ثم قال: والاسم: البُغية، [والبِغية].
وقال ثعلب: بغى الخير يبغيه [بُغيةً وبِغيةً]، فجعلهما مصدرين.
والبُغية: الحاجة (1).
الخامسة: المَزَادة: بفتح الميم، قال الجوهري: والمزادة: الراوية، قال أبو عُبيد: ولا تكون إلا من جلدين تُفْأَم بجلد ثالث بينهما لتتسع، وكذلك السطيحة والشعيب، والجمع المزاد والمزائد (2).
قلت: الشعيب: أوله شين معجمة، وبعد العين المهملة ياء، وآخره باء موحدة.
السادسة: النفَر: بفتح النون والفاء، قال الجوهري فيه: عدةُ رجالٍ من ثلاثة إلى عشرة (3).
وقال ابن سِيْدَه في "المحكم": والنفر ما دون العشرة من الرجال، والجمع أنفار.
قال سيبويه: والنسب إليه: نَفَرِيٌّ.
وقيل: النفر: الناس كلهم؛ عن كُراع.
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 6]؛ قال الزجاج:--------------------------------------------
(1) انظر: "المحكم" لابن سيده (6/ 27).
(2) انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 482)، (مادة: زيد).
(3) انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 833)، (مادة: نفر).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 524)
النفير جمع نفر؛ كالعبيد والكليب.
وقيل معناه: وجعلناكم أكثر منهم نُصَّاراً (1).
السابعة: قول المرأة: "ونفرُنا خُلُوف": بضم الخاء المعجمة واللام المخففة معاً.
قال الجوهري: وحيّ خُلوفٌ، أي غُيَّبُ. قال أبو زُبيد [من الخفيف]:
أصبحَ البيتُ بيتُ آلِ إياس … مُقْشَعِرًّا والحيُّ حيُّ خُلُوفُ (2)
أي: لم يبق منهم أحد.
قال: والخلوفُ أيضاً: الحضورُ المُتَخَلّفونَ (3)، وهو من الأضداد (4).
وكذا قال ابن سيده: والخلوف: "الحضر والغيب، ضدٌّ (5).
قلت: الذي في البيت آل إياس، قال بعضهم: وقع في الأصل:--------------------------------------------
(1) انظر: "المحكم" لابن سيده (10/ 261).
(2) انظر: "شعر أبي زبيد الطائي" (ص: 118)، جمع: نوري القيسي.
(3) "ت": "الحضور والمتخلفون".
(4) انظر: "الصحاح" للجوهري (4/ 1356 - 1357)، (مادة: خلف).
(5) انظر: "المحكم" لابن سيده (5/ 199) وعنده: "والخلوف: الحضور والغيَّب، ضد".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 525)
بيان (1)، والصواب ما في النسخة؛ لأن أبا زبيد رثى بهذه القصيدة فروة ابن أبي إياس بن قبيصة، انتهى (2).
وقال ابن فارس: الخالف: المستقي، والخَلْف: الاستقاء (3).
قلت: الخَلْف: بفتح الخاء وسكون اللام، وعن الخطابي: الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا النساء والأثقال (4). يقال: خلف الرجل واستخلف: إذا استقى، وحكى: الخلوف الذين غابوا وخلفوا أثقالهم، وخرجوا في رعي أو سقي.
الثامنة: قال الجوهري: صبَأْتُ على القوم أَصْبَأ صَبْأً وصُبُوءاً، إذا طلَعْتُ عليهم. وصبأ نابُ البعير صُبوءاً: طَلَعَ حَدُّهُ. وصبَأَتْ ثَنِيَّةُ الغلام: طَلَعَتْ. وأصْبَأَ النجمُ؛ أي: طَلَعَت الثريَّا. قال الشاعر يصف قحطا [من البسيط]:
وأَصْبَأ النجمُ في غبراءَ مُظْلِمَةٍ … كأنه بائسٌ مُجْتَابُ أخلاقِ (5)--------------------------------------------
(1) "ت": "يأبى"، والصواب ما أثبت.
(2) قاله ابن بري، كما نقله ابن منظور في "لسان العرب" (9/ 82)، (مادة: خلف).
(3) انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس (1/ 300).
(4) نقله العيني في "عمدة القاري" (4/ 30) وعنده: "خرجوا للأسفار".
(5) ذكره ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (ص: 157) دون نسبة. ونسبه الزبيدي في "تاج العروس" (مادة: ضبأ) إلى أثيلة العبدي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 526)
وصَبَأ الرجل صُبوءًا، إذا خرج من دينٍ إلى دين.
قال أبو عبيد (1): صبأ من دينهِ إلى دينٍ آخرَ كما تَصْبَأُ النجوم؛ أي: تخرج من مطالعها (2).
قلت: صبَأتُ على القوم أَصْبَأ صَبْأً: مثل ضَرْباً، وصُبوءاً: مثل: جُمُوح، وسمَّت العربُ المسلمَ الصابئَ؛ للخروج من دينه إلى الإسلام.
التاسعة: رَزَأناك: بفتح الزاي وكسرها يُرْوَيان؛ أي: ما أنقصناك.
يقال: ما رَزَأْتُه ماله، وما رَزِئتُه - بالكسر -؛ أي: ما نقَصتُه.
وارْتَزأ الشيء: انتقص.
قال الشاعر ابن مقبل [من المتقارب]:
كريمُ النجارِ حَمَى ظَهْرَه … ولم يُرتزأ برُكوبٍ زِبالا (3)
زِبَالا - بكسر الزاي، وبعدها ثاني الحروف - قيل: ما تحمله النملة (4).--------------------------------------------
(1) في المطبوع من "الصحاح": "أبو عبيدة".
(2) انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 59)، (مادة: صبأ).
(3) انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 53)، (مادة: رزأ). وانظر: "الحيوان" للجاحظ (4/ 13).
(4) "ت": "البعوضة"، والمثبت من "الصحاح" للجوهري (4/ 1715)، وكذا "الحيوان" للجاحظ (4/ 13).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 527)
العاشرة: العَزَالِي: جمع عزلاء، وهي عروة المزادة يخرج منها الماء بسعة.
وقال الجوهري: والعزلاء: فم المزادة الأسفل، والجمع العزالي بكسر اللام، وإن شئت فتحت؛ مثل الصحارَى والصحاري، والعذارَى والعذارِي.
قال الكُميت [من المتقارب]:
مَرَتْهُ الجَنُوبُ فَلَمَّا اكْفَهـ … ـرَّ حَلَّتْ عَزَالِيَهُ الشمْاَلُ (1)
وعن الداوودي قال: العزالي: الجوانب الخارجة [لرجلي الزق] (2) يرسل منها الماء (3)، والله أعلم.
الحادية عشرة: قال الجوهري: وايمُنُ الله، وضع للقسم، هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألفُ وصلِ عند أكثر النحويين، ولم يجئ من الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء، تقول: لَيْمُنُ (4) الله، فتذهب الألف في الوصل، قال--------------------------------------------
(1) انظر: "ديوانه" (2/ 340). وانظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1763)، (مادة: عزل).
(2) "ت": "الفرق"، والمثبت من "عمدة القاري" للعيني حيث نقل كلام الداوودي هذا.
(3) وانظر: "عمدة القاري" للعيني (4/ 30).
(4) "ت": "أيمن".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 528)
الشاعر (1) [من الطويل]:
فقالَ فريقُ القومِ لمَّا نشدْتُهم (2) … نعم، وفريقٌ لَيْمُنُ اللهِ ما ندري
وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: ليمُن (3) الله قسمي، وليمُن (4) الله ما أقسم به، وإذا خاطبت قلت: ليمُنك (5)، وفي حديث عروة بن الزبير أنه قال: لَيْمُنُك (6) لئن كنتَ أبليت لقد عافيت، أو لئن كنت ابتليت لقد أبقيت (7).
و [ربما] حذفوا منه النون، قالوا: وايْمُ الله، وايمُ الله - بكسر الهمزة -، وربما حذفوا منه الياء، قالوا: اِمُ الله، وربما أبقَوا الميم وحدها مضمومة، قالوا: مُ الله، ثم كسروها؛ لأنها [صارت حرفاً] (8)--------------------------------------------
(1) هو نُصيب بن رباح، كما في "اللسان" لابن منظور (13/ 458)، (مادة: ي م ن).
(2) "ت": "أنشدانه".
(3) "ت": "أيمن".
(4) "ت": "أيمن".
(5) "ت": "أيمن".
(6) "ت": "أيمن".
(7) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: 371)، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (ص: 113)، ومن طريقه: البيهقي في "شعب الإيمان" (11144)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (40/ 261).
(8) "ت": "لأنها صار معها واحداً".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 529)
واحداً، فيشبهونها بالباء فيقولون: مِ الله، وربما قالوا: مُنُ الله - بضم الميم والنون -، ومَنَ الله - بفتحهما -، ومِنِ الله، بكسرهما (1).
الثانية عشرة: قوله: "أشد مِلْئَة": مكسور الميم، ساكن اللام، وبعدها همزة مفتوحة، ثم تاء التأنيث، قال الجوهري: المَلْء بالفتح: المصدر، وملأت الإناء فهو مملوء، ودلوٌ مَلآى على فَعْلَى، والعامة تقول: ملأى ماء.
والمِلْء بالكسر: اسم ما يأخذه الإناءُ إذا امتلأ، يقال: أعطى مِلأه ومِلإَنهِ ومَلِيئه أملائِهِ (2).
الثالثة عشرة: فجمعوا لها ما بين عجوة: قال الجوهري: والعجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة، ونخلتها (3) تسمَّى لِينَة (4).
ودَقيقة وسَويقة: ذكر بعضهم: أن في دقيقة وسويقة روايتان - بالضم والفتح في الدال - (5)، لم يزد على هذا، والله أعلم.
الرابعة عشرة: قوله صلى الله عليه وسلم: "هو الذِي أسقانا"، يقال: سقى--------------------------------------------
(1) انظر: "الصحاح" للجوهري (6/ 2221)، (مادة: يمن).
(2) انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 72)، (مادة: م ل أ)، وعنده: ويقال: مِلأَه ومِلأَيه وثلاثة أَملائِهِ.
(3) "ت": "عليها".
(4) انظر: "الصحاح" للجوهري (6/ 2419)، (مادة: ع ج ا).
(5) وقاله الكرماني، كما نقله العيني عنه في "عمدة القاري" (4/ 30) فقال: رُويا مكبرين ومصغرين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 530)
وأسقى، والاسم: السُّقيا، وقد جمعه لَبِيد في قوله [من الوافر]:
سَقَى قَومِي بني مَجدٍ وأسْقَى … نمَيراً والقَبَائِلَ من هِلَالِ (1)
الخامسة عشرة: الصِّرْم: بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء، وآخره ميم، قال الخطابي: النفر ينزلون بأهلهم على الماء (2).
قال الجوهري: والصرم بالكسر: أبياتٌ من الناس مجتمعة، والجمع أَصْرامٌ وأصارِمُ (3).
وقال غير الجوهري: والصواب: أصاريم؛ كما تقول أعراب وأعاريب، قال ذو الرُّمة (4):
وانعَدَلَتْ (5) عنهُ الأَصارِيم (6)
ونحوه ما قاله الجوهري: فسره بعضُهم في الحديث، قال: يريد الأبيات التي حولها.--------------------------------------------
(1) انظر: "ديوان لبيد" (ص: 93)، (ق 11/ 55). وانظر: "الصحاح" للجوهري (6/ 2379)، (مادة: س ق ا).
(2) انظر: "غريب الحديث" للخطابي (2/ 282).
(3) انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1965)، (مادة: صرم).
(4) انظر: "ديوانه" (1/ 434)، (ق 12/ 62) وتمام البيت:
جادَ الربيعُ له روضَ القِذَاف إلى … قَوَّيْنَ وانعدَلَتْ عنهُ الأصاريمُ
(5) "ت": "وانعزلت".
(6) قاله ابن بري فيما نقله عنه ابن منظور في "لسان العرب" (12/ 334).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 531)
قلت: هذه اللفظة من المثلث؛ أعني: الصِرم بالكسر، والصَّرم بالفتح، والصُرم بالضم، فأما بالكسر فقد ذكرناه، وأما بالفتح فمصدر صرمت الشيء صرماً إذا قطعته، وأيضا الجلد، قال الجوهري: معرَّبٌ، وأما بالضم فالقطعة (1)، الفتح للمصدر، والضم للاسم (2).
* * *
* الوجه الخامس:
قوله: فأوكأ أفواههما: استعمال اللغة الكبرى، قال الله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، قال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، قيل في علته: كراهة اجتماع تثنيتين، ولغة أخري بالتثنية وإبقاء اللفظ على أصله مثنى، وقد جمع اللغتين من قال [من الرجز]:
ظَهْراهُمَا مثلُ [ظهورِ] (3) التُّرَسينْ (4)--------------------------------------------
(1) "ت": "القطيعة".
(2) انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1965)، (مادة: صرم).
(3) "ت": "عيون".
(4) عجز بيت منسوب لخطام المجاشعي كما ذكر سيبويه في "الكتاب" (2/ 48)، وابن سيده في "المحكم" (3/ 300)، وابن منظور في "لسان العرب" (2/ 89). وصدره:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَ فَيْنِ مَرتَيْنْ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 532)
واستعمل في اللغة الأخرى من قال [من الطويل]:
بما في فُؤادَيْنَا من الهم (1) كالهوَى (2)
والأحسن أن يقال: أفئدتنا.
والإفراد أيضاً لغة، وعليها قول من قال [من البسيط]:
كأنه وجْهُ تُرْكيِيَّن قد غَضِبا (3)
* * *
* الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: قوله: وَإِنا أَسْرَيْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي آخِرِ الليْلِ، وَقَعْنَا تِلْكَ الوَقْعَةِ: فيه دليل على خلاف من قال: السُّري: سيرُ الليل كلِّه (4).
الثانية: قوله: فما أيقظنا إلا حر الشمس: تكلموا في الجمع بين--------------------------------------------
(1) "ت": "الهيم"، وجاء على الهامش: "الهم" وكتب فوقها "خ" إشارة إلى أنها في نسخة.
(2) صدر بيت للفرزدق، كما في "ديوانه" (2/ 25). وعجزه:
فيبرأ مُنْهاضُ الفؤادِ المسقَّفُ
(3) صدر بيت للفرزدق، كما نسبه إليه البغدادي في "خزانة الأدب" (7/ 532، 540). وعجزه:
مستهدفٌ لطعانِ غير مُنْجحر
(4) كما تقدم ذكره عن صاحب "المحكم".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 533)
حديث النوم إذا طلعت الشمس، وبين قوله عليه السلام: "إنَّ عينى تنامان، ولا ينامُ قلبي" (1)، وذكر أبو محمد عبد الواحد بن عمر ابن عبد الوهاب (2) شارح البخاري فيه أقوالاً:
أحدها: قال السفاقسي أبو عبد الملك: يعني بذلك: أنه لا يخفى عليه حاله في انتقاض وضوئه، وإن كان نائماً، وتخفى عليه الأوقات والساعات.
وثانيها: قال: وقال أبو محمد عبد الحق: الحديثان متفقان، ومعناهما أن ما يدرك بالقلب لا ينام قلبه عنه، وما يدرك بالعين كرؤية الشمس تنام عينه عنه، فلا تدركه (3).
وثالثها: قال: وقيل: إن ذلك غالب حاله: أنه لا ينام قلبه، وقد ينام نادراً لحديث الوادي هذا (4).
ورابعها: قال: وقيل: إنه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1096)، كتاب: التهجد، باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره، ومسلم (738)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الليل، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) هو الامام المشهور بـ "ابن التين" المتوفى سنة (611 هـ).
(3) وهذا الجواب صححه الإمام النووي وشهَّره واعتمده، كما في "شرح مسلم" له (5/ 184).
(4) قال النووي: وهذا التأويل ضعيف، كلما في "شرح مسلم" (5/ 184). قال الحافظ في "الفتح" (1/ 450) وهو كما قال.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 534)
الحدث، ولا يشعر يه.
قلت: الوجه الأول: كأنه أراد التخصيص ليقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد (1).
وأما الثاني: فتقريره أن يقول: للقلب مُدْرَكات، وللحواس مدركات، فمدركات الحواس تمتنع، ومدركات القلب على قسمين:
أحدهما: ما تتبع إدراك الحواس وتتفرع عنه، فذلك يمتنع لمواقع إدراك الحواس؛ لتوقفها عليها.
والثاني: ما لا يتبع إدراك الحواس، ولا يتوصل القلب (2) إلى إدراكها من جهة الحواس، فهذا لا يمنعه.
ولا شك أنَّ يقظةَ القلب هو بقاء إدراكه، ونومَه ذهاب إدراكه، وإدراكه على قسمين؛ كما ذكرنا، فلا يلزم الإشكالُ إلا إذا كان النوم حتى طلعت الشمس من مدركات القلب التي لا تتبع الحواس، فأين الدليل على ذلك حتى يلزم الإشكال؟
الثالثة: قوله عليه السلام: "إنَّ عيني تنامان، ولا ينامُ قلبي"، خرج جواباً عن قول عائشة رضي الله عنها له: أتنام قبل أن توتر،--------------------------------------------
(1) نقله الحافظ في "الفتح" (5/ 184) عن المؤلف، وقد ضعَّف الحافظ كذلك الجواب الأول والرابع.
(2) "ت": "مواقع إدراك الحواس"، وهي جملة منسوخة خطأً من السطر السابق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 535)
وهذا كلام لا تعلُّقَ له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، والذي يظهر منه أن هذا الاستفهام سببُه أن يفوت الوترُ باستغراق النوم إلى الصباح.
ولو كان الأمر فيما يتعلق بانتقاض الطهارة، لكان الاستفهام إنما يكون للصلاة بعد النوم، فيقال: أتصلي بعدما نمت؟ فلو قيل عقب هذا: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، اقتضى الجواب حينئذٍ أن نومه صلى الله عليه وسلم لا يوجب الطهارة؛ لأن قلبه لا ينام.
[و] إذا كان الجواب يتعلق بأمر فوات الوتر، لا بأمر انتقاض الطهارة، فيحمل نوم القلب على اطمئنان النفس بالنوم، وسكون القلب إلى استغراقه فيه، وعدم تعلقه بالاستيقاظ (1).
وتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وعدم سكونه ودخوله إلى الاستغراق في النوم.
ومن المعلوم بالعادة التفريقُ بين حالة من شرع في النوم مطمئنَ القلب، وبين من شرع فيه متعلقًا باليقظة، فإن الحالة الأولى تقتضي الاستغراق، والثانية لا تساويها فيه، وعلى هذا التقدير، فتكون يقظةُ قلبه صلى الله عليه وسلم بالتفسير المذكور مقتضيًا للقيام للوتر، وكذلك الإخبار عن عدم نومه، ويكون الجواب منطبقاً على ما وقع عليه السؤال من النوم، لا على ما لم يقع عليه السؤال، وهو الصلاة بعد النوم من غير تجديد--------------------------------------------
(1) "ت": "الاستنقاض".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 536)
طهارة، وعلى هذا فلا تعارضَ ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس، ولا يقتضي ما ذكرناه أن النوم في ذلك الوقت إلى أن طلعت الشمس كان مع سكون النفس إلى الاستغراق؛ لأن ذلك يمكن حمله على ما أوجبه تَعَبُ السُّرى والسير، فلا يتعين حملُه على السكون إلى الاستغراق، أو يقال: سبب (1) السكونِ والطمأنينةِ الأمرُ بكِلائيةِ (2) الفجر ممن وكّل بذلك؛ كما جاء في حديث الوادي وأَمْرِ بلال بذلك، فهذا ما وقع لنا هاهنا، فتأمله.
فإن قلت: هذا الذي ذكرته تخصيص بالسبب، والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيقظة القلب أعمُّ مما ذكرته من التفسير، فيدخل تحته، فيعود الإشكال.
قلت: لا نسلم أنه تخصيص بالسبب، بل هو استدلالٌ بسياق لفظي على بيان المراد، والسياق يرشد إلى تبيين المجمَلات وتعيين المحتملات.
الرابعة: قوله عليه السلام: "لا ضير": فيه تأنيسٌ وتطييب لقلوب أصحابه صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا عساه يَعْرِض لهم من الأسف على فوات الصلاة في وقتها.
الخامسة: فيه دليل على سقوط هذا التكليف عن النائم مع قيام--------------------------------------------
(1) "ت": "سببه".
(2) أي: حراسة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 537)
الدليل عليه من الحديث الآخر في: "رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ" (1)، وقيام الدليل العقلي على امتناع تكليفه.
السادسة: أمره عليه السلام بالارتحال لأجل الخروج عن المكان؛ بسبب ما وقع فيه من النوم عن الصلاة، فجعل أصلاً في الخروج عن المكان الذي وقع للإنسان فيه ما لا يختاره فيما يتعلق بالدين، وقد عُبّر عن هذا بعبارة لم أرضها (2).
السابعة: " فسار غير بعيد": يدل على أن هذا الارتحال ليس للمسير الذي يقتضيه عادةً السفرُ، وسبق مثله فيما قبله من الأيام.
الثامنة: فاذا لم يكن المقصود منه السفر المعتاد قبل ذلك، فقد--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (4398)، كتاب: الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حداً، والنسائي (3432)، كتاب: الطلاق، باب: من لا يقع طلاقه من الأزواج، وابن ماجه (2041)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق المعتوه والصغير والنائم، من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح. وفي الباب من حديث علي وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً.
(2) لعلها ما ذكره الحافظ في "الفتح" (1/ 451) عن بعضهم أنه قال: يؤخذ منه أن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة، استحب له التحول منه، ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكانه إلى مكان آخر.
قلت: لعل المؤلف رحمه الله لم يرتضِ نسبة الغفلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تأدباً، والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 538)
اختلفوا في علة سببه، فقيل ما أشرنا إليه مما وقع فيه من النوم عن الصلاة، ويؤيده ما جاء في حديث الوادي: "إنَّ هذا واد فيهِ شيطانٌ " (1)، والحنفية - أو من شاء الله منهم - حملوه على ترك الصلاة في وقت الكراهة، وتأخيرها إلى أن يزول ذلك الوقت (2).
التاسعة: قوله: "ونودي بالصلاة": يحتمل أن يراد به الأذان؛ لأنه كثيراً ما يطلق عليه ذلك، ومنه: "قمْ يا بلالُ فنادِ بالصلاةِ" (3)؛ أي: أذنْ، [و] "إذا نوديَ بالصلاةِ أدبرَ الشيطانُ" (4)، ويترجمُ على الأذان: النداء بالصلاة، ويحتمل أن يراد به الإقامة.--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (680)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "ليأخذ كل رجل برأس راحتله، فان هذا منزل حضرنا فيه الشيطان".
(2) قال ابن المنذر في "الأوسط" (2/ 410): وليس لهم فيه حجة، وإنما ارتحل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك المكان؛ للعلة التي أخبر بها قال: "إن هذا مكان حضرنا فيه شيطان، فارتحلوا منه".
(3) رواه البخاري (579)، كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان، ومسلم (377)، كتاب: الصلاة، باب: بدء الأذان، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(4) رواه البخاري (583)، كتاب: الأذان، باب؛ فضل التأذين، ومسلم (389)، كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 539)
وقال شارح البخاري عبد الواحد بن عمر: فيه أن ما فات وقتُه من الصلوات يؤذَّن لها، وليس هو مذهب مالك.
وهذا حَمْل منه النداء على الأذان، والله أعلم.
العاشرة: "يُصلِّي بالنَّاس": فيه الإقامة بالفوائت.
الحادية عشرة: فيه الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا المنعزلَ عن الناس لأجل الجنابة مع احتمال الحال لوجوه عديدة، وتعيينُه لبعضها طريقُه الاجتهادُ، فإنه يحتمل أن يكون لأنه لا يعلم مشروعيةَ التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن الجنب لا يتيمم، وأن التيمم للحدث الأصغر، كما نُقِل عن بعض الصحابة.
ثم إذا لم يتيمم كان كمن عَدِمَ الماءَ والصعيدَ، فاحتمل أن يصلي ويقضي؛ ويصلي ولا يقضي، ولا يصلي ويقضي، ولا يصلي ولا يقضي؛ كما اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يتعلق بالقضاء لا يعلم ما اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، ويقع احتمالُه للأداء التيمم وعدمه، وتعيينُ المحتملاتِ طريقُه الاجتهادُ.
ولا يُحمل على كونه لم يكن التيمم مشروعاً، وأن ذلك قبل نزول الآية؛ لأن قوله عليه السلام: "عليكَ بالصعيدِ، فانَّه يكفيكَ" دليل على تقدّم مشروعية التيمم على هذا القول؛ لأن مشروعية التيمم على هذا القول لم تُعلم إلا بالآية، ونزولها والحكم بمقتضاها يقتضي تقدّمَها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 540)
الثانية عشرة: وأخص من هذا الاجتهاد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع إمكان مراجعته.
الثالثة عشرة: الذي ذكرناه إنما هو استدلالٌ على وقوع الاجتهاد منه؛ لأن فعلَه يتردَّدُ بين مَحامل؛ بعضها جائز وبعضها ممتنع، وإذا تردد بينها، فحمله على الجائز في حق الصحابة متعيِّن، أما أنه هل وُجِد دليل من الرسول صلى الله عليه وسلم على تسويغ ذلك وإباحته؟ فيه بحث آخر.
الرابعة عشرة: يجعل أصلاً في أن العالِم إذا رأى ممن لا يعلم فعلاً محتملاً لما يسوغ ولما لا يسوغ، سأله ليتبين الحال فيه.
الخامسة عشرة: فيه أن انفرادَ المرء بترك الصلاة بحضرة المصلين أمر مَنعيٌّ (1) على صاحبه.
السادسة عشرة: حسنُ الملاطفة والرفق في إنكار ما هو منكر، أو محتمل لما هو منكر، لإخراجه صلى الله عليه وسلم كلامَه مخرجَ السؤال عن السبب المقتضي للترك، لا مخرجَ التغليظ، وهذا بخلاف الذي ترك الصلاة من الناس في الحضر؛ لأن حالة السفر حالة مشقة وأعذار، فهي أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر.
السابعة عشرة: فيه أمر الصلاة في الجماعة.--------------------------------------------
(1) يقال: هو ينعى على زيد ذنويه: يُظهرها ويشهرها، وانظر: "القاموس المحيط" مادة (ن ع ي)، (ص: 1205).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 541)
الثامنة عشرة: فيه إبداء ذكر العذر لنفي اللَّوم.
التاسعة عشرة: قوله عليه السلام: "عليكَ بالصعيدِ"، يحتمل أن تكون الألف واللام فيه للعهد، إذ هاهنا صعيدٌ معهودٌ، وهو المكان الذي هُم فيه، ويحتمل أن يكون للجنس، فاذا حمل على العهد دل على جواز التيمم بما هو صعيد حينئذ بذلك المكان، ولا دليل لنا على تعيين ذلك الصعيد، فما اختلف فيه من المسائل لا يمكن الاستدلال بهذا عليه، وإن حمل على الجنس رجع الحال إلى معرفة ما يُسمَّى صعيداً، ويكون الحديث كالآية سواء في أخذ حكم التيمم منه.
ولا شكَّ في تناول اللفظ لذلك الصعيد؛ إما بخصوصه، أو بعمومه.
العشرون: هذه اللفظة (1) قد تدل على أن الذي عرض للمعتزل هو اعتقاد أن التيمم ليس سائغاً للجنب؛ لأنه عليه السلام أحاله على الصعيد من غير بيان للصعيد، وما يفعله فيه، وصفة تيممه به، ولم يزد على قوله: "عليك بالصعيد".
هذا هو الظاهر من اللفظ، ولو كان غيرَ عالم بكيفية التيمم من صفة العمل فيه، لوجب بيانه، واحتمالُ بيانه من غير أن يُنقل البيان خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ اللفظ.
الحادية والعشرون: فيه الاكتفاء في البيان للأحكام الشرعية بما--------------------------------------------
(1) يعني قوله: "عليك بالصعيد".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 542)
يحصل به المقصود من الإفهام دون تعيين ما هو صريح في البيان غير محتمل لشيء آخر، لقوله: "عليك بالصَّعيد".
الثانية والعشرون: فيه دليل على اعتبار ما دلَّت عليه القرائنُ من فهم المقصود من العام أو المطلق، إذا اقتضت القرائنُ تخصيصاً أو تقييداً، فانَّ قولَه عليه السلام: "عليكَ بالصَّعيدِ، فإنَّه يكْفِيكَ"، لا بد أن يُفهمَ منه: يكفيك في هذه الحالة، أو في مثل هذه الحالة، ولا يوجد منه إطلاقُ الكفاية، بل يتقيد بما يوجد فيه الشرط، أو الركن في التيمم.
الثالثة والعشرون: فيه تصريح بتيمم الجنب، وقد ذُكِر فيه خلاف قديم لبعض الصحابة، واختلف في النقل عنه (1)، وسيأتي ذلك في التيمم إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) قال ابن عبد البر في "التمهيد" (19/ 275): وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب - فيما علمت -: أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر، وسواء كان جنباً أو على غير وضوء لا يختلفون في ذلك، وقد كان عمر بن الخطاب وعبد الله ابن مسعود يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء، ولا يستبيح بالتيمم صلاة؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، ولقوله: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، وذهبا على أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء 43]، ثم قال: وهذا معروف مشهور عند أهل العلم عن ابن مسعود وعمر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 543)