Arabic source text

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

📘 الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (محمد مصطفى الزحيلي)

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌أولًا: المصوِّبة وأدلتهم:
تقول المصوِّبة: إن كل مجتهد مصيب في اجتهاده، وإنَّ كل قول من أقوال المجتهدين فيها حق، وإن كل واحد منهم مصيب، وهو رأي الأشعرية والمعتزلة والقاضي الباقلاني من المالكية وصاحبي أبي حنيفة، والقاضي سريج من الشافعية.
والباعث لهم اعتقادهم أن ليس للَّه تعالى في المسألة التي لا نص فيها -قبل الاجتهاد- حكم معين من جواز، أو حظر، أو حلال، أو حرام، وأن حكم اللَّه تعالى فيها تابع لظن المجتهد.
ثم اختلفت عباراتهم في البيان، فقال الأشعرية: إن الواقعة التي لا نص فيها ولا إجماع ليس فيها حكم معين، وإنما يتعين الحكم بالظن، ثم يكون حكم اللَّه فيها هو ما غلب على ظن كل مجتهد، وينتج عن قولهم: إنَّ الحقَّ يتعدد، وكل مجتهد مصيب.
وقال المعتزلة: إن الواقعة التي لا نص فيها، لها حكم معين عند اللَّه، ويتوجب على المجتهد أن يطلبه، وإن لم يكلف إصابته، ويكون المجتهد مصيبًا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين ما دام قد بذل جهده في طلبه، وينتج عن قولهم: إن الحق لا يتعدد، ولكن بما أنه لا يمكن معرفته يقينًا، فكل مجتهد مصيب.
واستدل المصوِّبة على قولهم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

‌‌1 - الكتاب:
قال اللَّه تعالى في قصة داود وسليمان عليهما السلام مع اختلافهما في الحكم: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79]، فالآية دلت على أن كل مجتهد مصيب، مع اختلافهما، ولو كان أحدهما مخطئًا، لما وصفه القرآن بالحكم والعلم، فتبين أن كل مجتهد مصيب.--------------------------------------------
= بعنوان: المصوِّبة والمخطئة، وهو الأستاذ في وزارة التربية خالد الخالد، وناقشها، ثم سجل رسالة دكتوراه في الاجتهاد الجماعي.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 325)

وناقش العلماء هذا الاستدلال بأن الآية دلت أن كل واحد منهما أوتي حكمًا وعلمًا، وهذا نكرة في سياق النفي، فلا تعم، ولا تدل على الصواب والحكم والعلم في حكم المسألة التي نظراها، والآية حجة عليهم؛ لأن اللَّه تعالى بين بعد ذلك مباشرة أن الحق فيما قضى به سليمان {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} مما يدل أن الحق معه فقط.

‌‌2 - السنة:
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم، بأيَّهم اقتدَيْتهُم اهتديتم" (1)، فالحديث جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى، مع اختلافهم في الأحكام إثباتًا ونفيًا، فدلّ أن كلًّا منهم مصيب.
واعترض العلماء على هذا الدليل بأن الحديث ضعيف لا يحتج به في مثل هذه المسألة المهمة، ولو فُرضت صحته، فلا عموم له؛ لأنه لا يلزم من العموم في الأشخاص العموم في الأحوال، كما يمكن حمل الحديث على الاقتداء بالصحابة في الرواية، لا في الرأي والاجتهاد، فالحديث لا يدل على محل النزاع.

‌‌3 - الإجماع:
ثبت بالتواتر المعنوي أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم اجتهدوا واختلفوا، وأجمعوا على تسويغ الخلاف بينهم، ولم ينكر أحد ذلك، ولم يخطئ بعضهم بعضًا في الاجتهاد، مع احترام الرأي الآخر، وتعظيم بعضهم لبعض، فدل ذلك على أن كل واحد مصيب فيما ذهب إليه، ولو كان المصيب واحدًا والآخر مخطئًا لأنكر عليه، وقد ثبت إنكارهم لمن خالف النص أو الإجماع، مما يدل على أن كل مجتهد مصيب.
واعترض العلماء على هذا الاستدلال، وأنه ثبت أن بعضهم خطّأ، الآخر، وهذا لا يتنافى مع أدب الحوار والخلاف والاحترام، وإن الإنكار يتحتم إذا تعين المخطئ، وهذا غير معين، وكان كل مجتهد يعمل بما غلب--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله 2/ 91).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 326)

على ظنه، وهو مثاب عليه، مع تعدد الأقوال.

‌‌4 - المعقول:
قرر العلماء أن كل واحد من المجتهدين ملزم باتباع ما غلب على ظنه، فهذا يدل على كونه صوابًا، وأن كل مجتهد مصيب، ولو كان الحق متعينًا في جهة واحدة أو قول واحد، لما وجب على المجتهدين ذلك، ولو كان الحق متعينًا عن اللَّه في باب الاجتهاد في كل مسألة، لنصب عليه دليلًا قطعيًّا دفعًا للإشكال، ويكون الاجتهاد المخالف لذلك فسقًا، وفاعله آثم، كالمخالف في العقليات؛ لأنه حكم بغير ما أنزل اللَّه، وهذا لا ينطبق على المجتهدين، فثبت أن كل مجتهد مصيب.
واعترض العلماء على ذلك بأنه لا يُلزم الشارع بمراعاة وجه الحكمة والمصلحة في ذات التشريع، فقد تكون الحكمة مختصة بعلم اللَّه تعالى، ويدعو المجتهدين للاجتهاد فيها؛ ولأن المجتهد مكلف بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، ولم يكلف بإصابة الحق، فلو أداه اجتهاده إلى حكم، لزمه العمل به، ولو كان خطأ في الواقع وعند الله تعالى مما لا يعلمه الإنسان.
كما يترتب على قول المصوبة أن حكم اللَّه تابع لظن المجتهد، وقد يجتهد اثنان ويختلفان، فيقع اجتماع النقيضين أو الضدين، وأن هذا التناقض منسوب للَّه تعالى، وهذا غير مقبول شرعًا (1).

‌‌ثانيًا: المخطئة وأدلتهم:
تقول المخطئة: إن المصيب في الاجتهاد في المسألة واحد، وغيره مخطئ، وإن الحق لا يتعدد، لأن للَّه تعالى حكمًا معينًا في كل واقعة قبل الاجتهاد، فمن أصابه باجتهاده فهو المصيب، ومن لم يصبه فهو المخطئ، فالمصيب واحد، مع إثبات الأجرين للمصيب، والأجر الواحد للمخطئ؛ لأن المجتهد ليس مكلفًا بإصابة الدليل؛ لخفائه وغموضه، لذلك كان معذورًا بخطئه، مأجورًا عند اللَّه على اجتهاده (2).--------------------------------------------
(1) سنذكر المصادر والمراجع لهذا الرأي وأدلته مع مصادر ومراجع الرأي الثاني فيما يأتي.
(2) انظر دلالة الحديث ومعناه عند الماوردي رحمه اللَّه تعالى في (الحاوي 20/ 192).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 327)

هذا من الناحية النظرية، ومن الناحية العملية فالمجتهد مأمور بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، وكذا من اتبعه وقلَّده، وأن مخالفه مصيب في العمل بما وصل إليه اجتهاده، وإن كان مخطئًا في ظن مخالفه (1)، وهذا قول الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في قول، وهو التحقيق عند الحنفية، وعند معظم الفقهاء.
قال الإمام أحمد: إن الحق واحد عند اللَّه، فليس كل مجتهد مصيبًا، ولكن المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد؛ لتحريه الصواب وطلبه إياه.
وقال ابن النجار الفتوحي الحنبلي: "والمسألة الظنية: الحق فيها واحد عند الله تعالى، وعليه دليل، وعلى المجتهد طلبه حتى يظن أنه وصله، فمن أصابه فمصيب، وإلا فمخطئ مثاب عند أحمد وأكثر أصحابه، وقاله الأوزاعي ومالك والشافعي … ، وذكره أبو المعالي (الجويني) عن معظم الفقهاء" ثم قال: "ولا يأثم مجتهد في حكم شرعي اجتهادي، ويثاب عند الأربعة؛ وخالف الظاهرية وجمع" (2).--------------------------------------------
(1) وقع اختلاف فقهي في مسألة يُظن أنها مترتبة على اختلاف بين المصوّبة والمخطئة، والواقع أنها مبنية على أدلة أخرى، وهي من اشتبهت عليه القبلة واجتهد، وصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها جهة القبلة، ثم بان له يقين الخطأ، فقال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: يلزمه القضاء لفوات الحق، والخطأ ينفي الإثم دون القضاء، كما ينبغي التأثيم دون التضمين في باب الغرامات، وهذا يتفق مع قول المخطئة، وعند الحنفية: لا يلزمه القضاء، لتصويبه فيما مضى، وإن بان أنه خطأ، وهذا يتفق مع قول المصوبة من الحنفية (انظر: تخريج الفروع على الأصول، للزنجاني، تحقيق الدكتور محمد أديب صالح ص 26، الحاوي 20/ 190).
(2) شرح الكوكب المنبر (4/ 489، 491)، وانظر: المستصفى (2/ 357، 363)، الإحكام للآمدي (4/ 183)، الرسالة للشافعي ص 489، 496، المحصول (3/ 47، 88)، التبصرة ص 496، المنخول ص 453، نهاية السول (3/ 246)، البرهان (2/ 1319)، المعتمد (2/ 949، 956، 964)، فواتح الرحموت (2/ 380)، كشف الأسرار (4/ 16، 18، 25)، تيسير التحرير (4/ 202)، شرح تنقيح الفصول ص 438، 439، البحر المحيط (6/ 236)، شرح الكوكب المنير (4/ 489)، إرشاد الفحول ص 259، الحاوي للماوردي (20/ 189)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1096)، أصول =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 328)

واستدل الجمهوز على قولهم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

‌‌1 - الكتاب:
قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 78 - 79]، قال الماوردي رحمه اللَّه تعالى: "وقد نسب اللَّه تعالى نبيه داود إلى الخطأ، وسليمان إلى الإصابة" (1)، وتدل الآية أن اللَّه تعالى خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة، دون داود، حتى يكون التخصيص مفيدًا، فتبين أن حكم اللَّه واحد، وأن المصيب فيه واحد.
لكن اعترض بعض العلماء على هذا الاستدلال بأن الدلالة على عدم فهم داود كانت بطريق المفهوم، وهو مختلف بالاحتجاج به.

‌‌2 - السنة:
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله أجر" (2)، وهذا يدل على أن الاجتهاد قسمان: صواب وخطأ، وأن المجتهد قد يُصيب وقد يخطئ، وأن من أصاب الحق فهو المصيب، وما عداه فهو مخطئ، فالحق واحد لمن أصابه، ولو كان الحق متعددًا لكان كل مجتهد مصيبًا، وهو خلاف الحديث.
واعترض بعض العلماء على الاستدلال، بأن الحديث لا يدل على محل النزاع في كون الحق واحدًا، والمصيب واحدًا، بل يدل فقط على أن المجتهد إذا اجتهد في مسألة منصوص عليها، أو مجمع عليها، وأصاب، فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
واستدل الجمهور بحديث صريح في محل النزاع، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لأمير السرية: "وإنْ طلبَ منك أهلُ حصن النزولَ على حكم اللَّه، فلا تُنْزِلْهم على حكمِ اللَّه، فإنَّك لا تدري: أتصيبُ حكمَ اللَّه فيهم أم لا" (3)، وتأكد ذلك مع سيدنا علي وابن عباس--------------------------------------------
= الأحكام ص 372، علم أصول الفقه، خلاف ص 220.
(1) الحاوي (20/ 190).
(2) هذا الحديث سبق بيانه.
(3) هذا الحديث رواه مسلم، والترمذي وصححه، وابن ماجه وأحمد من حديث طويل =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 329)

رضي اللَّه عنهم في مناظرة ومجادلة الخوارج بالمعقول.

‌‌3 - الإجماع:
اجتهد الصحابة رضي الله عنهم في القضايا التي لا يوجد فيها نص، وأبدى المجتهدون منهم رأيهم في ذلك، وأجمعوا على إطلاق لفظ الخطأ في الاجتهاد الذي صدر منهم مما يدل على أن الحق واحد، فمن أصابه فهو مصيب، ومن أخطأه فهو مخطئ، والأمثلة من تاريخ الصحابة كثيرة، منها:
قال أبو بكر رضي الله عنه عندما سئل عن الكَلالة، وهم الذين لا والد لهم ولا ولد، قال: "أقول فيها برأيي، فإنْ يكنْ صوابًا فمن اللَّه، وإنْ كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسولهُ منه بريئان".
وقال عمر رضي الله عنه لكاتبه: "اكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابًا فمن اللَّه"، وقال للمرأة التي اعترضت عليه في تحديد المهر: "أصابت امرأة، وأخطأ عمر".
وقال علي رضي الله عنه في المرأة التي استدعاها عمر، فأجهضت ما في بطنها، وردّ على عثمان وعبد الرحمن بن عوف القائلين لعمر: "إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئًا"، فقال علي: "إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا فقد غشاك، أرى عليك الدِّية".
وقال ابن مسعود في المفوِّضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول، وليس لها صداق مفروض، قال: أقول فيها برأي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه ورسولهِ، وإنْ كان خطأ فمني ومن الشيطان، إنَّها تستحقُّ مهرَ المثل في تركة المتوفى".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في إنكار العَوْل في الفرائض: "من شاء باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددًا، لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضوع الثلث؟ " والمباهلة: الملاعنة على عادة العرب، وذكرها القرآن الكريم (1).--------------------------------------------
= عن بريدة رضي الله عنه، في باب الدعوة قبل القتال (نيل الأوطار 7/ 243).
(1) نصب الراية (4/ 64)، تفسير ابن كثير (1/ 467)، المستدرك (4/ 340)، السنن =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 330)

وأخبار الصحابة كثيرة في الخطأ والصواب في الاجتهاد، وأن الحق واحد، مما يؤيد قول الجمهور القائلين بالتخطئة، وأن الحق واحد، والمصيب واحد.
واعترض بعض العلماء على الاستدلال بهذه الآثار والإجماع أنها خاصة في غير الأهل للاجتهاد، أو الأهل للاجتهاد إذا قصر، أو لم يقصر، ولكنه خالف النص والإجماع والقياس الجلي.

‌‌4 - المعقول:
إن القول بتعدد الحق، وتصويب المجتهدين المختلفين في النفي والإثبات، أو الحل والحرمة، أو الصحة والفساد في مسألة واحدة وزمن واحد، يؤدي إلى اجتماع النقيضين أو الضدين، ونسبته إلى الشرع، وهذا محال وباطل، فكل ما يؤدي إليه فهو باطل.
واعترض بعض العلماء على هذا الاستدلال بأن التناقض الممنوع إذا كان في شخص واحد، وحالة واحدة، أما بالنسبة لشخصين أو لحالين، فليس تناقضًا، ولا ممنوعًا، فالمقيم يصلي أربعًا، ويفصل بين الصلاتين، ويصوم، فإن سافر صلى قصرًا، وجمع بين الصلاتين، وأفطر، والميتة محرَّمة في الأحوال العادية، وتحل لنفس الشخص عند الضرورة، ولا تناقض في ذلك، ومثله الاجتهاد والاختلاف فيه بين شخصين، كل منهما حكم بما أداه إليه اجتهاده بالحل أو بالحرمة، ولا تناقض في ذلك، وهو الواقع (1).--------------------------------------------
= الكبرى للبيهقي (6/ 256)، الحاوي (20/ 191)، وانظر مسألة العول والآراء فيها في كتابنا: الفرائض والمواريث والوصايا ص 238 وما بعدها.
(1) انظر هذه الآراء وأدلتها ومناقشتها في: المستصفى (4/ 352، 360)، الإحكام للآمدي (4/ 178، 182)، المحصول (3/ 41، 46، 50)، الإحكام لابن حزم (2/ 647، 658، 1159)، البرهان (2/ 1316، 1320)، المعتمد (2/ 949، 958)، كشف الأسرار (4/ 17)، فواتح الرحموت (2/ 377)، تيسير التحرير (4/ 194)، مختصر ابن الحاجب (2/ 294)، شرح تنقيح الفصول ص 438، البحر المحيط (6/ 236، 241)، شرح الكوكب المنير (4/ 491)، المسودة ص 495، 497، التبصرة ص 496، مختصر الطوفي ص 259، إرشاد الفحول ص 259، الروضة ص 362، 368، =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 331)

‌‌الترجيح:
إن النفس تميل إلى ترجيح قول الجمهور، بأن للَّه تعالى في كل مسألة حكمًا معينًا عنده، وأن المجتهد يبحث في الأدلة والأمارات ليجتهد، ويقصد إصابة الحق، فإن أصابه فهو المصيب، وله أجران، وهذا في علم اللَّه تعالى، وإن أخطأه فهو مخطئ، وله ثواب وأجر واحد.
ولكن الناظر في أدلة الفريقين يرى أن الاختلاف لفظي واصطلاحي، ويمكن التوفيق بين الرأيين، فقول الجمهور يحمل على الناحية النظرية بأن حكم اللَّه تعالى واحد في المسألة، ولا يمكن أن يكون متعددًا، ولكن لا يمكن إدراكه ومعرفته حقيقة ويقينًا، وأن أحد المجتهدين مصيب -نظريًّا وغيبيًّا عند اللَّه تعالى- وله أجران، والآخر مخطئ -نظريًّا وغيبيًّا عند اللَّه تعالى- وله أجر بالنص الصحيح، ويحمل قول المصوّبة على أن الحق يتعدد عمليًّا باعتبار أن كل مجتهد مأمور بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، وهو يعتقد أن ذلك حكم اللَّه تعالى، مع الاختلاف بين المجتهدين، فيتعدد الحق الذي علمه المجتهدون ومن تبعهم أو قلدهم.
ولذلك اتفق العلماء على أن الاجتهادات الفقهية القائمة على الأدلة الشرعية منسوبة إلى الشريعة، مع اختلافها من جهة، وقربها أو بعدها من الصواب ومطابقة مقاصد الشريعة من جهة ثانية، وكلّها تعتبر من الفقه الإسلامي الذي نتعلمه، ونستفيد منه، ونختار ما هو الأسد دليلًا، والأقرب مصلحة.
ولذلك قلت: إنها مسألة نظرية، وإنها غيبية، فلا يدري أحد ما هو الحق المطلق الوحيد عند اللَّه تعالى، ولم يكلف الناس بذلك أصلًا، لأنه تكليف بما لا يطاق، ومن سعة الشريعة وسماحتها أن فتحت باب الاجتهاد، وخولت المجتهدين البحث أولا، ثم العمل بما وصل إليه اجتهادهم ثانيًا، ثم الإفتاء به للناس ثالثًا.--------------------------------------------
= أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1096)، أصول الأحكام ص 372، الحاوي (20/ 191)، علم أصول الفقه، خلاف ص 220.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 332)

‌‌المبحث السادس طريقة الاجتهاد
إن المجتهد إذا عرضت له قضية أو مسألة، فإنه يسير حسب‌‌ الخطوات والمراحل التالية:
1 - الرجوع إلى النصوص القطعية، فإن وجد فيها حكم المسألة بدلالة قطعية، قال به، والتزمه، وأفتى به، ولا يجوز له مطلقًا مخالفته والخروج عنه.
فإن كانت الدلالة ظنية للنصوص القطعية، لكن اجتهد فيها السابقون، واتفقوا على حكم، كان إجماعًا، والتزم به، وعمل بموجبه، وأفتى به كالسابق.
فإن لم يتفقوا على حكم، وكان لكل منهم رأي، فإن كان السابقون من الصحابة، أخذ بما يعتقده في قول الصحابي، من اتباع أحدهم وعدم الخروج عنهم، أو الاجتهاد مثلهم، كما هو مبين في مذهب الصحابي.
وإن لم يكن المجتهدون السابقون من الصحابة، وجب على المجتهد أن يبذل وسعه وينظر في الأدلة، ويجتهد، سواء وافق رأيه رأي أحدهم، أو خالف الجميع.
2 - الرجوع إلى النصوص الظنية الثبوت، أو ظنية الثبوت والدلالة، ويعمل بالخطوات السابقة في النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة.
3 - عند عدم النص، فإن اجتهد السابقون وأجمعوا على رأي، صار له حكم الإجماع، وإن اختلف الصحابة، عمل برأيه في مذهب الصحابي، وإن كان الاختلاف من غيرهم، لزمه الاجتهاد.
4 - إن منهج الاجتهاد أن يرجع إلى النصوص لعلّه يجد فيها دلالة على الواقعة المعروضة عليه بالنص، أو الظاهر، وسائر أنواع الدلالات، ويجهد نفسه في معرفة مقاصد الشريعة، واستنباط العلل؛ ليطبق ذلك على الواقعة.
5 - إن لم يجد المجتهد لذلك حكمًا من الاجتهاد في النصوص، اتجه إلى جمع كل ما يتصل بالواقعة من معان لغوية، ونصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وأقاويل السلف، وأوجه القياس الممكنة، واتجه بقلبه مخلصًا لمعرفة

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 333)

حكم اللَّه تعالى فيها من دون تعصب أو تحمل، أو تهور أو تقصير، فما وصل إليه اجتهاده، فهو حكم اللَّه تعالى الذي يجب عليه التزامه، والعمل به، والفتوى فيه.
واستحسن الشوكاني منهج الشافعي رحمه اللَّه تعالى (1)، الذي حكاه عنه الغزالي، ولخص فيه طريقة الاجتهاد فقال: "إذا وقعت الواقعة للمجتهد، فليعرضها على نصوص الكتاب، فإن أعوزه، عرضها على الخبر المتواتر، ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخففي القياس، بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب، فإن وجد ظاهرًا، نظر في المخصصات من قياس وخبر، فإن لم يجد مخصصًا، حكم به، وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة، نظر إلى المذاهب، فإن وجدها مجمعًا عليها، اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعًا، خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولًا، ويقدمها على الجزئيات، كما في القتل بالمثقل، فتقدم قاعدة الرح على مراعاة الاسم، فإن عدم قاعدة كلية، نظر في المنصوص ومواقع الإجماع، فإن وجدها في معنى واحد، ألحق به، وإلا انحدر به إلى القياس، فإن أعوزه، تمسك بالشَبَه، ولا يُعوّل على طرد" (2).
ويعرض أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي رحمه اللَّه تعالى وجوه الاجتهاد فيقول: "واسم الاجتهاد في الشرع ينتظم ثلاثة معان:

أحدها: القياس الشرعي على علة مستنبطة، أو منصوص عليها، فيردُّ بها الفرع إلى أصله، ونحكم له بحكمه، بالمعنى الجامع بينهما، وإنما صار هذا من باب الاجتهاد -وإن كان قياسًا- من قبل أن تلك العلة لما لم تكن موجبة للحكم؛ لجواز وجودها عارية منه، وكانت كالأمارة، وكان طريق إثباتها علامةً للحكم: الاجتهادَ وغالبَ الظن، لم يوجب ذلك لنا العلم بالمطلوب، فلذلك كان طريقه الاجتهاد.

والضرب الثاني من الاجتهاد: هو ما يغلب في الظن من غير علة يجب--------------------------------------------
(1) وقال الشافعي رحمه اللَّه تعالى في رسالته: "ولم يَجْعل اللَّه لأحدِ بعدَ رسول اللَّه أَنْ يقولَ إلا من جهة علمٍ مضى قبله، وجهةُ العلم بعدُ: الكتابُ والسنةُ والأجماع والآثار، وما وصفت من القياس عليها" الرسالة ص 258 طبعة دار النفائس، بيروت، د. ت، وانظر بقية كلامه في الاجتهاد، والقياس، والشروط المطلوبة فيهما.
(2) إرشاد الفحول ص 258.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 334)

بها قياس الفرع على الأصل، كالاجتهاد في تحري جهة الكعبة لمن كان غائبًا عنها، وكتقويم المتلفات، وجزاء الصيد، والحكم بمهر المثل، ونفقة المرأة والمعتدة ونحوها، فهذا الضرب من الاجتهاد كُلِّفنا فيه الحكم بما يؤدي إليه غالب الظن، من غير علة يقاس بها فرع على أصله.

الضرب الثالث: الاستدلال بالأصول (1).
ويبين الماوردي رحمه اللَّه تعالى وجوه الاجتهاد ومنهجه، ويقسمها إلى ثمانية أقسام، وهي:
"أحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجًا من معنى النص، كاستخراج علة الربا من البُرِّ، فهذا صحيح غير مدفوع عنه عند جميع القائلين بالقياس.
والقسم الثاني: ما كان مستخرجًا من شَبَه النّص، كالعبد في ثبوت تملكه، لتردُّدِ شَبَهه بالحر في أنه يَمْلك؛ لأنه مكلف، وشَبَهِه بالبهيمة في أنه لا يَمْلك؛ لأنه مملوك، وهذا صحيح وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس، ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس، جعله داخلًا في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقًا بأحد الشبهين.
القسم الثالث: ما كان مستخرجًا من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: {إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237]، يعم الأب والزوج، والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يُوصل إليه بالترجيح.
القسم الرابع: ما كان مستخرجًا من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236]، فصح الاجتهاد في إجمال قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.
القسم الخامس: ما كان مستخرجًا من أحوال النص، كقوله تعالى في متعة الحج: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ--------------------------------------------
(1) الفصول (4/ 11 - 12)، ونقل ذلك الزركشي عنه بتصرف في البحر المحيط (6/ 197 - 198).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 335)

وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]، فأطلق صيام الثلاثة في الحج، فاحتمل: قبل عرفة، وبعدها، وأطلق صيام السبعة إذا رجع، فاحتمل: إذا رجع في طريقه، وإذا رجع إلى بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين.
القسم السادس: ما كان مستخرجًا من دلائل النص، كقوله تعالى في نفقة الزوجات: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7]، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدَّين، بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى لكل مسكين مُدَّيْن، واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بمدّ، بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الوطء في شهر رمضان، لكل مسكين مدًّا.
القسم السابع: ما كان مستخرجًا من أمارات النص، كاستخراج دلائل القبلة فيمن خفيت عليه من قوله: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)} [النحل: 16]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من هبوب الرياح ومطالع النجوم.
القسم الثامن: ما كان مستخرجًا من غير نص، ولا أصل، فقد اختلف في صحة الاجتهاد فيه بغلبة الظن على وجهين:
أحدهما: لا يصح الاجتهاد بغلبة الظن حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع إلى غير أصل، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، ولذلك أنكر الاستحسان؛ لأنه تغليب ظن بغير أصل.
والوجه الثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل، فجاز أن يستغني عن أصل، وقد اجتهد العلماء في التعزير على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في أخرى، وبثلاثين في أخرى، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع.
والفرق بين الاجتهاد بغلبة الظن، وبين الاستحسان: أن الاستحسان يترك به القياس، والاجتهاد بغلبة الظن يستعمل مع عدم القياس" (1).--------------------------------------------
(1) الحاوي (20/ 187 - 188)، ومعظم الأمثلة من المذهب الشافعي، ونقلنا النصين من الفصُول والبحر بطولهما لبيان وجوه المجتهد فيه من جهة، وللاطلاع على أسلوب السلف من العلماء للتمرس عليه والاستفادة منهم، ونقل كل من الزركشي والشوكاني كلام =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 336)

ويبين الشوكاني رحمه اللَّه تعالى وسيلة الاجتهاد وغايته، فيقول: "وعندي أن من استكثر من تتبع الآيات القرآنية، والحاديث النبوية، وجعل كل ذلك دأبه، ووجّه إليه همته، واستعان بالله عز وجل، واستمد منه التوفيق، وكان معظم همّه، ومَرْمَى قصده، الوقوفَ على الحق، والعثور على الصواب، من دون تعصب لمذهب من المذاهب، وجد فيهما ما يطلبه، فإنهما الكثير الطيب، والبحر الذي لا يُنزف، والنهر الذي يشرب منه كل وارد عليه، العذبَ الزلال، والمعتصم الذي يأوي إليه كل خائف، فاشدد يديك على هذا، فإنك إن قبلته بصدر منشرح، وقلب موفّق، وعقل قد حلت به الهداية، وجدت فيهما كل ما تطلبه من أدلة الأحكام التي تريد الوقوت على دلائلها كائنًا ما كان، فإن استبعدت هذا المقال، واستعظمت هذا الكلام، وقلت كما قال كثير من الناس: إنَّ أدلة الكتاب والسنة لا تفي بجميع الحوادث، فمن نفسك أُتيت، ومن قبل تقصيرك اصبت، وعلى نفسها جنت براقش، وإنما تنشرح لهذا الكلام صدور قوم وقلوب رجال مستعدين لهذه المرتبة العلية:
لا تعذُلِ المشتاقَ في أشواقهِ … حتى تكون حَشَاك في أَحْشائه
لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلا من يكابدُهُ … ولا الصَّبابةَ إلا من يُعانيها
دَعْ عنكَ تَعْنيفي، وذُقْ طَعْم الهَوى … فإذا هَوِيتَ فعند ذلك عَنّفِ (1) "
وإن طريقة الاجتهاد هذه هي التي سار عليها سلف هذه الأمة ابتداء من صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الخلفاء والعلماء والقضاة والمجتهدين، وهي المنقولة عن الصديق أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وغيرهم رضي الله عنهم، ثم لزم التابعون منهجهم، ثم تبعهم تابعو التابعين، والأئمة المجتهدون، وسائر العلماء العاملين (2).

‌‌مسائل أصولية في الاجتهاد:
ويتعلق بطريقة الاجتهاد ثلاث مسائل مهمة، وهي:--------------------------------------------
= الماوردي بحرفيته لأهميته (البحر المحيط 6/ 231، إرشاد الفحول ص 258).
(1) إرشاد الفحول ص 259.
(2) انظر أقوالهم ومنهجهم في كتابنا: تاريخ القضاء في الإسلام ص 118 - 123، 188 - 192.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 337)

‌‌المسألة الأولى: تعدد قول المجتهد:
اتفق العلماء على أنه يجوز تعدد أقوال المجتهد في وقتين، ويكون القول المتأخر تغييرًا للقول الأول، وهو ما سنعرضه في المسألة الثانية في تغير الاجتهاد.
أما تعدد الأقوال لمجتهد واحد، في مسألة واحدة، في وقت واحد، وبالنسبة لشخص واحد، فلا يجوز أن يكون له قولان متعارضان؛ لأنه يؤدي إلى التناقض، ولأن اعتقاد ذلك في الوقت الواحد محال، لأنه يدخل في أحد الاحتمالات التالية:
1 - إذا كان القولان فاسدين، أو بدليلين فاسدين، وعلم المجتهد ذلك، فالقول بهما حرام، ويبطل القولان، ويكون المجتهد لا قول له في المسألة.
2 - إذا كان أحد القولين فاسدًا، أو كان دليل أحدهما باطلًا، وعلم المجتهد بذلك، فيكون ذلك حرامًا، ويبطل القول الفاسد منهما، ويثبت الصحيح.
3 - إذا كان القولان صحيحين، لدليلين صحيحين، فالقول بهما محال؛ لأنه تضاد، وإذا كان المجتهد لم يعلم بفساد الرأيين، أو الدليلين، أو أحدهما، فيعتبر غير عالم بالمسألة، وبالتالي فلا قول له فيها، ويلزمه التوقف، أو الجمع بين القولين والتخيير بينهما، وإن علم ترجيح أحدهما، أخذ به ورجحه، وتعين عليه الأخذ به.
وروي عن الشافعي رحمه اللَّه تعالى أنه قال في ستة عشر موضعًا، أو في سبعة عشر، بقولين مختلفين، قال الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه تعالى: "وهو دليل على علو شأنه"، وأجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة، منها أن الشافعي ذكرهما عن طريق الحكاية لمن سبقه للدلالة على عدم وجود إجماع في المسألة، أو لبيان التخيير بين الحكمين، أو لوقوع التردد والشك، فلا ينسب القولان له، أو لتعارض الدليلين عنده، وترك الترجيح لغيره (1).--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (4/ 201)، المحصول (3/ 523)، المحلي على جمع الجوامع (2/ 359)، نهاية السول (3/ 184)، المعتمد (2/ 299)، تيسير التحرير 4/ 232، فواتح الرحموت (2/ 395)، مختصر ابن الحاجب (2/ 299)، البرهان (2/ 1363)، الروضة =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 338)

‌‌المسألة الثانية: تغير الاجتهاد:
يجوز للمجتهد أن يكون له قولان في وقتين مختلفين، وذلك بأن يكون له اجتهاد وفيه رأي معين، ثم يجتهد في نفس المسألة فيصل إلى اجتهاد آخر ورأي جديد مخالف للأول، وهذا جائز باتفاق.
وأسباب تغير الاجتهاد كثيرة، أهمها:

‌‌1 - وجود دليل جديد:
إن الاجتهاد يتبع الدليل، فإذا وجد المجتهد دليلًا أقوى من دليل الاجتهاد الأول، أو أصح منه، أو أقرب دلالة، فيجب عليه الأخذ بالأقوى والأصح؛ لأنه أقرب إلى الحق والصواب.

‌‌2 - تغير الزمان:
إذا كان الحكم السابق مبنيًّا على العرف، أو مصلحة الناس، ثم تغير العرف أو تغيرت مصلحة الناس، وجب تغير الحكم الشرعي، وهو المقرر في قاعدة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" وذلك لتحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، وأمثلة ذلك كثيرة، كالإفتاء بجواز أخذ الأجرة أو الراتب على تعليم القرآن، والقيام بالشعائر الدينية كالإمامة والخطابة؛ لتغير العرف بسبب انقطاع المكافآت والعطايا التي كانت تدفع من بيت المال للمشتغلين بهذه الوظائف، والحكم بتضمين الصنّاع لأموال الناس التي تهلك في أيديهم محافظة على الأموال من الضياع، وتحقيقًا لمصلحة المجتمع، والقول بجواز التسعير دفعًا للضرر العام وتحقيقًا لمصلحة الناس، وإفتاء الصاحبين بضرورة تزكية الشاهد المسلم خلافًا لأبي حنيفة؛ لتغير حال الناس، وقالا: هذا اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان، ومثله إفتاء الفقهاء المتأخرين بعدم جواز القضاء بعلم القاضي لتغير الزمان والحفاظ على حقوق الناس.--------------------------------------------
= ص 376، مختصر البعلي ص 165، مختصر الطوفي ص 179، شرح تنقيح الفصول ص 419، شرح الكوكب المنير (4/ 492)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 187، إرشاد الفحول ص 263، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1112).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 339)

‌‌3 - مراعاة الضرورة وتطور الزمان:
وذلك كالحكم بطهارة سؤر سباع الطير كالصقر والنَّسْر مراعاة للضرورة؛ لعدم إمكان الأعراب وسكان الصحارى من الاحتراز منها، وصحة بيع العقار اليوم بذكر صحيفته العقارية (السجل العقاري = الطابو) حسب التنظيمات الحاضرة.

‌‌4 - اختلاف البلدان:
قد يكون لبعض البلاد أعراف خاصة، وتنظيمات معينة، ومعاملات خاصة، واهتمامات متميزة، وهي مما يجب مراعاته عند الاجتهاد ومعرفة الأحكام التي تناسب هذا البلد دون غيره.
ومن هنا ظهر بعض الاختلاف في الأحكام بين أهل مكة وأهل المدينة؛ لأن مكة تعتمد على التجارة، ولا تعرف الزراعة وما يتعلق بها، وأهل المدينة يعتمدون على الزراعة، وتقل فيهم التجارة.
ولهذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة كان المجتهد يُغير اجتهاده إذا انتقل من بلد إلى آخر، كما حصل مع الإمام الشافعي عندما غيّر اجتهاده في مسائل عديدة عندما انتقل من الحجاز إلى العراق، ثم استقر في مصر، وكتب مذهبه الجديد، وخالف فيه بعض اجتهاداته التي عرفت بالمذهب القديم (1).
ومن هنا أيضًا تتغير الفتوى للأسباب السابقة، أو لبعضها، مما يجب مراعاته، وسوف نراه في الفصل الثالث في الفتوى.
ويختلف الأمر في أثر تغيير الاجتهاد من المجتهد نفسه إذا عمل بالرأي الأول، أو أفتى به غيره وعمل به، أو قضى به القاضي، كما سنرى في المسألة التالية: نقض الاجتهاد.--------------------------------------------
(1) الفروق (1/ 171)، رسائل ابن عابدين (2/ 125)، أعلام الموقعين (3/ 14) وما بعدها، الموافقات (2/ 306)، شرح الكوكب المنير (3/ 509)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1113، 1116). البحر المحيط (6/ 118).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 340)

‌‌المسألة الثالثة: نقض الاجتهاد:
نقض الاجتهاد هو هدمه وإلغاؤه وإبطال العمل به، ويأخذ إحدى الصور الثلاث، بحسب موقعه، إما في العمل به والتطبيق في الحياة، وإما في الإفتاء، وإما في القضاء، سواء كان النقض من نفس المجتهد الأول، أو من غيره.
والمبدأ العام في نقض الاجتهاد واحد في الصور الثلاث، وقد يختلف الأمر في الأثر المترتب على النقض من صورة إلى أخرى.
والمبدأ العام في نقض الاجتهاد له شقان:

‌‌الشق الأول: وجوب نقض الاجتهاد:
إذا كان الاجتهاد مخالفًا لنص صريح في القرآن الكريم، أو السنة الشريفة، ولو كانت سنة آحاد صريحة، أو مخالفًا لإجماع، فإنه ينقض باتفاق العلماء والأئمة والمذاهب، سواء من نفس المجتهد أو من غيره؛ لأن هذا الاجتهاد -أصلًا- باطل؛ لمخالفة النص والإجماع، فيلغى ولا يجوز العمل به في الحياة العملية، ولا يجوز الإفتاء به، ولا القضاء به، وإن عمل به، فيجب الرد، وإذا صدر فيه حكم قضائي، نقض، وإذا أفتى به شخص، يجب الرجوع عنه وإبلاغ من أفتاه ليرجع.
وأضاف الحنفية والمالكية والشافعية بأن الاجتهاد ينقض إذا خالف قياسًا جليًّا، وهو ما تكون العلة فيه صريحة في الأصل، أو تكون في الفرع أشد منها في الأصل كالضرب والتأفيف، أو تكون العلة مساوية تمامًا، ولا فرق نهائيًّا بين الأصل والفرع كالمرأة قياسًا على الرجل في الكفارة وغيرها، وخالف في ذلك الحنابلة وقالوا: لا ينقض الاجتهاد بمخالفة القياس مطلقًا، ولو كان جليًّا على الصحيح عندهم (1).--------------------------------------------
(1) قال ابن النجار الحنبلي رحمه اللَّه تعالى: "ولا ينقض بمخالفة قياس، ولو جليًّا على الصحيح من المذهب، وقطع به الأكثر" شرح الكوكب المنير (3/ 505)، وانظر: الإحكام للآمدي (4/ 203)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 190.
وصرح الغزالي وابن السبكي والآمدي والقرافي وغيرهم بنقض الحكم بمخالفته القياس الجلي، انظر المراجع التالية. =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 341)

وزاد الإمام مالك بنقض الاجتهاد إذا خالف القواعد الشرعية، وزاد بعض المتأخرين بنقض الاجتهاد وإلغائه إذا خالف المذاهب الأربعة؛ لأن ذلك بمثابة الإجماع، أو المعلوم من الدين بالضرورة، وقال ابن حجر: أو كان اجتهادًا لا دليل عليه قطعًا (1).
وإن كان الاجتهاد معتمدًا على نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي فإنه لا ينقض بالاتفاق؛ لأنه يعتمد على دليل لا يجوز خلافه ولا الاجتهاد ضده.

‌‌الشق الثاني: عدم نقض الاجتهاد:
إذا كان الاجتهاد مبنيًّا على الرأي، خارج الحالات السابقة في الشق الأول، فإنه لا ينقض باجتهاد آخر، وهذا ما نصت عليه القاعدة الفقهية الأصولية "الاجتهاد لا ينقض بمثله" وبعبارة أخرى "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد".
ومجال هذا الاجتهاد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع، ولا إجماع، أو في المسائل المستجدة، فإن الاجتهاد فيها لا ينقض باجتهاد مثله بالاتفاق؛ لأنه لو نقض الأول بالثاني لجاز أن ينقض الثاني بثالث؛ لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير، وذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار؛ ولأن الاجتهاد الأول ظني، ويعتمد على دليل ظني، والثاني ظني ويعتمد على دليل ظني، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقض هذا الاجتهاد يؤدي إلى نقض النقض، ويتسلسل الأمر فتضطرب الأحكام ولا يوثق بها (2).--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 382)، جمع الجوامع والبناني عليه (2/ 391)، الإحكام للآمدي (4/ 203)، شرح تنقيح الفصول ص 432، 442، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 164، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 113، درر الحكام (1/ 34)، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 115، المنثور للزركشي (1/ 93)، الفروع (6/ 456)، المغني (10/ 50)، روضة الطالبين للنووي (11/ 150)، شرح الكوكب المنير (4/ 506)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 190، القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي ص 351 - 357، 443، الفروق للقرافي (2/ 103).
(2) فروع: يحرم على المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم أن يقلد غيره بالاتفاق؛ لأنه يعتقد أن اجتهاده خطأ، ولا يجوز له الأخذ بالخطأ أو الباطل، وكذلك قبل أن يجتهد عند الجماهير؟ لا =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 342)

‌‌آثار تغير الاجتهاد ونقض الاجتهاد وعدمه:
إذا اجتهد مجتهد، أو حاكم، بما يخالف الدليل القطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي، وما مرَّ في الشق الأول، فإن حكمه ينقض باتفاق العلماء، سواء كان من قبل المجتهد، أو الحاكم، أو من مجتهد آخر، أو حاكم آخر؛ لمخالفة الدليل، ولأنه يكون باطلًا، وكل ما بني على باطل فهو باطل، وتنعدم الآثار التي بنيت على الحكم الأول، وهذا له أمثلة من عمل الصحابة في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته، إذا اجتهدوا ثم وجدوا نصًّا، نقضوا اجتهادهم.
وإذا كان الاجتهاد ظنيًّا، وقلنا لا ينقض باجتهاد آخر باتفاق، لكن تغير الرأي بعد ذلك، فإن الأثر العملي يختلف حسب حالة المجتهد نفسه، أو المفتي، أو القاضي.

‌‌1 - أثر تغير الاجتهاد على نفس المجتهد:
إذا رأى المجتهد حكمًا معينًا، ثم تغير ظنه، فإن لم يعمل بالأول فلا شيء في ذلك، ويجب عليه العمل بالثاني، وإن عمل بالأول لزمه أن ينقض اجتهاده وما يترتب عليه، كما إذا خالع المجتهد زوجته بعد طلاقها مرتين، وأدَّاه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ، ليس بطلاق، فتزوجها بعد ذلك بمقتضى هذا الاجتهاد، ثم تغير اجتهاده وأداه إلى أن الخلع طلاق، لزمه أن يفارقها، ولا يجوز له إمساكها، عملًا بمقتضى اجتهاده الثاني؛ لأنه صار معتقدًا أن الاجتهاد الأول خطأ، والثاني صواب يجب العمل به، وهذا ليس نقضًا للاجتهاد بالاجتهاد، بل هو ترك العمل بالاجتهاد الأول.
مثاله أيضًا لو رأى المجتهد أن الولي ليس شرطًا في صحة العقد للمرأة الرشيدة، فتزوجها من غير ولي، ثم تغير اجتهاده ورأى أن الولي شرط في صحة الزواج، فيلزمه مفارقة تلك المرأة، ولا يحل له البقاء على الزواج بها، وهو ترك--------------------------------------------
= به يجب عليه أن يجتهد، وقال الأئمة الأربعة: إذا حكم الحاكم بخلاف اجتهاده، فهو باطل، ولو قلّد غيره في الحكم، ومن قضى برأي يخالف رأيه ناسيًا له نفذ، ولا إثم عليه عند أبي حنيفة وأحمد، وقال المالكية والشافعية وأبو يوسف: لا ينفذ، ويرجع عنه وينقضه، وللحي تقليد مجتهد ميت كالحي عند الجمهور، انظر هذه الأقوال بتفصيل مع أدلتها ومراجعها في (شرح الكوكب المنير 4/ 506، 507، 513، 515).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 343)

للعمل بالاجتهاد الأول.
وهذا الكلام في المثالين إذا لم يكن القاضي قد حكم بصحة النكاح في الحالتين، فإن حكم بهما القاضي، فلا يلزم الزوج مفارقة المرأة؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ويترك المخالفُ مذهبه ويلتزم بمذهب الحاكم، كما سنبين ذلك في حكم القاضي التالي.

‌‌2 - أثر تغير اجتهاد الحاكم:
إذا اجتهد القاضي فيما يصح الاجتهاد فيه مما لم يرد فيه نص أو إجماع، وقضى في واقعة بما اجتهد به، ثم حصلت واقعة مماثلة للأولى، فاجتهد فيها، وتغير اجتهاده، فإنه لا ينقض الحكم السابق، وذلك تطبيقًا دقيقًا للقاعدة السابقة "الاجتهاد لا ينتقض بمثله": لأن النقض يؤدي -كما قلنا- إلى اضطراب القضاء، وعدم استقرار الأحكام، وشلل القضاء بعدم إنهاء المنازعات، وبالتالي عدم الوثوق بحكم الحاكم، وبقيت الخصومات على حالها، واستمر التشاجر والتنازع وانتشار الفساد والعدوان والظلم، وهذا يتنافى مع المصلحة التي وجد القضاء لأجلها، والحكمة التي نُضب لها الحكام.
والأمثلة في تاريخ القضاء الإسلامي كثيرة منذ عهد الصحابة، كتغير اجتهاد عمر رضي الله عنه في المسألة المشتركة الحجرية في الميراث، وقرر القاعدة المشهودة "تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي" (1)، ويؤيد ذلك ما جاء في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه: "لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، أن تراجع الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" (2).--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ القضاء في الاسلام ص 118 - 120، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي ص 482 - 485.
(2) هذا الكتاب رواه الدارقطني (4/ 206، 208، 212) وورد في معظم كتب الفقه وغيرها، وتلقاه العلماء بالقبول، انظر: أعلام الموقعين (1/ 91)، الأحكام السلطانية للماوردي ص 71، المبسوط للسرخسي (16/ 60)، أخبار عمر ص 184، مقدمة ابن خلدون ص 221، أخبار القضاة لوكيع (1/ 70، 283)، روضة القضاة (4/ 1478)، تبصرة الحكام =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 344)