Arabic source text

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

📘 الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (محمد مصطفى الزحيلي)

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الاجتهاد، بل بقي الباب مفتوحًا، وإن ولجه القليلون، ومارسه بعض الأفراد.
وكانت أبواب العلم مفتوحة، والمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد العلمية تمارس وظيفتها إلى حد ما، ومن هنا ظهر في كل مذهب، وفي كل بلد، وفي كل عصر، عدد من فقهاء المذاهب، ووصل كثير منهم إلى درجة الاجتهاد، إما لطبقة المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج، أو مجتهد الترجيح، أو مجتهد الفتيا، وأعلن كثير منهم الوصول إلى درجة الاجتهاد، ولكن الظروف والتعصب وشيوع الجمود لم تشجعه على ذلك، ولم تفتح له الأذهان، مع انتشار فتوى غلق باب الاجتهاد، وضعف الثقة بالنفس أحيانًا، وبسبب الحسد والتعصب أحيانًا أخرى.
ومن رجع إلى كتب تاريخ التشريع الإسلامي عامة، وكتب طبقات الفقهاء في كل مذهب، تيقن وجود هؤلاء المجتهدين غير المستقلين، والذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد المطلق أو المجتهد المستقل (1).
ويتأكد ذلك يقينًا بأن العصور التي عرفت بسد باب الاجتهاد هي التي ظهر فيها العلماء في كل مذهب يحققون آراءه، ويرجحون بين الروايات، ويمحصون الأدلة، ويحددون القول الراجح والمعتمد في المذهب من جهة، ثم يخرجون الآراء للقضايا المستحدثة، والأمور الطارئة قياسًا على ما ورد في المذهب، وتفريعًا لأصوله وقواعده، من أمثال الكمال بن الهمام وابن عابدين في المذهب الحنفي، والشيخ خليل والقرافي والونشريسي في--------------------------------------------
(1) قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "وأما قول الغزالي: وقد خلا العصر عن المجتهد المستقل، فقد سبقه إليه القفال شيخ الخراسانيين، فقيل: المراد مجتهد قائم بالقضاء، فإن المحققين من العلماء كانوا يرغبون عنه، ولا يلي في زمانهم غالبًا إلا من هو دون ذلك، وكيف يمكن القضاء على الأعصار، بخلوها عن مجتهد؟ والقفال نفسه كان يقول للسائل في مسألة الصبرة: تسأل عن مذهب الشافعي أم ما عندي؟ وقال هو، والشيخ أبو علي الطبري والقاضي حسين: لسنا مقلدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه، فهذا كلام من يدّعي رتبة الاجتهاد، ولم يختلف اثنان أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد، وكذلك ابن دقيق العيد، كما قاله ابن الرفعة" البحر المحيط (6/ 208 - 209).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 305)

المذهب المالكي، والرافعي والنووي والرملي في المذهب الشافعي، وابن قدامة وابن مفلح ويونس البهوتي في المذهب الحنبلي، والصنعاني والشوكاني في المذهب الزيدي، وغيرهم كثير، وفي سائر المذاهب، ممن كان لهم الفضل في تنقيح المذهب، وتحقيقه، ونقله، والتدليل للمعتمد فيه، والتصنيف فيه، وتعلميه، وتخريج المسائل الجديدة قياسًا على نظائرها وأشباهها، ولكنهم لم يستطيعوا مسايرة ومجاراة التقدم الدائم، أو التطور السريع، والنوازل الواقعة (1).
وأكد العلامة السبوطي رحمه اللَّه تعالى (911 هـ) على وجود الاجتهاد طوال التاريخ الإسلامي، وأنه مستمر في جميع المراحل، وأنه ظهر في كل بلد، وفي كل مذهب، عدد من العلماء الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، والذين مارسوه فعلًا، وسمى كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، وجمع نصوص العلماء من جميع المذاهب الفقهية القائلين بفرضية الاجتهاد وذم التقليد، ووجود المجتهدين فعلًا في كل مذهب، ومما نقله عن محيي السنة أبي محمد البغوي في كتابه "التهذيب" وهو من أجل الكتب المصنفة في الفقه، قوله: "العلم ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية … ، وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلمه عصَوْا جميعًا؛ لم فيه من تعطيل أحكام الشرع، قال اللَّه تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [التوبة: 122]، إلى آخر كلامه" (2).
وسبق إلى ذلك الشهرستاني رحمه اللَّه تعالى (548 هـ) في كتابه "الملل والنحل" وبيَّن عصيان أهل العصر بأسرهم إذا قصروا في القيام بفرض--------------------------------------------
(1) قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة" البحر المحيط (6/ 209).
(2) الرد على من أخلد إلى الأرض ص 4، طغ دار الكتب العلمية - بيروت - تحقيق الشيخ خليل الميس - سنة (1403 هـ / 1983 م).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 306)

الاجتهاد، وأقام الأدلة على فرضيته، ومنها الدليل العقلي القطعي، فقال: "وبالجملة نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعًا أيضًا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يُتصور ذلك أيضًا، والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، عُلم قطعًا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد" (1).
وسبق الاثنين حُجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه اللَّه تعالى (505 هـ) فقال: الاجتهاد ركن عظيم في الشريعة، لا ينكره منكر، وعليه عول الصحابة، بعد أن استأثر اللَّه برسوله صلى الله عليه وسلم، وتابعهم عليه التابعون إلى زماننا هذا، ولا يستقل به أحد، ولكن لا بدَّ من أوصاف وشرائط، مجملها أن نقول: المجتهد: هو المستقل بأحكام الشرع نصًّا واستنباطًا، وأشرنا نصًّا إلى الكتاب والسنة، وبالاستنباط إلى الأقيسة والمعاني" (2).
ونقل السيوطي رحمه اللَّه تعالى عبارة ابن عبد السلام من أئمة المالكية في كتابه "شرح مختصر ابن الحاجب" (646 هـ) في باب القضاء، حيث يقول: "إن رتبة الاجتهاد مقدور على تحصيلها، وهي شرط في الفتوى والقضاء، وهي موجودة إلى الزمان الذي أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بانقطاع العلم، ولم نصل إليه الآن، وإلا كانت الأمة مجتمعة على الخطأ، وذلك باطل". ثم علق السيوطي على ذلك فقال: "فانظر كيف صرح بأن رتبة الاجتهاد غير متعذرة، وأنها باقية إلى زمانه، وبأنه يلزم من فقدها اجتماع الأمة على الباطل، وهو محال" (3).
وهكذا يظهر أن باب الاجتهاد ولم يفلق حقيقة، وإنما كانت الفتوى في بعض العلوم لسد الطريق أمام أصحاب الأهواء، ومن يتتبع تاريخ الفقهاء--------------------------------------------
(1) الملل والنحل، له (1/ 199، 205).
(2) المنخول، له ص 462، تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو، طغ دار الفكر- دمشق - (1390 هـ 1970 م).
(3) الرد على من أخلد إلى الأرض ص 24.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 307)

وطبقاتهم في كل عصر، وفي كل مذهب، تأكد أن الاجتهاد لم يتوقف في أي مذهب وفي أي عصر، ولكن تتفاوت نسبته وعمقه، مع الاعتراف بوجود التقصير في عصور التخلف والانحطاط مما أدى إلى عدم مواكبة أحداث الزمن ووقائعه.

‌‌الاجتهاد في العصر الحاضر:
أحس المسلمون عامة، والعلماء خاصة منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري، والعشرين ميلادي، بضررورة العودة إلى رحاب الشريعة الغراء في التطبيق والحياة، وأدركوا عوامل الخمود والكسل والركود التي سبقت ذلك، فشمروا عن ساعد الجد، وطالبوا بالالتزام بالشرع الحنيف، وساهموا في فتح الكليات والجامعات والمعاهد، ودرسوا مختلف العلوم الإسلامية، وخاصة أصول الفقه، والفقه المقارن بين المذاهب، والموازنة مع القوانين الأجنبية المستوردة، وأدلوا بدلوهم تدريجيًّا في الاجتهاد، وبيان الأحكام في النوازل والمستجدات، ومارسوا الاجتهاد عمليًّا، وتعالت أصواتهم بالدعوة مجددًا إلى فتح باب الاجتهاد، وإنهاء دعوى أو فتوى غلق باب الاجتهاد، وطلبوا من العلماء الذين تتوفر فيهم شروط الاجتهاد أن يتولوا القيام به، ولو جزئيًّا، ليعود الأمر إلى الأصل الشرعي، وقرر معظم العلماء أن باب الاجتهاد لم يغلق أصلًا، وإنما وضعت القيود عليه خشية العبث به، ولوجود الموانع أمامه، وإذا زال المانع عاد الممنوع، وأن الأمة والعلماء مدعوّون قطعًا لتحصيل شروط الاجتهاد، ثم العمل بموجبه، وأن فضل اللَّه على عباده لم ولن ينحصر في وقت دون آخر، ولم ولن يتحدد بجيل دون آخر، وأن الخير في هذه الأمة حتى تقوم الساعة، ويجب أن تنفض عن كواهلها عوارض الكسل والخمود، لتمارس نشاطها الفقهي والاجتهاد.
وإن الظروف المعاصرة تستدعي الاجتهاد وتوجبه لسببين رئيسين:
السبب الأول: الصحوة الإسلامية المعاصرة، والمرافقة للتطور التقني في تدوين الكتب الشرعية في علوم القرآن، وعلوم السنة، وأصول الفقه، والموسوعات الفقهية، وإحياء التراث، وتحقيقه، ونشره، وسهولة الطباعة لأمهات الكتب في مختلف العلوم، مما يسهل على العلماء الزاد العلمي، وييسر لهم سبل الاجتهاد.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 308)

السبب الثاني: التطور المعاصر في مختلف شؤون الحياة، وكثرة المستجدات والنوازل والوقائع التي تحتاج إلى بيان الأحكام الشرعية لها، ووجود التحدي من الأنظمة والتشريعات الوافدة من الاتجاه المعاكس، والنظريات المادية، والهيمنة الفكرية، والعولمة، والغزو الثقافي والتشريعي، وظهور الاستعمار القانوني المعاصر.
وذلك بالإضافة إلى الدواعي الشرعية السابقة لضرورة الاجتهاد، وحتمية وجوده، وأهميته، وأداء وظيفته.
وظهر في العصر الحاضر المجامع الفقهية، والندوات، والمؤتمرات التي تجمع كبار العلماء لبحث القضايا المعاصرة، والاجتهاد الجماعي فيها، وإصدار الفتاوى بالاتفاق أو بالأغلبية لبيان الحلول الشرعية لقضايا الأمة والمجتمع والمؤسسات والشركات والأفراد، واختيار الآراء المناسبة من مختلف المذاهب بما يوافق روح العصر والتقدم والرقي والمكتشفات العلمية الحديثة.
وظهر في معظم البلاد العربية والإسلامية هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث، ودار الفتوى، ومنصب المفتي العام، ودوائر الشؤون الإسلامية، بالإضافة إلى أساتذة الفقه وأصول الفقه وتاريخ التشريع والفقه المقارن في الكليات والجامعات والمعاهد العليا ممن يجيدون البحث العلمي، ويكتبون البحوث المحكمة والمعمقة، ويقدمون الدراسات والأوراق للندوات والمؤتمرات ومجامع الفقه، إضافة إلى كبار القضاة الذين يتمرسون على فصل المنازعات والاختلافات التي لم يسبق لها مثيل، فيجتهدون في إصدار الأحكام الشرعية فيها، ويستقر عليها العمل، وتصبح سوابق قضائية، وتنتقل من بلد إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، وتجمع في مدونات، وتطبع وتنشر.
وهكذا يحافظ الاجتهاد في عصرنا الحاضر -كما كان في السابق- على حياة التشريع، ومرونة الفقه، وتطوره، وفعاليته، ويحافظ الاجتهاد على بقاء الفقه الإسلامي في المعاملات، ويتطلع إليه الخاصة والعامة لحل المشكلات، وإيجاد الحلول الموافقة للشرع للمعضلات التي رانت على القلوب بعد سيطرة الفكر المادي، والاستعمار التشريعي.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 309)

وإذا كان الاجتهاد المطلق، والمجتهد المستقل، يصعب حصوله اليوم، فإن سائر أنواع الاجتهاد، وسائر طبقات المجتهدين، ومراتبهم، موجودة، وإن معظم شروط الاجتهاد -اليوم- متحققة ومتوفرة، وستبقى حتى تقوم الساعة، وهو ما عبّر عنه الغزالي والشهرستاني وابن عبد السلام والسيوطي وغيرهم، وهو ما ينادي به كبار العلماء والفقهاء في هذا العصر، لتظل راية الشرع عالية خفاقة بإذن اللَّه تعالى.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 310)

‌‌المبحث الرابع مجال الاجتهاد
نخصص هذا المبحث لبيان مجال الاجتهاد، أو محل الاجتهاد، أو نطاق الاجتهاد، وهو الركن الثالث من أركان الاجتهاد السابقة، وهو المجتهد فبه، لبيان ما يسوغ الاجتهاد فيه.
وأشرنا سابقًا إلى أن الأحكام الشرعية كلها تؤخذ من مصدرين أساسيين، وهما: النصوص الشرعية، والاجتهاد.
ولكن وضعَ الفقهاءُ وعلماء الأصول قاعدة أساسية مهمة، وهي: لا اجتهاد في مورد النص، ويتبادر إلى ذهن كثير من الناس أن الاجتهاد مقابل للنص، وأنه لا اجتهاد نهائيًّا في النصوص؟! وهذا غير دقيق نهائيًّا، وغير مقصود للعلماء؛ لأن الاجتهاد يقع بالنصوص قطعًا ويقينًا بالاتفاق، ومن هنا تظهر أهمية هذا المبحث لبيان مجال الاجتهاد أو نطاقه أو محله أو المجتهد فيه.
ونسارع إلى القول: إن مجال الاجتهاد واسع جدًّا جدًّا، ويكاد يغطي معظم الأحكام الشرعية، وأنه لا يخرج عن مجال الاجتهاد إلا أمران فقط، ولذلك نحدد ما يخرج عن الاجتهاد أولًا، ثم نبين ما يتناوله الاجتهاد ثانيًا.

‌‌أولًا: ما لا يجوز الاجتهاد فيه:
لا يجوز الاجتهاد، ولا يصح، وإن حصل وقع باطلًا، في أمرين فقط، وهما: النصوص القطعية الثبوت والدلالة، وما وقع عليه الإجماع.

‌‌1 - النصوص القطعية في الثبوت والدلالة:
إن النصوص الشرعية تعني ما ثبت في القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولكن هذه النصوص بعضها قطعي الثبوت، وهو القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وبعضها ظني الثبوت، وهو الأحاديث المشهورة، وأحاديث الآحاد، وكل من القسمين إما أن يكون قطعي الدلالة، أي: له معنى واحد محدد متبادر إلى الذهن، وليس فيه احتمال آخر أصلًا غير المعنى السابق،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 311)

وإما أن يكون ظني الدلالة، أي: يدل على معنى ويحتمل معنى آخر، أو يدل على معنيين فأكثر.
فإذا كان النص الشرعي قطعي الثبوت وقطعي الدلالة فلا مجال فيه للاجتهاد، ولا يصح فيه الاجتهاد، وتنطبق عليه القاعدة السابقة بشكل كامل وصحيح "لا اجتهاد في مورد النص"، أو "لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نصّ قطعي".
وهذا ما أراده الغزالي رحمه اللَّه تعالى في تحديد المجتهد فيه، فقال: "هو كلُّ حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي" (1).
وهذه الأحكام التي تثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة تشمل المسائل الأساسية في الدِّين، سواء كانت في مسائل الاعتقاد والتوحيد والإيمان، أو في العبادات، وسائر الأحكام العملية الأخرى، فالحكم فيها واحد قطعًا ويقينًا، حتى لا يكون الخلاف فيها مفضيًا للنزاع والخلاف وتفريق الصف، وانقسام الأمة.
وهذه النصوص الذي تعني معنى واحدًا فقط، لا تقبل التأويل بصرفها عن ذلك المعنى، ولا تقبل النسخ لانتهاء مدته بانقطاع الوحي، كما سبق، ويطلق عليها علماء الأصول: المُحْكَم الذي يتحدد البحث فيه بتفسير معناه، وفهمه، بحسب مقتضى اللغة والشرع لبيان دلالته، أو معرفة علته للقياس عليه، أو استنباط مقاصده للاهتداء بها في حالات أخرى.
ومن أمثلة ذلك وجوب الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وتحديد عقوباتها المقدرة لها بنصوص القرآن والسنَّة المتواترة القولية والفعلية، وكذا الكفارات المقدرة، والأعداد الواردة في الكفارات والحدود، مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فهذان النَّصان لا يحتملان--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 354)، ونقل الشوكاني عن الفخر الرازي مثل ذلك، فقال: "المجتهد فيه هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع" إرشاد الفحول ص 252، وانظر: علم أصول الفقه ص 216.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 312)

الاجتهاد؛ لأنهما قطعيا الثبوت، من ناحية كونهما نصًّا قرآنيًّا ثابتًا بالتواتر، كما أنهما قطعيا الدلالة؛ لأن لفظ "مئة" ولفظ "ثمانين" من الألفاظ الخاصة التي تدل على معناها دلالة قطعية، ولا تحتمل معنى آخر.

‌‌2 - الأحكام المجمع عليها:
إن الإجماع في أصله اجتهاد، إما أن يقع في نصوص ظنية، ولكن يقع اتفاق جميع المجتهدين على أحكامها، فتصبح ثابتة بالإجماع، وإما أن يقع في مسائل لا نص عليها، ويتفق المجتهدون على حكم فيها، وفي هاتين الحالتين لا يصح الاجتهاد؛ لأن الإجماع جعل حجيتها قطعية، واستقرت الأحكام فيها، وخرجت عن مجال الاجتهاد ومحله، كبطلان عقد زواج المسلمة من غير المسلم، وجواز عقد الاستصناع، واعتبار الجد كالأب في الميراث، وخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وغير ذلك.
ويدخل في ذلك ما علم من الدِّين بالضرورة، مما شاع وانتشر بين المسلمين؛ لأنه إما أنه ثابت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، أو غير ذلك، ولكن اشتهاره وانتشاره وشيوعه جعله كأنه إجماع، ولا يوجد له مخالف من المسلمين الذين يعتدّ بهم، كمشروعية البيع والزواج، وحرمة الربا وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين وسائر الكبائر (1).

‌‌ثانيًا: ما يجوز فيه الاجتهاد:
إن مجموع الأحكام التي لا يجوز فيها الاجتهاد معدودة ومحصورة، وما عدا ذلك فيجوز فيه الاجتهاد مما لا عدَّ له، ولا حصر، وتتلخص في أمرين، الأول: ما لا نصَّ فيه أصلًا، وهو كثير كثير، والثاني: ما فيه نص غير قطعي، وتفصيل ذلك فيما يجوز فيه الاجتهاد يشمل ما يلي:--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 354)، البحر المحيط (6/ 197، 198)، إرشاد الفحول ص 252، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1052)، أصول الأحكام ص 370، الفصول (4/ 11، 13)، علم أصول الفقه ص 216.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 313)

‌‌1 - النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة:
إن النصوص القطعية الثبوت تشمل كما سبق نصوص القرآن والأحاديث المتواترة، فإن كانت ظنية الدلالة بأن يحتمل النَّص أكثر من معنى واحد فإنه محل للاجتهاد فيه للبحث عن معرفة المعنى المراد من النص، وقوة دلالته على المعنى، كأن يكون النص عامًّا، أو مطلقًا، وكل منهما يدل على عدة معان، وقد تكون دلالة اللفظ بطريق العبارة أو الإشارة، أو بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو غير ذلك مما سبق بيانه في باب الدلالات، وقد يكون العام باقيًا على عمومه، وقد يكون مخصَّصًا، مع الاختلاف في تخصيصه، وقد يكون المطلق باقيًا على إطلاقه، وقد يكون مقيدًا، والأمر الوارد بالنص القطعي يدل في الأصل على الوجوب، ولكنه قد يراد منه الندب أو الإباحة أو غيرهما، والنهي الوارد في النص القطعي يدل في الأصل على التحريم، وقد يصرف إلى الكراهة أو غيرها، وهكذا سائر مباحث الدلالات، أو تفسير النصوص السابقة، كالاختلاف في مقدار مسح الرأس في الوضوء، والاختلاف في معنى القرء، وغير ذلك مما سبق بيانه.

‌‌2 - النصوص الظنية الثبوت الظنية الدلالة:
إن الأحاديث المشهورة، وأحاديث الآحاد التي ثبتت بطريق الظن، تكون محلًا للاجتهاد، وإن كانت قطعية الدلالة، كحديث نصاب الغنم والإبل في الزكاة، فهو قطعي الدلالة، لكنه يحتمل الاجتهاد فيه، للبحث في السند، وطريق الوصول، ودرجة الرواة من العدالة والضبط وغيرهما مما يؤدي حتمًا إلى الاختلاف حسب تقدير المجتهدين، وهو أحد أسباب اختلاف الفقهاء، كما سبق بيانه في الجزء الأول، فبعضهم يثبت عنده الحديث، ويطمئن إليه، ويثبت الحكم الوارد فيه، وبعضهم لا يثبت عنده الحديث، ولا يطمئن له، فيرفض الأخذ به، وهذا مجال للاجتهاد، ويؤدي إلى اختلاف المجتهدين، وهو كثير في الأحكام العملية.
وهذه النصوص الظنية الثبوت كثيرًا ما تكون ظنية الدلالة، وتحتمل أكثر من معنى، فإن اتفق العلماء على صحة ثبوتها (بالطريق الظني) فيرد الاجتهاد في مضمونها ومتنها، مما يسميه الجمهور بالدراية، فقد يثبت الحديث عند

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 314)

مجتهدَيْن، ولكنهما يختلفان في دلالته، كحديث: "البيّعان بالخيار ما لم يفترقا"، وقد يختلفان في عمومه وتخصيصه، وإطلاقه وتقييده، ونوع دلالته بالمنطوق والمفهوم، والعبارة والإشارة، وغير ذلك، وهو محل للاجتهاد، وقد يعتمدون على القواعد اللغوية ومقاصد الشريعة لترجيح المعنى المراد على الآخر.

‌‌3 - ما لا نص فيه ولا إجماع:
إن القضايا التي لم يرد فيها نص أصلًا، ولم يقع عليها إجماع، يجب على المجتهدين أن يبحثوا عن حكمها بالأدلة العقلية التي أقرها الشرع، كالقياس، والاستحسان، والاستصلاح، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، والعرف، وغيره من أدلة الأحكام ومصادر التشريع المختلف فيها، وكلها تدخل في باب الاجتهاد، وتكون محلًا للاجتهاد، ومجالًا للمجتهد، وهذا باب واسع جدًّا، ومسائله لا تُحدّ، ولا تُعدّ، ولا تُحصى، وتتبع التطور، وكل القضايا المستجدة، والطوارئ في كل عصر حتى تقوم الساعة، ولذلك يعتبر باب الاجتهاد واسعًا، ومجاله رحبًا، ليستوعب كل ما يحتاجه المسلمون (1).

تجزؤ الاجتهاد:
يترتب على معرفة شروط الاجتهاد، وتوفرها في الشخص، وبيان المجتهد فيه ومجاله ونطاقه وما يسوغ فيه، يترتب مسألة أصولية مهمة، وخاصة في عصرنا الحاضر، وهي تجزؤ الاجتهاد.
ومعنى تجزؤ الاجتهاد جريانه في بعض المسائل دون بعض، بأن يحصل للمجتهد ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة في بعض المسائل دون غيرها، فيتمكن العالم من استنباط الحكم في مسألة فقهية دون غيرها، أو في باب فقهي كالعبادات، أو الشركات، أو الجهاد، أو السياسة الشرعية، أو طرق الإثبات، أو الفرائض، ممن توفرت فيه شر وط الاجتهاد، وعرف استنباط بعض الأحكام دون بعض.
واختلف العلماء في مشروعية تجزؤ الاجتهاد إلى قولين:--------------------------------------------
(1) المراجع السابقة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 315)

القول الأول: يجوز تجزؤ الاجتهاد، بأن يعرف المجتهد جميع مآخذ المسألة الواحدة من الكتاب والسنة ليجتهد بها، وهو رأي أكثر العلماء، فقال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "الصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد، بمعنى أن يكون مجتهدًا في باب دون غيره، وعزاه الهندي للأكثرين … ، وقال ابن دقيق العيد: وهو المختار" (1)، وقال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "الاجتهاد يتجزأ عند أصحابنا والأكثر" (2)، وقال الغزالي: "يجوز أن يكون منتصبًا للاجتهاد في باب دون باب" (3).
القول الثاني: عدم جواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي بعض العلماء القدامى، وأيده الشوكاني، ومال إليه بعض المعاصرين (4).

أدلة القول الأول:
استدل الأكثر على مشروعية جواز تجزؤ الاجتهاد بعدة أدلة، منها:
1 - إن العالم إذا اطّلع على أدلة مسألة ما، أو باب معين، وعرف أحكامه، وجمع كل ما يتعلق به، فيجب عليه أن يجتهد، ولا يجوز له تقليد غيره؛ لأن ترك ما فهمه باجتهاده يكون تركًا للعلم، وهذا ما أراده ابن دقيق العيد فقال: "قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل له المعرفة، وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد" (5).--------------------------------------------
(1) البحر المحيط (6/ 209).
(2) شرح الكوكب المنير (4/ 473).
(3) المستصفى (2/ 353).
(4) المراجع السابقة، وانظر: المعتمد (2/ 932)، الإحكام للآمدي (4/ 164)، البناني وجمع الجوامع (2/ 386)، المحصول (3/ 37)، كشف الأسرار (4/ 17)، تيسير التحرير (4/ 182)، العضد على ابن الحاجب (2/ 290)، شرح تنقيح الفصول ص 438، الروضة ص 353، المدخل إلى مذهب أحمد ص 183، إرشاد الفحول ص 254، مختصر البعلي ص 164، مختصر الطوفي ص 174، أعلام الموقعين (4/ 275)، مجموع الفتاوى (20/ 204، 212)، علم أصول الفقه ص 220، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1075).
(5) البحر المحيط (6/ 209)، إرشاد الفحول ص 255.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 316)

2 - يلزم من القول بمنع تجزؤ الاجتهاد أن يكون المجتهد عالمًا بجميع أحكام الشرع وأدلتها، وهذا غير صحيح، ولا مقبول، ويخالف الواقع، لأنه ليس في وسع البشر، ولم يشترط أحد في المجتهد والمفتي والفقيه أن يكون عالمًا بجميع أحكام المسائل وأدلتها، وإن الصحابة رضوان اللَّه عليهم توقفوا في كثير من الأحيان، والأئمة المجتهدون -اجتهادًا مطلقًا- لم يصلوا إلى هذه المرتبة دفعة واحدة، ولم يتوقف اجتهادهم حتى حازوا جميع العلوم، وعندما وصلوا إلى الاجتهاد المطلق توقفوا عن بعض المسائل، فقد سئل الإمام مالك عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع، وقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وكذلك توقف الشافعي، والإمام أحمد، وغيرهما.
3 - إذا جمع العالم الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد أدلة المسألة أو الباب، واطلع على أماراتها، كان هو وغيره سواء في تلك المسألة أو الباب، وكونه لا يعلم أمارات وأدلة باب آخر لا يؤثر على علمه السابق، ويجوز له الاجتهاد كما يجوز لغيره؛ لأنه قد عرف الحق بدليله.

أدلة القول الثاني:
استدل المانعون لتجزؤ الاجتهاد بأدلة، منها:
1 - إن أكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض، والاجتهاد ملكة وأهلية معينة تتوقف على فهم روح الشريعة ومقاصدها ومبادئها العامة، كالبلاغة والشعر، فإن تحققت الأهلية استطاع صاحبها الاجتهاد في كل المسائل، ومن عجز عن بعضها عجز عن الاجتهاد في كلها.
2 - إن المسائل التي يجتهد بها الشخص قد تكون متعلقة بما يجهله، وبالتالي فإن اجتهاده الجزئي يشوبه الخلل والنقص، فلا يحصل.
ويبدو ترجيح قول الجمهور، وأنه يجوز تجزؤ الاجتهاد، وهو يتفق مع الواقع، فالمجتهد المطاق الذي حاز درجة الاجتهاد الكامل لا يمكنه، ولا يتصور، أن يجتهد في كل المسائل دفعة واحدة، وأن يكون مطلعًا في وقت واحد على جميع المسائل والأحكام والأدلة، وأن المجتهد الجزئي يعلم بكل

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 317)

ما يتعلق بالمسألة أو الباب، وهذا ما وقع فعلًا بعد عصر الأئمة المجتهدين، وطوال العصور اللاحقة التي تسمى عصور التقليد، فكان الاجتهاد الجزئي قائمًا، وإن التخصصات الدقيقة في عصرنا في باب فقهي، مع دراسة أصول الفقه، تخوّل صاحبها الاجتهاد الجزئي فيها، وهو الواقع الملموس في علماء العصر الذين يتعمقون في باب فقهي، ويكتبون فيه الرسائل العلمية المعمقة والشاملة.
ونختم هذا الترجيح بقول ابن قيم الجوزية رحمه اللَّه تعالى: "الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم، مقلدًا في غيره، أو في باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض، وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد، أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ ثلاثة أوجه، أصحها: الجواز، بل هو الصواب المقطوع به" (1).--------------------------------------------
(1) أعلام الموقعين (4/ 188).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 318)

‌‌المبحث الخامس الإصابة والخطأ في الاجتهاد
يتعلق بالاجتهاد اعتماد الإصابة حتمًا فيه، أو احتمال الخطأ، ويتقدم على ذلك معرفة القصد الذي يتوجب على المجتهد التوجه إليه، ثم نختم ذلك بحكم المخطئ في الاجتهاد، هل يعتبر آثمًا أم مأجورًا؟

‌‌أولًا: القصد في الاجتهاد:
اختلفت عبارات العلماء في ذلك، وهذا بحث نظري بحت لا يترتب عليه أثر عملي، ولذلك نعرضه بإيجاز.
قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده أمرين، وهما طلب الحق عند اللَّه تعالى، وإصابة العين التي يجتهد بها"، وهذا هو المعول عليه في مذهبه؛ لأن الحق ما كان عند اللَّه حقًّا، لا عند غيره.
وقال المزني رحمه اللَّه تعالى، وهو تلميذ الشافعي: يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند نفسه، أي: ما يستطيعه ويتوصل إليه فقط؛ لأن ما عند اللَّه لا يعلم إلا بالنُّصوص.
وقال بعض أهل العراق من الفقهاء والمتكلمين: إن الذي يجب على المجتهد هو الاجتهاد فحسب، ليعمل بما يؤديه إليه اجتهاده، فيجعلون عليه الاجتهاد، ولا يجعلون عليه طلب الحق بالاجتهاد؛ لأنه مكلف بالاجتهاد فقط، ويقال: إنه مذهب أبي يوسف رحمه اللَّه تعالى؛ لأن ما أخفاه اللَّه تعالى فلا طريق للناس إلى إظهاره، وفي التزامه من المجتهد أو إلزامه به تكليف بما لا يستطاع، كإحياء الأجسام، وقلب الأعيان.
وفصل الإمام أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى، فقال: يجب على المجتهد في بعض الأحكام طلب الحق بالاجتهاد كالشافعية، ويجب عليه في بعض الأحكام مجرد الاجتهاد ليعمل بما يؤديه إليه اجتهاده، كقول أبي يوسف.
ويرد على القول الثاني أن الاجتهاد نفسه استدلال، والحكم الذي وصل

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 319)

إليه المجتهد هو الحق المطلوب به، فلم يجز أن يكون القصد هو الاستدلال دون الحكم المطلوب به؛ لأن الاستدلال مقصود لمعرفة الحكم، وقد وضع اللَّه تعالى أمارات توصل إلى حكم ما أخفاه، فلم يخرج عن الاستطاعة.
ولعل الراجح هو قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى؛ لأن الهدف من الاجتهاد، وتكليف المجتهد بالاجتهاد، هو لمعرفة الحق الذي يظن أنه حكم اللَّه تعالى في المسألة المجتهد فيها، وهو نتيجة الاجتهاد، وهو ما يجري عليه العمل من المجتهدين عامة (1).

‌‌ثانيًا: اعتماد الإصابة واحتمال الخطأ في الاجتهاد:
إن اعتماد الإصابة حتمًا في الاجتهاد، واحتمال الخطأ فيه، يختلف بحسب المجتهد فيه، ولذلك لا بد من التفصيل.

‌‌1 - الاجتهاد في العقليات:
الأمور العقلية تشمل ما يصح للناظر درك حقيقتها بنظر العقل المحض، ولو قبل ورود الشرع، كإثبات وجود الصانع الخالق، وحدوث العالَم، وصفات اللَّه تعالى واجب الوجوب الواجبة والجائزة والمستحيلة، وبعثة الرسل، وتصديقهم بالمعجزات، كما يشمل الأمور الشرعية التي تستند إلى ثبوت أمر عقلي، كعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية اللَّه تعالى، وعدم خلق القرآن، وخلق الاستطاعة في كسب الأعمال (2)، وخروج الموحدين من النار، وغير ذلك.--------------------------------------------
(1) الحاوي (20/ 188 - 189).
(2) قال أهل السنة: إن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة؛ لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم عيانًا، كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته"، أخرجه البخاري ومسلم (5/ 134) وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن جرير رضي الله عنه، وخالف المعتزلة في ذلك لقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام: 103]، وفسّرها أهل السنة: لا تدركه إدراك ماهية وإحاطة.
وقال أهل السنة: كلام اللَّه قديم غير مخلوق؛ لأنه صفة من صفاته القديمة كذاته، والقرآن كلام من اللَّه، وليس من اللَّه شيء مخلوق، وخالف المعتزلة =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 320)

فمن اجتهد في هذه الأمور العقلية، فيجب أن يهتدي إلى الحق والصواب فيها؛ لأن الحق فيها واحد لا يتعدد، والمصيب فيها واحد بعينه، وهذا رأي عامة الأصوليين، وقال بعضهم: إنه إجماع (1)، لأن تعدد الأقوال فيها يؤدي إلى اجتماع النقيضين أو الضدين، وهو باطل، والحق واحد، فمن أصابه أصاب الحق، ومن أخطأه فهو آثم، ثم يختلف الإثم، فإن كان الخطأ فيها يرجع إلى الإيمان باللَّه ورسوله فالمخطئ كافر (2)، واستدل العلماء على ذلك بقوله تعالى: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [صَ: 27]، وقوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: 23]، وقوله تعالى: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 17]، وقال عن الكفار: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10]، فاللَّه سبحانه ذمهم على معتقدهم، وتوعدهم بالعقاب عليه، ولو كانوا معذورين فيه لما كان الوعيد، ويؤكد ذلك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم طالب الكفار من اليهود والنصارى بتصديقه واعتقاد رسالته، وذمّهم على معتقداتهم، ولو كانوا مجتهدين فيها، وأجمعت الأمة على ذم الكفار، ومطالبتهم بترك اعتقادهم، وطالبوهم باعتناق رسالة الإسلام.--------------------------------------------
= وقالوا: القرآن مخلوق، لأنهم ينكرون الصفات الأزلية للَّه، والقرآن من الصفات، وقال بذلك الجهمية والخوارج وبعض المرجئة.
وقال أهل السنة: إن اللَّه يخلق الاستطاعة على الفعل عندما ينبغي أن تكون، فيخلق القطع بالسكين حين تلامس المقطوع، وقالوا: إن أفعال العباد اختيارية واقعة بقدرة اللَّه تعالى وحدها، وقال المعتزلة؛ بقدرة العبد وحدها، وتكون الاستطاعة قبل الفعل، فالسكين تقطع باستطاعة فيها، والإيمان والكفر باستطاعة خلقت في الإنسان، وهذا من مباحث علم الكلام، فانظره في كتبهم.
(1) قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "والمجتهد المصيب في الأمور العقليات واحد إجماعًا" شرح الكوكب المنير (4/ 488).
(2) قال الجاحظ وعبيد اللَّه بن الحسن العنبري من المعتزلة: لا إثم عليه؛ لأنه نظر وبذل ما في وسعه، ولو كان مخالفًا ملة الإسلام، واستشنع المعتزلة هذا القول؛ لأنه يقتضي تصويب اليهود والنصارى وسائر الكفار في اجتهاداتهم العقدية (انظر: البحر المحيط 6/ 236، إرشاد الفحول ص 259).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 321)

فإن كان الاجتهاد والخطأ في الأمور العقلية في غير الإيمان باللَّه ورسوله، فإن المخطئ آثم، وهو كافر النعمة ومبتدع وفاسق؛ لأنه عدل عن الحق وضل، كمن يقول بعدم رؤية اللَّه تعالى، وخلق القرآن، وكسب الأعمال (1).

‌‌2 - الاجتهاد في المسائل الأصولية:
وهي المسائل الأصولية القطعية، مثل كون الإجماع، والقياس، وخبر الواحد، حجة؛ لأن أدلتها قطعية، فالاجتهاد فيها كالاجتهاد في العقليات، فالحق فيها واحد، ويجب على المجتهد أن يصيب الحق فيها، والمخالف فيها مخطئ آثم، ولكنه غير كافر عند أهل السنة، وقال المعتزلة بتكفيره؛ لأنهم يكفرون خصومَهم، ويكفِّرُ كل فريق منهم الآخر (2).

‌‌3 - الاجتهاد في المسائل الفقهية الفرعية:
إن المسائل الفقهية الفرعية قسمان: قطعية، وظنية، ويختلف حكم الاجتهاد فيهما.

‌‌أ- المسائل الفقهية القطعية:
وهي المسائل الثابتة بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، والمسائل المجمع عليها، وأصبحت معلومة من الدين بالضرورة، أي: بالبداهة، فلا تحتاج إلى نظر واجتهاد، كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، والحج، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، ونحوها مما هو معلوم من الدِّين قطعًا.
إن حكم هذه المسائل بالنسبة للتصويب والتخطئة في الاجتهاد، وحكم المخطئ فيها من حيث التأثيم، كحكم الاجتهاد في العقليات، فليس كل مجتهد فيها مصيبًا، والحق فيها واحد لا يتعدد، وهو المعلوم للجميع،--------------------------------------------
(1) أطلق الشافعي عليه اسم الكفر، فمن أصحابه من أجراه على ظاهره، ومنهم من أوّله على كفران النعم، وصححه النووي وغيره (البحر المحيط 6/ 236) وقال ابن النجار: ضال آثم (شرح الكوكب المنير 4/ 488).
(2) البحر المحيط (6/ 239).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 322)

والموافق له مصيب، والمخالف له مخطئ آثم، فإن كانت ثابتة قطعًا ومعلومة من الدين بالضرورة فإنكارها كفر، والمنكر كافر؛ لأن الإنكار فيهما تكذيب للشرع، وإن كانت فيما علم قطعًا بالنظر لا بالضرورة، كالأحكام المعلومة بالإجماع فمنكرها ليس بكافر، ولكنه آثم مخطئ (1).
قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "والقضية الجزئية التي فيها نص قاطع المصيب فيها واحد بالاتفاق، وإن دقَّ مسلك ذلك القاطع" (2).

‌‌ب- المسائل الفقهية الظنية:
وهي المسائل الفقهية التي ليس عليها دليل قاطع، وهي محل الاجتهاد، والحكم فيها أن المجتهد إن أصاب فهو مثاب وله أجران، وإن أخطأ فلا إثم عليه، وله أجر الاجتهاد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر" (3)، ولأن المسألة الظنية ليس فيها دليل قاطع، واختلف فيها الصحابة والتابعون والأئمة، ولم ينكر واحد منهم على الآخر، وكان كل مجتهد أو فقيه أو مفت يخبر الناس بما وصل إليه اجتهاده، وأنه حكم اللَّه تعالى، ويفتيهم به، ولا يمنع أحدهم الآخر من الإفتاء بذلك، ولا يمنع العامة من تقليده، ولا يمنع القاضي من الحكم به، بينما يتشددون في تأثيم القسم الأول، ويخطئون القائلين به، كمانعي الزكاة، والخوارج وغيرهم.
وهذا القسم يمثل معظم الفروع الفقهية في العبادات والمعاملات والمواريث وغيرها، كمقدار مسح الرأس، وخيار المجلس، وميراث الجد مع الإخوة، والزكاة في مال الصغير، ونفي وجوب الوتر، وقراءة الفاتحة خلف الإمام؛ لأن الأدلة فيها غامضة، ويرجع فيها للاجتهاد.--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 354، 317)، جمع الجوامع والبناني (2/ 390)، مختصر ابن الحاجب (2/ 294)، الروضة ص 359، مختصر الطوفي ص 176، 177، إرشاد الفحول ص 260، المدخل إلى مذهب أحمد ص 186، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1095).
(2) شرح الكوكب المنير (4/ 490).
(3) هذا الحديث سبق بيانه.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 323)

وبيَّن ابن السمعاني رحمه اللَّه تعالى الحكمة في ذلك فقال: "ويشبه أن يكون سبب غموضها امتحانًا من اللَّه لعباده، ليتفاضل بينهم في درجات العلم ومراتب الكرامة، كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]، وعلى هذا يتأول ما ورد في بعض الأخبار "اختلاف أمتي رحمة" فعلى هذا النوع يحمل هذا اللفظ دون النوع الآخر، فيكون اللفظ عامًّا، والمراد خاص" (1).

‌‌المصوبة والمخطئة في الاجتهاد:
ترتب على قول العلماء في الاجتهاد في المسائل الفقهية الفروعية الظنية مسألة تصويب المجتهد، وتعني: هل كل مجتهد فيها مصيب أم أن المصيب فيها واحد، وما عداه مخطئ؟ وظهر في هذه المسألة آراء كثيرة، ونُقول متعددة، تنضوي تحت رأيين مشهورين، الأول: رأي المصوبة، والثاني: رأي المخطئة.
وسبب الخلاف هو اختلاف العلماء في مسألة أخرى، وهي: هل للَّه تعالى حكم واحد معين في كل مسألة، فمن وصله من المجتهدين كان مصيبًا، ومن لم يصله كان مخطئًا؟ أم أن حكم اللَّه تعالى فيما يسوغ الاجتهاد فيه من الظنيات هو ما وصل إليه كل مجتهد، وأن كل مجتهد مصيب؟ وتمخض الأمر إلى مذهبين، وهما: مذهب المصوِّبة، ومذهب المخطئة، وهذا ما نريد بيانه باختصار مع الأدلة؛ لأن المسألة نظرية، وغيبية، وشبه خيالية، ولا يترتب عليها حكم شرعي (2).--------------------------------------------
(1) البحر المحيط (6/ 241)، وانظر: المستصفى (2/ 354)، الإحكام للآمدي (4/ 178)، المحصول (3/ 41)، التبصرة ص 496، المنخول ص 451، نهاية السول (3/ 249)، البرهان (2/ 1316)، المعتمد (2/ 988)، فواتح الرحموت (2/ 376)، تيسير التحرير (4/ 195)، مختصر ابن الحاجب (2/ 293)، التمهيد ص 163، شرح تنقيح الفصول ص 438، 439، شرح الكوكب المنير (4/ 488)، المسودة ص 495، الروضة ص 359، جمع الجوامع والبناني عليه (2/ 388)، مختصر البعلي ص 164، مختصر الطوفي ص 176، إرشاد الفحول ص 259، المدخل إلى مذهب أحمد ص 186، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1091).
(2) كتب أحد طلابنا رسالة ماجستير في الأصول بإشرافي بكلية الشريعة بجامع دمشق =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 324)