ويقال: اتخذ لهذا (1) الطائر مَوْقَعةً؛ أي: فتوقعه (2)، والأصمعيُّ لا يعرف الفتح.
ويقال: الولدُ مَبخلةٌ مَجبنة مَسفهة.
* * *
* الوجه الخامس: في شيء من المعاني، وفيه مسائل:
الأولى: لما وجب حملُ الطهارة على المعنى اللغوي، وهو النظافة، وذلك أمر محسوس، وجب أن تُطلبَ الفائدة في الإخبار عنه، فتحتملُ وجوهًا:
أحدها: أن النظافة لمَّا كانت صفةً مطلوبة عند النفوس الشريفة، والطباع الكريمة، كان ذكرُ كونه نظافة منبِّهًا للنفس على جهة تَبعثُها على الفعل طبعًا.
وثانيها: أن النظافةَ وحسنَ الهيئة لما كانت مطلوبةً شرعًا؛ كما هي مطلوبة طبعًا؛ "بُني الدينُ على النظافةِ" (3)، "عشر من الفطرةِ … " (4)،--------------------------------------------
(1) في الأصل: "هذا".
(2) في الأصل: "متوقعه".
(3) قال الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (1/ 124): لم أجده هكذا، وفي "الضعفاء" لابن حبان (3/ 57) من حديث عائشة: "تنظفوا فإن الإسلام نظيف"، وللطبراني في "الأوسط" (7311) بسند ضعيف جدًا من حديث ابن مسعود: "النظافة تدعو إلى الإيمان".
(4) سيأتي تخريجه مفصلًا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 28)
"إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ" (1)، إلى غير ذلك من الأمر بتجنبِ النجاسات، وتبرئة الأماكن الشريفة عن المُستَقْذَرات، كان ذكر ذلك تنبيها على الطلب الشرعي؛ كما ذكرنا في الأول التنبيهَ على الطبعي.
وثالثها: أن يكون هذا من جنس ما قيل في قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72]: إن الحفدةَ الخَدَمَةُ، وهم البنون بعينهم؛ أي: ليسوا بنين فقط، بل بنين وحفدة معًا، فالمقصود الإخبار عن المجموع، فكذلك نقول هاهنا: المقصود الإخبار عن الوصف بالأمرين معًا؛ أي: ليس مطهرة للفم فقط كما تعلمون ذلك حسًّا، بل هو مع ذلك مرضاة للرب.
ورابعًا: أن تكونَ الفائدةُ [في] (2) قِرانِ كونه مرضاة للرب بكونه مطهرة للفم حِسًّا، وما هو متعلقُ الحس فهو معلوم التحقق ضرورة، فكذلك كونه مرضاة للرب في التحقق، وهذا ينشأ من القِران، وإذا كان قوم من الفقهاء جعلوا القِران في الذكر دليلًا على الاستواء في الحكم، فما ظنك بهذا الذي نحن فيه؟
وهذا عندي مما يمكن في قوله عليه السلام: "للصَّائمِ فَرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِه، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ" (3)، فذكروا تأويلات؛--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (91)، كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2) زيادة من "ت".
(3) رواه مسلم (1151)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 29)
لاستبعادهم التنبيه على فرحة الإفطار؛ لحقارتها عندهم، حتى قال بعضهم: إن فرحته عند فطره بإتمام عبادته، لا بما تناله شهوتُه من الطعام.
فأقول (1): المرادُ ظاهرُه، وهي الفرحة بنيل الطبيعةِ الطعامَ؛ لإثبات فرحته عند ربه وتحقيقها عند لقائه [في النفس؛ كما في الفرحة بالأمر الطبيعي] (2)، وهذه ثابتة حِسًّا وطبعًا محققة عند النفس.
الثانية: في قاعدة تنبني عليها غيرُها، يجب أن يُعلمَ الفرقُ بين دلالة اللفظ على المعنى وبين احتماله له؛ [فاحتمالُهُ له] (3): أن يكون بحيث إذا عرض [المعنى] (4) على اللفظ لم يَأبَهُ ولم يُنافِرْهُ.
ودلالتُهُ عليه: بأن يتناولَه بأحد الدلالات [الثلاث] (5)؛ فالمطلق بالنسبة إلى المقيد محتملٌ غير دالٍّ، والعامُّ بالنسبة إلى أفراده دالٌّ.
الثالثة: أهل (6) البيان [يقولون] (7): إن التنكير قد يكون للتعظيم، وقد يكون ذلك في مواضعَ لا تحصى من كلام الزمخشري (8)، قيل:--------------------------------------------
(1) في الأصل: "قال فأقول".
(2) في الأصل: "كما في النفس".
(3) زيادة من "ت".
(4) سقط من "ت".
(5) زيادة من "ت".
(6) في الأصل: "كما ذكر أهل"، والمثبت من "ت".
(7) زيادة من "ت".
(8) وذلك في مواضع كثيرة من تفسيره "الكشاف" وغيره.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 30)
ولما في الإبهام من التفخيم حذفوا صلة الموصول بعد قولهم (1): بعد اللتيا واللتي؛ أي: بعد القضية التي لا يبلغ الخبرُ مداها، ولا يحصر الخبر جلاها، وهذا عندي من قبيل المحتمل، لا من قبيل الدال، فيحتاج إلى أمرٍ من خارج وقرائنَ تقتضي الحملَ عليه، وأما عند التجرد من القرائن فليس إلا الاحتمال.
ويُعَدُّ من القرائن في هذا الباب ورودُ النكرة في مقام الوعد والوعيد، والمدح والذم؛ لمناسبة هذه المقامات للتعظيم والتفخيم، وقد يقع ما هو أقوى في الدلالة على هذا كما في قوله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] أي: - والله أعلم - شفاءٌ وأيُّ شفاء؟! لأن الكلامَ في معرِض المدحِ، وحصول مسمَّى الشفاءِ حاصل في أكثر الموجودات، فإن حملناه على أصل المنفعة ففي كل الموجودات منفعة.
وقد يمكن (2) تجريدُ (3) التنكير عن معنى [التعظيم] (4) بأن توجدَ دلالة اللفظ على مجرَّدِ المسمَّى، وعندي أنه يمكن أن يُحمل [على] (5) هذا قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] أعني: أن التنكير في الحياة يُحمل على مُجرَّد المسمَّى، لا على معنى--------------------------------------------
(1) "ت": "في".
(2) في الأصل: "يكون"، والمثبت من "ت".
(3) في الأصل: "تجديد"، والمثبت من "ت".
(4) زيادة من "ت".
(5) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 31)
التعظيم؛ لأنه ليس كل أحد يحرص على مسمَّى (1) الحياة، حتى الحياة المنغصة بالآلامِ، والذل، والهوان، وفقدِ الأحباب، والبلايا التي يتمنَّى لها كثيرٌ من الناس الموت، وكذلك الحياةُ القصيرةُ المدَّةِ قد لا يرغبُ فيها كل الناس لقلة الفائدة، وقد لمَحَ هذا المعنى مَن قصدَ التزهُّد في طول الحياة بقوله [من الخفيف]:
إن عُمرًا (2) يكونُ آخرُهُ المو … تُ سواءٌ كثيرُهُ والقليلُ (3)
وقال الله العظيم في كتابه المجيد (4): {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205 - 207] تزهيدًا (5) في الحرص على التمتيع (6) الذي يُفضي آخرُه إلى العذاب.
فعلى هذا: إذا كانوا (7) أحرص الناس على ما ينطلق عليه مسمى--------------------------------------------
(1) "ت": "معنى".
(2) "ت": "عيشًا".
(3) روى ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" (ص: 212) عن إسحاق بن السري قال: دخلنا على عبد الله بن يعقوب في اليوم الذي مات فيه، وعنده متطبب ينعت له دواء، فقال عبد الله متمثلًا:
إن عيشًا يكون آخره الموت … لعيش معجل التنغيص
(4) "ت": "العظيم".
(5) في الأصل: "تزهيد"، والمثبت من "ت".
(6) "ت": "التمتع".
(7) "ت": "كان" بدل "إذا كانوا".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 32)
الحياة، كان أبلغ (1) في ذمهم، بخلاف ما إذا حُمِل على معنى التنكير، أو بعض الصفات الخاصة.
فإن قلت: فإذا كان عندك أن دلالةَ التنكير على التعظيم من باب الاحتمال، لا من باب الدلالة، ويحتاج الحمل فيه إلى قرينة دالة، لَزِمَك أن تنكر (2) المزايا التي يذكرها أهلُ البيان في كثير من الكلام الذي لا تدل القرينة على الحمل على التعظيم فيه، وقد استعملوا منه كثيرًا.
قلت: إن ألزمْتني إنكارَ خصوص الدلالة على التعظيم عند عدم القرينة، فكذلك أقول، وإن ألزمتني إنكارَ أصلِ المزيَّة وسلبَ مطلقِ الحسن، فلا يلزمني ذلك؛ لأن العدولَ عما لا يحتمل [المحاسنَ إلى ما يحتملُ المحاسنَ] (3) من المحاسن، ثم [إن] (4) القرائن قد تخفى عن بعض الناس، وتظهر لبعضهم، وقد تقوى في نفس بعض الناس، وتضعف في نفس بعض، فيرِدُ كثيرٌ مما ذكروه لتنبيه الأنفس على معنى قد يخفى على الناظر، فإذا انتبهت النفسُ لذلك، حصل النظرُ في رتبتها.
فإن قلت: فما الذي جلب لكل هذا الكلام، وما وجهُ تعلقه بهذا الحديث؟--------------------------------------------
(1) في الأصل: "أدخل"، والمثبت من "ت".
(2) "ت": "تذكر".
(3) زيادة من "ت".
(4) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 33)
قلت: جَلَبَهُ التنكير في قوله عليه السلام: "مطهرةٌ للفمِ، مرضاةٌ للربِّ".
فإن قلت: فهل يتعلق بالنظر في ذلك فائدة حكمية أو شرعية؟
قلت: نعم، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى - في وجه المباحث والفوائد (1).
* * *
* الوجه السادس: في المباحث والفوائد (2)، وفيه مسائل:
الأولى: اختلف المتكلمون في الرِّضا؛ هل هو بمعنى الإرادة أو أخصُّ منها؟ (3)--------------------------------------------
(1) "ت": "الفوائد والمباحث".
(2) "ت": "الفوائد والمباحث".
(3) قال الإمام أبو الحسن الأشعري في المشهور عنه، وأكثر أصحابه، وطائفة ممن يوافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد: إن المشيئة والإرادة والمحبة والرضا نوع واحد، وجعلوا المحبة والرضا والغضب بمعنى الإرادة.
وأما الجمهور من جميع الطوائف وكثير من أصحاب الأشعري وغيرهم: فيفرقون بين الإرادة وبين المحبة والرضا فيقولون: إنه وإن كان يريد المعاصي فهو لا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها، وهؤلاء يفرقون بين مشيئة الله وبين محبته، وهذا قول السلف قاطبة.
وقد ذكر أبو المعالي الجويني: أن هذا قول القدماء من أهل السنة، وأن الأشعري خالفهم، فجعل الإرادة هي المحبة. وانظر: "المنهاج" لشيخ الإسلام أبي العباس (3/ 14).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 34)
فإذا قلنا: إنه أخصُّ، فكلُّ مرضيٍّ مرادٌ، وليس كلُّ مرادٍ مرضيًّا، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] على مذهب الأشعرية في إرادة جميع الكائنات؛ لأنه إذا كان أخصَّ لم يلزم من نفيه نفيُ الأعم، ويكون الرضا يعطي معنى القَبول والثواب وما أشبهه، ولا يقتضي ذلك الإرادة.
ومن يقول: إن الرضا بمعنى الإرادة، يحتاج أن يؤؤَّل الآية، فيقول: لا يريده مأمورًا به، أو مثابًا عليه، أو ما يشبه هذا.
الثانية: قد يستدل به من يقول: إنَّ الرضا أخصُّ؛ لأنه لو كان بمعنى الإرادة لم يكن لتخصيص السواك بكونه مرادًا دون غيره من الواقعات فائدة، والسياق لمعنى الترغيب فيه، ولا يناسبه (1) إلا معنى الثواب والقَبول وشبههما.
الثالثة: هو دال على كون السواك أمرًا مطلوبًا؛ ليكون أعمَّ من طلبه واجبًا أو ندبًا، فلا يكون فيه دلالة على أحد الوجهين بعينه؛ لأن الدال على القدر المشترك لا يدل على أحد الخاصَّين بعينه.
الرابعة: من يقول: إن (2) الرضا أخصُّ من الإرادة، فالدلالة على ذلك من الحديث ظاهرةٌ، ومن يقول: إنه بمعنى الإرادة، يُقدِّر فيه مُضْمَرًا بأن يقول مثلًا: مرادًا للرب مثابًا عليه [ومقبولًا] (3)، أو--------------------------------------------
(1) "ت": "يناسب".
(2) "ت": "فإن".
(3) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 35)
ما قارب ذلك؛ ليكون له في تخصيص السواك بذلك فائدة الترغيب في السواك.
الخامسة: المشهور من المذاهب أن السواكَ ليس بواجب في حال من الأحوال؛ لا في الصلاة، ولا في غيرها.
وذكر غيرُ واحد عن داود: أنه واجب؛ ذكره الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والماورديّ الشافعيان، والقاضي عبد الوهاب المالكي.
وذكر الماورديّ عن داود: أنه عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته.
وحُكي عن إسحاق (1) بن راهويه: أنه قال: هو واجب، إن تركه عمدًا بطلت صلاته (2).
وقد نُقل عدم الوجوب عن داود، وأن مذهبه: أنه سنة كقول الجماعة، والذي يقرب هذا الإنكار أن أبا الحسن بن المُغَلِّس ذكر في "ديوانه" الذي صنفه على مسائل كتاب المزني (3).
قال الشيخ أبو زكريا النووي: ولو صحَّ إيجابه عن داودَ لم تضرَّ--------------------------------------------
(1) في الأصل: "الشيخ"، والمثبت من "ت".
(2) انظر: "شرح مسلم" للنووي (3/ 142).
(3) لم يذكر المؤلف ما ذكر أبو الحسن، لكنه استطرد فذكر كلام النووي، وعلق عليه، وقد ترك في "ت" بياضًا قليلًا يدل على وجود تتمة لكلام المؤلف، والظاهر أن البياض فيه نقل عدم وجوب السواك في كلام أبي الحسن عن داود الظاهري.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 36)
مخالفتُهُ في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون [و] (1) الأكثرون (2).
قلت: إن أراد بذلك أنَّ مخالفةَ الواحد لا تقدحُ (3) في الإجماع، فليس هذا هو المختار في الأصول؛ لا نقلًا ولا دليلًا، وإن أراد - وهو الأقرب - أن يكون مراده: أن داود لا يُعتبر خلافه، فهذا قول قاله بعض الاكابر في الظاهرية، وأنهم لا يعتبرون في الإجماع.
والذي أراه أنَّ تلك الشناعاتِ والقبائحَ غيرُ معتدًّ بها، وليس يلزم من عدمِ الاعتداد بالقول المخصوص عدمُ الاعتداد بالقائل مطلقًا، وليس يخلو مذهب من المذاهب عن بعض ما يشنع به مخالفوه على أهله.
وقد ذكر الشافعية أحكامًا قالوا: إنه ينقض فيها حكم الحنفي (4)؛ إما وفاقًا، أو خلافًا، وذكر غيرهم نقضَ بعض أحكامهم، مع الاتفاق بينَهم على أن القائلين بتلك الأحكام من المجتهدين غيرُ مسلوبين أهليةَ الاجتهاد.
وأما إسحاق فلم يصحَّ (5) هذا المحكي عنه، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) زيادة من "ت".
(2) انظر: "شرح مسلم" للنووي (3/ 142).
(3) في الأصل: "يقدح"، والصواب ما أثبت.
(4) "ت": "الحنفية".
(5) "ت": "فلعله لا يصح".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 37)
السادسة: في مقدمة: مراتب الاستحباب متفاوتة في التأكيد بين قوة، وتوسط، ودون ذلك، ولبعض الفقهاء اصطلاحٌ في تلقيب بعض [تلك] (1) المراتب بألقاب تبين فيها رتبها: فالمالكية: يُفرِّقون بين السنة، والفضيلة، والمستحبِّ؛ فالسنةُ لقب للمتأكد، والفضيلةُ والمستحب لما دونه.
وذكر بعض المتأخرين منهم (2) ضابطًا في ذلك فقال: ما واظب عليه الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - مُظهرًا له في جماعة، فهو سنة.
وما واظب عليه غيرَ مظهر [له في جماعة] (3)، ففيه خلاف (4).
وهذا إن كان مُجرَّد اصطلاح، فالأمر قريب؛ لأن من قال: لا أسمي سنة إلا ما كان كذا، فقد أخبر عن اصطلاحه وإرادته،--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) هو ابن بشير، كما نقله الحطاب في "مواهب الجليل" (1/ 40).
(3) زيادة من "ت".
(4) عبارة ابن بشير كما نقلها الحطاب في "مواهب الجليل" (1/ 40): ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم مظهرًا له، فهو سنة بلا خلاف.
وما نبَّه عليه وأجمله في أفعال، فهو مستحب.
وما واظب على فعله في أكثر الأوقات وتركه في بعضها، فهو فضيلة، ويسمى رغيبة.
وما واظب على فعله غير مظهر له ففيه قولان: أحدهما: تسميته سنة التفاتًا إلى المواظبة، والثاني: تسميته فضيلة؛ التفاتًا إلى ترك إظهاره كركعتي الفجر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 38)
فلا يُنازَعُ، وإن كان راجعًا إلى أمر يرجِعُ إلى الشرع، فالتأكد لا يختص بما حصلت المواظبة عليه مع الإظهار، فإن دلائل التأكد أعمُّ من ذلك، نعم، هذا من جملة دلائل التأكد، أما أنه محصور فيه، فلا (1).
السابعة: ذكر بعضُ مصنِّفي الحنابلة: أنه اتفق أهل العلم (2) على: أنَّهُ - يعني: [أن] (3) السواك - سنةٌ مؤكدة؛ لحثِّ النبي صلى الله عليه وسلم ومواظبته عليه، وترغيبه (4) فيه، وندبه إليه، وتسميته إياه من الفطرة؛ كما أوردنا من الحديث (5). وذكر غيره ذلك من الحديث.
والمالكيةُ يذكره (6) بعضُ مصنفيهم من فضائل الوضوء، ولم يعدُّوه من سننه (7)، ولو كان في درجة السنة لكان عند الوضوء آكدَ استحبابًا (8).
الثامنة: ذكر بعضهم هذا الحديث في الاستدلال على أن السواك واجب، وقال: في تركه إسخاط الرب، [وإسخاط الرب] (9) حرام، فدل على أن تركَه حرامٌ.--------------------------------------------
(1) ذكر المؤلف في "شرح عمدة الأحكام" (1/ 174) نحوًا مما قاله هنا.
(2) في الأصل: "علم"، والمثبت من "ت".
(3) سقط من "ت".
(4) في الأصل و "ت": "ورغبته".
(5) انظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 69).
(6) "ت": "ذكره"، والضمير يعود على السواك.
(7) "ت": "سنته".
(8) انظر: "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 263).
(9) زيادة من "ت"، وقد ألحقت على هامش الأصل إلا أنها مطموسة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 39)
وأجاب عنه الشيخ أبو حامد الإسفراييني بأنه يقال: ليس كلُّ ما كان فيه مرضاةُ الربِّ (1) يكون في تركه مسخطةٌ [للرب] (2)، ألا ترى أن الصلاةَ النافلة والصومَ النافلة مرضاةٌ، وليس في تركِهما مسخطةٌ؟!
* * *--------------------------------------------
(1) "ت": "للرب".
(2) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 40)
الحديث الثاني
وأخرجَ مسلمٌ من حديث المِقْدامِ - وهو ابن شُريحِ -، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا دَخَلَ بيتَهُ يَبْدَأُ (1) بالسِّوَاكِ (2).--------------------------------------------
(1) كذا في النسختين "م" و "ت": "يبدأ"، وكذا في نسخة ابن عبد الهادي الخطية لكتاب "الإلمام" (ق 4 / ب)، وفي مطبوعة "الإلمام" (1/ 58).
والذي في "صحيح مسلم" وكذا "الإمام" (1/ 338): "بدأ" بالماضي.
(2) * تخريج الحديث:
رواه مسلم (253/ 44)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، من طريق سفيان، عن المقدام بن شريح، به، والسياق له.
ورواه مسلم (253/ 43)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، وأبو داود (51)، كتاب: الطهارة، باب: في الرجل يستاك بسواك غيره، والنسائي (8)، كتاب: الطهارة، باب: السواك في كل حين، من طريق مسعر، عن المقدام بن شريح، به.
ورواه ابن ماجه (290)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، من طريق شريك، عن المقدام، به.
قال ابن منده بعد إخراجه: "هذا إسناد مجمع على صحته من حديث جماعة، عن مسعر، والثوري، وغيره". كذا نقله المؤلف في "الإمام" (1/ 338).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 41)
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
قال محمد بن سعد في "الطبقات": شُرَيحُ بن هانئ بن يزيد بن [نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب بن] (1) الحارث بن كعب، روى (2) عن عمر، وعن سعد (3) بن أبي وقاص، وعائشة.
قال محمد بن سعد: أنبأ (4) أحمد بن عبد الله بن يونس (5)، عن زهير، عن الحسن بن الحرِّ، عن القاسم بن مُخَيمرة: حدثني شُرَيْح بن هانئ الحارثيّ (6)، وما رأيت حارثيًا أفضلَ منه.
قال ابن سعد: قالوا: كان شريح من أصحاب عليِّ بن أبي طالب، وشهد معه المشاهدَ، وكان ثقةً، وكان كبيرًا، وقُتِل بسجستان مع عبيد الله بن أبي بكرة (7).--------------------------------------------
(1) سقط من "م" و "ت"، والمثبت من "الطبقات الكبرى" لابن سعد. وقد أثبت في هامش "ت" بياضًا ليدل على وجود سقط.
(2) في الأصل: "وروى"، والمثبت من "ت".
(3) في المطبوع من "الطبقات الكبرى": "وعلي".
(4) "ت": "أخبرنا".
(5) في الأصل و "ت": "سواس"، والتصويب من مطبوعة "الطبقات الكبرى".
(6) في الأصل: "الحارث"، والمثبت من "ت".
(7) * مصادر الترجمة:
"الطبقات الكبرى" لابن سعد (6/ 128)، "الجرح والتعديل" لابن =
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 42)
والمقدام بن شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، سمع أباه، روى عنه عبدُ الملك بن أبي سليمانَ، والأعمشُ، والثوريُّ، ومِسْعَرُ، وشعبةُ، وشَرِيك، وابنُه يزيدُ بن المقدام، وقيسُ بن الربيع.
قال أحمد بن حنبل: ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، وروى له الجماعة إلا البخاري (1).
قلت: وشريح بن هانئ ممن انفرد مسلم بإخراج حديثه عن البخاريّ، وكذا ابنه المقدام.
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وهو حديث انفرد به مسلم عن البخاري، ورواه من حديث مِسْعَر وسفيان معًا، عن المقدام.
وهذه الرواية التي في الأصل هي لفظ رواية سفيان عن المقدام.--------------------------------------------
= أبي حاتم (4/ 333)، "تاريخ دمشق" لابن عساكر (23/ 64)، "تهذيب الكمال" للمزي (12/ 452)، "الإصابة في تمييز الصحابة" (3/ 382)، "تهذيب التهذيب" كلاهما لابن حجر (4/ 290).
(1) * مصادر الترجمة:
"التاريخ الكبير" للبخاري (7/ 430)، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (8/ 302)، "الثقات" لابن حبان (7/ 504)، "تهذيب الكمال" للمزي (28/ 457)، "تهذيب التهذيب" لابن حجر (10/ 255).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 43)
وأما رواية مسعر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، فلفظها: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها قلت: بأيِّ شيءٍ كانَ يبدأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم[إذا دخل بيته]؟ قالت: بالسواك (1).
* * *
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته:
قال الجوهري: و (أيُّ): اسم معرب يُستفهم [به] (2) ويُجازى فيمن يعقل وفيمن لا يعقل، [تقول] (3): أيُّهم أخوك، وأيُّهم يكرمْني أُكرِمْه، وهو معرفة للإضافة، وقد تُترَك الإضافةُ وفيه معناها.
وقد يكون بمنزلة (الذي) (4) فيحتاج إلى صلة، تقول (5): أيُّهم في الدار أخوك.
وقد يكون نعتًا، تقول: مررت برجل أيِّ رجل، وأيِّما رجل، ومررت بامرأةٍ [أيَّةِ امرأة]، وبامرأتين أيَّتِما امرأتين، وهذه امرأة أيَّةُ امرأة، وأيَّتُما امرأتين (6)، وما زائدة.
وتقول [في المعرفة]: هذا زيدٌ أيَّما رجل، فتنصب أيًّا على الحال، وهذه أَمَةُ الله أيَّتَما جاريةٍ.--------------------------------------------
(1) تقدم الكلام عن طرقه في تخريج الحديث.
(2) زيادة من "ت".
(3) زيادة من "ت".
(4) "ت": "التي".
(5) "ت": "فتقول".
(6) "ت": "امرأة".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 44)
وتقول: أيُّ امرأة جاءتك [وجاءك، وأية امرأة جاءتك] (1)، ومررت بجارية أيِّ جارية، وجئتك بمُلَاءة أيِّ ملاءة، وأيَّة مُلاءة، كلٌّ جائز، قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
و (أيٌّ) قد يُتعجب بها، قال جميل [من الطويل]:
بُثَيْنَ الزمِي (لا)، إنَّ [(لا) إنْ] (2) لَزِمْتِهِ … على كَثرةِ الواشينَ أيُّ مُعينِ (3)
قال: ولا يعمل فيه ما قبله؛ كقوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} [الكهف: 12] (4).
* * *
* الوجه الرابع: في [ذكر] (5) شيء من العربية:
ذكر الجوهري عن الفراء: أن (أيًّا) يعمل (6) فيه ما بعده، ولا يعمل فيه ما قبله؛ كقوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} [الكهف: 12] فرفع، وقال: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)} [الشعراء: 227]، [فنصبه بما بعده] (7).--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) سقط من "ت".
(3) في المطبوع من "الصحاح": "معون". وقد تقدم تخريج البيت.
(4) انظر: "الصحاح" للجوهري (6/ 2276).
(5) زيادة من "ت".
(6) في الأصل: "تعمل"، والصواب ما أثبت.
(7) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 45)
وأما قول الشاعر (1) [من الوافر]:
تَصِيحُ بنا حَنِيفَةُ إذْ رَأتْنَا … وأيَّ الأرضِ تَذْهَبُ بالصِّيَاح (2)
فإنما (3) نصب لنزع الخافض، يريد: إلى أيِّ الأرض.
قال الكسائي: تقول: لأضرِبَنَّ أيَّهم في الدار، ولا يجوز أن تقول: ضربت أيَّهم في الدار، ففرق بين الواقع و [المتوقَّع] المُنتظَر (4).
* * *
* الوجه الخامس: في المباحث والفوائد، وفيه مسائل:
الأولى: هذا السؤالُ من الراوي لا بدَّ له من فائدة، وأظهرُها طلبُ العلم؛ ليحصلَ التأسي به صلى الله عليه وسلم.
الثانية: لما كانت البدايةُ بالشيء دليلَ الاهتمامِ به، فلعله قصدَ بالسؤال عما يبدأُ به ترتيبَه والعنايةَ به.
الثالثة: إذا كان الظاهر من السؤال هو طلب العلم للاقتداء، ففيه دليلٌ على أنَّ أفعاله صلى الله عليه وسلم كانت عندهم على العموم له وللأمة، [لا] (5)--------------------------------------------
(1) "ت": "قوله" بدل "قول الشاعر".
(2) ذكره ابن السِّكيت في "إصلاح المنطق" (ص: 87)، وابن دريد في "جمهرة اللغة" (3/ 1318)، وابن منظور في "لسان العرب" (14/ 56) دون نسبة.
(3) في الأصل: "فأيما"، والتصويب من "ت".
(4) انظر: "الصحاح" للجوهري (6/ 2276).
(5) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 46)
على الخصوص، إذ لو كان احتمالُ العموم مساويًا لاحتمال الخصوص، لما حصل المقصودُ من الاقتداء الذي ذكرنا أنه فائدةُ السؤال.
الرابعة: فيه من أدبِ طلب العلم أن يُقصدَ في كل علم مَنْ هو أعرفُ به وأرجحُ في المعرفة من غيره؛ كما رجع الصحابة إلى بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم في التقاء الختانين (1)، وفي الإصباح جنبًا في الصوم (2)؛ لأنهنَّ أعرف بذلك (3) وأرجحُ من غيرهن في علمه.
وكذا في هذا السؤال، فإن الدخول في البيت مَظِنَّةُ الاجتماع--------------------------------------------
(1) روى مسلم (349)، كتاب: الحيض، باب: نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، من حديث أبي موسى الأشعري قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فأُذن لي، فقلت لها: يا أماه! أو: يا أم المؤمنين! إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل".
(2) رواه البخاري (1825)، كتاب: الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا، ومسلم (1109)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) "ت": "به".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 47)