تغليظ الملام على المتسرعين إلى الفتيا وتغيير الأحكام (حمود بن عبد الله التويجري)القسم: الفرق والردود
الكتاب: تغليظ الملام على المتسرعين إلى الفتيا وتغيير الأحكام
المؤلف: حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري (ت 1413هـ)
الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1413 هـ - 1992 م
عدد الصفحات: 117
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 17 رمضان 1436
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
تغليظ الملام على المتسرعين إلى الفتيا وتغيير الأحكام
تأليف
الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين
دار الصميعي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2)
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي شرع الشرائع، وفصَّل الأحكام، وبيَّن الحلال والحرام.
وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، الذي بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، ودلَّهم على كل خير، ونهاهم عن كل شر، وتركهم على البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
صلًّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فقد فشى في زماننا التسرع إلى الفتيا بغير علم، وتغيير الأحكام الثابتة في الكتاب والسنة، وكثر ذلك في المنتسبين إلى العلم، وقلَّت المبالاة بما يترتب على ذلك من الوعيد الشديد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
وهو ما ثبت عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من أفتى بفتيا غير ثَبَت (1)؛ فإنما إثمه على من أفتاه».
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والحاكم؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وروى الدارمي أيضا عن عبيد الله بن أبي جعفر مرسلاً؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار».
وقد سُئل أحمد عن هذا الحديث: ما معناه؟ فقال: «يفتي بما لم يسمع».
ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية».--------------------------------------------
(1) قال ابن الأثير في (النهاية) وابن منظور في (لسان العرب): (الثبت بالتحريك الحجة والبينة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
فصلٌ
وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يهابون الفتيا، ويتدافعونها بينهم، ويذمُّون من يسارع إليها، وقد جاء عنهم في ذلك آثار كثيرة؛ منها:
ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والدارمي؛ عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: «أيها الناس! من سُئل عن علم يعلمه؛ فليقل به، ومن لم يكن عنده علم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ إن الله تبارك وتعالى قال لنبيه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}.
وفي رواية لمسلم: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال «من فقه الرجل أن يقول لما لا علم به: الله أعلم».
ورواه الإمام أحمد بنحوه.
وروى الدارمي أيضا عن أبي موسى رضي الله عنه: أنه قال في خطبته: «من علم علماً؛ فليعلِّمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به فيمرق من الدين، ويكون من المتكلفين».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
وروى الدارمي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: «من أحدث رأياً ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل».
وروى الدارمي أيضا وابن عبد البر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: «من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها؛ كان إثمها عليه».
وروى الدارمي وابن عبد البر أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون».
زاد ابن عبد البر: «قال الأعمش: فذكرت ذلك للحكم بن عتيبة، فقال: لو سمعت هذا منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كل ما أفتي».
وروى ابن عبد البر أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: «إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه لمجنون».
وروى ابن عبد البر أيضاً عن نُعيم بن حماد؛ قال: سمعت ابن عيينة يقول: «أجسر الناس على الفتيا أقلُّهم علماً».
وروى أيضاً عن سحنون بن سعيد: أنه قال: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، فيظنُّ أن الحق كله فيه».
وروى الدارمي وابن عبد البر عن محمد بن سيرين؛ قال: قال حذيفة رضي الله عنه: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم باسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدّاً، وأحمق متكلُّف».
قال ابن سيرين: «فأنا لست بأحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
متكلَّفاً».
وروى الدارمي عن محمد - وهو ابن سيرين -؛ قال: «قال عمر لابن مسعود: ألم أنبأ - أو أنبئت - أنك تفتي ولست بأمير؟! وَلَّ حارَّها من تولى قارَّها».
ورواه ابن عبد البر في كتابه «جامعه بيان العلم وفضله» عن ابن سيرين، قال: «قال عمر لأبي مسعود وعقبة بن عمرو: ألم أنبأ أنك تفتي الناس؟! وَلَّ حارَّها من تولَّى قارَّها».
قلت: ما جاء في رواية ابن عبد البر أنَّ عمر رضي الله عنه نهى أبا مسعود عقبة بن عمرو عن الفتيا؛ هو الصحيح، وأما ما جاء في رواية الدارمي أن عمر رضي الله عنه نهى ابن مسعود عن الفتيا؛ فهو غلط وتصحيف؛ لأنه قد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أهل الكوفة:
«إني قد بعثتُ إليكم عماراً أميراً، وابن مسعود معلَّماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر؛ فاسمعوا لهما، وتعلَّموا منهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي».
رواه: ابن سعد، والطبراني، والحاكم، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وقوله: «وَلَّ حارَّها مَن تَوَلَّى قارَّها»: هو مثل أمثال من العرب، ذكره أبو عُبيد القاسم بن سلَاّم في «كتاب الأمثال»، وذكره غيره ممَّن صنَّف في الأمثال.
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر»: «وفي حديث عمر: قال لأبي مسعود البدري: «بلغني أنَّكّ تفتي، ولَّ حارَّها مَن تولَّى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
قارَّها»: جعل الحرَّ كناية عن الشرَّ والشدَّة، والبرد كناية عن الخير والهيِّن؛ أراد: ولَّ شرَّها من تولى خيرها، وولَّ شديدها من تولَّى هيِّنها» وانتهى.
وفي «لسان العرب» نحو ذلك.
وروى ابن عبد البر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال: في المسجد -، فما كان منهم محدِّث إلا ودَّ أنَّ أخاه قد كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا».
ورواه الدارمي، ولفظه: «لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدِّث بحديث؛ إلاًّ ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا يُسأل عن فتيا؛ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا».
وروى الدارمي أيضاً عن داود - وهو ابن أبي هند -؛ قال: «سألت الشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سُئلتم؟ قال: على الخبير وقعت؛ كان إذا سُئل الرجل؛ قال لصاحبه: أفتهم، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول».
وروى ابن عبد البر من طريق ابن وهب؛ قال: أخبرني محمد بن سليمان المرادي عن شيخ من أهل المدينة يُكنى أبا إسحاق؛ قال: «كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء، فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس، حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب؛ كراهية الفتيا، وكانوا يدعون سعيد بن المسيب: الجريء».
وروى ابن عبد البر أيضا عن أبي المنهال؛ قال: «سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف؟ فجعل كلما سألت أحدهما؛ قال: سل الآخر؛ فإنه خير مني وأعلم مني».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
وقال أبو حصين عثمان بن عاصم: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر؛ لجمع لها أهل بدر».
ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية».
وإذا كان هذا في زمان التابعين؛ فكيف بأهل زماننا؛ فإن كثيراً منهم لا يتورَّعون عن الفتيا بغير علم؛ بل إن بعضهم لا يبالي بمخالفة الكتاب والسنة في فتاويه؛ كما سيأتي بيان ذلك في ذكر بعض فتاويهم وأقوالهم الباطلة إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
فصلٌ
وقد كان السلف الصالح يتورَّعون عن الفتيا بغير علم، وإذا سُئل أحدهم عمَّا لا علم به؛ لم يأنف أن يقول: لا أعلم هذا، أو يقول: لا أدري، أو يقول: سل عن هذا غيري.
وهذا بخلاف ما عليه بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا؛ فإن كثيرا منهم يتسرعون إلى الفتيا بغير علم، ويأنف أحدهم أن يقول فيما لا يعلمه: لا أعلم هذا، أو: لا أدري، أو يقول: سل عن هذا غيري! ويرون في الإحجام عن إجابة السائل غضاضة عليهم، وما علموا أن الخطر العظيم في التسرع إلى الفتيا بغير علم.
وقد تقدَّم قول ابن مسعود رضي الله عنه: «أيها الناس! مَن سُئل عن علم يعلمه؛ فليقل به، ومَن لم يكن عنده علم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم».
وذكر ابن عبد البر بإسناده عن ابن سيرين؛ قال: «لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أهيب لما لا يعلم من عمر، وإن أبا بكر نزلت به قضيَّة، فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة أثراً، فاجتهد رأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكون صوابا؛ فمن الله، وإن يكون خطأ؛ فمني، وأستغفر الله».
وروى ابن عبد البر أيضا عن أبي معمر - واسمه عبد الله بن سخبرة الأزدي - عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلَّني، إذا قلتُ في كتاب الله بغير علم؟!».
قال ابن عبد البر: «وذَكَر مثلَ هذا عن أبي بكر رضي الله عنه ميمون ابن مهران وعامر الشعبي وابن أبي مليكة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
وروى أيضاً عن زاذان وأبي البختري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه قال: «أي أرض تقلّني، أو سماء تظلّني، إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم؟!».
وروى الدارمي عن أبي البختري وزاذان؛ قالا: قال علي رضي الله عنه: «وَابَرْدَها على الكبد، إذا سُئلت عمَّا لا أعلم أن أقول: الله أعلم».
وروى أيضا عن أبي النعمان - واسمه سالم بن سرج المدني، ويقال: ابن خرَّبُوذ - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه قال: «إذا سُئلتم عمَّا لا تعلمون؛ فاهربوا». قالوا: وكيف الهرب يا أمير المؤمنين؟! قال: «تقولون: الله أعلم».
وروى أيضا عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه: أنه قال: «يا بَرْدَها على الكبد أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم».
وروى أيضا عن عزرة التميمي؛ قال: قال علي رضي الله عنه: «وابَرْدَها على الكبد «ثلاث مرات»». قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: «أن يسأل الرجل عمَّا لا يعلم، فيقول: الله أعلم».
وذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن علي رضي الله عنه: أنه قال: «خمس لو سافر الرجل فيهنَّ إلى اليمن؛ لكن عوضاً عن سفره: لا يخشى عبد إلا ربَّه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي مَن لا يعلم أن يتعلَّم، ولا يستحي مَن تعلَّم إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، وإذا قُطع الرأس؛ توى الجسد».
التوى: الهلاك.
وروى الدارمي أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر رضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
الله عنهما: «أن رجلا سأله عن مسألة؟ فقال: لا علم لي بها، فلما أدبر الرجل؛ قال ابن عمر رضي الله عنهما: نعم ما قال ابن عمر: سُئل عما لا يعلم؟ فقال: لا علم لي به».
وروى أيضا عن نافع ابن عمر رضي الله عنهما نحوه.
وروى ابن عبد البر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه سُئل عن شيء؟ فقال: لا أدري، فلمَّا ولَّى الرجل؛ نِعِمَّا قال عبد الله بن عمر؛ سُئل عمَّا لا يعلم؟ فقال: لا علم لي به».
وروى ابن عبد البر أيضا عن مجاهد؛ قال: «سُئل ابن عمر عن فريضة من الصلب؟ فقال: لا أدري، فقيل له: ما يمنعك أن تجيبه؟ فقال: سُئل ابن عمر عمَّا لا يدري؟ فقال: لا أدري».
وروى ابن عبد البر أيضا عن عقبة بن مسلم؛ قال: «صحبتُ ابن عمر رضي الله عنهما أربعة وثلاثين شهراً، فكان كثيراً ما يُسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إليَّ فيقول: أتدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً إلى جهنَّم».
وروى ابن عبد البر أيضا عن حماد بن زيد عن أيوب؛ قال: «تكاثروا على القاسم بن محمد يوماً بمنى، فجعلوا يسألونه؟ فيقول: لا أدري، ثم قال: إنا والله ما نعلم كلَّ ما تسألونا عنه، ولو علمنا؛ ما كتمناكم، ولا حَلَّ لنا أن نكتمكم».
وذكر ابن عبد البر أيضا عن القاسم: أنه قال: «يا أهل العراق: إنا والله لا نعلم كثيراً مما تسألونا عنه، ولأن يعيش المرء جاهلاً لا يعلم ما افُترض عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
وذكر ابن عبد البر أيضاً عن ابن عون؛ قال: «كنت عند القاسم بن محمد، إذ جاءه رجل فسأله عن شيء؟ فقال القاسم: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني دُفعت إليك، لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي! الزمها؛ فوالله؛ ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله؛ لأن يُقطَع لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّم بما لا علم لي به».
وروى ابن عبد البر أيضا عن عبد الملك بن أبي سليمان؛ قال: «سُئِلِ سعيد بن جبير عن شيء؟ فقال: لا أعلم، ثم قال: ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم».
وروى ابن عبد البر أيضاً عن ابن وهب؛ قال: سمعتُ مالكاً يقول: «سأل عبد الله بن نافع أيوب السختياني عن شيء؟ فلم يجبه، فقال له: لا أراك فهمت ما سألتك عنه، قال: بلى، قال: فلم لا تجيبيني؟ قال: لا أعلمه».
وروى أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل، فقال له: يا أبا عبد الله! جئتك من مسيرة ستة أشهر، حمَّلني أهل بلدي مسألة أسألك عنها، قال: فسَل، فسأله الرجل عن المسألة؟ فقال: لا أحسنها، قال: فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى مَن يعلم كل شيء، فقال أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعتُ إليهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن».
قال ابن عبد البر: «وذكر ابن وهب في كتاب «المجالس»؛ قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
سمعت مالكاً يقول: ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري؛ فإنه عسى أن يهيَّأ له خير، قال ابن وهب: وكنتُ أسمعه كثيراً ما يقول: لا أدري، وقال في موضع آخر: لو كتبنا عن مالك: لا أدري؛ لملأنا الألواح».
قال ابن وهب: وسمعتُ مالكاً - وذُكر قول القاسم بن محمد: «لأن يعيش الرجل جاهلاً خير من أن يقول على الله ما لا يعلم» -، ثم قال: «وهذا أبوبكر الصديق، وقد خصَّه الله بما خصَّه به من الفضل، يقول: لا أدري».
وقال ابن وهب: وحدَّثني مالك؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين، وسيد العالمين، يسئل عن الشيء، فلا يجيب حتى يأتيه الوحي».
وذكر عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بعض هذا، وفي روايته هذه: «الملائكة قد قالت: لا علم لنا».
قال ابن عبد البر: وذكر أبو داود في تصنيفه لحديث مالك: حدثنا عباس العنبري؛ قال: حدثنا عبد الرزاق؛ قال: قال: مالك: «كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا أخطأ العالم: لا أدري؛ أصيبت مقاتله».
وروى أبو داود أيضا عن مالك عن يحيى بن سعيد؛ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا ترك العالم: لا أعلم؛ فقد أصيبت مقاتله».
قال: وحدثنا أحمد بن حنبل؛ قال: حدثنا محمد بن إدريس؛ قال: سمعت مالكاً يقول: سمعت ابن عجلان يقول: «إذا أخطأ العالم: لا أدري؛ أصيبت مقاتله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
وروى ابن عبد البر أيضا من طريق الإمام أحمد؛ قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي؛ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت ابن عجلان يقول: «إذا أغفل العالم: لا أدري؛ أصيبت مقاتله».
قال ابن عبد البر: «وقال أبو الدرداء: قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم: نصف العلم».
وذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن الشعبي: أنه قال: «لا أدري: نصف العلم».
قال: وبإسناد حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه قال: «من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأن الله عز وجل قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {قُلْ ما أسْألُكُمْ عَلَيْه مِنْ أجْر ومَا أنا مِنَ المُتَكَلِّفينَ}.
قال: وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه قال: «العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري».
قال: وقال أحمد في رواية المروذي: «ليس كل شيء ينبغي أن يُتكَلَّم فيه، وذكر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وكان يُسأل؟ فيقول: «لا أدري، حتى أسأل جبريل»».
قال: وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: «كان سفيان لا يكاد يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يحسن ذا؟ مَن يحس ذا؟».
وقال في رواية أبي الحارث: «وددت أنه لا يسألني أحدٌ عن مسألة، وما شيء أشدّ عليَّ من أن أسأل عن هذه المسائل، البلاء يخرجه الرجل عن عُنُقه ويقلِّدك، وخاصة مسائل الطلاق والفروج».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
وقال سفيان: «من فتنة الرجل إذا كان فقيها أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت».
وقال المروذي: «قلت لأبي عبد الله: إن العالم يظنُّونه عنده علم كل شيء فقال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون»، وأنكر أبو عبد الله على من يتهجَّم في المسائل والجوابات.
وسمعت أبا عبد الله يقول: «ليتَّقِ الله عبدٌ ولينظر ما يقول وما يتكلَّم به؛ فإنه مسؤول».
وقال: «مَن أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدِّد عليهم».
وقال في رواية ابن القاسم: «إنما ينبغي أن يؤمر الناس بالأمر البيِّن الذي لا شكَّ فيه، وليت الناس إذا أمروا بالشيء الصحيح أن لا يجاوزوه».
ونقل محمد بن أبي طاهر عنه: أنه سُئل عن مسألة في الطلاق؟ فقال: «سل غيري، ليس لي أفتي في الطلاق بشيء».
وقال في رواية ابن منصور: «لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُستفتى».
وصحَّ عن مالك: أنه قال: «ذلّ وإهانة للعلم أن تجيب كل مَن سألك».
وقال أيضا: «كل مَن أخبر الناس بكل ما يسمع فهو مجنون».
وقال أحمد في رواية أحمد بن علي الأبَّار: وقال له رجل: حلفتُ بيمين لا أدري إيش هي؟ قال: «ليت أنك إذا دريت دِريتُ أنا».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
وقال في رواية الأثرم: «إذا هاب الرجل شيئاً؛ فلا ينبغي أن يُحمل على أن يقول».
وقال في رواية المروذي: «إن الذي يفتي الناس يتقلَّد أمراً عظيماً، أو قال: يقدم على أمر عظيم، ينبغي لمَن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدَّم، وإلا؛ فلا يفتي».
وقال في رواية الميموني: «مَن تكلَّم في شيء ليس له فيه إمام؛ أخافُ عليه الخطأ».
وسأله إسحاق بن إبراهيم عن الحديث الذي جاء: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»؛ ما معناه؟ قال أبو عبد الله: «يفتي بما لم يسمع».
وقال محمد بن أبي حرب: سمعت أبا عبد الله وسُئل عن الرجل يفتي بغير علم؟ قال: «يروى عن أبي موسى؛ قال: يمرق من دينه».
وقال ابن مفلح: قال الزهري عن خالد بن أسلم أخي زيد بن أسلم؛ قال: «كنا مع ابن عمر رضي الله عنهما، فسأله أعرابي: أترث العمة؟ فقال: لا أدري، قال: أنت لا تدري؟! قال: نعم؛ اذهب إلى العلماء فاسألهم، فلما أدبر الرجل قبَّل ابن عمر يده، فقال: نِعِمَّا قال أبو عبد الرحمن، سُئل عمَّا لا يدري؟ فقال: لا أدري».
وقال أبو حصين عثمان بم عاصم: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر؛ لجمع لها أهل بدر».
وقال القاسم وابن سيرين: «لأن يموت الرجل جاهلاً خير له من أن يقول ما لا يعلم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
وقال مالك عن القاسم بن محمد: «إن من إكرام المرء لنفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه».
وقال عبد الرزاق: عن معمر؛ قال: «سأل رجل عمرو بن دينار عن مسألة؟ فلم يجبه، فقال الرجل: إن في نفسي منها شيئا؛ فأجبني، فقال: إن يكن في نفسك منها مثل أبي قبيس أحب إليًّ أن يكون في نفسي منها مثل الشعرة».
وقال ابن مهدي: «سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة؟ فطال ترداده إليه فيها، وألحَّ عليه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني لم أتكلَّم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه».
وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: «العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخُرْق (1)، وكان يقُال: التأني في الله، والعجلة من الشيطان».
قال ابن مفلح: وإن كان مَن يفتي يعلم من نفسه أنه ليس أهلا للفتوى؛ لفوات شرط، أو وجود مانع، ولا يعلم الناس ذلك منه؛ فإنه يحرم إفتاء الناس في هذه الحال بلا إشكال، فهو يسارع إلى ما يحرم، ولا سيَّما إن كان الحامل ذلك غرض الدنيا - وأما السلف؛ فكانوا يتركون ذلك خوفاً، ولعل غيره يكفيه، وقد يكون أدنى؛ لوجود من هو أولى منه.
قال ابن معين: «الذي يحدث بالبلدة وبها مَن هو أولى منه بالحديث فهو أحمق».
وقال مالك: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك».--------------------------------------------
(1) قال ابن الأثير في (النهاية) وابن منظور في (لسان العرب): (الخُرق بالضم: الجهل والحمق).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وقال ابن عيينة وسحنون: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما».
قال سحنون: «أشقى الناس من باع آخرته بدنيا غيره».
وقال سفيان: «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بدّاً من أن يفتوا».
وقال: «أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها».
وبكى ربيعة، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «استفتي مَن لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم».
وقال: «ولَبَعْضُ مَن يفتي ها هنا أحقُّ بالسجن من السرَّاق».
وذكر الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» عن عبد العزيز بن أبي سلمة - يعني: الماجشون -؛ قال: «قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلَّمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئا، فترى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه فنفتيه؟ قال: فقال: أقعدوني. ثم قال: ويحك يا عبد العزيز! لأن تموت جاهلاً خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا، لا «ثلاث مرات».
فليتأمل المتسرعون إلى الفتيا بغير علم ما ذكرته في هذا الفصل والفصل الذي قبله من أقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من أكابر العلماء في التشديد في الفتيا بغير علم، ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من الإثم على فتاويهم الخاطئة.
ولا يأنف العاقل أن يقول فيما لا يعلمه: لا أعلم هذا، أو يقول: لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
أدري؛ فقد تقدَّم عن أبي الدرداء والشعبي أن هذه الكلمة نصف العلم.
وللعاقل أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد تقدَّم أنه كان يُسأل عن الشيء؟ فلا يجيب حتى يأتيه الوحي، وتقدَّم أيضا أنه كان يُسأل؟ فيقول: «لا أدري حتى أسأل جبريل».
وللعاقل أيضا أسوة بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم؛ فقد تقدَّم عنهم أنهم كانوا يتورَّعون عن الفتيا بغير علم.
وكذلك له أسوة بمن تقدم ذكرهم من الصحابة والتابعين الذين قد ثبت عنهم أنهم كانوا يمتنعون من الفتيا بغير علم، ولا يأنفون من قول: لا أعلم هذا، أو: لا أدري، ولا يرون بذلك بأسا ولا غضاضة عليهم.
ولقد أحسن الراجز حيث يقول:
وكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّباع مَن سَلَفْ … وكُلُّ شَرّ في ابْتداعِ مَنْ خَلَفْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)