الرابعة والعشرون: في قوله: "يكفيك" دليل على أن المتيممَ في مثل هذه الحالة - أعني عدم الماء في السفر - لا يلزمه القضاء؛ لظاهر قوله عليه السلام: "يكفيك"، ودلالة الكفاية على عدم وجوب شيء آخر، وإن احتمل أنه يكفيه في حكم الأداء دون حكم القضاء، فهو تقييدٌ على خلاف ظاهر الإطلاق.
الخامسة والعشرون: فيه الجريان على سنة العادة التي أجراها الله تعالى على خلقه، وعدمُ التوقف لأجل انخِراقها، وأن ذلك غيرُ منعيِّ، ولا ناقصُ التوكُّلِ والتوحيد.
وهذا يحرِّكُ نظراً كثيراً في مسائلِ التوكلِ والانتصاب، وما ينافي التوكلَ في المباشرات للأسباب، وما لا ينافيه، وله موضع آخر، إلا أن الذي يحتاج إليه هاهنا هو أن مثلَ هذا السببِ غيرُ منافِ.
السادسة والعشرون: قد خلا الصحابيان بها في هذه المدة التي سألاها وأتيا بها، فهو دليل على جواز مثل هذا؛ إما مطلقاً، أو مقيداً إن قام دليلٌ على الامتناع في غير هذه الحالة.
السابعة والعشرون: نقل السفاقسي عن أبي عبد الملك أنه قال: أخُذَتْ كُرهاً؛ لأنها كانت حَرْباً، فَمَن النبى صلى الله عليه وسلم، وأطلَقها ببعيرها ومائها.
الثامنة والعشرون: فإذا حُمل على ذلك، توجه سؤال، وهو أن يقال: إن الاستيلاءَ بمجرده رِقُّ النساء والصبيان، وإذا كان الاستيلاء
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 544)
موجباً لذلك، فقد دخلت في الملك، ويسأل عن إطلاقها؛ إما من غير استئذأن من أخذها، وإما مطلقاً.
ويطلب الجواب عنه؛ فإما أن يقال: إن هذا الاستيلاء ليس الاستيلاء المتملك للنساء، أو يشترطُ في التملك قصدُه، أو غير ذلك مما ينظر فيه؛ للتصرف في مائها من غير إذن؛ إما لإباحته من حيث كونهُا حرباً على ما تقدم، أو من جهة أخرى أشرنا إليها، أو لعلم النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع وقوله: "ما رَزَأناك من مَائِكِ شيئاً"، أو لما نذكره في المسألة بعدها.
التاسعة والعشرون: عن بعضهم: أنه أُخِذَ منه جوازُ أخذِ أموال الناس عند الضرورة بثمن إن كان له ثمن.
فأما أخذها فلا بأس بما قيل فيه إن تبيَّن أن الماء مملوكاً للمرأة، وأنها معصومةُ المال، وانتفت تلك الاحتمالات التي قدمناها.
وأما قوله: بثمن إن كان له ثمن، فإن كان أخذه من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم لها ما أعطاها، فيرد عليه أن الذي أعطاها مُتقوَّم، والفقهاء يقولون: إن ضمانَ المتقوَّم بالفَقد، وضمان المِثلي بالمِثل.
فإن عدَّ الماءَ مِثلياً، أو متقوماً، فيرِدُ الإشكالُ على ما قاله بعد تقرير القاعد ة التي يقولها الفقهاء من ضمان المثلي بالمثل والمتقوم بالتقويم (1)، [و] ينعكس الحال إلى ضد ما قال؛ وهو أن المأخوذ من--------------------------------------------
(1) "ت": "بالتقديم".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 545)
المال للضرورة لا يجب العوض عنه (1)، إذ التعويض بما ليس بعوض ليس بتعويض، هذا بعد تقرير تصحيح أخذ الحكم من أخذه عليه السلام للماء كما ذكره.
الثلاثون: فيه عَلَم عظيم من أعلام النبوة، ومعجزة من المعجزات له صلى الله عليه وسلم بتكثير الماء القليل إلى حدٍّ لا تقتضيه العادةُ.
الحادية والثلاثون: فيه تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره من مصلحة الطهارة بالماء، من قوله: وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابةُ إناءً من ماء، فقال: "اذهب فأفرِغْهُ عليك".
وهذا أمر محقق؛ أعني: أنه يؤخذ منه أن هذه المصلحة مقدمة على تلك المصلحة، بسبب تقديم النبي صلى الله عليه وسلم الاستقاء للإنسان والحيوان على إعطاء الجنب لطهارته.
وأما أنه يؤخذ منه جواز التيمم مع وجود الماء لحاجة العطش، ففيه نظرٌ يحتاج إلى تأمل.
الثانية والثلاثون: فيه جواز التوكيد بالإيمان لما يحتاج إليه في ذلك، وإن لم تَدع إليه الضرورةُ أو السؤال.--------------------------------------------
(1) الى هنا نقله الحافظ في "الفتح" (1/ 454) عن المؤلف رحمه الله، وقد أغفل الحافظُ ذكرَ المؤلف فيما تَعقب به ما نقَل عن بعضهم. وهذا يؤيد ما كنت قد ذكرته من أن الحافظ رحمه الله يغفل - أحياناً - ذكر ابن دقيق وغيره في نقله، فيظن المطالع أن الكلام للحافظ، والأمر خلاف ذلك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 546)
الثالثة والثلاثون: قال السَّفاقسي: وقوله: وإنه ليخيَّل إلينا أنها أشد ملاءة: يريد أن فيها من الماء فيما يظهر لنا أكثر مما كان، وذلك أن الملاءةَ ما يأخذه [الإناء] إذا امتلأ.
الرابعة والثلاثون: إذا كان ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ليس على سبيل العِوَض على نقيض قاعدة الفقهاء، فهو من باب الإفضال والإنعام، أو من باب مقابلة حبسِها عن أهلها بالإحسان الذي يقوم مقامَ ما فاتها من مقصودها ببلوغ أهلها على حسب ما كانت عليه من السرعة.
الخامسة والثلاثون: يقتضي إطلاقَ لفظِ الطعام على غير الحنطة؛ لأنه لم يذكر إلا عجوة ودقيقة وسَوِيقة، وقد وجد في الأحاديث ما يقتضي تخصيصَ لفظ الطعام بالحنطة، حتى اعتمد ذلك بعضُهم في بعض الأحكام.
وقال بعضُهم: إذا قيل أكره السؤال في سوق الطعام، فإنه لا يفهم منه إلا سوق الحنطة، أو كما قال (1).
ويحتمل أن يكون قوله: حتى جمعوا لها طعاماً؛ أي: انتهى جمعهم إلى أن جمعوا لها طعاماً؛ أي: حنطة، تنقُّلاً من الأدنى إلى الأعلى، والله أعلم.
السادسة والثلاثون: يمكن أن يجعل أصلاً في جواز الأخذ من الجماعة للفقراء، ولمن يقتضي حالُه الأعطاءَ بناءً على ظاهر الحال من--------------------------------------------
(1) انظر: "معالم السنن" للخطابي (2/ 50).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 547)
رضا المطلوب منهم، لا سيما بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إذا علم من حال المطلوب منهم الضِّنة والشُّح، فإنما يؤخذ منهم حيث يتعين ذلك، ويجب عليهم إعطاؤه، وليس هذا في هذه الصورة.
السابعة والثلاثون: وفيه جواز المعاطاة في مثل هذا من الهيئات أو الاباحات من غير لفظ من المعطي والآخذ؛ لعدم ذكر شيء من ذلك في الحديث، مع أن الظاهرَ عدمُ وقوعِه، أخذًا مما يدل عليه اللفظ فقط.
الثامنة والثلاثون: قوله صلى الله عليه وسلم: "ما رزأناكِ منْ مَائِكِ شيئًا"، إن أخذ على ظاهره، كان جميع ما أخذ مما زاده الله تعالى، وأوجده من غَيبه، لم يختلط به شيء من مائها، وذلك أبدع وأغرب في المعجزة؛ لاختلاط الماءين.
ويحتمل أن يكون المراد: ما رزأناك من مقدار مائك شيئاً، أو ما يقرُب من هذا.
التاسعة والثلاثون: قوله: "ولكنَّ اللهَ هو الذي سقَانا" يحتمل أن يكون معناه: جعل لنا سُقْيا، وذلك يطابِقُ قولَه عليه السلام: "تعلمينَ أنَّا لم نرزأكِ من مَائِكِ شيئاً، ولكنَّ اللهَ هو الذي أسقانا"؛ أي: لم يكن ماؤك من جهتك سقيا لنا، ولا جَعلتِ لنا سقيا، ولكنَّ اللهَ هو الذي جعل لنا السقيا، ويحتمل أن يكون ذلك إلى نفس السقي.
الأربعون: اللفظ الذي ذكرته لأهلها ليس لفظ إيمان، بل هو في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 548)
نفسه كفر، وإنما حصل الإيمان بعد ذلك، فيكون تجنب الصحابة لصِرمها (1) ليس لأجل عصمتهم بالإيمان، ولعله لأجل الاستئلاف والترغيب فيه، وقد جزم به بعضُهم؛ أعني: أن قعودَهم عن قومها كان استئلافاً لهم.
الحادية والأربعون: المقتضى لأيراد هذا الحديث في باب الآنية، أنه استدلَّ بالوضوء من مَزَادة المشرك: على أن أواني المشركين محمولة على الأصل في الطهارة، وأنه يجوز استعمالها لها (2)، ولما مرَّ في حديث أبي ثعلبة ما يقتضي الحكمَ بنجاستها ظاهراً، وهو الأمر بغسلها قيل الأكلِ فيها، أتبعه بما يتمسك به من يقول بخلاف هذا المذهب.
الثانية والأربعون: " وأَطلقَ العَزَالِي، وسقى من سقى، واستسقى من شاء": يحتمل أن يكون الاستسقاء من فم العزالي عندما يخرج منها الماء، ويحتمل أن يكون ذلك بعد اجتماع الماء في شيء آخر بعد خروجه من العزالي، إلا أن هذا الاحتمال الثاني لا دليلَ عليه، لا من جهة الدلالة، ولا من جهة القرينة، والأصل عدمه، فهو مرجوح في الاعتبار، وستأتي فائدةُ كلِّ واحدٍ من الاحتمالين، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) أي: جماعتها.
(2) أي: استعمال آنية المشركين للطهارة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 549)
الثالثة والأربعون: وَيرِدُ على الاستدلال بالحديث على طهارة إناء المشرك، أن يقال: يحتمل أن يكون هذا الماءُ كثيراً، لا تؤثر فيه نجاسةُ الإناء، فلا يعارضُ الحديثَ المتقدمَ الدالَّ على نجاسة أواني المشركين، وهذا الاختلاف بحسب اختلاف المذاهب في حد الكثرة والقلة، فَمَنْ حَدَّ الكثرةَ بالقُلتين، والقليلَ بما دونهَا، فيبعد على مذهبه أن يكون الماء كثيرًا؛ لأنه إذا حَدَّ القلتين بخمس مئة رطل مثلاً، اقتضى أن يكون البعير قد حمل ألف رطل مع المرأة والمَزَادتين.
وقد قالوا في تقدير القلتين: إنه مأخوذ من استقلال البعير، وأن بعير العرب يكون ضعيفا لا يحتمل أكثر من مئةٍ وستينَ مناً (1).
وانما قلنا: إنه يقتضي على هذا المذهب أن يكون البعير قد حمل ألف رطل؛ لأن هذا الاستقاء كما قدمنا يحتمل أن يكون من فم العَزْلَاء، ويحتمل أن يكون بعد خروجه عنها واجتماعه في إناء واحد، وقد ذكرنا أن هذا الاحتمال مرجوح لا دليل عليه، فيحتمل على الأول، وهو أن يكون الشرب والاستقاء من الماء النازل من كل واحدة واحدة (2) من العزلاوين، فلا يكون كثيراً إلا إذا كان في كل مَزَادة خمسُ مئةِ رطل، ويلزم أن يكون البعير قد حَمَل ألفَ رطل مع--------------------------------------------
(1) المَنُّ: كيل معروف. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (مادة: م ن ن).
(2) أي: من كل واحدة على حدة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 550)
المرأة والمَزَادتين، وذلك بعيد.
وأما من لا يرى تحديدَ الكثير بالمقدار المعين، ويعتقد فيما دونه أنه يكون كثيراً، فيجوز على هذا المذهب أن يكون الماء كثيراً، ولا يتم الاحتجاجُ على طهارة إناء المشركين.
الرابعة والأربعون: وقد ظهر لك من الاحتمالين أنه يتوقف الاستدلال أيضاً أن يكون الاستقاء من العزلاوين، لا من ما يجتمع بعد خروجه عنها؛ لأنه لو كان كذلك أمكن أن يكون المجتمع كثيراً، فلا يكون الحديثُ حينئذ دالاً على الوضوء من ماء قليل في إناء مشرك.
الخامسة والأربعون: ويتوقف الاستدلالُ بالحديث على طهارة إناء المشرك أيضاً، على أن الماء القليل ينجُس بايصال النجاسة؛ لأنه إن لم يثبت ذلك، لم تلزم من جواز استعمال الماء من آنيتهم طهارةُ الأناء؛ لجواز أن يكون الماءُ طاهراً، والإناءُ نجساً على هذا التقدير.
السادسة والأربعون: هذا الذي ذكرناه فيما تقدم من توقف الدلالة على قلة الماء؛ أعني: ماء المَزَادة، وتأثر الماء القليل بوقوع النجاسة فيه، وأن المزادة لم تبلغ قلتين، وأن كان الاستقاء من فم العزلاء، يقتضي إثباتَ كل واحد من هذه الأمور، وترجيحه على ما يعارضه من وجوه:
أحدها: أن القليل ما نقص عن القلتين.
وثانيها: أن القليل يتأثر بإيصال النجاسة به.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 551)
وثالثها: أن المزادة كانت ناقصةً عن القلتين.
ورابعها: أن الاستقاء لم يكن بعد اجتماع قلتين.
فمتى ثبت كلُّ واحد من هذه الأمور، لزم طهارة إناء المشرك جزمًا؛ لأنه إذا ثبت أن القليل ما نقص عن القلتين، وثبت أن ذلك الماء ناقص عنهما بما ذكرناه من الاستبعاد، وثبت تنجُّسُ الماء القليل بايصال النجاسة به، وثبت أن الاستقاء قبل اجتماع قلتين، ثبت طهارة إناء المشرك جزماً؛ لأنه لو لم يكن طاهراً لثبت مجموع مركبٌ من نجاسة آنيتهم، وقلة الماء عن الحد المعتبر، وبتنجس القليل بإيصال النجاسة به، والوضوء به مع وصف القلة.
فلو ثبت نجاسة آنيتهم حينئذ لم يجُزِ الوضوءُ بماء المزادة قطعاً، لكن جاز بالحديث؛ أعني: حديث عمران بن الحصين هذا، فينتفي هذا المجموع، وانتفاؤه ليس بانتفاء أحد هذه الأمور الأُول، لأنا تتكلم علي تقدير ثبوتها، فانتفاؤه بانتفاء نجاسة آنيتهم، فتكون طاهرة.
فأما إثبات نقصان ماء المزادة عن القلتين، فقد ذكرنا ما فيه.
وأما إثبات أن القلتين هو القدرُ المعتبر في دفع النجاسة عن الماء، فبحديث القلتين.
وأما إثبات نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه، فبمفهوم حدايث القلتين، أو بغيره.
وأما إثبات الوضوء به قبل كثرته، فبما ذكرنا من مرجوحيّة ذلك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 552)
الاحتمال؛ أعني: الاجتماع.
وكل واحد من هذه الأمور يحتمل المنازعةَ بما يُعارِضُها، فيحتاج إلى ترجيح ما يدَّعيه المستدل من إثبات كل واحد منها (1) على ما يعارضه.
السابعة والأربعون: فأما تحديد الكثير بالقلتين، وتحديد القلتين بالقدر المذكور فيهما، إما خمس مئة رطل، أو غيره، فطريق الاعتراض فيه أن يقول الخصم: لو كان ما ذكرتموه من المقدار في القلتين معتبراً لما جاز الوضوءُ بماء المَزَادة، لكن جاز، فلا يكون ما ذكرتموه من المقدار معتبراً.
بيان الملازمة: أنه لو كان ما ذكرتموه من المقدار معتبراً، لكان ماء هذه المزادة ماء قليلاً ملابِساً للنجاسة، ولو كان ماء قليلاً ملابِساً للنجاسة لم يَجز الوضوء منه، فلو كان ما ذكرتموه معتبراً، لما جاز الوضوء من ماء المزادة.
وانما قلنا: إنه لو كان ما ذكرتموه من المقدار معتبراً، لكان ماء المزادة قليلاً لما قررتموه؛ ولأنه لا يتمُّ الاستدلالُ به على طهارة إناء المشرك، إلا إذا كان الماء قليلاً.
وأما أنه يكون ملابساً للنجاسة، فلأنه ملابس لآنية المشرك، وآنية المشرك نجسة لحديث أبي ثعلبة، فثبت أنه لو كان ما ذكرتموه--------------------------------------------
(1) "ت": "منهما".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 553)
من المقدار معتبراً، لكان ماء المزادة قليلاً ملابساً للنجاسة، لم يجز الوضوء به؛ إما إلزاماً للمُناظِر على مقتضى مذهبه، وإما بالدليل الدال على نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه.
وحاصل هذا الوجه: إثباتُ تأثُّرِ الماء القليل بالنجاسة، وإثباتُ نجاسة إناء المشرك، وأن ماء المزادة لم يبلغ قلتين، ويلزمه ما ذكر من عدم التحديد بالقلتين.
وتقع المعارضة هاهنا بين الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك، والدليل الدال على تأثر الماء القليل بالنجاسة، والدليل الدال على قلة ذلك الماء، وأن الوضوء به كان مع قلته، وبين الدليل الدال على اعتبار القلتين.
الثامنة والأربعون: وأما من يرى أن الماء القليل لا ينجس باتصاله بالنجاسة، فالطريق فيه أن يقول: الوضوء جائزٌ بالماء القليل الموضوعِ في أوانيهم، والماءُ القليلُ الموضوعُ في أوانيهم متصلٌ بالنجاسة، والوضوء جائزٌ بالماءِ القليلِ المتصل بالنجاسة.
أما المقدمة، وهي: أن الوضوء جائز بالماء القليل الموضوع في أوانيهم، فإنه جاز بماء المزادة لحديث عمران، وماءُ المَزَادة ماءٌ قليل لِمَا تقدَّم، وهو موضوع في آنيتهم، فالوضوء جائز بالماء القليل الموضوع في آنيتهم.
وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الماء القليل الموضوع في آنيتهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 554)
متصل بالنجاسة، فلأنَّ أوانيهم نجسةٌ بحديث أبي ثعلبة، والماء متصل بها، فالماء القليل الموضوع في أوانيهم متصل بالنجاسة.
وحاصل هذا: ترجيح الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك مع إثبات قلة الماء، على الدليل الدال على تنجيس الماء القليل بإيصال النجاسة به.
واعلم أن هذا لا يتم الاستدلالُ به للمالكي الذي لا يرى تنجيسَ الماء القليل باتصاله بالنجاسة، وإن أمكن تقريرُه، فبطريق الإلزام لبعض المخالفين له.
أمَّا أنه لا يتأتَّى له الاستدلال بالحديث على ذلك، فلأنَّ الاستدلالَ به موقوفٌ على إثبات قلة ماء المزادة، ولا فرق بين القلة والكثرة بالنسبة إلى الحكم والنجاسة على مذهبه، إذ لا نجاسة لقليل الماء ولا لكثيره، فلا فائدة لتحديد القليل حينئذ.
اللهم إلا أن يثبُتَ له أن ماء المزادة انتهى إلى حد القلة، لا يُختلف في كونه قليلاً، ويحصل الاتفاق عليه، فيتم ذلك.
لكن هذا غير ممكن، فإن للمزادة حظًّا من الكثرة عند بعض الناس، وهم الذين يمثلون القليل بملء الإناء الصغير، فالمزادة تَسعُ ما هو أكثر من ذلك، فإذا رأوا أن ذلك المقدار ينجس، وأراد الاستدلال عليهم بحديث المزادة، أجابوه بأنه كثيرٌ عندنا.
وأما بطريق الإلزام فَبِأَنْ يلزمَ ذلك من يَحُدّ القليلَ بما دون
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 555)
القلتين، أو من يرى ما هو أكثر من ذلك قليلاً؛ كمن حدَّ ذلك بما يتحرك أحدُ طرفيه عند تحريك الطرف الآخر، وهذا - وإن وقع (1) وتم - فإلزامٌ لا طريقٌ لإثبات المذهب في نفس الأمر عند التحقيق، والله أعلم.
التاسعة والأربعون: القول بأن القليل محدودٌ بما دون القلتين، وأن آنية المشركين نجسة، وأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، يعسُر بعده الجواب عن حديث عمران بن الحصين هذا، ولا يتجه فيه إلا المنع لكون هذا الماء كان دون القلتين.
وارتكاب المعاندة فيما ذكرناه من الاستبعاد، أو يُدَّعى أن حديث أبي ثعلبة فى تنجيس آنية المشركين متأخر عن هذا الحديث، ويقول بامتناع الوضوء من مثل هذه الآنية أن يأتيَ له دليل على التأخر.
الخمسون: وأما من يرى أن الماء القليل ينجس بالنجاسة من غير تغيُّر، ولا يحد القليل بما دون القلتين، ويمثله بالإناء الصغير، فلا يتأتى أن يحتج عليه من هذا الحديث على أن الماء القليل لا ينجس بالنجاسة؛ لأنه يجوز أن يكون ماء المزادة كثيراً لا يتأثر بالنجاسة على مقتضى مذهبه؛ لأن الاستبعاد الذي ذكرناه في بلوغ ماء المزادة قلتين ينتفي على مقتضى مذهبه.
الحادية والخمسون: القائلون بالقلتين اختلفوا في مقدارهما، فيمكن الاستدلالُ به - بعد القول بالرجوع إلى القلتين - على إبطال--------------------------------------------
(1) "ت": "يقع".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 556)
بعض تلك المذاهب في التقدير بماء كثير يُجزمُ ببطلانه؛ كمن يقدرُهما بألف رطل، فيكون مجموعُ ما حملة البعير ألفي رطل مع المرأة، وذلك زائدٌ في البُعْد، وهذا كلُّه بعد القول بنجاسة إناء المشرك، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 557)
الحديث السادس
وَعَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ، أَوْ (1) أَمْسَيْتُمْ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسمَ اللَّهِ، [فَإنَّ الشَّياطِيْنَ لَا تَفْتَحُ بَاباً مُغْلَقاً، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ] (2)، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا (3) شَيْئاً، وَأَطْفِئُوا--------------------------------------------
(1) في المطبوع من "الإلمام" (1/ 56)، وكذا ما رأيته بخط ابن عبد الهادي لكتاب "الإلمام" (ق 4 / أ): "إذا" بدل "أو". وقد أشار ابن عبد الهادي في هامش نسخته: ب "أو" وكتب فوقها (خ) إشارة إلى أنها في نسخة كذا. وكذا أثبت المؤلف رحمه الله "أو" في "الإمام" (1/ 329)، وهكذا هو في المطبوع من "صحيح البخاري"، حيث اللفظ له.
(2) ما بين معكوفتين سقط من "ت"، والمثبت من المراجع المشار إليها في التخريج، ومما سيورده المؤلف بعد.
(3) "ت": "عليه"، والمثبت من المطبوع من "الإمام" للمؤلف (1/ 329)، و"الإلمام" (1/ 56)، والنسخة الخطية لابن عبد الهادي "للإلمام" (ق 4 / ب)، وكذا مراجع التخريج.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 559)
مَصَابِيحَكُمْ"، متفق عليه (1).--------------------------------------------
(1) كذا في "ت" قوله: "متفق عليه". وفي المطبوع من "الإلمام" (1/ 56)، والنسخة الخطية لابن عبد الهادي (ق 4 / ب). رواه البخاري. قلت: ولعله مراد المؤلف؛ لما سيأتي عنده في الوجه الثالث، وقد ذكر في "الإمام" (1/ 329) هذا الحديث فقال: روى البخاري … ، فذكره.
* تخريج الحديث:
رواه البخاري (5300)، كتاب: الأشربة، باب: تغطية الإناء، والسياق له، و (3106)، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، و (3128)، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومسلم (2012/ 97)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء، وأبو داود (3731)، كتاب: الأشربة، باب: في إيكاء الآنية، من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، به.
ورواه البخاري (3138)، كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، و (5937)، كتاب: الاستئذان، باب: لا تترك النار في البيت عند النوم، وأبو داود (3733)، كتاب: الأشربة، باب: في إيكاء الآنية، والترمذي (2857)، كتاب: الأدب، باب: (74)، من حديث كثير بن شنظير، عن عطاء، عن جابر، به.
ورواه البخاري (3128)، كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومسلم (2012)، (3/ 1595)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء، من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر، به.
ورواه البخاري (5301)، كتاب: الأشربة، باب: تغطية الإناء، و (5938)، كتاب: الاستئذان، باب: غلق الأبواب بالليل، من حديث همام، عن عطاء، عن جابر، به. =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 560)
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف بمن ذكر فيه:
فنقول: في الصحابة ممن يسمى جابر بن عبد الله ثلاثة:
أحدهم: جابر بن عبد الله بن رِئاب - بكسر الراء المهملة، وبعدها همزة، وبعد الألف باء موحدة - ابن سنان بن عبيد السَّلمَي، بفتح السين واللام، بدري المشهد مع غيره من المشاهد.
قال الحافظ أبو عمر: وهو أول من أسلمَ من الأنصار قبلَ العَقَبةِ الأولى بعام، وله حديث عن الكلبي، عن أبي صالح، عنه في قول الله عز وجل: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] (1)،--------------------------------------------
= ورواه مسلم (2012/ 96)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء، وابن ماجه (3410)، كتاب: الأشربة، باب: تخمير الإناء، من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
ورواه مسلم (2012)، (3/ 1594)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء، وأبو داود (3732)، كتاب: الأشربة، باب: في إيكاء الآنية، والترمذي (1812)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في تخمير الإناء وإطفاء السراج والنار عند المنام، من حديث مالك، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
ورواه مسلم (2012)، (3/ 1594)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء، من حديث زهير وسفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
(1) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/ 574)، وابن جرير في "تفسيره" (13/ 168)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (6/ 119)، عن =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 561)
لا أعلم له غيره (1).
وثانيهم: جابر بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله الرَّاسبي من بني راسب، قال أبو عمر: روى عنه أبو شداد (2).
وثالثهم: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام - بفتح الحاء والراء المهملتين - الأنصاري السَّلَمي، بفتح السين واللام معاً.
قال أبو عمر: يُنسب جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سَلِمة، ويقال (3): جابر بن عبد الله بن حرام بن ثعلبة ابن حرام بن كعب بن غنم (4) بن كعب بن سلمة.
وأمه نُسيبة بنت عقبة بن علي بن سنان بن نابي بن يزيد (5) بن--------------------------------------------
= الكلبي في تفسير هذه الآية: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] قال: يمحو الله من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه. قال: قلت له: من حدثك؟ قال: حدثني أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإسناده ضعيف.
(1) انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (1/ 219). قال الحافظ في "الإصابة في تمييز الصحابة" (1/ 433)، قلت: بل جاء عن جابر بن عبد الله بن رئاب أحاديث من طرق ضعيفة. ثم ذكر الحافظ حديثين له.
(2) انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (1/ 221).
(3) "ت": "قال: وقال".
(4) "ت": "عثمان".
(5) في المطبوع من "الاستيعاب": "زيد".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 562)
حرام بن كعب بن غنم.
اختُلف في كُنيته، فقيل: أبو عبد الرحمن، وأصحُّ ما قيل فيه: أبو عبد الله.
شهد العقبةَ الثانية مع أبيه وهو صغير، ولم يشهد الأولى.
ذكره بعضُهم في البدريين، ولا يصح؛ لأنه روي عنه أنه قال: لم أشهد بدراً، ولا أحداً منعني [أبي] (1).
وذكر البخاري أنه شهد بدراً، وكان ينقل لأصحابه الماءَ يومئذٍ، ثم شهد بعدَها مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثماني (2) عشرة غزوةً، ذكر ذلك الحاكمُ أبو أحمد.
وقال ابن الكلبي: شهد أحداً، وشهد صِفِّينَ مع علي رضي الله عنه.
وروى أبو الزبير، عن جابر قال: غزا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بنفسه إحدى وعشرين غزوة، شهدت معه منها تسع عشرة غزوة (3).
وكان من المكثرين الحفاظ للسنن، وكُفَّ بصرُه في آخر عمره،--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1813)، كتاب: الجهاد والسير، باب: عدد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) "ت": "ثمانية عشر".
(3) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (2/ 207)، والحاكم في "المستدرك" (6404).
ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (2/ 207)، من طريق أبي سفيان، عن جابر، به. قال الحافظ في "الإصابة" (1/ 434): إسناده صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 563)
وتوفي سنة أربع وسبعين (1)، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين بالمدينة، وصلى عليه أبانُ بن عثمان، وهو أميرها، وقيل: توفي وهو ابن أربع وتسعين (2).
قلت: وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام من الصحابة أيضاً ممن شهد أحداً، ولذلك قلنا: رضي الله عنهما؛ يعني: جابراً وأباه.
وكذلك الجادةُ فيمن يكون هو وأبوه صحابيين، وفيه من الفائدة الدلالة على صحابيَّة أبي الراوي، فقد يكون خفياً عن الجمهور ممن لا أنس له بالرجال.
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم في--------------------------------------------
(1) وهو الأرجح.
(2) * مصادر الترجمة:
"الطبقات الكبرى" لابن سعد (1/ 648)، "التاريخ الكبير" للبخاري (2/ 257)، "الثقات" لابن حبان (3/ 51)، "الاستيعاب" لابن عبد البر (1/ 219)، "تاريخ دمشق" لابن عساكر (11/ 208)، "أسد الغابة" لابن الأثير (1/ 492)، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 149)، "تهذيب الكمال" للمزي (4/ 443)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (3/ 189)، "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (1/ 434).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 564)