الرابعة والعشرون: فيه إشفاقُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أمته، ورفقُه بهم، وحرصُه على التخفيف عنهم، والمراعاة لما يشق عليهم.
الخامسة والعشرون: قد تقدَّم لنا أن السواك ينطلق على الفعل وعلى الآلة، وهو هاهنا محمول على الفعل.
السادسة والعشرون: وتقدم أن المسمى يُكتفى به في تأدية المطلوب، فإن دلَّ [دليل] (1) على استحباب أمر زائد؛ كما استحب الشافعية أن يكون عرضاً (2)، فذاك بأمر من خارج لا من الحديث، إلا أن تحمل الألف واللام على العهد، ويثبت عها في ذلك، ويبعد ثبوت مثل هذا.
وذكر إمامُ الحرمين من الشافعية: يُمِرُّ السواكَ على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على إحدى الجهتين فالعرض أولى.
وذكر غيرُه: أنه يستاك في عرض الأسنان، ولم يذكر طولها (3).
وعلى الجملة فالمأخوذ من الحديث اعتبارُ المسمَّى، وما عدا ذلك يؤخذ من أمر خارج، ولا يتأتَّى ردُّه إلى الحديث إلا بتكلف، وليس يتعذَّر على المتكلفين.
السابعة والعشرون: ومن هذا القَبيل صفة العود الذي يستاك به، واستحباب الشافعية لأنْ يكونَ بيابس قد لُيِّن (4) بالماء دون ما لم يُليَّن،--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) انظر: "المهذب" للشيرازي (1/ 13).
(3) انظر: "المجموع في شرح المهذب" للنووي (1/ 346 - 347).
(4) "ت": "ندي".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 88)
فإنه يقرِّح اللِّثَة، [و] (1) دون الرطب فإنه لا ينقي اللزوجة (2).
والمالكية يقول بعضهم: الأخضر لغير الصائم أحسن (3).
وذلك أيضاً خارجٌ عن اللفظ الذي في الحديث، وليس في الحديث ما يدل على طلب الاستحباب في هذه الكيفيات، وإنما تؤخذ من دلائل أخر، وإنما (4) الذي يقتضيه اللفظُ الاكتفاءُ (5) بالمسمى؛ كما قلنا.
الثامنة والعشرون: هذه الدلائل الخارجة عن اللفظ قد تُعارَضُ بها دَلالةُ اللفظ، ويقال بعدم اعتبارها، إلا أنَّ (6) ما كان من تلك الأدلة قوياً يرجعُ إلى القواعد الشرعية، ويكون في حيِّز المعارض الراجح، فهو مُقدَّم على الإطلاق؛ لأن الإطلاقَ بالنسبة إلى المعارضات والموانع التي لا تقصد باللفظ أضعفُ في الاعتبار من المعارض القوي، والعمل بأقوى الأدلة متعين.
التاسعة والعشرون: فيكون من هذا استياكُ الصائم بما يخاف منه التحلل، والوصول إلى الجوف؛ لأن الاحتياط على الصوم أمرٌ معلوم--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) انظر: "فتح العزيز في شرح الوجيز" للرافعي (1/ 370).
(3) انظر: "المدونة الكبرى" (1/ 201)، و"مواهب الجليل" للحطاب (1/ 265).
(4) "ت": "وأما".
(5) "ت": "في الاكتفاء".
(6) في الأصل: "الألف"، والمثبت من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 89)
في الشرع، قال صلى الله عليه وسلم: "وبالغْ في الاستنشاقِ إلا أن تكونَ صائماً" (1).
ومنه الاستياك بما يُؤذي؛ لأن الاحتراز من المؤذيات من القواعد المعلومة.
الثلاثون: كره بعضُهم الاستياكَ بالريحان والقصب (2)، فعلى هذا إذا ثبت ذلك يكون تقييداً لمطلق الحديث.
الحادية والثلاثون: قال الحافظ أبو عمر: [وٍ] (3) كره جماعةٌ من أهل العلم السواكَ الذي يغير الفم ويصبغه؛ لما فيه من التشبه بزينة النساء.
يعني (4): والسواكُ المندوبُ إليه هو المعروف عند العرب، وفي عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك (5) الأراك، وكل ما يجلو الأسنان، إذا لم يكن فيه صبغ ولون، فهو مثل ذلك، ما خلا الريحانَ والقصبَ فإنهما يُكرهان (6).
قلت: هذا يُشعر بما قدمته من حمل الألف واللام في السواك على العهد، أعني: قولَ أبي عمر.--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه مفصلاً في باب الوضوء، وهو من رواية لقيط بن صبرة رضي الله عنه، كما أخرجه النسائي والترمذي وغيرهما.
(2) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (7/ 202).
(3) زيادة من "ت".
(4) كذا في الأصل "ت".
(5) في الأصل و "ت": "وذلك".
(6) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (7/ 201 - 202).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 90)
الثانية والثلاثون: فيه من الاستدلال على عدم وجوب السواك في هذه الحالات ما في قوله عليه السلام: "لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ"، وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللهُ تعالى.
* * *
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 91)
الحديث الرابع
روى مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأَعْرجِ، عن أبي هريرةَ: أن (1) رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْلا أنْ أشقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ" (2).--------------------------------------------
(1) في المطبوع من "الإلمام" (1/ 59)، وكذا النسخة الخطية لكتاب "الإلمام" (ق 4 / بـ) بخط ابن عبد الهادي: "قال" بدل "أن".
(2) * تخريج الحديث:
رواه البخاري (847)، كتاب الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة، والنسائي (7)؛ كتاب: الطهارة، باب: الرخصة في السواك بالعشي للصائم، من طريق الإمام مالك، به.
وقد رواه الإمام مالك في "الموطأ" (1/ 66) إلا أنه لم يزد عليه قوله: "عند كل صلاة".
قال ابن منده: هذا حديث مجمع على صحته من هذا الوجه.
ورواه مسلم (252)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، من طريق سفيان، عن أبي الزناد، به.
قال ابن منده: هذا الحديث مجمع على صحته، ورواه جماعة عن أبي الزناد.
قلت: وللحديث طرق أخرى كثيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وله روايات أخرى عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنه، وسيأتي تخريج بعضها. وانظر: "الإمام" للمؤلف (1/ 357) وما بعدها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 93)
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف بمن ذكر فيه:
أما أبو الزناد: فقال أبو عمر الحافظ: أبو الزناد لقب غَلَب عليه، وكنيته أبو عبد الرحمن، لا يختلفون في ذلك، وهو عبد الله بن ذَكْوان، وذكوان أبوه مولى رَمْلة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وكانت رملةُ هذه تحتَ عثمان بن عفان، وقيل: هو مولى عائشة بنت عثمان، [وقيل: مولى عثمان] (1).
ويقال: إنَّ ذكوان أبا أبي الزناد كان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب بولادة (2) [العجم] (3)؛ هكذا قال الواقدي، ومصعب الزبيري، والطبري.
وذكر أبو عمر بإسناده إلى أبي مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله ابن صالح قال: قال أبي (4): أبو الزناد من رهط أبي لؤلؤة، وكانت بينهم قرابة، قال: وكان أحدَ مفتي المدينة.
وروى أيضاً عن مصعب بن عبد الله قال: كان أبو الزناد فقيهَ أهل المدينة، وكان صاحب كتاب وحساب، وكان كاتباً لعبد الحميد بن--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) في الأصل و "ت": "ولادة"، والتصويب من "التمهيد" لابن عبد البر (18/ 5).
(3) سقط من الأصل.
(4) "ت": "لي" بدل "أبي".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 94)
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وكاتباً أيضاً لخالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بالمدينة.
قال: وقدِمَ على هشام بن عبد الملك بحساب ديوان المدينة، فجاء هشاماً مع ابن شهاب، فسأل هشامُ ابنَ شهاب: في أيِّ شهر كان عثمانُ يخرج العطاءَ فيه لأهل المدينة، فقال: لا أدري، قال (1) أبو الزناد: [و] (2) كنا نرى أن ابن شهاب لا يُسأل عن شيء إلا وُجد عنده [علمُه] (3).
قال أبو الزناد: فسألني هشامٌ، فقلت: في المحرَّم، فقال هشام لابن شهاب: يا أبا بكر، هذا علمٌ قد أُفِدْتَه اليوم، قال ابن شهاب: مجلسُ أمير المؤمنين أهلٌ أن يُفاد منه العلمُ.
قال مصعب: وكان أبو الزناد معادياً لربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، وكانا فقيهي أهل المدينة في زمانهما.
قال أبو عمر: وذكر الحلواني في كتاب "المعرفة"، عن ابن أبي مريم، عن الليث، عن عبد ربه بن سعيد قال: رأيت أبا الزناد دخل مسجدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه من الأتباع مثلُ ما مع السلطان؛ من بين سائلٍ عن حديث، وبينِ سائل عن فقه، وبين سائل عن فريضة، وبين سائل عن شعر.
قال: وثنا علي بن المديني [قال] (4): ثنا سفيان بن عيينة قال:--------------------------------------------
(1) "ت": "فقال"
(2) سقط من "ت".
(3) زيادة من "ت".
(4) سقط من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 95)
سألت سفيان الثوري، قلت: كيف (1) رأيتَ أبا (2) الزناد؟ قال: أوَ كان ثَمَّ أمير غيرُه! (3)
وروى أبو عمر بإسناده عن أبي زرعة - وهو: الدمشقي - قال: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: أبو الزناد أعلم من ربيعة، فقلت لأحمد: حديث ربيعةَ كيف هو؟ قال: ثقة، وأبو الزناد أعلم منه.
وروى أيضاً بإسناده عن أحمد بن زهير قال: ثنا سليمان بن أبي شيخ قال: ولَّى عمر بن عبد العزيز أبا الزناد بيتَ مَالِ الكُوفة.
وذكر أيضاً عن أحمد بن زهير قال: حدثني أبي: ثنا ابن عيينة، عن ابن شُبْرُمة (4) قال: كان الشعبي يقول لأبي الزناد: جئت بها زُيوفاً، وتذهبُ بها جياداً.
وقال المدائني: كان خالد بن عبد الملك بن الحارث قد ولَّى أبا الزناد المدينة، فقال علي بن الجون (5) الغطفاني [من الوافر]:
رأيتُ الخيرَ عاشَ لنا فعِشْنَا … وأحياني مكانُ أبي الزنادِ
وسارَ بسيرةِ العُمرينِ فينا … بعدلٍ في الحكومةِ واقتصادِ--------------------------------------------
(1) في الأصل: "كنت"، والتصويب من "ت".
(2) في الأصل: "أبي"، والتصويب من "ت".
(3) في الأصل و "ت": "كأن أميراً غيره"، والمثبت من المطبوع من "التمهيد".
(4) في الأصل: "ابن أبي شبرمة"، والتصويب من "ت".
(5) في الأصل و "ت": "الجعد"، والصواب ما أثبت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 96)
قال الواقدي: سمعتُ مالك بن أنس يقول: كانت لأبي الزناد حلقة على حِدَةٍ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الواقدي: مات أبو الزناد فجأة في مغتسله، ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، سنة ثلاثين ومئة، وهو ابن ست (1) وستين.
[وقيل: توفي أبو الزناد سنةَ إحدى وثلاثين ومئة، وهو ابن أربع وستين] (2).
وقال الطبري: كان أبو الزناد ثقةً، كثيرَ الحديث، فصيحاً، بصيراً بالعربية، كاتباً، حاسباً، فقيهاً، عالماً، عاقلاً، وقد ولي [خراج] (3) المدينة.
قلت: ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة، وذكر ولاءه لرملة بنت شيبة، وقال: أخبرني ابن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن عمرَ بن عبد العزيز ولَّى أبا الزناد خراجَ العراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فقدم الكوفة، وكان حمَّاد بن أبي سليمان صديقاً لأبي الزناد، فكان يأتيه ويحادثه، وشغل أبو الزناد ابنَ أخي حماد بن أبي سليمان في شيء من عمله (4)، فأصاب عشرة آلاف درهم، فأتاه حماد يشكر له.--------------------------------------------
(1) في الأصل "أربع"، والتصويب من "ت".
(2) زيادة من "ت".
(3) زيادة من "ت".
(4) في الأصل و "ت": "علمه"، والتصويب من "الطبقات الكبرى" لابن سعد.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 97)
وقال: أنبأ محمد بن عمر قال: أخبرني من رأى عبد الله بن حسن وداود بن حسن يجلسان إلى أبي الزناد [في] (1) حلقته.
قال: وسألت محمد بن عمر عن السبعة الذين كان أبو الزناد إذا حدث عنهم يقول: حدثني السبعة، فقال: سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، وأبو بكر [بن] (2) عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة ابن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار (3).
وأما الأعرج: فهو عبد الرحمن بن هُرْمُز، [أبو داود المدني.
قال ابن يونس في "تاريخ الغرباء" (4): عبد الرحمن بن--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) زيادة من "ت".
(3) * مصادر الترجمة:
"الطبقات الكبرى" لابن سعد (ص: 318 - القسم المتمم)، "التمهيد" لابن عبد البر (18/ 5).
وانظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (5/ 83)، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (5/ 49)، "الثقات" لابن حبان (7/ 6)، "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص: 45)، "تاريخ دمشق" لابن عساكر (28/ 44)، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 515) "تهذيب الكمال" للمزي (14/ 476)، "سير أعلام النبلاء" (5/ 445)، "تذكرة الحفاظ" كلاهما للذهبي (1/ 134)، "تهذيب التهذيب" لابن حجر (5/ 178)، "طبقات الحفاظ" للسيوطي (ص: 61).
(4) للمحدث والمؤرخ المصري أبي سعيد عبد الرحمن بن أبي الحسن بن يونس بن عبد الأعلى، المعروف بابن يونس والمتوفى سنة (347 هـ) =
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 98)
هرمز] (1) الأعرج، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، يكنى أبا داود، مدني، روى عن أبي هريرة، قدم مصر، وخرج إلى الإسكندرية.
روى عنه جعفرُ بن ربيعة، [وسعيد] (2) بن سويد القتباني (3)، وغير هما.
توفي بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومئة.
وقال محمد بن سعد في "الطبقات": عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ويكنى أبا داود، مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن عبد الله بن بُحَينة، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ.
قال ابن سعد: ثنا محمد بن عمر [قال] (4): ثنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبي سَبُرة، عن عثمان بن عبيد الله بن [أبي] رافع قال: رأيت مَنْ يَقرأ على الأعرج حديثَهُ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: هذا حديثك يا أبا داود؟ قال: نعم، قال: فأقول: حدثني عبد الرحمن،--------------------------------------------
= تاريخان لمصر: أحدهما وهو الأكبر يختص بالمصريين، والآخر وهو صغير يشتمل على ذكر الغرباء الواردين على مصر. وقد ذيلهما أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي، وبنى عليهما. انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (3/ 137).
(1) زيادة من "ت".
(2) زيادة من "ت".
(3) في الأصل: "القتناني"، والتصويب من "ت".
(4) سقط من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 99)
وقد قرأتُ عليك، قال: نعم، قل (1): حدثني عبد الرحمن بن هرمز.
وقال أيضاً: ثنا محمد بن عمر: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وعن عبد الله بن الفضل قالا: خرج عبد الرحمن بن هرمز إلى الإسكندرية، فأقام بها حتى توفي بها سنة سبع عشرة ومئة، وكان ثقة كثير الحديث.
قلت: وقبره إلى الآن معروف بالإسكندرية. وقد اتفق الأئمة أصحاب التصانيف المشهورة الستة على إخراج حديثه في كتبهم (2).
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
اختلف الرواة عن مالك في لفظ حديث أبي الزناد هذا؛ فأما يحيى بن يحيى الأندلسي راوي "الموطأ" عنه فإن لفظ متنه عنده:--------------------------------------------
(1) "ت": "قال".
(2) * مصادر الترجمة:
"الطبقات الكبرى" لابن سعد (ص: 5/ 283)، "التاريخ الكبير" للبخاري (5/ 360)، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (5/ 297)، "الثقات" لابن حبان (5/ 107)، "تاريخ دمشق" لابن عساكر (36/ 23)، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 284) "تهذيب الكمال" للمزي (17/ 476)، "سير أعلام النبلاء" (5/ 69)، "تذكرة الحفاظ" كلاهما للذهبي (1/ 79)، "تهذيب التهذيب" لابن حجر (6/ 260)، "طبقات الحفاظ" للسيوطي (ص: 45).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 100)
"لَولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسواكِ"، ولم يزد على ذلك قولَه: "عندَ كلّ صلاة" (1).
قال أبو عمر عقب (2) إيراده هذا الحديث: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: "لولا أن أَشُقَّ على أمتي"، لم يزد، وتابعه جماعة من رواة الموطأ على ذلك.
وقال بعضُهم فيه: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي، أو على النَّاس"، وقال فيه آخرون عن مالك: "لولا أن أشق على المؤمنين - أو على الناس - لأمرتهم بالسّواك"؛ قاله القَعْنَبِيّ، وعبد الله بن يوسف، وأيوب بن صالح.
وقال فيه قتيبة: "عند كل صلاة"، ولم يقل: "على الناس".
كلُّ هذا قد رُوي عن مالك في حديث أبي الزناد.
ثم أخرج أبو عمر بسنده إلى أيوب بن صالح، ومالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي - أو على الناس (3) - لأمرتهم بالسواك".
قال: وقال ابن عيينة في هذا الحديث، عن أبي الزناد، [عن الأعرج]، (4)، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بتأخيرِ العشاءِ، والسواكِ مع كلِّ صلاةٍ".--------------------------------------------
(1) كما تقدم تخريجه قريباً.
(2) في الأصل: "عقيب"، والتصويب من "ت".
(3) "ت": "المؤمنين" بدل "الناس"، وفي المطبوع من "التمهيد": "لولا أن أشق على الناس أو على المؤمنين".
(4) زيادة من "ت"
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 101)
وقال فيه سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشقَّ على أمتي [لأمرتهم] (1) بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ" (2).
قلت: حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، انفرد به البخاري عن مسلم، فرواه في كتاب الصلاة عن عبد الله بن يوسف: أنبأ مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواكِ مع كلِّ صلاةٍ" (3)، وهذا يخالف ما ذكرناه عن أبي عمر أن رواية عبد الله ابن يوسف: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين - أو على الناس - لأمرتُهم بالسواكِ".
ورواية قتيبة بن سعيد عن مالك، أخرجها النسائي عنه بالسند المذكور: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أنْ أشقَّ على المؤمنين (4) لأمرتهم بالسواكِ [عندَ كلِّ صلاةٍ] (5) "؛ [هكذا عندنا في "السنن".
ورواها - الغافقي عن حمزة بن محمد الكناني، عن أحمد بن شعيب، وهو النسائي، عن قتيبة، عن مالك بالسند المذكور؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) زيادة من "ت".
(2) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (18/ 299 - 300).
(3) وتقدم تخريجه قريباً.
(4) "ت": "الناس" بدل "المؤمنين" وفي المطبوع من "سنن النسائي": "على أمتي".
(5) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 102)
قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنينَ لأمرتُهم بالسواكِ" (1)] (2).
قال الغافقي: وفي رواية أبي مصعب، وابن بُكَير: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي، أو على الناس"، وفي رواية ابن القاسم، وابن عُفير: "على أمتي، أو على الناس"، وفي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي: "على أمتي"، وليس [هذا] (3) عند القعنبي.
قلت: ظاهر قوله: إنَّ هذا الحديث ليس عند القعنبي، وقد ذكر أبو عمر ما قدمنا حكايتَه عن القعنبي فيما رواه عن مالك.
وأما رواية سفيان التي ذكرها أبو عمر فإن مسلماً أخرجَها في "صحيحه"، عن قتيبة بن سعيد، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب قالوا (4): ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين (وفي حديث زهير: على أمتي) لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاة" (5).
ورواها أبو داود في "سننه" عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك عند كل صلاة" (6).--------------------------------------------
(1) كذا رواه النسائي في "السنن الكبرى" (6).
(2) زيادة من "ت".
(3) زيادة من "ت".
(4) في الأصل و "ت": "قال".
(5) تقدم تخريجه قريباً برقم (252) عنده.
(6) رواه أبو داود (46)، كتاب: الطهارة، باب: السواك. ورواه ابن ماجه =
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 103)
وروى الترمذي من حديث زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلّ صلاة … " الحديث، [وقال] (1): هذا حديث حسن [صحيح] (2) (3).
* * *
* الوجه الثالث: في المفردات:
وقد تقدمت في الحديث قبله.
* * *
* الوجه الرابع:
من روى: "لولا أنْ أشقَّ على المؤمنينَ" فصفةُ الإيمان مناسبة للتخفيف، ومن روى: "على أمتي" فهي (4) أَدْخَلُ في هذا الباب، لأن أمته محمولةٌ هاهنا على المؤمنين، ففيها ما في رواية المؤمنين وزيادةٌ تُوجبها الإضافةُ المقتضية للاختصاص به صلى الله عليه وسلم المناسبةُ للتخفيف.
* * *
* الوجه الخامس: في المباحث والفوائد:
وقد اشترك هذا الحديث مع الذي قبله في كثير منها، والذي--------------------------------------------
= (690)، كتاب: الصلاة، باب: وقت صلاة العشاء، من طريق هشام بن عمار، عن سفيان، به.
(1) سقط من "ت".
(2) سقط من "ت".
(3) رواه الترمذي (23)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في السواك. وكذا أبو داود (47)، كتاب: الطهارة، باب: السواك.
(4) "ت": "فهو".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 104)
نذكره في هذا مسائل:
الأولى: يدلُّ على استحباب السواك عند كل صلاة، وهي إحدى الأماكن التي يُسْتَحب فيها السواك، ووجهُ الدليل منه كوجه الدليل من الذي قبله، وهو أنه يدل على أنّ المقتضيَ للأمر به عند كل صلاة موجودٌ، وإنما تُرك لأجل المشقة، وذلك كافٍ في الدلالة على الاستحباب.
الثانية: [و] (1) يدل على استحباب مطلق السواك كما تقدم.
الثالثة: علة هذا الأمر بتطييب الأفواه لقراءة القرآن والمناجاة في الصلاة، وقد ورد ما يقتضي أن ذلك لأجل المَلَك (2).--------------------------------------------
(1) زيادة من "ت".
(2) روى البزار في "مسنده" (603) من حديث علي رضي الله عنه أنه أمر بالسواك، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي، قام الملك خلفه فتسمع لقراءته فيدنو منه، أو كلمة نحوها، حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن". قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي رضي الله عنه بإسناد أحسن من هذا الإسناد، وقد رواه غير واحد عن علي موقوفاً. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (1/ 102): رواه البراز بإسناد لا بأس به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 99): رجاله ثقات.
قلت: رواه عبد الرزاق في "المصنف" (4184)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 38)، وفي "شعب الإيمان" (2116)، والضياء المقدسي في "المختارة" (2/ 197)، عن علي رضي الله عنه موقوفاً.
وذكر المنذري في"الترغيب والترهيب" (1/ 102): أن الموقوف أشبه. =
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 105)
الرابعة: استُدلَّ به في أصول الفقه على أن الأمر للوجوب، ووجه الدليل منه: أن كلمة (لولا) كما ذكرنا تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، فدلَّ (1) على انتفاء الأمر لوجود المشقة، ولو كان الأمر للندب لم ينتفِ لأجل المشقة؛ لأنَّ الاستحباب ثابت، فالأمر الدال عليه ثابت على ذلك التقدير، لكنه منتفٍ لمقتضى لفظة (لولا)، والمنتفي هو الوجوب، فالأمر الدال على الوجوب منتفٍ، فالأمر للوجوب، واعتُرِضَ عليه من وجهين:
أحدهما: تقريرُه: أنَّ ذلك إنما يصح على تقدير أن يكون استحباب السواك عند كل صلاة ثابتاً عند تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، ولا نسلمه؛ لجواز أن يكون الندبُ ثابتاً بعد ذلك، فلا يلزم ما ذكرتموه من انتفاء اللازم الذي ادَّعيتموه، وهو أنه لو كان الأمرُ للندب لما انتفى عند وجود المشقة؛ لثبوت الاستحباب، ولكنه منتف بصيغة (لولا)، فنقول: لا نسلِّم أن الاستحبابَ ثابت حينئذٍ.
والوجه الثاني: أن فيه [ما يدل] (2) على أنه أراد بالأمر الوجوبَ،--------------------------------------------
= قلت: جاء الحديث عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً، كما رواه أبو نعيم في "السواك" بإسناد رجاله موثقون، وروى أيضًاَ بإسناد صحيح عن الزهري مرسلاً، نحو حديث علي رضي الله عنه. وانظر: "الإمام" للمؤلف (1/ 371 - 372).
(1) "ت": "فتدل".
(2) سقط من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 106)
بدليل أنه قرر (1) به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب؛ لكونه متحتِّماً، بخلاف المندوب؛ لكونه في محل الخِيَرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الأمر للوجوب لقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الأمر لا يمنع من هذا التأويل (2).
والجواب عن السؤال الأول يظهر مما قدمناه من أن اللفظ بنفسه يدل على وجود المقتضي للأمر لولا المشقة حينئذ، ووجود المقتضي للأمر كاف في الاستحباب، فيكون الاستحباب ثابتاً حينئذ، فإنه لو صُرِّح وقيل: لولا وجود المشقة لوجب السواك عند كل صلاة، [لكان ذلك دالاً على طلب السواك عند كل صلاة] (3)؛ لِما ذكرناه من دلالته على وجود المقتضي، وانتفاء الوجوب بحصول المشقة لا ينافي هذه الدلالة على وجود المقتضي لولا المشقة، فإن المشقة إنما تعارض الوجوب والتحتم.
وعن الثاني: أنَّ المسمى مطلقُ الأمر، أو الأمر المطلق، وكون المشقة دالة على الوجوب لا يمنع من كون المطلق للوجوب، والتقييدُ خلافُ الأصل.--------------------------------------------
(1) "ت": "قرن".
(2) انظر: "المستصفى" للغزالي (ص: 210)، و"المحصول" للرازي (2/ 108 - 109)، و"الإحكام" للآمدي (2/ 166)، و"شرح مختصر ابن الحاجب للأصفهاني" (2/ 19)، و"البحر المحيط" للزركشي (1/ 380).
(3) سقط من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 107)
الخامسة: الذي يقتضي (1) نقلُ الماوردي عن داود بن عليّ: [أن] (2) السواكَ واجبٌ للصلاة.
قال [في صحة الصَّلاة] (3): وقال داود بن عليّ: السواك واجب، لكن لا يقدح تركُه في صحة الصَّلاة.
قال: وقال إسحاق بن راهويه: السواك واجب، فإن تَرَكَه عامدًا بطلت صلاتُه، وإن تَرَكَه ناسياً لم تبطل (4).
قال بُعض الشارحين (5): فيه دليلٌ على أن السواك ليس بواجب، قال الشافعي رحمه الله: لو كان واجبًا لأمرهم به؛ شقَّ، أو لم يشقَّ.
أورده هذا الشارح عقيبَ ذكرِه قولَه صلى الله عليه وسلم: "لولا أنْ أشقَّ على المؤمنينَ - أو على أمتي - لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كل صلاةٍ".
وأقول: لا يتم هذا الاستدلالُ على ما ذكره من أن السواك ليس بواجب مطلقًا، وإنَّما يدل - إن تمَّ - على أنه ليس بواجب عند كل صلاة، ولا يلزم من انتفاءِ وجوبه عند كلِّ صلاة انتفاءُ وجويه مطلقًا؛ لأنَّ نفيَ الخاص لا يلزم منه نفيُ العام، وإنَّما يمكن الاستدلالُ به على نفي الوجوب مطلقًا على رواية يَحْيَى بن يَحْيَى التي لم يزدْ فيها على قوله: "لأمرتُهم بالسواكِ".--------------------------------------------
(1) "ت": "يقتضيه".
(2) زيادة من "ت".
(3) سقط من "ت".
(4) انظر: "الحاوي" للماوردي (1/ 83).
(5) هو الإمام النووي، كما في "شرح مسلم" له (3/ 143).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 108)