا تنص صراحة على الاجتهاد، وأحاديث أخرى قولية وفعلية تدل على الاجتهاد صراحة أو إشارة، فمن ذلك:
1 - قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذَا حكمَ الحاكمُ فاجْتَهَدَ ثم أصابَ فلهُ أجْران، وإذا حَكَم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجرٌ" (2)، فالحديث صريح في تجويز الاجتهاد والدعوة إليه والترغيب فيه، قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالمٍ أهل للحكم" (3).
2 - قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "كيف تَصْنَعُ إنْ عَرَضَ لكَ قضاءٌ؟ "، قال: أقضي بكتاب اللَّه، قال: "فإنْ لم يكُنْ في كتابِ اللَّه؟ " قال: فبسنةِ رسولِ اللَّه، قال: "فإنْ لم يكنْ في سنّةِ رسولِ اللَّه؟ "، قال:--------------------------------------------
(1) الفصول (4/ 25 - 26).
(2) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه والشافعي عن عمرو، وهذا لفظ البخاري ومسلم، ورواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة، وفي رواية الدارقطني: "فلك عشرة أجور".
(3) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 14).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 278)
أجتهدُ في رأي، ولا آلو، أي: لا أقصِّر، فضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على صدر معاذ، وقال: "الحمدُ للَّه الذي وفقَ رسولَ رسولِ اللَّه لما يُرضي اللَّهَ ورسُولَه" (1)، والأحاديث في ذلك كثيرة (2).
ثالثًا: الإجماع:
أجمع الصحابة ومن بعدهم على مشروعية الاجتهاد، فكان الخلفاء الراشدون، وسائر الصحابة رضوان اللَّه عليهم إذا وقعت واقعة، أو حدثت قضية، رجعوا إلى كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه حكمًا، رجعوا إلى السنَّة، وسأل بعضهم الآخر، فإن لم يجدوا فيها حكم القضية، فزعوا إلى الاجتهاد حسب الأسس والأصول والقواعد والمنهج الذي دَرّبَهم عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حتى تواتر ذلك عن الصحابة، ولم يخالف في ذلك أحد، فكان إجماعًا (3)، وسار عليه سلف الأمة وخلفها حتى وقتنا الحاضر، وسيبقى كذلك حتى تقوم الساعة.
رابعًا: المعقول:
سبق البيان في التمهيد للاجتهاد والتقليد والإفتاء أن اللَّه تعالى له في كل حادثة أو واقعة في الكون حكم شرعي، وأن نصوص القرآن والسنة محدودة، وأن وقائع الكون غير محدودة ولا محصورة، والمحدود لا يحيط بغير المحدود، فصار الاجتهاد في معرفة الحوادث والمستجدات أمرًا محتومًا عقلًا، وواجبًا شرعًا، وهذا ما أدركه المسلمون خلفًا عن سلف مما لا يحتاج إلى مزيد بيان، فهو أمر مسلم فيه، ومفروغ منه، وأن الاجتهاد أصل في أحكام الشرع (4).--------------------------------------------
(1) هذا الحديث سبق بيانه.
(2) انظر كتابنا: تاريخ القضاء في الإسلام ص 24 وما بعدها، 43 وما بعدها.
(3) انظر كتابنا: تاريخ القضاء في الإسلام، وخاصة: القضاء في العهد الراشدي ص 79، ومصادر القضاء عند الصحابة ص 117 وما بعدها.
(4) أسهب العلامة الجصاص الرازي رحمه اللَّه تعالى في ذلك كثيرًا في كتابه: الفصول ص 23 - 80، ويدخل في ذلك جميع أدلة مشروعية القياس والرأي وسائر المصادر التي تعتمد على الاجتهاد والرأي وإعمال الذهن والعقل والبحث عن الحكم الشرعي، انظر: الحاوي (20/ 178)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1039)، وانظر الجزء الأول من كتابنا =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 279)
حكم الاجتهاد:
إن معرفة الحكم الشرعي لكل واقعة أو حادثة أو قضية أو مسألة واجب شرعي قطعًا، فإذا كان الحكم موجودًا في نصوص الكتاب أو السنة فبها ونعمت وحصل المقصود، وكفى اللَّه المؤمنين القتال، وإن لم يكن موجودًا ومعروفًا في النصوص فيجب على علماء الأمة ومجتهديها وفقهائها أن يجتهدوا لمعرفة الحكم الشرعي، وبيانه للناس، قال القرافي رحمه اللَّه تعالى: "مذهب مالك وجمهور العلماء: وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد" (1)، هذا في الجملة.
أما في التفصيل وبالنسبة للأفراد، فإن وقعت حادثة لشخص أو لجماعة، وسئل الفقيه العالم عنها، فإن حكم الاجتهاد تعتريه الأحكام التكليفية التالية متى توفرت بالشخص شروط الاجتهاد وملكة استنباط الأحكام الشرعية كالتالي:
1 - فرض العين:
إذا وقعت حادثة، وتوفرت بالشخص الشروط، فيكون الاجتهاد فرضًا عينيًّا عليه في الحالات التالية:
الحالة الأولى: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد في حق نفسه، عند نزول الحادثة، فإذا وصل اجتهاده إلى حكم، لزمه العمل به؛ لأن حكم المجتهد هو حكم اللَّه تعالى في المسألة التي اجتهد بها بحسب ظنه الغالب، وينبغي عليه العمل بما غلب على ظنه أنه حكم اللَّه تعالى، ولا يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر.
الحالة الثانية: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا كان قاضيًا وتعين عليه الحكم في المسألة؛ ليفصل فيها، وينهي النزاع والخصومة، ويصدر حكمًا بينهما.
الحالة الثالثة: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا سئل عن حادثة وقعت، وخاف فوتها على غير وجهها الشرعي، ولم يوجد غيره؛ لأن ترك الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو--------------------------------------------
= هذا ص 240 وما بعدها.
(1) إرشاد الفحول ص 266، وانظر مثل هذا الكلام عند الجصاص الرازي في الفصول (3/ 369).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 280)
ممنوع شرعًا.
2 - فرض الكفاية:
يكون الاجتهاد فرض كفاية على المجتهد في حالتين:
الحالة الأولى: إذا وجد عدد من المجتهدين عند وقوع الحادثة، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا على كل منهم، فإن اجتهد أحدهم ووصل إلى الحكم، سقط الطلب عن الباقي، وإن تركه الجميع أثموا، ويتأكد فرض الكفاية على من خُصَّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعًا، ومثل ذلك إذا عرضت قضية على قاضيين مشتركين بالنظر (1).
الحالة الثانية: إذا كان المجتهد واحدًا، وعرضت عليه قضية واقعة، ولكنها ليست على الفور، ولم يخف فوت الحادثة، ولم يوجد غيره، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا في الحال، وله التأخير.
3 - الندب:
يكون الاجتهاد مندوبًا إذا عرضت على المجتهد حادثة لم تقع، سواء سئل عنها أم لم يسأل، فيندب له الاجتهاد لبيان حكم اللَّه تعالى فيها.
4 - التحريم:
يكون الاجتهاد حرامًا على المجتهد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه، كالاجتهاد في مقابلة نص قطعي، أو سنة متواترة قطعية الدلالة، أو في مقابلة الإجماع الذي سبق الحادثة (2)، وتسمية هذا النوع اجتهادًا إنما هو من قبيل التجوز والمجاز؛ لأنه في--------------------------------------------
(1) قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "لما لم يكن بدٌّ من تعرّف حكم اللَّه في الوقائع، وتعرف ذلك بالنظر غير واجب على التعيين، فلا بدَّ أن يكون وجود المجتهد من فروض الكفايات، ولا بدَّ أن يكون في كل قطر ما تقوم به الكفايات، ولذلك قالوا: إن الاجتهاد من فروض الكفايات" البحر المحيط (6/ 206).
(2) المستصفى (2/ 375)، الإحكام للآمدي (4/ 85)، كشف الأسرار (4/ 14)، البحر المحيط (6/ 198، 206، 207)، إرشاد الفحول ص 253، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1055)، أصول الأحكام ص 372.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 281)
الحقيقة أمر باطل، وليس اجتهادًا أصلًا، كما يحرم الاجتهاد على من فقد شروطه، ولم يكن له أهلًا.
وسوف يتم تفصيل ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز في مبحث قادم في مجال الاجتهاد ونطاقه ومحله.
وإذا كان الاجتهاد فرضًا في الجملة، فهذا يستلزم عدم خلو الزمان عن مجتهد، وهذا ما يبحثه الأصوليون، ولو نظريًا، ولذلك نعرض هذه المسألة هنا.
خلو العصر عن المجتهدين:
اختلف العلماء في فكرة خلو العصر عن المجتهدين إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز خلو زمان من مجتهد يبيِّن للناس ما نُزل إليهم ويبيِّن لهم حكم الشرع في كل ما يقع، وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والزبيدي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بالسنة والمعقول.
فمن السنّة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزالُ طائفةٌ من أُمّتي ظاهرين حتى تقوم الساعةُ".
وفي وراية: "لا تزالُ طائفة من أُمّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم حتى يأتي أمرُ اللَّه وهم كذلك" (1)، وهذا يدل على بقاء نفر من الأمة يظهرون حكم اللَّه تعالى، ويبينون الحق للناس، فإن خلا الزمان ممن يعرفون الحق، ويبصِّرون به غيرهم، لم يتحقق مضمون الحديث.
ومن المعقول أنه لو عدم الفقهاء المجتهدون والعلماء المعلمون لم تقم الفرائض كلها، ولو عطلت الفرائض كلها لحقت النقمة بالخلق، كما جاء في الخبر: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق" (2).--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن المغيرة رضي الله عنه، ورواه مسلم والترمذي وأبو داود عن ثوبان رضي الله عنه، ورواه مسلم عن سعد رضي الله عنه، ورواه الحاكم وغيره عن عمر ومعاوية رضي الله عنهما.
(2) هذا الحديث رواه مسلم (13/ 67 رقم 1924) وابن ماجه وأحمد (1/ 394، 405، 454) عن عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 282)
والعياذ باللَّه أن يتأخر الناس والعلماء ليكونوا مع الأشرار، ولذلك قال عدد من العلماء: لن تخلو الأرض من قائم للَّه بالحجّة في كل وقت ودهر وزمان، وإن كان قليلًا في كثير، وقالوا: لو أخلى اللَّه زمانًا من قائم بحجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، ولو عُدِم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عُطِّلت الفرائض كلُّها لحلت النقمة بالخلق كما جاء في الخبر السابق، وأن الخلو من مجتهد يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهو مناف للخبر: "لا تجتمع أمتي على الخطأ"، "أمتي لا تجتمع على الخطأ" (1).
القول الثاني: يجوز خلو العصر من المجتهدين، وهو رأي أكثر العلماء، وجزم به الفخر الرازي، والغزالي من الشافعية وبقية المذاهب.
واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه لا يَقْبضُ العلمَ انتزاعًا، يَنْتَزِعَهُ من العباد، ولكنْ يَقْبضُ العِلْمَ بقبضِ العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخَذَ الناسُ رؤساءَ جهالًا، فسُئِلُوا، فأفتَوْا بغيرِ عِلْم، فضلُّوا وأَضَلُّوا" (2)، فهذا يدل على خلو العلماء، وأن الناس كلَّهم جهال، لا مجتهد فيهم.
المناقشة والترجيح:
إن هذه المسألة -أصلًا- نظرية خيالية، وهي في آخر الزمان، ولعل أكثر العلماء لاحظوا عدم وجود المجتهدين اجتهادًا مطلقًا كالأئمة الأربعة، ولذلك قال الغزالي في "الوسيط": "قد خلا العصر عن المجتهد المطلق" وقال الرافعي: "الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم".
وإن خلو العصر عن المجتهد المطلق لا يعني خلو الزمان عن المجتهدين--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأبو داود عن مالك الأشعري، وأحمد عن أبي بصرة الغفاري، قال الحافظ ابن حجر: "هذا حديث مشهور، له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال".
(2) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 283)
من سائر الطبقات الذين يبيّنون للناس أحكام الشرع ولو بالتخريج والقياس وغيره، ولذلك أكد السيوطي رحمه اللَّه تعالى أن الاجتهاد في كل عصر فرض، ثم بيَّن أنه لا يجوز عقلًا وشرعًا إخلاء العصر من مجتهد، وأكد كلامه باستعراض أسماء العلماء في كل طبقة ممن وصل إلى رتبة ما في الاجتهاد، وهذا صحيح ومنطقي، ونلمسه في تاريخ الإسلام والمسلمين، ونشاهده في عصرنا الحاضر، وأن الحديث الذي احتج به المانعون إنّما ذلك في آخر الزمان، وأنه من أشراط الساعة، وهذا ابن دقيق العيد رحمه اللَّه تعالى يقول: "لكنْ إلى الحدّ الذي تنتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان" وقال أيضًا: "والأرض لا تخلو من قائم للَّه بالحجّة، والأمة الشريفة لا بدَّ لها من سالك إلى الحق على واضح المَحَجَّة إلى أن يأتي أمر اللَّه في أشراط الساعة الكبرى" ونقل هذا الزركشي رحمه اللَّه تعالى ثم قال: "والحقُّ أن العصر خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة" (1).
وإن تقدم العلوم، وتيسر الطباعة، ونشر أمهات الكتب اليوم يؤكد توفر أسباب الاجتهاد على من توفرت فيه شروط من التخصص والتعمق والبحث والنظر، وقد قال الشوكاني قبل حوالي مئتي سنة قبل وجود المطابع: "فإنه لا يخض على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسّره اللَّه للمتأخرين تيسيرًا لم يكن للسابقين؛ لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دُوِّنت، وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره، والسنّة المطَهَّرة قد دُوّنت، وتكلم الأئمة على التفسير والتجريح، والتصحيح والترجيح بما هو زيادة عما يحتاجه المجتهد، وقد كان السلف الصالح … يرحل للحديث الواحد من قطر إلى قطر،--------------------------------------------
(1) البحر المحيط (6/ 208، 209)، وانظر أقوال العلماء في مسألة الخلو عن مجتهد في: شرح الكوكب المنير (4/ 564)، والمصادر التي وردت في الهوامش، وأهمها: الإحكام للآمدي (4/ 233)، تيسير التحرير (40/ 240)، أعلام الموقعين (2/ 270، 275)، مجموع الفتاوى (20/ 204)، مختصر ابن الحاجب (2/ 307)، فواتح الرحموت (2/ 399)، المسودة ص 472، الرد على من أخلد إلى الأرض ص 67، 97، شرح تنقيح الفصول ص 345، الملل والنحل (1/ 205)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 191.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 284)