الفصل الأول: التعارض بين الأدلة.
الفصل الثاني: الترجيح بين الأدلة.
الفصل الثالث: طرق الترجيح.
وفي ذلك إتمام لبحث التعارض والترجيح، وبه يكتمل البناء، وينتهي هذا الكتاب، ونسأل اللَّه العون والسداد والتوفيق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 405)
الفصل الأول التعارض بين الأدلة
تعريف التعارض:
التعارض لغة: التقابل والتمانع والتعادل، من اعترض الشيءَ: صار له عارضًا، كالخشبة المعترضة في النهر، وعارضَ فلانًا: ناقضه في كلامه وقاومه، واعترض عليه: أنكر قوله أو فعله، والتعارض: مصدر من باب التفاعل الذي يقتضي فاعلين فأكثر (1).
والتعارض في الاصطلاح له تعريفات كثيرة عند الأصوليين، وأفضلها ضبطًا واختصارًا التعريف الجامع المانع الذي ذكره الزركشي رحمه اللَّه تعالى، فقال: "هو تقابل الدليلين على سبيل الممانعة" (2).
ونقل هذا التعريف ابن النجار رحمه اللَّه تعالى، مع تعديل بسيط يتفق مع مذهبه، ثم شرحه فقال: "وذلك إذا كان أحد الدليلين يدل على الجواز، والدليل الآخر يدل على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل للآخر، ومعارض له، ومانع له" (3)، وهذا يعني أن أحد الدليلين يقتضي حكمًا في واقعة خلاف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها عند توفر الشروط التي سنذكرها، وهنا يأتي دور المجتهد في الترجيح لإزالة هذا التعارض (4).--------------------------------------------
(1) المصباح المنير (2/ 552)، لسان العرب (7/ 167، 179)، المعجم الوسيط (2/ 599، 600)، الصحاح (3/ 1084، 1088).
(2) البحر المحيط (6/ 109)، ونقله عنه الشوكاني حرفيًّا مع التصريح بذلك، لكن نسبه بعض الباحثين للشوكاني (إرشاد الفحول ص 273).
(3) شرح الكوكب المنير (4/ 605).
(4) المستصفى (2/ 395)، فواتح الرحموت (2/ 189)، التلويح على التوضيح (2/ 38)، تيسير التحرير (3/ 136)، شرح الكوكب المنير (4/ 605)، الروضة ص 387، إرشاد الفحول ص 273، أصول الفقه للخضري ص 394، منهج التوفيق والترجيح ص 51، =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 406)
مثاله في القرآن: ورد في القرآن الكريم آية تجعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت المرأة حاملًا أو غير حامل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، ووردت آية أخرى تحدد أجل انتهاء عدة الحامل بوضع الحمل، سواء كانت متوفى عنها زوجها أو مطلقة، قال تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فوقع التعارض في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها.
ومثاله في الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الرّبا في النسيئة" (1)، فالحديث يحصر الربا المحرَّم في ربا النسيئة (المؤجل)، ومقتضاه إباحة ربا الفضل (الزيادة بدون أجل)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء … ولا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل" (2)، وهذا يدل على تحريم ربا الفضل، فيكون الحديثان متعارضين (ظاهرًا) في ربا الفضل، فالأول يدل على إباحته، والثاني يدل على تحريمه.
محل التعارض:
يرى بعض الأصوليين أنه لا تعارض بين دليلين قطعيين، سواء كانا عقليين، أو نقليين، أو أحدهما عقليًّا والآخر نقليًّا؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، ولأن ترجيح أحدهما على الآخر محال، فلا مدخل للترجيح في الأدلة القطعية، وينحصر التعارض في الأدلة الظنية، سواء كانت نقلية، أو عقلية، أو أحدها عقليًّا، والآخر نقليًّا، ثم يقع الترجيح بينها.
ويرى بعض الأصوليين منع التعارض بين دليلين عامين بلا مرجح (3).--------------------------------------------
= أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1173)، علم أصول الفقه ص 229.
(1) هذا الحديث أخرجه البخاري (2/ 762 رقم 2069) بلفظ "لا ربا إلا في النسيئة" ومسلم (11/ 25 رقم 1596) باللفظ المذكور، وبألفاظ عدة، منها "الربا في النسيئة" "ألا إنما الربا في النسيئة" "لا ربا فيما كان يدًا بيد".
(2) هذا الحديث أخرجه البخاري (2/ 761 رقم 2066) ومسلم (11/ 9 رقم 1584) والترمذي (4/ 438) وأحمد (6/ 400) وغيرهم، وله ألفاظ متعددة.
(3) شرح الكوكب المنير (4/ 605، 607، 627)، إرشاد الفحول ص 247، 275.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 407)
ويرى آخرون أن التعارض يقع بين الدليلين القطعيين، وبين الدليلين العامين في الألفاظ، لكن لا تعارض بين الفعلين إذا لم يقم دليل على تكراره بالنسبة للناس جميعًا، كان يصوم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم سبت مثلًا، ثم يفطر يوم سبت آخر، فلا تعارض بين هذين الفعلين، لأنه لا عموم للأفعال (1).
وأرجح القول الأخير؛ لأن التعارض في الأصل ظاهري بين جميع الأدلة، وأن استعراض مباحث التعارض والترجيح يبيّن وجود تعارض بين جميع الأدلة، وأن العلماء يبيّنون شروط التعارض، فإن توفرت، لزم الترجيح بينها، وأن دراسة الشروط نفسها تبين وجود تعارض ظاهري، وعند فقدان الشرط يرتفع التعارض ويقع الترجيح، وهذا هو عمل المجتهد والعالم، وهو ما يُعرض حقيقة في باب التعارض والترجيح.
شروط التعارض:
يشترط لتحقق التعارض شروط، فإن فقد شرط منها حصل الترجيح حكمًا، وهذه الشروط هي:
1 - اتحاد القوة:
يشترط في التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة، بأن يكونا قطعيين كآيتين، أو خبرين متواترتين، أو آية وخبر متواتر، أو يكونا ظنيين كخبري آحاد، أو قياس وقياس.
فإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا فلا تعارض؛ لأن القطعي يقدم على--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 137، 393)، الإحكام للآمدي (4/ 241)، المحصول (5/ 532)، البرهان (2/ 1143)، فواتح الرحموت (2/ 189)، تيسير التحرير (3/ 136)، كشف الأسرار (4/ 77)، التلويح على التوضيح (3/ 39)، جمع الجوامع والبناني (2/ 357، 361)، البحر المحيط (6/ 108)، شرح تنقيح الفصول ص 420، مختصر ابن الحاجب (2/ 310)، المسودة ص 448، الروضة ص 387، المدخل إلى مذهب أحمد ص 197، شرح الكوكب المنير (4/ 605)، إرشاد الفحول ص 274، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1175).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 408)
الظني، ولأن الظني ينتفي بالقطع، كآية وخبر آحاد، فلا تعارض في الثبوت، ولكن يقع التعارض من حيث الدلالة، ومثل خبر متواتر وخبر آحاد، فلا تعارض بينهما، ويقدم القطعي حتمًا وهو المتواتر، باتفاق (1)، ولا يتحقق التعارض بين نص وإجماع، فيقدم الإجماع لتحديد الدلالة، ولا تعارض بين نص وقياس، فيقدم النص، ولا تعارض بين إجماع وقياس، فيقدم الإجماع، ولا تعارض بين حديث صحيح مع حديث ضعيف أو مردود؛ لأن الحديث الضعيف أو المردود ليس حجة أصلًا ولا دليلًا (2).
2 - الاتحاد في الموضوع والمحل والزمان:
يشترط لتحقق التعارض أن يتحد الدليلان في موضوع واحد، فإن اختلف الموضوع، وكان أحدهما حلالًا والآخر حرامًا، فلا تعارض.
وأن يتحد الدليلان في المحل، وهو محل الحكم بالنفي والإثبات لشخص واحد، فإن اختلف المحل، فلا تعارض، كالحكم على المدين الموسر، والإنظار وعدم المطالبة من المدين المعسر، أو المتوفى عنها زوجها والمطلقة.
وأن يتحد الدليلان في الزمان، ليقع التعارض، فإن اختلف الزمان في الصلاتين، أو في الصومين، فلا تعارض، وإن تقدم أحد الدليلين، وتأخر الآخر، فلا تعارض؛ لكون المتأخر ناسخًا--------------------------------------------
(1) إذا تعارض الظاهر من الكتاب والسنة، فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: يقدم الكتاب؛ لأنه أشرف، ولحديث معاذ رضي الله عنه: "أقضى بكتاب اللَّه، فإن لم أجد فبسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم " وقال آخرون: تقدم السنة؛ لأنها المفسرة للكتاب والمبينة له، ونقل ذلك عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يقدّم السنة على الكتاب بطريق البيان، لا بطريق ترجيح نوع السنة على نوع الكتاب، وقال فريق ثالث: يقع التعارض، ورجحه الجويني. البحر المحيط (6/ 109)، البرهان (2/ 1185)، جمع الجوامع (2/ 373)، تيسير التحرير (3/ 162)، شرح الكوكب المنير (4/ 60).
(2) قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: يتم ترتيب الأدلة عامة بتقديم الإجماع، فالكتاب كالسنة المتواترة، ثم آحاد السنة على مراتبها: الصحيح فالحسن فالضعيف، فقول الصحابي، فالقياس (شرح الكوكب المنير (4/ 600) وما بعدها) وهذا أمر مختلف فيه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 409)
للمتقدم (1).
حكم التعارض:
إذا وجد تعارض بين الأدلة في نظر المجتهد، فيجب عليه البحث في دفعه ورفعه؛ لأنه لا يوجد تعارض حقيقي في الأدلة الشرعية الصحيحة، ولا يعقل وجوده؛ لأنها من عند اللَّه تعالى الذي أحكم كل شيء خلقه، وإنما جاءت الأحكام الشرعية على أساس واحد، ومنهج قويم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم.
فإذا وجد نصان -مثلًا- ظاهرهما التعارض، وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما، تنزيهًا للشارع العليم الحكيم عن التناقض في تشريعه.
وإذا ظهر تعارض -مثلًا بين مصدرين من المصادر، فيقدم الأولى حسب الترتيب المتفق عليه، أو المقرر في كل مذهب، واتفق العلماء في الأدلة المتفق عليها على تقديم الإجماع (2)، فالكتاب، فالسنة، فالقياس، وقذم الجمهور قول الصحابي على القياس، وقدّم الحنفية الاستحسان على القياس، وقدَّم المالكية الاستصلاح على القياس، ثم تأتي سائر المصادر الاجتهادية المختلف فيها.
وفي المصدر الواحد يتم الترتيب أيضًا، فالإجماع النطقي المتواتر--------------------------------------------
(1) البحر المحيط (6/ 109)، المستصفى (2/ 137، 393)، البرهان (2/ 1143)، الإحكام للآمدي (4/ 241)، المحصول (5/ 532)، كشف الأسرار (4/ 77)، فواتح الرحموت (2/ 189)، تيسير التحرير (3/ 136)، جمع الجوامع والبناني (2/ 357، 361)، المسودة ص 448، الروضة ص 387، شرح الكوكب المنير (4/ 607)، إرشاد الفحول ص 274، المدخل إلى مذهب أحمد ص 197، علم أصول الفقه ص 230.
(2) يقدم الإجماع على باقي الأدلة لوجهين، أحدهما: كونه قاطعًا معصومًا من الخطأ معتمدًا على دليل شرعي، والثاني كونه آمنًا من النسخ والتأويل، بخلاف باقي الأدلة (شرح الكوكب المنير 4/ 600).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 410)
أعلاها، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد، ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر، ثم الإجماع السكوتي التابت بالآحاد، فهذه الأنواع الأربعة كلها مقدّمة -عند القائلين بها- على باقي الأدلة، ويقدم الإجماع السابق على اللاحق كإجماع الصحابة يقدم على إجماع التابعين، وهكذا، وفي السنة يقدم المتواتر على الآحاد، وفي أخبار الآحاد يقدم الصحيح على الحسن، وكذا في القياس كما سيأتي في فصل طرق الترجيح (1).
طرق دفع التعارض:
اتفق العلماء على وجوب دفع التعارض بين الأدلة إن وجد، ولكنهم اختلفوا في الطريق للوصول إلى هذا الهدف على طريقتين: طريقة الحنفية، وطريقة الجمهور (2)، وقد يكون الاختلاف أحيانًا لفظيًّا واصطلاحيًّا مع الاتفاق على الحكم والنتيجة.
أولًا: طريقة الحنفية:
قال الحنفية: إن التعارض إما أن يقع بين النصوص الشرعية، وإما أن يقع بين غيرها من الأدلة، وفي كل حالة منهج خاص.
الحالة الأولى: التعارض بين نصين:
إذا وقع التعارض بين نصين شرعيين، فيسلك المجتهد الترتيب الآتي في المراحل الأربع، مبتدئًا بالنسخ، ثم بأحد طرق الترجيح، فإن لم يمكن فالجمع بينهما، فإن تعذر فالتساقط، وذلك حسب المنهج التالي:--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 392)، البرهان (2/ 1169)، الإحكام للآمدي (4/ 240، 257)، فواتح الرحموت (2/ 191)، تيسير التحرير (3/ 161)، جمع الجوامع والبناني (2/ 372)، مختصر ابن الحاجب (2/ 312، 314)، البحر المحيط (6/ 111)، الروضة ص 386، مجموع الفتاوى (19/ 201، 267، 22/ 368)، التعريفات للجرجاني ص 30، شرح الكوكب المنير (4/ 601) وما بعدها، المدخل إلى مذهب أحمد ص 196، مختصر البعلي ص 186، مختصر الطوفي ص 186، علم أصول الفقه ص 230، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1176).
(2) وهناك رأي ثالث يفصل حسب الحالات، ويقول بالتوقف أو التخيير، كما سيأتي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 411)
1 - النسخ:
إذا ورد نصّان متعارضان، بحث المجتهد أولًا عن تاريخ النصين، فإذا علم تقدم أحدهما وتأخر الثاني، حكم بأن المتأخر ينسخ المتقدم، مع التذكير بشرط التعارض، وهو أن يكون النصّان متساويين في القوة كآيتين، أو آية وسنة متواترة (أو مشهورة عند الحنفية)، أو خبرين من أخبار الآحاد.
مثاله: الآيتان السابقتان في عدة الوفاة وعدة الحامل، ففي الأولى قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، فتدل بعمومها "أزواجًا" أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت حاملًا، أو غير حامل، وفي الثانية قال تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وتدل أيضًا أن المرأة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل، سواء كانت متوفى عنها زوجها، أو مطلقة، فحصل التعارض بين الآيتين في الحامل المتوفى عنها زوجها.
وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الآية الثانية متأخرة عن الأولى (1)، فتكون ناسخة في القدر الذي حصل فيه التعارض، فتصبح عدة المتوفى عنها زوجها منتهية بوضع الحمل (2).
2 - الترجيح:
إذا تعارض النصان، ولم يعلم المجتهد تاريخهما، رجح أحدهما على الآخر، إن أمكن، بأحد طرق الترجيح التي ستأتي، كترجيح المحكم على--------------------------------------------
(1) قال ابن مسعود رضي الله عنه: "من شاء باهلته أن سورة النساء الصغرى (الطلاق) نزلت بعد سورة النساء الكبرى (البقرة) "، وفي رواية: "من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء الصغرى بعد الأربعة أشهر وعشرًا" (صحيح البخاري 4/ 1646، 1865، 5/ 2036، سنن أبي داود 1/ 539، وانظر: نصب الراية 3/ 256).
(2) اتفق الفقهاء في المذاهب الأربعة على عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، ولكن الحنفية اعتمدوا على النسخ، وقال الجمهور: بأن الآية الثانية خصصت الأولى، وبقي الاختلاف اصطلاحيًّا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 412)
المفسر، وترجيح العبارة على الإشارة، وترجيح الحظر على الإباحة، وترجيح أحد خبري الآحاد بضبط الراوي أو عدالته، أو فقهه، أو نحو ذلك كما سيأتي.
واستدل الحنفية في تقديم الترجيح على الجمع بين النصين بأن الراجح ملحق بالمتيقن، فيعمل به، وأن العمل بالراجح واجب، وتركه خلاف المعقول والإجماع، وأن ترجيح أحد الدليلين على الآخر يمنع المعارضة أصلًا؛ لأن الترجيح مبني على التعارض، والتعارض مبني على التماثل، وعند الترجيح فلا تماثل، ولا تعارض، وإنما يعمل بالأقوى ويترك الأضعف؛ لأنه في حكم العدم بالنسبة إلى القوى، فكأنه فقد شرط التعارض أصلًا (1).
واعترض عليهم بأن العمل بالراجح الحقيقي واجب عقلًا، ولا يصح تركه، أما التعارض الظاهري فلا ترجيح، وإنما يعتبر الدليلان معًا، وأن التعارض من حيث الظاهر فقط، وقد تحقق التعارض بين الأقوى والأضعف ظاهرًا، فإذا زال التعارض الظاهري، بقي معنا دليلان صحيحان، فيجب العمل بهما معًا، ولا يجوز العمل بأحدهما، وإهمال الآخر.
وبناء على قول الحنفية قدّم أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى حديث: "استنزهوا من البول" (2)، على ما ورد من شرب العُرَنيّين أبوال الإبل (3)، لمرجح التحريم والحظر على الإباحة، ولأن دفع الضرر أولى من جلب المنفعة.
3 - الجمع والتوفيق:
إذا تعذر الترجيح بين النصين، لجأ المجتهد إلى الجمع، أي: للتوفيق بين النصين؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمالهما، أو إعمال أحدهما وإهمال الآخر.
وطرق الجمع عند الحنفية كثيرة بحسب طبيعة النصين، كالجمع بين العامين بالتنويع، والجمع بين النصين المطلقين بالتقييد، والجمع بين--------------------------------------------
(1) فواتح الرحموت (2/ 189)، التلويح على التوضيح (3/ 39) ط الخشاب، وسائل الإثبات (2/ 806).
(2) هذا الحديث رواه الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) هذا الحديث رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 413)
الخاصين بالتبعيض، والجمع بين العام والخاص بالتخصيص، وهو ما سبق بيانه في مباحث الدلالات.
مثال الجمع بين العامين بالتنويع قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير الشُهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها" (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "خيرُ أمتي القرن الذي بُعثت فيه، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم يَخلفُ قومٌ يَشْهدون قبل أن يُسْتشهدوا" (2)، فالحديث الأول يجيز قبول الشهادة قبل الطلب والسؤال، سواء في حقوق اللَّه، أو في حقوق العباد، ويثني على ذلك بالفضل الكبير، والحديث الثاني لا يجيزها أصلًا قبل الطلب؛ لأنها وردت في مَعرض الذَّم والقدح، مما يدل على استنكارها ورفضها، ويجمع بين الحديثين بحمل الأول على نوع من الحقوق، وهي حقوق اللَّه تعالى فقط، وتكون الشهادة حِسْبَة، ويحمل الحديث الثاني على نوع آخر، وهي حقوق العباد.
ومثال الجمع بين النصين المطلقين بالتقييد أن يقول شخص: أعط فقيرًا، ويقول مرة أخرى: لا تعطِ خالدًا، فيقيد الأمر بالمتعفف، والنهي بالمتسول.
ومثال الجمع بين الخاصين بالتبعيض أن يقول شخص: أعطِ خالدًا، ويقول مرة أخرى: لا تعطِ خالدًا، فيحمل الأمر على إعطائه حال الاستقامة، والنهي على منع الإعطاء حال الانحراف.
ومثال الجمع بين العام والخاص بالتخصيص قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فإنه نص عام على وجوب العدة على كل مطلقة، سواء وقع الطلاق قبل الدخول بها أو بعده، ولكنه خصص بالمطلقات قبل الدخول بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]،--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه مسلم (12/ 7 رقم 1719) وأبو داود (2/ 116) والترمذي (6/ 580) ومالك (2/ 720) نشر فؤاد عبد الباقي، طبع الحلبي، القاهرة.
(2) هذا الحديث أخرجه البخاري (2/ 938 رقم 2508) ومسلم (16/ 84، 88 رقم 2535) وأبو داود (2/ 518) والترمذي (6/ 587) والنسائي (7/ 17) والبيهقي (10/ 160) وابن حبان (موارد الظمآن ص 563).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 414)
ويبقى العام معمولًا به فيما وراء الخاص.
وإن كان أحد النصين مطلقًا، والآخر مقيدًا، حُمل المطلق على المقيد، كما سبق في بابه، مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]. مع قوله تعالى: {إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، فاللفظ المطلق "الدم" محمول على المقيد "دمًا مسفوحًا"، ويكون الدم المحرم هو الدم المسفوح فقط.
4 - تساقط الدليلين:
إذا تعارض الدليلان، وتعذر النسخ والترجيح والجمع، فيحكم بتساقط الدليلين لتعارضهما، ثم يلجأ المجتهد إلى الاستدلال بما دونهما في الرتبة، فإذا تعارضت آيتان ترك الاستدلال بهما إلى السنة، وإذا تعارض حديثان عدل عنهما إلى الاستدلال بقول الصحابي عند من يحتج به، أو إلى القياس والاستحسان؛ لتعذر العمل بالأعلى بسبب تعارضه مع غيره، ولأن العمل بأحد المتعارضين ترجيح من غير مرجح، فكأن الواقعة لم يرد فيها نص، فإن لم يوجد دليل أدنى وجب العمل بالأصل العام في ذلك الشيء، كأنه لم يرد فيه دليل أصلًا على الحكم.
مثال العمل بالأدنى: ما ورد في السنة من حديثين متعارضين في صلاة الكسوف، أحدهما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "صلى صلاةَ الكسُوف كما تصلُّون، رَكْعة وسجدتين" (1)، والثاني روته عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم: "صلّى الكسوف ركعتين بأربعةِ ركوعات، وأربعِ سجدات" (2)، فالتعارض في كيفية صلاة الكسوف في كل ركعة بركوعين مع قيامين أو بركوع واحد مع قيام واحد كبقية الصلوات، ولا مرجح عند الحنفية لأحد الحديثين على الآخر، فتركوا العمل بهما، وأخذوا بالقياس، وهو قياس صلاة الكسوف على بقية الصلوات.--------------------------------------------
(1) هذا الحديث رواه النسائي (3/ 117) وأخذ الحنفية بذلك (نصب الراية 2/ 227).
(2) هذا الحديث أخرجه البخاري (1/ 356 رقم 1002) ومسلم (6/ 205 رقم 903) وأبو داود (1/ 270) والنسائي (3/ 108).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 415)
ومثال العمل بالأصل ما ورد في الآثار في حكم سؤر الحمار، فعن ابن عمر أنه نجس، وعن ابن عباس أنه طاهر، ولا مرجح لقول أحدهما، فترك الحنفية العمل بالأثرين، وعملوا بمقتضى الأصل في الماء، وهو أنه طاهر.
الحالة الثانية: التعارض بين دليلين غير نصين:
وذلك كما لو ورد التعارض بين قياسين، فيجب على المجتهد أن يرجح بينهما بأحد مرجحات القياس التي ستأتي، كالترجيح بالعلة المنصوصة على العلة المستنبطة بطريق المناسبة مثلًا، فإن لم يكن هناك مرجح، لزم المجتهد أن يتحرى بما يشهد له قلبه، وتطمئن به نفسه (1)، وقال الشافعي وأحمد: يتخير (2).
ثانيًا: طريقة الجمهور في دفع التعارض:
إذا تعارض دليلان، فذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية إلى التعريف بين التعارض في النصوص والتعارض في الأقيسة.
الحالة الأولى: التعارض بين النصوص عند الجمهور:
إذا تعارض نصان -بحسب الظاهر- عند المجتهد، فيجب عليه البحث والاجتهاد لدفع التعارض، وللوقوف على حقيقة المراد منهما تنزيهًا للشارع الحكيم عن التناقض في تشريعه، وذلك وفق المنهج التالي:
1 - الجمع بين النصين:
إذا تعارض نصان بحسب الظاهر، فيعمل المجتهد للجمع، أي: للتوفيق بين النصين بوجه مقبول شرعًا، قبل الترجيح لأحدهما؛ لأنَّ العمل بالدليلين--------------------------------------------
(1) كشف الأسرار (4/ 76)، تيسير التحرير (3/ 136)، فواتح الرحموت على مسلم الثبوت (2/ 189)، التلويح على التوضيح (2/ 40، 44)، إرشاد الفحول ص 275، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1176)، علم أصول الفقه ص 230؛ منهج التوفيق ص 119.
(2) فصل ذلك الزركشي فقال: "إن كان بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير، وإن كان في الإباحة كالتحريم فالتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية" وفي ذلك آراء كثيرة سنذكرها في طريقة الجمهور، انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 612)، إرشاد الفحول ص 275، البحر المحيط (6/ 115).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 416)
ولو من بعض الوجوه خير من العمل بأحدهما وإهمال الآخر؛ لأن الأصل في الدليلين إعمالهما، وعند الجمع بين الدليلين يزول التعارض الظاهري، وكان هذا بيانًا للمراد من النصين؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما، حتى لو كان أحد الدليلين من السنة، والآخر من الكتاب على الأصح.
ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بطرق كثيرة، كأن يكون أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا، أو أحدهما مطلقًا والآخر مقيدًا، أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، وسبق بيان ذلك في الدلالات، وكما سبق كثير من الأمثلة في طريقة الحنفية في الجمع بين النصوص.
ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بالتبعيض، وذلك في حالات ثلاث:
أ- أن يكون حكم كل من الدليلين المتعارضين قابلًا للتبعيض، فالعمل بهما متعذر، فيعمل بهما من بعض الوجوه، فيكون قد عمل بكل واحد في بعض الحكم، كوضع اليد من اثنين على دار، فتقسم بينهما.
ب- أن يكون حكم كل واحد من الدليلين متعددًا، بأن يحتمل أحكامًا كثيرة، فيعمل بالدليلين، بأن يثبت بكل واحد منهما بعض الأحكام، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاةَ لجارِ المسْجد إلا في المسجد" (1)، فإنه معارض لتقريره صلى الله عليه وسلم لمنْ صلى في غير المسجد مع كونه جارًا (2)، فهذان الحديثان يشتملان على أحكام متعددة، فالحديث الأول يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة، والحديث الثاني يحتمل ذلك أيضًا، فيحمل الأول على نفي الكمال، والثاني يحمل على الصحة.
جـ- أن يكون حكم كل من الدليلين عامًّا، أي: متعلقًا بأفراد كثيرة،--------------------------------------------
(1) هذا حديث ضعيف، وقيل: صح من قول علي رضي الله عنه (أسنى المطالب ص 257).
(2) قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجلين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة" وفي ذلك أحاديث أخرى، روأها أبو داود (1/ 136) والنسائي (2/ 85، 86، 87) وأحمد (4/ 161).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 417)
فيجمع بينهما بأن يعمل بهما معًا بتوزيعها على الأفراد، فيتعلق حكم أحدهما بالبعض، ويتعلق حكم الآخر بالبعض الآخر، مثاله الحديث السابق "خيرُ الشهود" مع حديث "يشهدون قبل أن يُسْتشهدوا" ومثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، مع قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فتحمل الأولى على بعض الأفراد، وهن المتوفى عنهن أزواجهن غير الحاملات، وتحمل الثانية على الحاملات.
ومثله قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180]، مع قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} إلى آخر آيات المواريث، [النساء: 11 - 12، 176]، فالآية الأولى توجب الوصية للوالدين والأقارب بالمعروف، والآية الثانية توجب للوالدين والأقارب حقًّا من التركة بوصية اللَّه تعالى، لا بوصية المورث، فهما متعارضتات ظاهرًا، ويمكن التوفيق بينهما بالجمع بأن يراد بآية سورة البقرة الوالدان والأقربون الذين منعوا من الإرث بسبب كاختلاف الدين، أو حجبوا باقرب كالإخوة بالأبناء، والجد بالأب، والآية الثانية يراد بها الوالدان والأقربون الوارثون فعلًا.
2 - الترجيح بين الدليلين:
إذا تعذر الجمع بين الدليلين فذهب الجمهور إلى العمل لترجيح أحد الدليلين على الآخر بأحد المرجحات التي سنذكرها، أو سبق بيانها عند الحنفية، ويعمل المجتهد بما اقتضاه الدليل الراجح.
3 - النسخ:
إذا تعذر الجمع بين الدليلين، أو ترجيح أحدهما، لجأ المجتهد إلى طريقة النسخ، إذا كان مدلولهما قابلًا للنسخ، وعلم تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فيكون المتاخر ناسخًا للمتقدم، كما سبق في مبحث النسخ.
4 - تساقط الدليلين:
إذا تعذرت الوجوه السابقة في دفع التعارض من الجمع أو الترجيح أو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 418)
النسخ، صار الدليلان متعارضين، فيترك العمل بهما معًا، ويبحث المجتهد عن دليل آخر، وكأن الواقعة لا نص فيها، قال الشيخ عبد الرحمن خلاف رحمه اللَّه تعالى: "وهذه صورة فرضية لا وجود لها" (1).
الحالة الثانية: التعارض في الأقيسة:
اتفق الجمهور مع الحنفية في طريقة دفع التعارض بين الأقيسة المتعارضة، بأن يرجح المجتهد أحد الأقيسة بأحد الترجيحات التي سنذكرها لاحقًا، أو سبقت الإشارة إليها عند الحنفية، كالترجيح بالعلة المنصوصة على العلة المستنبطة بالمناسبة وغيرها (2).
حالة تعذر دفع التعارض:
إذا تعذر دفع التعارض بين الأدلة النصية، أو الأقيسة المتعارضة، ويسمى التعادل في نفس الأمر (3)، فقد اختلف الجمهور في بيان الحل للمجتهد الذي عجز عن الترجيح، وتحير، ولم يجد دليلًا آخر، وذلك على عدة آراء، أهمها: الأول: القول بالتخير بأن يختار المجتهد العمل بأحد النصين أو أحد القياسين، والثاني: القول بالتساقط كالبينتين إذا تعارضتا مع طلب الحكم من موضع آخر كالرجوع إلى العموم، أو البراءة الأصلية، والثالث: التفصيل، فإن كان التعارض بين حديثين، تساقطا، ولا يعمل بواحد منهما، أو بين--------------------------------------------
(1) علم أصول الفقه، له ص 232.
(2) المستصفى (2/ 395)، المحصول (5/ 506، 542)، جمع الجوامع والبناني (2/ 310، 361) وما بعدها، نهاية السول (3/ 191)، شرح تنقيح الفصول ص 421، العدة (3/ 1047)، شرح الكوكب المنير (4/ 609)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 197، الإحكام لابن حزم (1/ 151)، البحر المحيط (6/ 111)، علم أصول الفقه ص 230، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1182)، منهج التوفيق والترجيح ص 113، وسائل الإثبات (2/ 808).
(3) التعادل إما أن يكون في ذهن المجتهد، ويسمى التعادل الذهني، وحكمه الوقف أو التساقط أو الرجوع إلى غيرهما، وإما أن يكون في نفس الأمر، كما هنا (البحر المحيط 6/ 115).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 419)
قياسين فيتخير، والرابع: الوقف، كما لو حصل ذلك في التعادل الذهني؛ الخامس: الأخذ بالأغلظ، السادس: بالتوزيع والقسمة، والسابع: التخيير في الواجبات، والتساقط عند تعارض الإباحة أو التحريم مع الرجوع إلى البراءة الأصلية، والثامن: يقلد عالمًا أكبر، والتاسع: يصبح الأمر كالحكم قبل ورود الشرع (1)، وسيأتي مزيد من الأمثلة.--------------------------------------------
(1) انظر: البحر المحيط (6/ 115)، شرح الكوكب المنير (4/ 612)، المعتمد (2/ 853)، المحصول (5/ 507، 517، 546)، جمع الجوامع والبناني (2/ 359، 362)، الروضة ص 372، البرهان (2/ 1183)، المسودة ص 449، نهاية السول (3/ 183، 194)، المستصفى (2/ 393)، فواتح الرحموت (2/ 189، 193، 195)، تيسير التحرير (3/ 137)، كشف الأسرار (4/ 76)، شرح تنقيح الفصول ص 417، إرشاد الفحول ص 275، قواعد الأحكام (2/ 52).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 420)
الفصل الثاني الترجيح بين الأدلة
تعريف الترجيح:
الترجيح لغة: الثقل والميل والتفضيل والتقوية، يقال: رجح الشيء رجحانًا ورجوحًا ورجاحة: ثقل، ورجحت إحدى الكفتين الأخرى: مالت بالموزون، ورجحه أرجحه: فضّله وقواه، واستعمال الرجحان حقيقة إنما هو في الأعيان الجوهرية، ثم استعمل في المعاني مجازًا (1).
والترجيح في الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريفه نتيجة لاختلافهم في تكييفه، هل هو فعل المجتهد؟ أم أنه وصف قائم بالدليل الراجح؟ أم كلاهما؟
فعرفه الزركشي رحمه اللَّه تعالى بأنه: "تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى بما ليس ظاهرًا" (2)، وهذا الحد باعتبار الترجيح من عمل المرجح المجتهد، ومع ذلك أغفل ذكر المجتهد، وأن ترجيح غير المجتهد لا يعتد به عند الأصوليين، والترجيح هو بيان التقوية، أي: بيان القوة الكامنة في الدليل، واقتصر على الأمارة ليحصر الترجيح في الأدلة الظنية دون القطعية، مع أننا رجحنا أن التعارض يقع في الأدلة القطعية والظنية، ويحتاج للترجيح، وقيد الترجيح حالة "ما ليس ظاهرًا" في الأمارة، فإن كانت القوة ظاهرة فلا يحتاج للترجيح، ويخرج من التعريف الأخبار والظواهر لاختصاص اسم الأمارة بالمعاني، لكنها تدخل بالتعريف من حيث الغاية،--------------------------------------------
(1) المعجم الوسيط (1/ 329)، الصحاح (1/ 364).
(2) البحر المحيط (6/ 130)، وتبع في ذلك الرازي في المحصول (5/ 529)، ثم نقل الزركشي تعريف الكيا الهراسي بأن الترجيح هو "إظهار زيادة لأحد المثلين على الآخر وضعًا لا أصلًا" البحر المحيط (6/ 130)؛ لأنه إذا أفردت الزيادة على الوزن لم يقع بها شيء، كما أن البيضاوي حاول تجنب الاعتراضات على التعريفات السابقة فقال: الترجيح: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها" نهاية السول (3/ 189)، وقال ابن النجار مثل ذلك: "تقوية إحدى الإمارتين على الأخرى لدليل" شرح الكوكب المنير (4/ 616).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 421)
كما أن التعريف لم يبين الغاية من الترجيح، وهو العمل بالراجح.
وعرف ابن الحاجب رحمه اللَّه تعالى الترجيح بأنه "اقتران الأمارة بما تقوى به على ما يعارضها" وعرفه الآمدي رحمه اللَّه تعالى بمثل ذلك، وأضاف الغاية من الترجيح "بما يوجب العمل به وإهمال الآخر" (1)، فهذا التعريف باعتبار الترجيح وصفًا قائمًا بالدليل الراجح، ولكنه أغفل فعل المجتهد الذي يبيَّن أن الدليل مقترن بما يقويه، فالاقتران وصف للدليل، وحصر الترجيح في الأدلة الظنية.
وعرف أكثر الحنفية الترجيح بأنه "إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر بما لا يستقل" (2)، وهذا التعريف يفيد أن الترجيح من فعل المكلف، وأنه لوصف قائم بالدليل، وأن الترجيح يقع في الأدلة القطعية والظنية، لكنه لم يحدد من يقوم بالإظهار والبيان، وهو المجتهد، أو الشارع نفسه، ولم يذكر ثمرة الترجيح، وهي العمل بالدليل الراجح.
وأقترح تعريفًا موجزًا بأنه "بيان المجتهد لقوة أحد الدليلين المتعارضين ليعمل به"، وهذا يبين القائم بالترجيح وهو المجتهد، وأنه يعتمد على وصف قائم بالدليل وهو القوة، ويشمل جميع الأدلة المتعارضة لينسجم مع وقوع التعارض عمليًّا بين جميع الأدلة ليعمل المجتهد ذهنه فيها، ويرجح ويختار، ثم يبين التعريف الغاية من الترجيح، وهي العمل بالراجح (3).--------------------------------------------
(1) مختصر ابن الحاجب (2/ 309)، الإحكام للآمدي (4/ 239)، وعرف ابن مفلح رحمه اللَّه تعالى الترجيح بنفس تعريف ابن الحاجب (شرح الكوكب المنير 4/ 616) ثم أكد ذلك ابن النجار رحمه اللَّه تعالى، فقال: "فالترجيح فعل المرجح الناظر في الدليل" شرح الكوكب المنير (4/ 618).
(2) فواتح الرحموت (2/ 204)، أصول السرخسي (2/ 249)، كشف الأسرار (4/ 77)، التلويح على التوضيح (3/ 38)، فتح الغفار (3/ 52).
(3) انظر في تعريف الترجيح: التعريفات للجرجاني ص 31، جمع الجوامع والبناني (2/ 361)، المعتمد (2/ 844)، البرهان (2/ 1142)، المنخول ص 426، المدخل إلى مذهب أحمد ص 196، إرشاد الفحول ص 273، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (2/ 1185)، منهج التوفيق والترجيح ص 336، وسائل الإثبات (2/ 809). =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 422)
فوائد: صلة الترجيح بالتعارض:
يظهر من التعريفات السابقة الأمور التالية:
1 - لا يكون الترجيح إلا مع وجود التعارض، فإن انتفى التعارض، انتفى الترجيح؛ لأنه فرعه، ولذلك يقع الترجيح مرتبًا على وجود التعارض، ويتأخر عنه في البحث.
2 - لا يوجد تعارض بالحقيقة في حجج الشرع، ولهذا يتأخر باب التعارض والترجيح إلى آخر الأبواب؛ لأنه احتياطي.
3 - قال أبو بكر الخلال رحمه اللَّه تعالى، وهو من أئمة الحنابلة المتقدمين: "لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان، ليس مع أحدهما ترجيح يُقدم به، فأحدُ المتعارضين باطل، إما لكذب الناقل، أو خطئه بوجه ما من النقليات، أو خطأ في النظريات، أو لبطلان حكمه بالنسخ" (1). ولكن هذا الكلام ليس على إطلاقه؛ لأنه يوجد تعارض كثير وصحيح ظاهرًا في الشرع، ويمكن الجمع بينها، كما سبق، وهذا ما أكده إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه اللَّه تعالى فقال: "لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده شيء منه فليأتني به لأؤلف بينهما" وكان من أحسن الناس كلامًا في ذلك (2)، ولذلك صنف العلماء كتب مختلف الحديث، للجمع بينها.
الوصف الشرعي للترجيح:
إن الترجيح واجب على المجتهد؛ لأنه مطلوب منه بيان الأحكام من أدلتها، فإذا تعارض عليه دليلان، فيجب البحث عن الراجح منهما؛ لأن التعارض في الأدلة الشرعية ظاهري، وبحسب ما يتبادر إلى الذهن، وبحسب--------------------------------------------
(1) شرح الكوكب المنير (4/ 617)، وانظر: مختصر الطوفي ص 187، المسودة ص 306، الروضة ص 387، الموافقات (4/ 201)، نهاية السول (3/ 189)، فواتح الرحموت (2/ 189)، المعتمد (2/ 845)، الإحكام لابن حزم (1/ 151)، المدخل إلى مذهب أحمد ص 197.
(2) شرح الكوكب المنير (4/ 618).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 423)
الظاهر، ولا يوجد تعارض حقيقي، كما سبق، فيعمل المجتهد على اتباع منهج التعارض وطريقته التي سبق بيانها كالجمع، والترجيح، والنسخ، فإن عجز، تساقط الدليلان، وعمل بأحد السبل الذي سبق ذكرها.
قال الطوفي رحمه اللَّه تعالى: "وقد عملت الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، والترجيح دأَب العقل والشرع حيث احتاجا إليه" (1)، وقال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "ويجب تقديم الراجح من الأدلة على المرجوح" (2).
شروط الترجيح:
تكاد أن تكون شروط الترجيح متفقة مع شروط التعارض التي تواجه المجتهد ليعمل على ترجيح أحد الدليلين، مع بعض الشروط الأخرى التي تتوفر أثناء النظر في الترجيح، وكثير من هذه الشروط مختلف فيها بين المذاهب والعلماء، وقد وضعها بعضهم لتتناسب مع تصوره ونظرته للتعارض والترجيح، وأهمها:
1 - التساوي في الثبوت:
وذلك بأن يكون الدليلان ثابتين بدرجة واحدة، من حيث القطعية والظنية، كآيتين، فهما متواترتان في الثبوت، وآية وحديث متواتر، ولذلك فلا تعارض بين الكتاب وخبر الآحاد من حيث الثبوت، وإن حصل بينهما تعارض ظاهري من حيث الدلالة.
2 - التساوي في القوة:
وذلك بأن يكون الدليلان في قوة واحدة، كالمتواترين، أو خبرين من أخبار الآحاد، ولذلك فلا تعارض بين المتواتر وخبر الآحاد، ويقدم المتواتر باتفاق، ولا تعارض بين حديث صحيح وآخر شاذ أو منكر؛ لأن الحديث الشاذ أو المنكر لا يعتبر معارضًا للحديث الصحيح، حتى ولو تعددت طرق الشاذ أو المنكر، أو كثر رواته مع كونه ضعيفًا.--------------------------------------------
(1) مختصر الطوفي ص 186 مع الاختصار والتصرف، وانظر: الإحكام للآمدي (4/ 239)، المستصفى (2/ 394)، كشف الأسرار (4/ 76)، فواتح الرحموت (2/ 204)، شرح الكوكب المنير (4/ 621).
(2) شرح الكوكب المنير (4/ 627).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 424)