فصل
ومما اعترض به الشلبي على استفتاح جبريل لأبواب السموات قوله في صفحة 29 إنه تصوير مادي محض يؤخذ عليه ما يلي:
أولاً: ليست هناك أبواب صلدة تدق.
ثانياً: إذا فرض وكانت هناك أبواب فإن الحواجز لا تمنع الملائكة من الرؤيا أو النفاذ، فلا معنى لقول الملاك الواقف بالباب مَن الذي يدق الباب أو مَن الذي يستفتح فإنه يستطيع أن يراه.
ثالثاً: جبريل يروح ويغدو بالوحي منذ مطلع البشرية فهو بالتأكيد معروف لكل الملائكة، وهل يوقف أمام الباب كل مرة؟!
رابعاً: السؤال الثاني وهو: «من معك» يفهم منه أن الملاك يرى أن شخصا مع جبريل فلماذا لم ير جبريل، وقد أخطأ واضع الحديث وكان عليه أن يقول: هل معك أحد، ولو فعل ذلك لرددناه أيضاً لأنه سؤال لا معنى له، وهل يسئل جبريل هذا السؤال كل مرة في ذهابه وإيابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
والجواب أن يقال: هذه الاعتراضات الفاسدة مردودة بقول الله تعالى في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى} ومن كان مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم حق الإيمان فإنه لا يرد شيئاً من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم برأيه ولا برأي غيره ولا يقابلها بالاعتراضات والافتراضات والأسئلة التي تدور على الشك والتشكيك فيما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما يقابلها بالقبول والتسليم واعتقاد أن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأخباره كلها حق لا مرية فيه، وفي الأحاديث الصحيحة من أحاديث الإسراء والمعراج أبلغ رد على اعتراضات الشلبي وتشكيكاته في استفتاح جبريل لأبواب السموات.
وقد زعم في الرابع من اعتراضاته أن الحديث موضوع.
والجواب أن يقال له ما قاله الله لأمثاله من أهل المكابرة والعناد: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً} وقد ثبت استفتاح جبريل لأبواب السموات في عدة أحاديث صحيحة. منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه وهو في الصحيحين، ومنها حديث أنس عن أبي ذر رضي الله عنه وهو في الصحيحين،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ومنها حديث شريك بن عبدالله عن أنس رضي الله عنه وهو في الصحيحين، ومنها حديث ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه وهو في صحيح مسلم. وقد جاء ذلك أيضاً في عدة أحاديث في غير الصحيحين. وما كان بهذه المثابة فإنه لا يقدح فيه ويجعل الأحاديث الواردة فيه من قبيل الموضوعات إلا من هو مصاب في دينه وعقله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
فصل
وفي صفحة 30 زعم الشلبي أن الرواد الأمريكيين قد استطاعوا أن يصلوا إلى القمر ويهبطوا عليه، وقال: وإننا نتساءل هل وقفوا يستفتحون أبواب السماء، ومن الذي فتحها لهم.
والجواب أن يقال: إن البشر أضعف وأعجز من أن يصلوا إلى السماء الدنيا التي قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهم عن اختراق السماء أعجز وأعجز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن كثفها مسيرة خمسمائة سنة، فأما فتح أبواب السماء لأعداء الله فهو من المحال كما سيأتي بيان ذلك بالنص الصريح في الآية الكريمة من سورة الأعراف.
وليست السماء فضاء كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين والذين ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهله. وإنما هي بناء شديد كما أخبر الله عنها بذلك في قوله: {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} وقال تعالى: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها} وقال تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} وقال تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
{الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء} وقال تعالى: {الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء} والآيات في هذا المعنى كثيرة، وأخبر تعالى أن للسماء أبواباً فقال جل ذكره: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} وقال تعالى: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} وقال تعالى: {وفتحت السماء فكانت أبواباً} وقد تقدم قريباً حكاية الإجماع على أن كرة الأرض في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة، وروى الإمام أحمد من حديث العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة» ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وإنما أنكر أهل الهيئة الجديدة ومقلدوهم وجود السماء الشديدة البناء لأنهم لم يروها بالتلسكوبات المكبرة للأحجام والمقربة للبعيد، وذلك لبعدها الشاسع عن الأرض فظنوا لجهلهم وقلة عقولهم أنه ليس فوق الأرض سوى الفضاء، وكذبوا بما لم يحيطوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
بعلمه، وفيما ذكرته من الآيات والإجماع أبلغ رد عليهم، والآيات والأحاديث في الرد عليهم كثيرة جداً، وليس هذا موضع ذكرها وقد ذكرت طرفا منها في كتابي المسمى: بـ «الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة» فلتراجع هناك، وقد قرر أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج أن بين النجوم السيارات والنجوم الثوابت بعداً مهولاً وخلاء مجهولاً، وهذا البعد المهول هو الذي حال بينهم وبين رؤية السماء الدنيا التي قد جعل الله الكواكب زينة لها وإذا كانت قدرة البشر عاجزة عن رؤية السماء الدنيا بسبب البعد المهول فهي عن الوصول إليها بالمركبة الفضائية أعجز وأعجز.
وإذا علم هذا فمن زعم أن الرواد الأمريكيين قد وصلوا إلى السماء الدنيا فهو ذاهب العقل وإن ظن في نفسه أن له عقلاً أو ظن الناس أن له عقلاً فلا شك أنه ظن خاطئ، وأسوأ منه في ذهاب العقل من زعم أن الرواد الأمريكيين قد ارتفعوا إلى السماء الدنيا ثم دخلوها بمركبتهم فهذا لا يقوله إلا مبرسم يهذو هذيان المجانين، وقد أخبر الله تعالى أن أبواب السماء لا تفتح للكافرين الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها كما تقدم النص على ذلك في الآية من سورة الأعراف، ومعنى قوله: {لا تفتح لهم أبواب السماء} أي لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا كما أخبر بذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، وإذا كانت أبواب السماء لا تفتح لأرواح الكفار إذا ماتوا فبطريق الأولى أن لا تفتح لأجسامهم ومراكبهم في حال حياتهم، ومن المحال أن يرتفعوا عن الأرض مسيرة خمسمائة سنة فضلاً عن أن يرتفعوا عن الأرض مسيرة ألف سنة وأن يخترقوا السماء التي هي بناء شديد كثافته مسيرة خمسمائة سنة، ومن شك فيما أخبر الله به عن شدة بناء السماء وما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعدها عن الأرض وعن غلظ سمكها وكثافته وصدق مع ذلك مزاعم أعداء الله وقابل كذبهم وتدجيلهم بالقبول والتسليم فهو ممن يشك في إسلامه، وقد توصل أعداء الله تعالى إلى تضليل المسلمين بالمزاعم الكاذبة والتدجيل والتمويه واستحوذوا بذلك على الفئام الكثيرة والجم الغفير من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فأما القمر فإن قيل: إنه في السماء الدنيا كما ذكر ذلك بعض المفسرين فوصول الرواد الأمريكيين إليه محال كما تقدم التنبيه على ذلك، وتكون دعواهم الوصول إليه كذبا وتدجيلا وتمويها على الناس، وإن قيل إنه في فلك دون السماء كما يقول ذلك المنجمون - فقد ذكر ابن منظور في لسان العرب عنهم أنهم قالوا في الفلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
إنه سبعة أطواق دون السماء قد ركبت فيها النجوم السبعة في كل طوق منها نجم وبعضها أرفع من بعض يدور فيها بإذن الله تعالى - ففي الوصول إليه على هذا القول احتمال بعيد، ومما يدل على تعذر الوصول إلى القمر أن الله تعالى أخبر في عدة آيات من القرآن أنه سخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، وقال تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} قال الراغب الأصفهاني السبح المرّ السريع في الماء وفي الهواء يقال سبح سبحاً وسباحة واستعير لمرّ النجوم في الفلك نحو: {وكل في فلك يسبحون} ولجري الفرس نحو {فالسابحات سبحاً} ولسرعة الذهاب في العمل نحو: {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} انتهى، وقال تعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} قال الراغب الأصفهاني الدأب إدامة السير، وقال ابن منظور في لسان العرب الدءوب المبالغة في السير، وقال ابن كثير في قوله: {دائبين} أي يسيران لا يفتران ليلاً ولا نهاراً، وقال في موضع آخر أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة، وقال القرطبي يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران.
قلت: إذا كان القمر يسير دائباً ولا يفتر ويمر في الفلك مراً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
سريعاً فإنه يتعذر الوصول إليه والهبوط عليه لأن المركبة الفضائية عاجزة عن اللحوق به لسرعة سيره.
وأيضاً فإن الرواد الأمريكيين قد أتوا بأحجار سود زعموا أنها من أرض القمر وزعموا أن في أرضه تراباً وأحجاراً تشبه ما على الأرض من التراب والأحجار، وهذا يدل على كذبهم وتدجيلهم في زعمهم أنهم قد وصلوا إلى القمر وهبطوا عليه لأن الله تعالى قد أخبر أنه جعل القمر نوراً، والنور لا يكون في التراب والأحجار التي تشبه ما على الأرض لأنها لا تضيء بنفسها ولا تقبل الضوء من الأشياء المضيئة وتعكسه على ما يقابلها، وإنما يكون النور في الأشياء المضيئة بنفسها أو الأشياء التي تقبل الضوء من الأشياء المضيئة وتعكسه على ما يقابلها.
وأيضاً فإن الرواد لو كانوا صادقين في زعمهم الوصول إلى القمر لكانوا يكثرون الرحلة إليه للاستكثار من المعلومات عنه ولكان رؤساؤهم وأغنياؤهم يحاولون الوصول إليه والاطلاع عليه لأن النفوس مجبولة على حب الاطلاع على الأشياء التي لم ترها ولم تكن تعرفها، وفي توقف الرواد عن الرحلة إلى القمر وتركهم لها بالكلية دليل على أنهم لم يصلوا إليه ولم يهبطوا عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وقد قابل الشلبي أكاذيب الرواد وتدجيلهم بالقبول والتصديق، وأما أخبار النبي صلى الله عليه وسلم عما وقع له في ليلة الإسراء فقد قابله بالإنكار والتكذيب والمعارضة بالآراء الفاسدة والتشكيك والقدح في الأحاديث المروية في الصحيحين وغيرهما، وهذا يدل على أنه مصاب في دينه وعقله، وقد تقدم ذكر ما أنكره من النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم والجواب عن أقواله السيئة في معارضتها فليراجع ما تقدم. وقد قال الله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون} وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال الشلبي غاية المطابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
فصل
وقال الشلبي في صفحة 30 وصفحة 31: تتجه الرواية إلى تصوير الله عز وجل كأنه في مكان يسعى له محمد وجبريل، وهذا التصوير يخالف المبادئ الإسلامية التي تقرر أن الله في كل مكان، أو أنه منزه عن المكان، والآيات القرآنية التالية توضح ذلك تمام الوضوح قال تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض} ، {إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} ، {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} وعلى هذا فإن هذا التصوير مردود تماماً بنص القرآن الكريم وبحكم الفكر الإسلامي.
والجواب أن يقال: إن الرواية في صعود النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل إلى المستوى الذي قرب فيه من ربه عز وجل وسمع فيه صريف الأقلام وكلمه الله وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم خففها الله وجعلها خمساً بعد المراجعة من النبي صلى الله عليه وسلم في طلب التخفيف والتردد بين ربه وبين موسى عليه الصلاة والسلام. رواية ثابتة في الصحيحين وفيها دليل وتأييد لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى فوق جميع المخلوقات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه، وفيها أيضاً أبلغ رد على الجهمية الذين ينكرون علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه، وعلى الحلولية الذين يقولون إن الله في كل مكان.
وأما قول الشلبي: إن هذا التصوير يخالف المبادئ الإسلامية التي تقرر أن الله في كل مكان.
فجوابه أن يقال: ليس هذا القول الباطل من المبادئ الإسلامية وإنما هو من أقوال الحلولية من الجهمية. وهو من شر الأقوال التي تخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى على خلقه ومباينته لهم، ومن زعم أن الله تعالى في كل مكان فقد زعم أنه يكون في الحشوش والأماكن القذرة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقد أبان الشلبي في هذا الموضع عن معتقده الباطل وأنه من الحلولية من الجهمية الذين صرح كثير من أكابر العلماء بتكفيرهم وأخرجهم بعض العلماء من الثنتين وسبعين فرقة من فرق هذه الأمة، والكلام في تكفيرهم مذكور في كتاب السنة لعبدالله بن الإمام أحمد وغيره من كتب السنة، وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
ولقد تقلد كفرهم خمسون في … عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنـ … ـهم بل حكاه قبله الطبراني
فذكر أن خمسمائة من العلماء تقلدوا القول بتكفير الجهمية، والأدلة على تكفيرهم مذكورة في كتب السنة وليس هذا موضع ذكرها.
وأما قوله: أو أنه منزه عن المكان.
فجوابه أن يقال: هذه الجملة صريحة في نفي استواء الرب تبارك وتعالى على العرش وعلوه على جميع المخلوقات، وليس في هذا القول الباطل تنزيه للرب تبارك وتعالى وإنما فيه التعطيل ونفي صفات الكمال عن الله تعالى.
وأما استدلال الشلبي بالآيات الثلاث على ما ذهب إليه من القول بالحلول فهو استدلال في غير محله، فأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض} فهي من أوضح الأدلة على علو الرب تبارك وتعالى فوق جميع المخلوقات ومباينته لجميع خلقه لأن كرسيه الذي وسع السموات والأرض هو موضع قدميه والله تعالى فوق العرش، والعرش فوق الماء، والماء فوق الكرسي وبينه وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام، قال ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
عباس رضي الله عنهما: «الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر أحد قدره» رواه عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وعثمان ابن سعيد الدارمي في الرد على بشر المريسي وإسناد كل منهما صحيح على شرط مسلم، ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفي رواية لعبدالله بن الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع قدميه وما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه» وروى ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» وروى ابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» ، وروى عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء مسيرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله تعالى فوق العرش وهو
يعلم ما أنتم عليه» ورواه البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» وابن عبدالبر في «التمهيد» بنحوه، وهذا الأثر له حكم المرفوع لأن فيه إخباراً عن أمور غيبية، والأمور الغيبية لا تقال من قبل الرأي وإنما تقال عن توقيف، وقد ذكر الله تعالى استواءه على العرش في سبعة مواضع من القرآن، والعرش فوق جميع المخلوقات، والله تعالى فوق العرش، وقال تعالى: {وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير} وقال تعالى: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة} وقال تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} وقال تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} والآيات والأحاديث الدالة على علو الرب تبارك وتعالى فوق جميع المخلوقات كثيرة جداً، وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على الشلبي الجهمي الذي حمل آية الكرسي على غير محملها واستدل بها على ما ذهب إليه من الحلول ونفي العلو وهو خلاف ما تدل عليه من علو الرب تبارك وتعالى ومباينته لجميع خلقه.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: {إني قريب أجيب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
دعوة الداع إذا دعان} فليس فيها ما يتعلق به الشلبي الجهمي حيث استدل بها على ما يوافق مذهب القائلين بأن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان، فالأول قول الحلولية من الجهمية. والثاني قول المعطلة منهم. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وإنما المعنى في الآية أن الله سبحانه قريب من قلب الداعي ويكون ذلك بتقريبه قلب الداعي إليه كما يقرب إليه قلب الساجد، فالساجد يدنو قلبه من ربه وإن كان بدنه على الأرض، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وهذا المعنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون إن الله فوق العرش، وقال البغوي في الكلام على قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} فيه إضمار كأنه قال: فقل لهم إني قريب منهم بالعلم لا يخفى عليَّ شيء، وقال القرطبي قوله تعالى: {فإني قريب} أي بالإجابة، وقيل بالعلم، وقيل قريب من أوليائي بالأفضال والإنعام، قلت: ولا منافاة بين هذا الأقوال فإنه سبحانه قريب بالعلم وبالإجابة وبالإفضال والإنعام على أوليائه، وقال ابن كثير هذا كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وقوله لموسى وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى} والمراد من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ولا يشغله عنه شيء بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب في الدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى انتهى.
وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} فالمراد أنه تعالى معهم بعلمه وهو على العرش فوق جميع المخلوقات، وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد من أكابر العلماء. قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل فيما رواه القاضي أبو الحسين في «طبقات الحنابلة» عن أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي الإصطخري قال: قال أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق - ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال - وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء، والله عز وجل على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى وما في قعر البحار ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات ومسقط كل ورقة وعدد كل كلمة وعدد الحصى والرمل والتراب ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نور ونار وظلمة وما هو أعلم به، فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله عز وجل: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وبقوله: {وهو معكم أينما كنتم} وبقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى قوله: {هو معهم أينما كانوا} ونحو هذا من متشابه
القرآن، فقل إنما يعني بذلك العلم لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبدالبر أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} هو على العرش وعلمه في كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
مكان. وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «القاعدة المراكشية» ثم قال: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف إذ لم ينقل عنهم غير ذلك إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وذكر شيخ الإسلام أيضاً في «شرح حديث النزول» قول الله تعالى في سورة الحديد: {وهو معكم أينما كنتم} وقوله تعالى في سورة المجادلة {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} الآية، ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابن عبدالبر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. ثم ذكر الشيخ ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وهو معكم أينما كنتم} قال: هو على العرش وعلمه معهم، وروى أيضاً عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم، وروى أيضاً عن الضحاك بن مزاحم في قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى قوله {أينما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
كانوا} قال هو على العرش وعلمه معهم.
وذكر أبو عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة والجماعة على أن لله عرشاً وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: {وهو معكم أينما كنتم} ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء، قال: وقال أهل السنة في قوله: {الرحمن على العرش استوى} الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز انتهى، وقال أبو عمر الطلمنكي أيضاً أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من خلقه انتهى.
وذكر الذهبي في كتاب «العلو» عن أبي طالب أحمد بن حميد قال: سألت أحمد بن حنبل عن رجل قال الله معنا وتلا: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} فقال: قد تجهم هذا، يأخذون بآخر الآية ويَدَعون أولها، هلا قرأت عليه: {ألم تر أن الله يعلم} فعلمه معهم، وروى ابن بطة في كتاب «الإبانة» عن المروذي قال: قلِت لأبي عبدالله إن رجلاً قال أقول كما قال الله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره فقال أبو عبدالله هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)