للمفسدة على تقدير ممكن، فليُفعَل.
ويحتمل أن يكون العُود المعروضُ مانعاً من وقوع ذلك الوَباء في الإناء مطلقاً؛ لأن هذه الأمور والأسرار الغيبية لا تَنْقَاس بالإمكان والأوهام، ولا يُطَّلع على مقتضياتها وموانعها بصور الفكر والعقل، والله أعلم.
الثانية والثلاثون: يجعل أصلاً في الاحتراز والاحتياط للأمور الدينية والمصالح البدنية على حسب العلتين، فإن كان لأجل صيانة الماء عن مُفْسِداته الشرعية، فهو احتياط للأمور الدينية، وإن كان الاحتراز عن الوباء؛ كما دلَّ عليه الحديثُ الآخر، فهو احتياط للأمور البدنية وصيانتها من المُضِرَّات.
الثالثة والثلاثون: لأهل الطب أقوالٌ في حفظ الصحة، والاحتراز من الأمراض وأسبابها، فيمكن أن يجعل هذا أصلاً في ذلك، إلا أن يقومَ مانعٌ خاصٌّ بعض ما يقولونه، كما سيأتي في ذم الإفراط في هذه الأمور، فلا يتم ما ذكروه فيه، والله أعلم.
الرابعة والثلاثون: كل واحد من الاحترازين؛ أعني: الديني والدنيوي، المحمودُ منه مقدارٌ معلوم، متى جاوزه الإنسانُ خرج في حيِّز الذم، فالاحتراز في الطهارات يُحْمَد منه الورعُ، والإفراط في ذلك يخرج إلى حد الوسوسة والغلوِّ في الدين، وكذلك الاحتراز عن المؤذِيات الدنيوية يُخرِجُ إفراطُه إلى ضعف التَّوكُّل وشدةِ الإغراق
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 585)
في التعلُّق بالأسبابِ، وهو مذموم، و {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3].
والفرق بين الموضعين دقيق عسِرُ العلم، وله طريق ونظر طويل يتعلق بباب التوكل، والذي يحتاج إليه هاهنا أن يُعلم أن هذا المقدارَ من الاحتراز؛ أعني: على الطهارة بتغطية الإناء وصَوْنه عن النجاسات والمفسدات، ليس من باب الوسواس والتنطُّع، إن كان ما ذكر من هذا المعنى داخلاً في هذا التعليل.
وكذلك يؤخذ منه إن كان هذا الاحترازُ وقدره من المؤذي وأسبابه لا يُذمُّ.
الخامسة والثلاثون: في مقدمة لغيرها؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتُمْ بهِ بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليهِ، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتمْ بها فلا تخرجُوا فِراراً منه" (1)، فقيل فيه: إن الوباء مرض عام، فإذا وقع بأرض والإنسان فيها فالظاهرُ مداخلةُ سببهِ له، فلا يفيد الفرار منه بعد دخول سببه في جسده، وإذا لم يكن بأرض فالظاهر سلامتُه، فإقدامه عليه تعرُّضٌ للضَّرر.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (3286)، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الغار، ومسلم (2218)، كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 586)
والذي يترجَّح فيه عندي - والله أعلم -: أن الإقدام عليه يعرِّض النفسَ للبلاء، وما لعلها لا تصبِر عليه، وربما كان فيه ضربٌ من الدَّعوى لمقام الصبر والتوكُّل، فلا ينبغي ذلك؛ لاحتمال اغترار النفس، ودعواها ما لا يثبت عند الحقيقة، فإذا كان بأرض ووقع بها، فالفِرار منها قد يكون داخلاً في باب التوغُّل في الأسباب، وتصوراً بصورة الفارِّ مما لعله يُقضى عليه به، فالتكلُّف في الأول في القدوم، والتكلف في الثاني في الفرار، فأمرَ بترك التكلف فيهما، وقد لمحَ الصحابيُّ ما ذكرناه بقوله: أفراراً من قدر الله؟! غير أنه استعمله في القدوم عليه، وهو الذي يشير إليه قولُه صلى الله عليه وسلم: "لا تتمنَّوا لقاءَ العدوِ، وإذا لقِيتُمُوهُمْ فاصبرُوا" (1)، فالنهي عن التمني؛ لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف الاغترارِ من النفس وخَورِها عند الحقيقة (2).
السادسة والثلاثون: فإذا تقرَّر هذا، فأمرُه عليه السلام بتغطية الإناء لدفعِ متوقَّعٍ لسبب البلاء، منعٌ لوقوع المسبَّب المُؤذي بالإنسان، وهو نظيرُ المنعِ مَنْ قدومُه على أرضٍ وقع فيها الوباء؛ لما يشتركان--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2863)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا تمنوا لقاء العدو، ومسلم (1741)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) نقل هذا الترجيح عن المؤلف: الحافظ ابن حجر في "الفتح" (10/ 190).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 587)
فيه من عدم التعرض لسبب الأذى البدني، والتسبب هاهنا [لا] يدفعه، بل هاهنا أولى؛ لأن ذلك قد يَرْجِع إلى التَّرك، وهذا راجعٌ إلى الفعل.
السابعة والثلاثون: قد يؤخذ منه الاِحتراز بالحِمْية عما يؤذي البدن، وأنه غيرُ مذموم، ولا داخلٌ في باب التوغُّل في الأسباب، وبل أولى؛ لما ذكرناه، وهذا فرد من أفراد ما ذكرناه في المسألة الثانية والثلاثين، وإنما أفردناه لِخصوصيته بدفع الضرر عن البدن من جهة الأمراض والأَعْلال.
الثامنة والثلاثون: الأمر بإطفاء المصابيح في هذه الرواية مطلقٌ، وهو محمولٌ على إطفائها عند إرادة النوم، وقد جاء ذلك مبيَّناً مصرَّحاً به في روايةٍ عن عطاء، عن جابر في حديث ذكره: "أطفِئُوا المصابيحَ بالليلِ إذا رقدْتُم"، أخرجه البخاري (1).
التاسعة والثلاثون: قد ورد تعليلُ إطفاء السراج، فأخرج البخاري من حديث كثير، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمِّرُوا الآنيةَ، وأطفئوا المصابيحَ، فإنَّ الفُوَيسِقةَ ربما جَرَّتِ الفتيلةَ فأحرقَتْ أهلَ البيتِ" (2).--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه عنده برقم (5301) و (5938).
(2) تقدم تخريجه عنده برقم (5937).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 588)
الأربعون: روى أبو بردة، عن أبي موسى قال: احترق بيتٌ على أهله بالمدينة، فلما حُدِّثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال: "إنَّ هذهِ النارَ إنما هي عدوٌّ لكم، فاذا نمتُمْ فأطفئوها عنكم" (1)، وهذا داخلٌ في أسباب الحديث، فذكر منه شيئاً يسيراً، وهو فنٌّ غريب يضاف إلى الكتاب العزيز، ولو تُتبِّعَ لحصل فوائد (2).
الحادية والأربعون: إذا كانت العلةُ في إطفاء السِّراج الحذَرَ من--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (5936)، كتاب: الاستئذان، باب: لا تترك النار في البيت عند النوم، ومسلم (2016)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء.
(2) قال المؤلف رحمه الله في كتابه: "شرح عمدة الأحكام" (1/ 11) عند شرحه لحديث: "إنما الأعمال بالنيات": شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز، فوقفت من ذلك على شيء يسير له، وهذا الحديث على ما ذكرناه من الحكاية عن مهاجر أم قيس، يدخل في هذا القبيل، وتنضم إليه نظائر كثيرة لمن قصد تتبعه، انتهى.
قال الحافظ في "شرح النخبة" (ص: 144 - 145): وكأنه - أي ابن دقيق - ما رأى تصنيف العكبري أبي حفص، وهو من شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي.
قال السيوطي في مقدمة كتابه "أسباب ورود الحديث" (ص: 28): وأما أسباب الحديث، فألف فيه بعض المتقدمين ولم نقف عليه، وإنما ذكروه في ترجمته. وقد أحببت أن أجمع فيه كتاباً، فتتبعت جوامع الحديث، والتقطت منها نبذاً، وجمعتها في هذا الكتاب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 589)
الفويسقة وجرِّها الفتيلة، فمقتضاه أنه إذا كان السِّراجُ على هيئةٍ لا تَصِل إليها الفويسقة أن لا يُمنَعَ إبقاؤه، أمّا إذا كان على مَنَارة من نحاس أملس لا يمكن الفويسقةَ الصعودُ إليه، وأُبعِد عن المواضع التي يتأتَّى لها الوصولُ منها إلى أعلى المنارة التي يوضع فيها السراج، وإنما كان هذا مقتضاه أَنْ يزولَ الحكمُ بزوال علته.
الثانية والأربعون: هذا وإن كان مقتضى التعليل باطفاء المصابيح، إلا أنه قد ورد الأمر بإطفاء النار عند النوم مطلقاً، ففي حديث سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتركُوا النارَ في بيوتكُمْ حينَ تنامُون" (1)، وفي حديث أبي بردة، عن (2) أبي موسى: "إن هذه النارَ هي عدوٌ لكم، فإذا نمتم فأطفئُوها عنكم" (3)، والحديثان خُرِّجا في "الصحيحين".
وإذا أُمِرَ بإطفاء النار مطلقاً، فهو أعمُّ من نار السراج، فالأمر المعلق بإطفاء المصابيح لأجل العلة المذكورة، وهي جَرُّ الفتيلة، إذا أُمِنَت المفسدة لما ذكرناه، وانتفت تلك العلة، يبقى بعده الأمرُ بإطفاء النار متناولاً للمصباح المتوقد المأمون معه جرهُ الفتيلةَ، وقد تتطرق بذلك مفسدةٌ أخرى غيرُ جرِّ الفتيلة؛ كسقوط شيء من السراج على--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (5935)، كتاب: الاستئذان، باب: لا تترك النار في البيت عند النوم، ومسلم (2015)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء.
(2) "ت": "عند"، والصواب ما أثبت.
(3) تقدم تخريجه قريباً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 590)
بعض متاع البيت، فإذا أمن ذلك أيضاً وانحسرت موادُ الفساد، فلا يبعُد العمل بمقتضى زوال العلة، وهو زوال المنع.
الثالثة والأربعون: إذا استُوثق من النار بحيث يؤمن معها الإحراقُ، فمقتضى زوال العلة جواز إبقائها؛ كما ذكرناه في السراج، وقد سمعت من يقول ذلك، أو معناه؛ أعني: الجواز عند الاستيثاق والأمن من المفاسد.
الرابعة والأربعون: لعلك تقول: قد ذكرْتَ في إطفاء المصابيح أنه محمولٌ على إرادة النوم، واستشهدت بالرواية الأخرى، وهو قوله عليه السلام: "أطفئوا المصابيحَ بالليلِ إذا رقَدتُم، وقصَرْتَ الأمرَ على هذا الحال، فهلَّا قيل بالعموم فيما عدا حالة الرُّقاد حتى يتناوله الأمر، إذ لا منافاةَ بين إطفائها عند النوم، وإطفائها في غير هذه الحالة؟
قلت: لا يمكن هاهنا، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن الرواية التي ذكرناها هي رواية همام، عن عطاء، عن جابر، والرواية التي ذكرت في الأصل مطلقةً هي رواية ابن جريج، أو غيرِه، عن عطاء، عن جابر، فهما حديث واحد اختلفت الرواةُ فيهِ، عن عطاء، ذكر بعضُهم فيها قيداً، وأهمَله الآخرُ، والأخذ بزيادة العدل واجبٌ.
ونحن نقول: إنه إذا ظهر أن الحديثَ واحدٌ باتحاد مَخْرَجِه،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 591)
وذكرَ بعضُهم فيه قيداً وأهمله الآخر، حملنا ذلك على زيادة العدل بالذي ذكر القيد في ذلك الحديث على الآخر الذي لم يذكر، فكأنه منطوق به في الرواية التي لم يذكر فيها، بخلاف ما إذا تعدد الحديثان باختلاف الرواية والمخارج.
الوجه الثاني: إن العمل بالعموم أو الإطلاق هاهنا متعذِّرٌ قطعاً، بخلاف ما ذكرتُ من المثال، وما هو في معناه؛ لأنا لو عملنا بالعموم أو الإطلاق لزم الإطفاء لكل مصباح أُوقِد في كل وقت، [و] يطلب من كل من أوقد مصباحاً أن يطفئه عقِب رقودهِ؛ لأنه مصباحٌ مُوقد حينئذ، وذلك باطل بالضرورة.
الوجه الثالث: النظر إلى المعنى المناسِب الذي دل عليه الحديث الآخر بلفظة، وهو الخوفُ من الإحراق بَجرِّ الفويسقةِ الفتيلةَ، مع عدم الفائدة في إطفاء كلِّ مصباح لا يتعلَّقُ بإيقاده مفسدة، وذلك يقتضي التخصيصَ بحالة الغفلة عن اعتبار حال المصباح، وهي حالة النوم، واتباعُ المعاني الظاهرةِ متعيِّنٌ.
الخامسة والأربعون: نشأ من هذا ذِكرُ قاعدة ينبغي أن يُوجَّه النَّظرُ إليها، وهي أنَّ اللفظ العام إذا عُلِّل الحكم فيه بعلة خاصة، هل مقتضى ذلك تخصيصه بِمحلِّ العلة عملاً بها، أو يقال بعمومه عملاً بمقتضى اللفظ (1)؟--------------------------------------------
(1) تقدم ذكر هذه القاعدة عند المؤلف رحمه الله في أكثر من موضع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 592)
بيانه فيما نحن فيه: أَمْره عليه السلام بإطفاء المصابيح، أو المصباح، والتعليلُ بجر الفويسقة الفتيلة يقتضي التخصيص بما يمكن فيه ذلك، وأنه المراد بالعام، أو يقال: هو [على] عمومه، حتى إذا أُمن جرُّ الفتيلة تناوله الأمرُ بعمومه.
فإن قيل بالأول، جاء ما تقدَّم من زوال الحكم عند زوال العلة، وإن قيل بالثاني بقي الأمرُ متناولاً لحالة الأمن، إلا بدليلٍ من خارج يقتضي إخراجَ تلك الحالة.
وهذا غيرُ الذي تقدم من الأمر بإطفاء النار وما تكلمنا فيه.
السادسة والأربعون: قد حملنا قوله عليه السلام في هذا الحديث: "أطفئوا المصابيحَ" على حالة النوم بالحديث الآخر، وهو قوله: "إذا رقدتُم"، ويجب أن يُحمَل قولُه: "إذا رقدتم" على إرادة الرقود لا على نفس الرقود، وإطلاق الفعل على إرادة الفعل مجازٌ مشهور في كلام العرب، وقد حَمَلَ الأكثرون عليه قولَه تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98].
وخالف الظاهريُّ فيه، وحمله على نفس الفعل، وأن الاستعاذة بعد القراءة (1)، وهذا مستحيل في هذا اللفظ الذي نحن فيه، والله أعلم.
السابعة والأربعون: هذه الأوامر التي أوردت في هذا الحديث لم يحملها الأكثرون على الوجوب، وينبغي على مذهب الظاهرية--------------------------------------------
(1) انظر: "المحلى" لابن حزم (3/ 250).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 593)
حملُها على ذلك؛ لأن ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، ويجب العمل بالظاهر إلا لمُعَارِض من خارج، فإن أبدى معارضاً يمنع من الظاهر، وإلا فلا عُذرَ له.
وهذا الحكم - أعني: وجوب الحمل على الظاهر إلا لمعارض - ظاهر لا يختص بالظاهري، فإن القياسَ أيضاً يوافق في ذلك، إلا أن الظاهري أولى بالإلزام؛ لأنه لا يتتبَعُّ المعاني ولا يلتفت إلى المفهومات والمناسبات عند دلالة اللفظ، بخلاف القياس.
واتباع المعاني قد يقيم القياس مأخذاً في الخروج عن الظاهر إن صحَّ له ذلك، فعلى كل حالِ له طريق مسدود عن الظاهر.
الثامنة والأربعون: قد ذكر الأصوليون لصيغة الأمر محاملَ متعدِّدةً، وفي هذا الحديث صيغٌ متعددةٌ لأمرٍ، فإذا لم يُقَلْ بالوجوب فيها تعيَّنَ النظرُ في ماذا يُحمَلُ عليه؟
فمنها ما يحمل على الندب، ومنها ما يحمل على الإرشاد، ومنها ما يحمل على الإباحة.
التاسعة والأربعون، والخمسون، والحادية والخمسون: وفيما تحمل فيه الصيغة على الندب - إذا لم يُقَل بالوجوب - الأمرُ بالتسمية في هذه الأحوال؛ أعني: عند إغلاق الأبواب، وإيكاء القِرَب، وتخميرِ الآنية؛ لما في اسم الله تعالى من رجاء البركة، ولما عُرِفَ من الندب إلى ذكر اسم الله تعالى عند الشروع في الأمور.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 594)
الثانية والخمسون: وأما الأمر بكفِّ الصبيان عند المساء، فينبغي أن يكون من باب الإرشاد؛ لأنه يتعلق بالمصالح الدنيوية.
الثالثة والخمسون: وأما الأمر بتخليتهم بعد ساعة من الليل، فمحمول على الإباحة.
الرابعة والخمسون: وأما الأمر بإغلاق الأبواب، فمقتضى التعليل بأنَّ الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، أن يدخل في باب الندب؛ لأن الاحتراز من مخالطةِ الشياطينِ وملابسةِ أماكِنِهم مندوبٌ.
الخامسة والخمسون: وكذلك القول في إيكاء القِرَب سواء؛ لأن التعليل بأن الشياطين لا تَحُلُّ سِقاء، يقتضي أن يكون من باب الندب، والاحتراز من دخول الهوامِّ المؤذية، يقتضي أن يكونَ من باب الإرشاد.
السادسة والخمسون: والأمر بتخمير الآنية كذلك؛ لأنه إن كان لأجل الاحتراز عن الوباء النازل كما في الحديث، كان إرشاداً، وإن كان لأجل صيانة الماء عما يخرجه عن الطهارة والطهورية كان ندباً، وأما بالنسبة إلى الطعام فيكون إرشاداً.
السابعة والخمسون: قد أشرنا إلى وجه الحاجة إلى الترجيح بين الدليل الدال على نجاسة إناءِ المشرك في حديث أبي ثعلبة (1)، والدليل الدال على اعتبار مقدار القلتين (2)، ويمكن أن يرجَّح حديث--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريج حديث القلتين وكلام الأئمة فيه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 595)
أبي ثعلبة بأنه أصح؛ لأنه في "الصحيحين"، وليس فيه الاضطراب الذي في حديث القلتين، وبأن دلالة حديث القلتين على نجاسة الماء القليل دلالةُ مفهوم، وبأنه يتوقف الاستدلالُ به على مقدمة أخرى.
الثامنة والخمسون: وذكرنا أيضاً الترجيحَ بين الدليل الدال لمقدار معين على نجاسة إناء المشرك، والدليلِ الدال على أن الماء القليل ينجس باتصال النجاسة به، ومن ذلك الدليل حديثُ القلتين، وقد ذكرنا ما يمكن فيه من الترجيح، ومنه حديث المستيقظ من النوم (1)، وهو حديث صحيح مشهور، لا يتأتَّى فيه الترجيح بزيادة الصحة، ولكن الترجيح فيه من جهة الدلالة، فجهة دلالة حديث أبي ثعلبة: هي الأمر بالغسل قبل الاستعمال، وهو دليل على النجاسة ظاهراً، وجهة الدليل من حديث المستيقظ: هي أنه لو لم يتأثر الماء بالنجاسة لمَا أُمِر بالغسل عند التوهم والاحتمال، وعليه سؤال سيأتي، فيكون محلَّ النظرِ ترجيحُ إحدى الدلالتين على الأخرى.
التاسعة والخمسون: وأما الترجيح بين الدليل الدال على قلة ماء المَزَادة ونقصانِه عن حدِّ الكثرة بعد تسليم التحديد بالقلتين، أو احتمالِ كثرته، فذلك راجعٌ إلى أمر وجوديٍّ ينبني عليه الظنُّ بالنقصان أو عدمِه، والله أعلم بالصواب.
* * *--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 596)
شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (ابن دقيق العيد)القسم: شروح الحديث
الكتاب: شرح الإلمام بأحاديث الأحكام
المؤلف: تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد (ت 702 هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه: محمد خلوف العبد الله
الناشر: دار النوادر، سوريا
الطبعة: الثانية، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 30 ربيع الأول 1437
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1233)
شرح الإلمام بأحاديث الأحكام
تأليف
الإمام المجتهد ابن دقيق العيد
أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المصري (625 هـ - 702 هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد خلوف العبد الله
[المجلد الثالث]
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1234)
بسم الله الرحمن الرحيم
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 2)
شَرْحُ الأَلْمَامِ
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 3)
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
مِن إِصْدَارَاتِ
وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالدَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ
المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ
1429 هـ - 2008 م
الطَّبْعَةُ الثَّانِيَة
مِنْ إِصْدَارَاتِ
دَارُ النَّوَادِرِ
1430 هـ - 2009 م
دَارُ النَّوَادِرِ
لصاحبها ومديرها العام
نُورِ الدِّين طَالِب
سوريا - دمَشق - ص. ب: 24306
لبنان - بيروت - ص. ب: 5180/ 14
هاتف: 00963112227001 - فاكس: 00963112227011
www.daralnawader.com
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 4)
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ سهِّلْ ويسِّرْ
بَابُ السّواك
الحديث الأول منه
عن عائشةَ رضي الله عنها، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ" [أخرجه النسائي، وابن حبان في "صحيحه"، وأخرجه ابن خزيمة بطريق أخرى في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"] (1).--------------------------------------------
(1) ما بين معكوفتين سقط من كلا النسختين "م" و "ت". وقد أثبته من النسخة الخطية من كتاب "الإلمام" بخط الإمام ابن عبد الهادي (ق 4 / ب)، وكذا مطبوعة "الإلمام" (1/ 58).
* تخريج الحديث:
رواه النسائي (5)، كتاب: الطهارة، باب: الترغيب في السواك، - وابن حبان في "صحيحه" (1067)، وكذا الإمام أحمد في "المسند" (6/ 124) من طريق يزيد بن زريع، عن عبد الرحمن بن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، به.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (135)، من طريق ابن جريج، عن عثمان ابن أبي سليمان، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، به.
وقد جوَّد المؤلف رحمه الله إسناده في "الإمام" (1/ 333). =
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 5)
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فنقول: قال ابن الأثير رحمه الله في "معرفة الصحابة": عائشة ابنت أبي بكر، الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين، زوج النبي صلى الله عليه وسلم،--------------------------------------------
= أما رواية الحاكم، فقال المؤلف في "الإمام" (1/ 333) بعد سياقه إسناد ابن خزيمة، فالحديث جيد، ولهذا أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ في "المستدرك" فيما بلغني، انتهى.
قال الحافظ في "التلخيص الحبير" (1/ 60): وجزم الشيخ تقي الدين في "الإمام" أن الحاكم أورده في "المستدرك".
قلت: وهذا من الحافظ رحمه الله إشارة على أنه لم يجده في "المستدرك"، ووجدته كذلك؛ فإنه لم يذكره الحاكم في "المستدرك" فيما هو المطبوع المتداول.
قلت: فإما أن يكون عزو الشيخ رحمه الله الحديث على الحاكم اعتماداً منه على نسخة خطية عنده، وإلا فلينظر في قوله السابق: "فيما بلغني" دون جزم، لا كما قال الحافظ.
ثم قال المؤلف في "الإمام" (1/ 333): وكلام البخاري (2/ 682) أيضاً يشعر بصحته عنده، فإنه قال: وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفهم، مرضاة للرب"، فأورده بصيغة الجزم بأن عائشة رضي الله عنها قالته.
وللحديث طرق أخرى أوردها المؤلف رحمه الله في "الإمام" (1/ 331) وما بعدها من حديث عائشة رضي الله عنها وغيرها من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 6)
وأشهر نسائه، وأمُّها أم رُومان بنت عامر بن عُويمر بن عبد شمس بن أُذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كِنانة الكنانية.
تزوَّجها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بسنتين، وهي بِكْر؛ قاله أبو عبيدة، وقيل: بثلاث سنين.
وقال الزُّهري: تزوَّجها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بثلاث سنين، وتوفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وقيل: بخمس سنين.
وكان عمرها لما تزوجها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، وقيل: سبع سنين، وبنى بها وهي بنمسا تسع سنين بالمدينة.
وكان جبريل عليه السلام قد عَرَضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرَقَةِ حرير في المنام لما توفيت خديجة (1)، فكنَّاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأم--------------------------------------------
(1) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (6/ 349)، والطبراني في "المعجم الكبير" (23/ 155)، من طريق موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما توفيت خديجة بنت خويلد بمكة، جاءه جبريل عليه السلام بصورة عائشة في سرقة حرير أخضر فقال: يا محمد هذه عائشة، زوجتك في الدنيا وزوجتك في الآخرة عوضاً عن خديجة بنت خويلد".
وهذا حديث باطل كما قال ابن عدي، فيه موسى بن عبد الرحمن منكر الحديث.
وقد روى البخاري (3682)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، ومسلم (2438) كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة رضي الله عنها، من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: =
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 7)